الصحافة في روجافا (2)

الإعلام المستقل بين الحرية والسيطرة


تتناول هذه السلسلة المكونة من أربعة أجزاء، والتي يكتبها الباحثان والأكاديميان، الإيطالي أنريكو دي إنجليس، والسوري يزن بدران، بيئة الإعلام في شمال شرق سوريا. وستركز المقالات الثلاث الأولى على تحليل السياق الإعلامي في روجافا، فيما ستُخصص المقالة الرابعة للحديث عن الرقة ومحيطها. هنا مقدمة السلسلة.

05 نيسان 2019

(الصورة مأخوذة من وكالة أنباء هاوار، وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)
انريكو دي انجيليس

باحث مستقل متخصص بالاعلام في العالم العربي. يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة سالرنو، ايطاليا. لديه العديد من المقالات في مجال الاعلام والتواصل في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا بالاضافة إلى كتاب عن الاعلام والنزاعات. هو أحد مؤسسي حكاية ما انحكت وعمل كباحث مستقل مع عدد من المنظمات غير الحكومية. يعمل حاليا كباحث مع مؤسسة Free Press Unlimited ويقيم في برلين.

يزن بدران

باحث دكتوراه في جامعة بروكسل الحرة في بلجيكا وزميل في المجلس البحثي الفلمنكي (فلاندرز). بحثه يتمحور حول المؤسسات الاعلامية الجديدة في العالم العربي بعد ثورات ٢٠١١.

(تنشر هذه السلسة بالتعاون والشراكة مع موقع نوى على أوبن ديموكراسي)

الإعلام المستقل بين الحرية والسيطرة[1]

كما ذكرنا في المقالة الأولى من هذه السلسلة، "الصحافة في روجافا"، ظهرت العديد مما أطلقنا عليه منصات إعلامية "مستقلة" في روجافا بعد عام 2011. معظم هذه الوسائل كانّ صغير الحجم، ربما باستثناء محطة آرتا إف إم التي توسعت لتصبح منظمة تتمتع بحجم وتأثير لافتين من ناحية المحتوى والجمهور. يتولى المجلس الأعلى للإعلام مهمة تسجيل هذه المنصات الإعلامية، التي تملك جميعها مكاتب في الإقليم. ويتنوع المحتوى التي تهتم به هذه المنصات من الثقافة إلى السياسة، مع التركيز بصورة خاصة على تغطية الأخبار المحلية في إقليم روجافا.

تنتج بعض هذه المنظمات مجلات مطبوعة (مثل ويلات وشار) وهناك جهات أخرى تنشر محتواها فقط على شبكة الإنترنت (مثل شبكة آسو). ولكن اختص فضاء الراديو بدور مهم على وجه خاص في ظلّ شحّ التيار الكهربائي والموارد الاقتصادية. فعلى عكس المناطق السورية الأخرى، لا يشكل تركيب أجهزة إرسال الإف إم وصيانتها خطرا  أمنيا، باستثناء عفرين التي تحتلها تركيا. ويبدو أنّ إنشاء محطة إذاعية لا يزال الحل الأقل كلفةً للجهات التي تريد الوصول إلى شريحة واسعة، وخصوصاً الإعلام المستقل. يعتمد الاتصال بالأنترنت في روجافا، كما هو الحال في المناطق الأخرى في شمال سوريا، على مزودي خدمات الإنترنت من العراق وتركيا المجاورتين بصورة رئيسية، ويتم تهريب الأجهزة وتشغيلها من خلال شركات خاصة في روجافا. وهناك أيضاً خدمات الاتصال بالإنترنت عبر الأقمار الصناعية، مثل Tooway المستخدمة على نطاق واسع.

تميل منظمات الإعلام المستقلة إلى تقديم نفسها على أنّها ذات هوية سورية لا هوية كردية قومية (سنستكشف هذا الجانب بمزيد من التعمق في المادة الثالثة من السلسلة). إذ إن استخدامها اللغة العربية في النشر والبث يطغى حتى على اللغة الكردية، مع وجود لغات أخرى في المنطقة يتم النشر والبث بها. يُضاف إلى ذلك أن هذه المنصات وُلِدت في سياق الانتفاضة السورية التي اندلعت عام 2011، وأعطت مساحةً لأصوات هذه الانتفاضة وحركاتها التي نشطت في روجافا في المراحل الأولى.[2]

سياق المشهد

في البداية، كان هناك انطباع بأنّ وسائل الإعلام المستقل في روجافا تستطيع استضافة أصوات تنتقد السلطات، مما سمح لها بممارسة دور رقابي. ولكن صار من الواضح اليوم أنّ الاستفادة من هذه المساحة بالكامل غير ممكنة، على الأقل في الوقت الحالي.

ويعود جزء من المشكلة إلى الواقع السياسي المحض. فوفقاً للكاتب والصحفي والناقد لحزب العمال الكردستاني، هوشنك أوسي، تمتّعت وسائل الإعلام المستقلة في بداية الأمر بقدر وفير من الحرية، فقط بسبب حاجة حزب الاتحاد الديمقراطي (الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني) إلى المزيد من الوقت لتمكين نفسه في الإقليم.[3] كما اكتسبت الإدارة الذاتية التي يقودها الأكراد الكثير من الشعبية والشرعية في أعقاب المعارك التي خاضتها أجنحتها المسلحة ضد داعش،[4] و بسبب نجاحها في تجنيب المنطقة قصف النظام السوري وروسيا، وإن كان تحقيق ذلك قد تطلب اعتماد أساليب مثيرة للجدل. وفي النهاية، عزّزت الانتصارات العسكرية لوحدات حماية الشعب/ وحدات حماية المرأة صورة الإدارة الذاتية بوصفها "المدافع" الوحيد عن كردستان الغربية حتى خارج معاقلهما التقليدية.[5]

وأخيراً، يعتمد مدى قدرة المنظمات الإعلامية على انتقاد السلطات أيضاً على الوضع السياسي الإقليمي. فبعد أن عارضت تركيا استفتاء الاستقلال الكردي في كردستان العراق عام 2017، نزعت وسائل الإعلام أكثر فأكثر نحو بلورة خطاب معادٍ لتركيا ومتماهٍ مع الخطاب القومي الكردي. وقد تفاقم ذلك بعد الهجوم على عفرين في بدايات 2018. وبعبارة أخرى، ينبغي اعتبار المجال الإعلامي عاملاً في سياق الحرب، ويسود في أوقات الحرب خطاب "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". العامل الآخر هو العلاقة بين حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردستاني، الأقرب عادة إلى المعارضة السورية، والذي تجمعه علاقة جيدة بتركيا والحكومة الإقليمية الكردية في العراق. فحين يكون التنازع بين الجانبين أكثر تراخياً، قد تستفيد وسائل الإعلام مما يبدو بيئة أكثر ديمقراطية. أما عندما تتصاعد التوترات فإن كيفية عمل وسائل الإعلام تتأثر بصورة عميقة. عندما شكل أعضاء المجلس الوطني الكردي "مؤتمر تحرير عفرين" برعاية تركيا، على سبيل المثال، نظرت الأحزاب الكردية الأخرى إلى هذه الخطوة على أنها خيانة. أما اليوم، ووفقاً لكثير من الصحفيين المحليين، فإن التوترات بين الأكراد والمجموعات العرقية الأخرى تسمّم المجال العام، وكذلك التوترات بين المجلس الوطني الكردي وحزب الاتحاد الديمقراطي.

تميل منظمات الإعلام المستقلة إلى تقديم نفسها على أنّها ذات هوية سورية لا هوية كردية قومية

تتأثّر وسائل الإعلام المستقلة بشكل عميق بكل هذه الجوانب، بقدر ما تتأثّر أيضا بالشعور السائد بين سكان روجافا بأنهم تحت تهديد دائم. وتدريجياً، يبدو أن الإعلام المستقل يتبنى خطاً تحريرياً أقل انتقاداً، إن لم تكن داعماً بشكل صريح، للمنظومة السياسية الحاكمة في روجافا. ووفقاً لبعض الصحفيين المحليين، لا يعود هذا الدعم أساساً إلى ما تفرضه السلطات بصورة مباشرة، بل هو أقرب إلى قناعات خاصة، والأهم من ذلك هو شعور القائمين على هذه الوسائل الإعلامية بأن أخذ الأمور إلى منحىً آخر لن يكون خياراً شعبياً على الإطلاق في ظل النزاع الذي يلف المنطقة. المثال الأبرز على ذلك، توجه آرتا إف إم مؤخراً إلى استخدام مصطلح "الشهداء" للإشارة إلى مقاتلي وحدات حماية الشعب الذين سقطوا في المعارك ضد داعش أو تركيا. وكما ذكر شيار نيو، مدير المشاريع في آرتا إف إم، أن التصرف بشكل مختلف لن يكون بتاتا خياراً مقبولا شعبياً، وسيجعل الإذاعة هدفاً سهلاً.[6]

خلق توازن مع السلطات الحاكمة؟

يؤكّد الصحفيون الذين قابلناهم أنهم، في ظل الظروف الحالية، يتمتعون بحرية تعبير نسبية. فحزب الاتحاد الديمقراطي لم يقم بإغلاق وسائل الإعلام التي يعتبرها مناوئة له. ويمكن للصحفيين التحرك بحرية في الإقليم وتغطية مجموعة واسعة من القضايا. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للصحفيين من وسائل الإعلام الدولية أو الإقليمية العمل بحرية بشكل عام. لكنهم يقولون أيضاً إن هناك شيئاً من التوتر دائماً مع السلطات الحاكمة، بالإضافة إلى خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها.

تمارس الإدارة الكردية ضغوطاً على وسائل الإعلام المستقلة (أو تلك الي تتبع لأحزاب مناوئة) بطرق عديدة، إحداها نظام التراخيص التي يمنحها المجلس الأعلى للإعلام. فإذا لم يلتزم الصحفي أو الجهة الإعلامية بالقواعد، يمكن ببساطة طردها أو ربما حظرها من العمل في المنطقة. يقول صحفيون مثل بهزاد حمو، الذي يعمل مع وكالة سمارت، أو عبد المجيد أديب، مدير وكالة الأنباء المغلقة الآن آرا نيوز، أنهم واجهوا العديد من الصعوبات لدى محاولة التسجيل في المجلس الأعلى للإعلام أو اتحاد الإعلام الحر.

وفي رده على سؤال حول القيود المفروضة على جهات إعلامية معينة، أجاب الرئيس المشترك للمجلس الأعلى للإعلام، آرشك بارافي، بأن المجلس على علم بتعامل بعض الجهات الإعلامية مع وكالات استخباراتية.[7] كما أوضح تلقي المجلس في بعض الحالات شكاوى من قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، وأيضاً الجيش الروسي، تزعم وجود انتهاك "لحريتهم الشخصية" من قبل صحفيين. تم اتخاذ إجراءات لتصحيح مثل هذه الانتهاكات، وفقاً لبارافي، بيد أنّ الأخير أصرّ على أنّ جميع التدابير اتُخذت ضمن حدود التزامهم باحترام حرية التعبير. وأكد بارافي أيضاً أن المجلس أصدر تراخيص لجهات إعلامية موالية للحكومة، وأخرى مؤيدة للمعارضة لكي تتمكن من العمل في روجافا. وفي رأيه أن ذلك برهان آخر على مدى احترام المجلس الأعلى للإعلام لحرية التعبير والديمقراطية. ويسمح المجلس بالفعل لبعض المنافذ الإعلامية المعارضة (مثل تلفزيون أورينت وسمارت نيوز) وتلك الموالية للحكومة (مثل وكالة أنباء سانا في عفرين أثناء الهجوم التركي) بالعمل في روجافا في أوقات معينة.

تمارس الإدارة الكردية ضغوطاً على وسائل الإعلام المستقلة (أو تلك الي تتبع لأحزاب مناوئة) بطرق عديدة، إحداها نظام التراخيص التي يمنحها المجلس الأعلى للإعلام

يقول الصحفيون المحليون إن من الشائع أيضاً أن تقوم السلطات بالاتصال مباشرة بالمكاتب الإعلامية لإبلاغهم بعدم السماح لهم بتغطية قضية معينة. ووصل الأمر، في بعض الحالات، إلى اعتقال صحفيين. حدث هذا على سبيل المثال لمراسل قناة زاكروس الفضائية، المؤيدة للحزب الديمقراطي الكردستاني في العراق، والذي اعتقلته قوات الأسايش في عام 2017. وأخيراً، ووفقاً لبعض الصحفيين، تقوم مجموعة الشبيبة الثورية (Ciwanen Şoreşger) المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في بعض الأحيان بمهاجمة الصحفيين. على سبيل المثال، قام بعض المسلحين المجهولين بمهاجمة مدير آرتا إف إم وأضرموا النار في مكاتب الإذاعة يوم 26 نيسان 2016. وفي الواقع، وكما وثّقت رابطة الصحفيين السوريين، فإن الهجمات والانتهاكات ضد الصحفيين في روجافا أكثر تواتراً مما قد يتوقع البعض.

(جانب من الحريق الذي تعرضت له محظة آراتا إف إم بتاريخ 26 نيسان 2016، المصدر: موقع باخرة الكورد، والصورة تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

ثمّة مشكلة أخرى ترتبط بوسائل الإعلام المستقلة، هي افتقارها إلى الموارد والخبرات في وجه قوة سياسية وعسكرية تتمتع بتنظيم جيد. وكما يقول مؤسّس شبكة آسو، سردار ملا درويش، وهي شبكة محلية من الصحفيين المحليين: "في الوضع الحالي، لا تنظر كتل المجتمع المدني والمنظمات الإعلامية إلى أنفسهم كبدائل حقيقية ذات مصداقية للسلطات الحاكمة. فالمواجهة المفتوحة ليست خياراً. سيسحبون رخصتك، وستعرّض صحفييك على الأرض إلى الخطر. ومن شأن ذلك أن ينال من تأثيرك وقدرتك على التغطية".[8] علاوة على ذلك، فإن تعقيدات السياق السياسي في روجافا، والاستقطابات العرقية القومية بين العرب والأكراد، وكذلك الاستقطاب الكردي الكردي بين المؤيدين للاتحاد الديمقراطي والآخرين، يجعل الخطاب الإعلامي المعارض درباً محفوفاً بالمخاطر. ويختم درويش كلامه بأنك قد تجد نفسك في النهاية تخدم أحد هذه الأطراف المتناحرة في هذا السياق.

كذلك، فإن نقص الموارد والنضال المستمر لتحقيق الاستقرار المالي يحدّ من تماسك وسائل الإعلام البديلة واتساع وعمق تغطيتها. وبحسب بهزاد حمو، يكتفي الإعلام الأهلي عموماً بالتغطية الروتينية للأحداث في روجافا، دون الخوض في أمور أكثر تحدياً وانتقاداً.[9] إنّ معركة الاستدامة تجعل وضع خطوط تحريرية واضحة وصناعة محتوى نقدي أمراً صعباً. وبالتالي، ووفقاً لحمو، تميل وسائل الإعلام المستقلة لتغطية الأحداث الهامة مثل الهجوم التركي على عفرين بالتماهي مع الشعارات والسرديات التي تروّجها الإدارة الكردية (على سبيل المثال "مقاومة عفرين").

إن نقص الموارد يعني اعتماد وسائل الإعلام البديلة في تغطيتها للأحداث السياسية الوطنية والإقليمية غالباً على وكالات الأنباء الدولية، أو على وسائل الإعلام المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي. وهذا يشمل قضايا ذات أهمية كبيرة لشعب روجافا، مثل العلاقة مع النظام السوري، والعلاقات السياسية بين الأكراد، واعتقال النشطاء السياسيين، ونفوذ حزب العمال الكردستاني، والتوترات مع السكان العرب. كل هذه القضايا السياسية الحساسة، كما يقول حمو، بالكاد تحظى بتغطية متقطعة. يُضيف: "على الإعلام أن يُعدّ المجتمع للتحديات المستقبلية التي سيتعيّن علينا مواجهتها، لكن ليس هذا ما يحصل في الوقت الحالي".

التفاوض على مساحة

يعطي شيار نيو، من آرتا إف إم، وجهة نظر أكثر توازنا. فمن جهة، ثمة بعض الخطوط الحمراء الواضحة جداً، إذ لا يمكن انتقاد أسس النظام السياسي في روجافا علناً بوجه عام؛ ومع ذلك، فإن هوامش الحرية تنفتح بشكل كبير عندما يتوجه النقد إلى كيفية تسيير الإدارة الذاتية والسلطات المحلية للشؤون اليومية. على هذا المستوى، يمكن لوسائل الإعلام المحلية أن تلعب دوراً رقابياً دون أن تعرّض نفسها لضغوط كثيرة.

إن نقص الموارد والنضال المستمر لتحقيق الاستقرار المالي يحدّ من تماسك وسائل الإعلام البديلة واتساع وعمق تغطيتها

بشكل عام، لدى الصحفيين المحليين فكرة واضحة عن الخطوط الحمراء: نقد النظام السياسي بحدّ ذاته غير وارد، والتعبير عن موقف سياسي أكثر توازناً تجاه تركيا أو غيرها من الأعداء خط أحمر أيضاً. كما تخضع بعض المسائل الأمنية أو الموضوعات المتعلقة بالحرب دائماً للتدقيق. ومع ذلك يمكن تغطية قضايا أخرى، بما في ذلك تلك التي تنتقد حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية.

يوضّح سردار ملادرويش أن العاملين في شبكة آسو، يفضّلون التركيز على القضايا الاجتماعية أكثر من السياسية، إذ يمكنك توجيه بعض الانتقادات للإدارة الذاتية عندما يتعلق الأمر بتغطية القضايا المحلية: "في بعض الأحيان، من الممكن حتى محاولة رفع سقف ما يمكن قوله. ولكن يجب أن تحرص على أن تكون تغطيتك قوية ويصعب دحضها: عليك أن تثبت لهم أن مصادرك موثوقة، وأنك لا تملك أي تحيزات سياسية صريحة". بعبارة أخرى، كما يشرح ملا درويش، يجب أن تستخدم خبرتك المهنية درعاً ضد هجمات السياسيين.[10]

(الصحفي سردار ملا درويش، والصورة مأخوذة من موقع رصيف وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

كما يشدّد نيو، من آرتا إف إم، على أهمية تماسك المصادر، والذي يمثّل درعاً يحمي وسائل الإعلام البديلة. يرى نيو أنهم يستطيعون حتى إدانة الهجمات على الصحفيين أو الناشطين وانتهاكات حرية التعبير بين الحين والآخر. ويُضيف: "هذا مهم بشكل خاص بالنسبة لنا، فنحن صحفيون أيضاً. وفي الوقت نفسه يمكننا تغطية قضايا أكثر حساسية مثل هذه فقط إذا توفرت لدينا شهادات صوتية وإفادات". وعن نفس الموضوع، يعلّق مدير آرتا إف إم، سيروان بيركو: "إنهم (أي حزب الاتحاد الديمقراطي) لا يحبوننا. ولكن ما دمنا ننتج صحافة موضوعية وشفافة فلن يكون أمامهم من خيار سوى تحملنا".[11]

يؤكد يازر عثمان، الصحفي في عرب24، أن للإعلام المستقل في روجافا دوره في النهاية، وإن يكن محدداً بالساحة المحلية. ويقول إنّ جمهور هذه الجهات الإعلامية من صلب المجتمع، فهي تناقش القضايا المحلية للمجتمع أو البلدة التي تنتمي إليها. وهناك البعض، مثل Bûyer (وهي صحيفة ومحطة إذاعية)، يعتمدون حتى على عائدات الإعلانات المحلية لتمويل مؤسساتهم. وهم يتمتعون بوصول إلى المسؤولين المحليين في حزب الاتحاد الديمقراطي، وتنحصر وظائفهم الرقابية بقضايا الحكم المحلي والحياة اليومية.[12] الصحفي بيروز بريك، رئيس تحرير مجلة شار، يتفق مع وجهة النظر هذه، إذ يرى بأن دور وسائل الإعلام المستقلة يقتصر على مراقبة المسؤولين المحليين ومقدمي الخدمات ومساءلتهم، فيما الموارد أقل والمساحات أصغر حين يتعلق الأمر بتغطية الأمور السياسية والجيوسياسية الأعم.[13]

تكافح وسائل الإعلام المستقلة قبل كل شيء من أجل البقاء والتكيف باستمرار مع توازنات القوى في الإقليم

أما بهزاد حمو فيقول إنه رغم إنتاج تغطية إعلامية تميل للانتقاد، إلا أنها تفتقر إلى العمق السياسي. ولهذا، عندما ظهرت أنباء عن وفاة طفل بعد سقوطه في أحد الخنادق العسكرية المحفورة من قبل وحدات حماية الشعب، بقيت التغطية الإعلامية سطحية ولم تصل إلى تحميل جهة ما المسؤولية السياسية عن الحادث. ووفقاً لحمو، فإن الضغوط التي تمارسها السلطات المحلية وحدها لا تفسر هذا السلوك من الإعلام المستقل، فهناك مساحة أكبر يمكن أن يتلمّسها الإعلام المستقل من دون الدخول في صدام مباشر مع حزب الاتحاد الديمقراطي وأذرعه.

في الوضع الحالي، تكافح وسائل الإعلام المستقلة قبل كل شيء من أجل البقاء والتكيف باستمرار مع توازنات القوى في الإقليم. يمكن لإتاحة المجال للأصوات الناقدة، حتى وإن اقتصرت على قضايا معينة، أن يحضّر المجال الإعلامي والمجتمع المدني المحلي لمواجهة التحديات المستقبلية في حال تحسنت الظروف. ويمكن أن يكون ذلك فرصة لبعض الجهات الإعلامية لتعزيز خبراتها ومصداقيتها وتأثيرها. وفي الوقت نفسه، من الواضح أن هوامش التعبير في الوقت الحالي مقيدة إلى حد كبير، وأن التجربة السياسية لروجافا لا تزال بعيدة عن النظام الديمقراطي الفاعل الذي يمكن لوسائل الإعلام أن تلعب فيه دوراً رقابياً لائقاً.

المراجع:

[1] تستند هذه المقالة إلى تقرير داخلي جمعه إنريكو دي أنجيليس وأندريا غليوتي ويزن بدران حول أوضاع الإعلام في روجافا في عام 2018.

[2] انظر مثلاً:

Francesco Desoli, “L’avant – et l’après Kobané: défis et opportunités pour les kurdes de Syrie”, Outre-Terre, 3, 2015.

[3] مقابلة سكايب مع هوشنك أوسي، كاتب وصحفي، 10 كانون الأول 2018.

[4] وحدات حماية الشعب (YPG)، ووحدات حماية المرأة (YPJ).

[5] كردستان أو كردستان العظمى هي رؤية تشمل جميع المناطق التي يقطنها الأكراد في تركيا (كردستان الشمالية) وشمال العراق (الجنوبية) وشمال غرب إيران (الشرقية) وشمال سوريا (الغربية).

[6] مقابلة سكايب مع شيار نيو، مدير المشاريع في آرتا إف إم، 12 كانون الأول 2018.

[7] مقابلة سكايب مع آرشك بارافي، الرئيس المشترك للمجلس الأعلى للإعلام، 12 آذار 2018.

[8] مقابلة سكايب مع سردار ملادرويش، مؤسس شبكة آسو، 17 كانون الأول 2018.

[9] مقابلة سكايب مع سردار ملادرويش، مؤسس شبكة آسو، 17 كانون الأول 2018.

[10] مقابلة سكايب مع سردار ملادرويش، مؤسس شبكة آسو، 17 كانون الأول 2018.

[11] مقابلة سكايب مع سيروان بيركو، مدير آرتا إف إم، 22 تشرين الثاني 2015.

[12] مقابلة سكايب مع يازر عثمان، صحفي مع عرب24 ومحلل في مجموعة الأزمات الدولية، 2 كانون الأول 2018.

[13] بيروز بيريك، رئيس تحرير مجلة شار، في مقابلة أجريت عبر سكايب بتاريخ 12 كانون الأول 2018

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد