(إ)رهاب المثليين الجنسيين

بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية الجنسية والتحول الجنسي


اليوم، السابع عشر من أيار/ مايو، هو اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية الجنسية والتحول الجنسي. ففي مثل هذا اليوم، في عام 1990، أعلنت منظمة الصحة العالمية حذف المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية. هنا مقال موسع للدكتور والباحث القدير حسام الدين درويش، يحلل فيه "إ"رهاب المثلية والمعاني الكامنة خلفه

17 أيار 2019

(يوجد في العالم العربي خطاب سلبي عن المثليين وضدهم، ليس بين الناس "العاديين" أو المتدينين أو "المتطرفين" فحسب، بل أيضًا في التناول القانوني والإعلامي والرسمي، وحتى في خطاب كبار المختصين، الفعليين أو المزعومين، بالعلوم الطبية والنفسية والسلوكية المتعلقة بهذه المسألة/ تصميم نشر على موقع حلوها وهو ينشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)
د: حسام الدين درويش

أكاديمي وباحث في الفلسفة الغربية والفكر العربي والإسلامي

اليوم، السابع عشر من أيار/ مايو، هو اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية الجنسية والتحول الجنسي. ففي مثل هذا اليوم، في عام 1990، أعلنت منظمة الصحة العالمية حذف المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية.

من "الشذوذ" إلى المثلية

وقد حصلت، في العقود الأخيرة، تغيرات كبيرة في مفردات ومضامين الخطابات التي تتناول ظاهرة المثلية الجنسية. ولم تقتصر هذه التغيرات على العالم الغربي فقط، بل امتدت، لدرجةٍ أو لأخرى، إلى معظم أرجاء العالم. ومن التغييرات المهمة في هذا السياق الشيوع المتزايد لاستخدام مصطلح "المثلية الجنسية" بدلًا من مصطلح "الشذوذ الجنسي". وهذا الشيوع أو التغيير بالغ الأهمية وعظيم الدلالة. فمصطلح الشذوذ ليس مجرد مصطلحٍ وصفيٍّ، كما يحاجج بعض معادي المثلية، أو النافرون منها، خطأً؛ وإنما هو أيضًا مفهومٌ معياريٌّ تقييميٌّ، حيث يتضمن تقييمًا سلبيًّا واضحًا للمثلية وللمثليين، على حدٍّ سواء. في المقابل، إن مصطلح "المثلية الجنسية" هو، نسبيًّا، مصطلحٌ محايد معياريًّا، بمعنى أنه لا يتضمن لا إدانةً للمثلية ولا إشادةً بها. وفي حين أن هذا التغيّر قد ترافق، في الدول الغربية، مع تغيرات قانونية وسياسية واجتماعية وإعلامية عميقة وجذرية، في خصوص هذا الموضوع، نجد أن هذا التغير، في العالم العربي/ الإسلامي، جزئيٌّ ومحدودٌ، على صعيد الانتشار، ولم يترافق مع تغيرات كبيرةٍ وأساسيةٍ، على الصعد الأخرى.

عربيا... خطاب سلبي

إن قيام منظمة الصحة العالمية بحذف المثلية الجنسية من قائمة الأمراض النفسية يعكس واقعة أن كل التصنيفات العلمية/ الطبية المعاصرة "المعترف بها" على الصعيد العالمي، قد توقفت عن النظر إلى "المثلية الجنسية" على أنها مرضٌ أو انحرافٌ أو اضطرابٌ نفسيٌّ أو عضويٌّ. وعلى الرغم من ذلك، فإننا نجد، في العالم العربي، مقاومة قوية لهذا التشخيص/ التحول، وخطابًا سلبيًّا عن المثليين وضدهم، ليس بين الناس "العاديين" أو المتدينين أو "المتطرفين" فحسب، بل أيضًا في التناول القانوني والإعلامي والرسمي، وحتى في خطاب كبار المختصين، الفعليين أو المزعومين، بالعلوم الطبية والنفسية والسلوكية المتعلقة بهذه المسألة.


فعلى سبيل المثال، نجد الدكتور أوسم وصفي، الذي يتم تقديمه على أنه الاسم الأشهر أو الأكبر بين المختصين بهذه المسألة في مصر([1])، يقدم نفسه على أنه "طبيبٌ نفسي، ومحاضر متخصص في علاج المثلية الجنسية" وقد ألف كتابًا (شفاء الحب كشف الحقائق عن الجنسية المثلية: الأسباب. العلاج. الوقاية) بهذا العنوان ولهذا الغرض ونشره بنفسه([2]). وهو يرفض كل الأبحاث العلمية التي تقول بوجود أساس عضوي "طبيعي" للمثلية. وهو يرى أن المثلية الجنسية هي اضطراب تطوريٌّ يصيب الهوية الجنسية، بحيث يمنعها من الاكتمال. وتتمثل أسباب هذا الاضطراب، من منظوره، في الثلاثية التالية: وجود حساسية زائدة، وأب غير جذاب، وأم تمارس حماية زائدة. ويمكن لتعرض الطفل لاعتداء جنسيٍّ أن يكون سببًا رابعًا، يضاف إلى الأسباب الأساسية الثلاثة المذكورة([3]).

وتتبنى الدكتورة هدى قطب، والتي تقدم نفسها ويقدمها الإعلام على أنها رائدة متخصصة في علم الجنس والاستشارات الزوجية والأسرية([4]) نظرة مماثلة عمومًا، مع وجود بعض الاختلافات الثانوية. فعلى الرغم من أنها ترى أن المثلية الجنسية مضادة للطبيعة/ الفطرة، فإنها لا تذهب إلى درجة اعتبارها مرضًا أو داءً، وإنما ترى أنها خللٌ أو انحرافٌ سلوكيٌّ بحتٌ، وليس خللًا أو انحرافًا نفسيًّا أو عضويًّا. وهي تشدد على ضرورة وإمكانية معالجته على الرغم من إقرارها أنّ المؤسسات العلمية الطبية الغربية/ العالمية لا تعتبره مرضًا، ولا ترى أنه يحتاج إلى أي علاجٍ أو معالجةٍ أو تدخل طبيٍّ أو غير طبيٍّ.([5])

(إن مصطلح "المثلية الجنسية" هو، نسبيًّا، مصطلحٌ محايد معياريًّا، بمعنى أنه لا يتضمن لا إدانةً للمثلية ولا إشادةً بها)

من الواضح أنّ التخلي عن الحديث عن المثلية الجنسية، بوصفها شذوذًا جنسيًّا أو مرضًا، لا يترافق، في مثل هذه السياقات، مع أي مقاربةٍ إيجابيةٍ متسامحةٍ مع المثلية/ المثليين، ومنصفةٍ لهم؛ بل إن هذه المقاربة تزيد الأمور سوءًا في بعض الأحيان. فعلى الرغم من كل السلبيات الناتجة عن التعامل مع المثلية على أنها مرضٌ، فإنّ هذا التعامل يمكن أن يحدَّ من تحميل المثلي مسؤولية مثليته، المنظور إليها، في هذا السياق، على أنها جريمةٌ أو خطيئةٌ كبرى. وهذا بالفعل ما يتضمنه منطق خطابَي "الخبيرين" (وصفي وقطب). فالدكتور وصفي يرفض الحديث عن مرضية المثلية، ويؤكد أن الشخص ليس مسؤولًا عن وجود ميول جنسية مثلية لديه، لكنه يشدد، قي المقابل، على أنَّ لاإرادية الميول يقابلها إرادية الخضوع لهذه الميول، والتصرف وفقًا لإملاءاتها، أو مقاومتها، ومحاولة التخلص منها. ﻓ "في النهاية"، المشكلة والحل يكمنان في إرادة المثلي: فهل يود فعلًا أن يتخلص من هذا الاضطراب وعدم النضج في شخصيته، أم أنه يقبل أن يظل غارقًا فيه؟

 مصطلح الشذوذ ليس مجرد مصطلحٍ وصفيٍّ، كما يحاجج بعض معادي المثلية، أو النافرون منها، خطأً؛ وإنما هو أيضًا مفهومٌ معياريٌّ تقييميٌّ، حيث يتضمن تقييمًا سلبيًّا واضحًا للمثلية وللمثليين، على حدٍّ سواء

وتذهب الدكتورة قطب إلى الحد الأقصى من هذا المنطق، فهي تنفي وجود أي أسس جسدية أو نفسية للمثلية الجنسية، وترى أنّ هذه المثلية ناتجة غالبًا عن التعرّض لاعتداء جنسي أو تجارب جنسيةٍ منحرفةٍ وسيئةٍ. وهي تشدّد على أنّ كلمة السر، الأساسية والحاسمة، في العلاج، هي الإرادة؛ فإذا توّفرت الإرادة لدى المثلي، يمكن له، بمساعدة مختصين من أمثال الدكتورة قطب، أن يتخلص من مثليته/ انحرافه، ليعود إنسانًا طبيعيًّا ومعافى. وتقدم الدكتورة هبة قطب نفسها على أنها "مكتشفة طريقة لعلاج الشذوذ الجنسي"([6]).

صورة نمطية مسبقة

يقدم كلام قطب ووصفي أنموذجًا "نخبويًّا" للخطاب المهيمن في المجال العام العربي، في خصوص المثلية الجنسية. ومن الواضح أنه خطابٌ عدائيٌّ ومعادٍ للمثلية والمثليين، بوصفهم مثليين؛ لكونه يركِّز على ضرورة التخلص من هذه المثلية، ولأنه لا يتقبل المثلي، بوصفه مثليًّا، ويرفض أيّ تقبل لهذه المثلية. ولا نعتقد أنّ مصطلح "رهاب المثلية الجنسية" مناسبٌ لتوصيف هذا الخطاب. فالحديث عن "رهاب المثلية الجنسية" يعطي الانطباع بأنّ الشخص لديه مرضٌ نفسيٌّ أو خوفٌ مرضيٌّ، وأنه ليس مسؤولًا عن فكره وسلوكه العدائي تجاه المثليين/ المثلية. وهذا ليس صحيحًا على الإطلاق. كما يمكن لمصطلح "رهاب المثلية الجنسية" أن يعطي الانطباع بأنّ الأشخاص الذي لديهم هذا "الرهاب" المزعوم هم "الضحايا الذين يعانون ويتألمون، وليس المثليين الجنسيين، وفي هذا قلبٌ للحقائق، وعكس لأدوار المجرمين والضحايا. ولا ينبغي لنا أن ننتقل من الحديث عن مرضية المثليين إلى الحديث عن مرضية معاديهم. فظاهرة معاداة المثليين، و/ أو التهجم عليهم، لها أبعاد وخلفيات سياسية وقانونية ودينية وأخلاقية؛ ويمارس مصطلح "رهاب المثلية الجنسية" تعميةً وتضليلًا، بحيث يتجاهل العوامل المذكورة، ويركِّز على مرضية و، أو نفسية/ نفسانية الموقف من المثلية الجنسية. فما يسمّى ﺑ "رهاب المثلية الجنسية" هو، في الواقع، صورة نمطية مسبقة سلبية عن المثلية والمثليين، وتترافق هذه الصورة السلبية مع أحكام أخلاقية ودينية بالغة السلبية، ومع خطاب إعلامي واجتماعي وسياسي مضاد للمثليين، بما يفضي إلى أن تثير تلك الصورة مشاعر القرف والنفور والاشمئزاز والاحتقار في نفوس معادي المثلية الجنسية تجاه المثليين الجنسيين.

(فما يسمّى ﺑ "رهاب المثلية الجنسية" هو، في الواقع، صورة نمطية مسبقة سلبية عن المثلية والمثليين، وتترافق هذه الصورة السلبية مع أحكام أخلاقية ودينية بالغة السلبية، ومع خطاب إعلامي واجتماعي وسياسي مضاد للمثليين، بما يفضي إلى أن تثير تلك الصورة مشاعر القرف والنفور والاشمئزاز والاحتقار في نفوس معادي المثلية الجنسية تجاه المثليين الجنسيين.)

دعم سياسي وقانوني لخطاب معاداة المثلية!

لم يكن بإمكان الخطاب المعادي للمثليين، في المجال العام والإعلام العربي، أن يهيمن، بهذا الشكل وذاك المضمون، لولا أنه مدعومٌ سياسيًّا، ومسوَّغ قانونيًّا، من قبل الأنظمة المستبدة التي تتحكم بالمجال الإعلامي المحلي، تحكمًا تامًّا أو شبه تامٍّ. ولا تكترث هذه الأنظمة بالاضطهاد الذي يتعرض له المثليون من قبل المجتمع عمومًا، بل تذهب إلى تعزيز هذا الاضطهاد وقوننته وشرعنته، من خلال تجريم المثلية وتشديد العقوبات الصادرة بحقهم. هذا ما فعله، على سبيل المثال كل من نظام، حسن بلقية، في بروناي ونظام السيسي في مصر. فسلطان بروناي قرر منذ بضعة أشهر فرض قوانين تتشدّد في تطبيق الشريعة وتتضمن الرجم حتى الموت للمثليين ومرتكبي الزنا"([7])، لكنه، وتحت الضغوط الدولية المنددة بقراره، قام بتعليق هذه العقوبة لاحقًا([8]). وقد قام نظام السيسي قبله بأمرٍ مماثلٍ. فبعد قيام عددٍ من الأشخاص برفع علم المثليين، في حفل غنائي في مصر أحيته فرقة "مشروع ليلى" المناصرة لحقوق المثليين العرب([9])، اعتقلت الأجهزة الأمنية سبعة أشخاصٍ بحجة "تحريضهم على الفسق والفجور والترويج للشذوذ الجنسي"([10])؛ ورأى النائب عبد المنعم العليمي، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، ضرورة إعادة "النظر في عقوبة الشذوذ الجنسي بعد تصنيفه وتحديد هل هو فسق وفجور، أم خطر على الأمن العام، أو فعل يشوّه صورة الدولة المصرية"، وشدّد على أنّ "ما فعله هؤلاء الشباب من رفع علم المثليين في إحدى الحفلات، يندرج تحت مسمى الأفعال التي تنال من الأمن العام للدولة وتشوّه صورة مصر وتزعزع الأمن والاستقرار في المنطقة"([11]).

إرهاب وليس رهاب

لا يمكن ولا ينبغي أن نسمّي هذا الخطاب وما يرافقه ﺑ "رهاب المثلية الجنسية" فهذا إرهابٌ، وليس رهابًا. هذا إرهابٌ ينشر الرهاب والفزع بين المثليين، ومنهم، ويعزّز النظرة الدونية المهينة والتحقيرية السائدة عنهم. وإضافةً إلى عقوبات السجن أو الرجم، هناك الفحوصات الشرجية المهينة والمؤلمة التي يخضع لها المشتبه بمثليتهم في السجون ومراكز الاعتقال العربية/ المصرية. إنّ هذه العقوبات الشديدة والمعاملة المهينة التي يتلقاها المثليون، هي التي تثير الذعر والخوف والرهاب الشديد لدى المثليين ولدى مناصريهم. ولا ينبغي التعمية على كل ذلك، من خلال الحديث عن وجود رهاب من المثليين لدى من يعاديهم ويتهجم عليهم.

(العقوبات الشديدة والمعاملة المهينة التي يتلقاها المثليون، هي التي تثير الذعر والخوف والرهاب الشديد لدى المثليين ولدى مناصريهم/ صورة يعود تاريخها لفترة حكم الرعامسة في مصر القديمة، وهي تصور رجلاً يمارس الجنس مع رجل آخر/ الصورة مأخوذة من ويكيبيديا وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

عمل سياسي أم قرار طبي علمي!

يزعم/ يقول كثيرٌ من معادي المثلية الجنسية، ومنهم الخبيران المذكوران، إن استبعاد المؤسسات الطبية الغربية/ العالمية ﻟ "المثلية الجنسية" من قائمة الأمراض أو الانحرافات أو الاضطرابات النفسية أو الجنسية هو عملٌ سياسيٌّ، وليس قرارًا علميًّا طبيًّا متأسِّسًا على نتائج قطعية وأبحاثٍ موثوقةٍ([12]). وفي تشكيكهما بيقينية نتائج الأبحاث العلمية التي أظهرت أنّ المثلية ليست مرضًا أو انحرافًا أو شذوذًا، بل هي مرتبطةٌ بعوامل عضويةٍ هرمونيةٍ ونفسيةٍ، بالدرجة الأولى، تناسى الخبيران أنّ تشكيكهما المذكور لا يترافق مع أي بحث علمي يدعم النظريات التي يقدمانها لتفسير ظاهرة "المثلية الجنسية"، بوصفها خللًا أو انحرافًا سلوكيًّا، كما تقول الدكتورة قطب، أو اضطرابًا وعدم اكتمالٍ في الهوية الجنسية، كما يقول الدكتور وصفي. وإذا كان اعتبار "المثلية الجنسية" ميلًا جنسيًّا "طبيعيًّا" أمر مشكوكٌ في علميته، كما يقولان، فمن المؤكد أن لا شيء يوحي بوجود أي سمةٍ علميةٍ للنظريات أو "الشطحات الفكرية" التي يقدمها معادو المثلية. وبغض النظر عن علمية المسألة، لا ينبغي إنكار أن الدعم السياسي والقانوني الذي يتلقاه معادو المثلية الجنسية في البلاد العربية هو أكبر بكثير من الدعم السياسي والقانوني الذي يتلقاه المثليون ومؤيدوهم، في "الدول الغربية". ولا ينبغي أن ننسى أنّ زواج المثليين لم يُشرعن، على سبيل المثال، في أمريكا وألمانيا، إلا منذ بضعة أشهرٍ أو بضع سنواتٍ، في حين أنّ التجريم القانوني والاجتماعي والديني والسياسي للمثلية الجنسية موجودٌ، حتى الآن، في أكثر من سبعةٍ وسبعين بلدًا. ولا يخضع تطور الأمور في هذا الخصوص إلى منطق التقدم، كما يعتقد/ يتوهم المؤمنون بأسطورة "التقدم"، بحيث يمكننا أن نتوقع أن يحصل المثليون على حقوقهم الجنسية، وعلى المساواة الكاملة مع غير المثليين، تدريجيًّا مع مرور الزمن. وربما كان كافيًّا الإشارة إلى الحريات والحقوق الجنسية الواسعة نسبيًّا التي كان يحظى بها كثيرٌ من المثليين في أثينا/ اليونان القديمة، أو في العصور الوسطى الإسلامية، وإلى التدهور اللاحق لهذه الحريات والحقوق.

(إن الأساس الأولي والمبدئي، الذي ينبغي لأي موقف أخلاقي من المثليين أن ينطلق منه، يتمثل في الإقرار بحرية الإنسان، وحقه، في أن يكون مثليًّا أو غيريًّا، بدون أي تدخلٍ/ قمعٍ خارجيٍّ/ الصورة هي لاحتفال بالزواج من نفس الجنس في مهرجان فخر ليكسينغتون عام 2015.، والصورة مأخوذة من ويكيبيديا وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لأصحابها)

أي دور للبعد الديني؟

لا ينبغي إغفال البعد الديني الذي يستحضره معظم معادي المثلية أو يتأسس موقفهم عليه تأسُّسًا جزئيًّا ونسبيًّا. ومن الضروري الإشارة إلى أنّ العلمية المزعومة للآراء والنظريات والتي تقدمها الدكتورة هبة قطب في خصوص المثلية الجنسية، قائمة على أساس اعتقادٍ دينيٍّ/ قرآنيٍّ. ففي تقديمها لنفسها على حسابها على اليوتيوب، تقول الدكتورة قطب، المتطوعة بالاستشارات للموقع الإسلامي "إسلام أون لاين" في قسم الاستشارات الزوجية والمشاكل الجنسية: "إن مناهجها متأسسةٌ على تعاليم القرآن"([13]). والنسخة المسيحية من هذا البعد الديني نجدها لدى الدكتور وصفي، الحاصل على بكالوريوس فى علوم اللاهوت، الذي ناقش رؤية "دينه المسيحي" للمثلية الجنسية ومدى معقولية اعتبارها خطيئةً من منظور هذا الدين. ولا يبدو أن ثمة فارقًا بين الرؤيتين الدينية و"العلمية عند كلٍّ الخبيرين العلميين المتدينين. ففي كلتا الحالتين يقول العلم ما يقوله الدين، من وجهة نظرهما: وجود الميل المثلي الجنسي أمرٌ لاإرادي من حيث أنه ناتجٌ عن ظروفٍ خارجةٍ عن الإرادة، من حيث المبدأ؛ في المقابل، الخطأ والخطيئة يكمنان في الخضوع لهذه الميل وعدم التوجه إلى معالجته والتخلّص منه.

ادعاء "علمية" الخطاب المعادي للمثلية

المشكلة الأكبر، في الخطاب العربي لمعادي المثلية، ليست وجود هذا الخطاب، بحد ذاته، بل تكمن هذه المشكلة في علميته المزعومة، وفي تسويغه، المباشر والمقصود أو غير المباشر وغير المقصود، للاعتداءات الجسدية والمعنوية الشديدة التي يتعرّض لها المثليون في البلاد العربية، والعقوبات "القانونية" الشديدة المفروضة في حقهم، وفي غضه النظر عن هذه الاعتداءات وتلك العقوبات. ولا يمكن لمعادي المثلية أن يزعموا أن خطابهم المعادي للمثلية و/ أو المثليين، والذي يسكت، غالبًا على الأقل، عن القمع الشديد الذي يتعرّض له هؤلاء المثليون، هو خطابٌ مقبولٌ ومسوَّغ، وفقًا لمبادئ الديمقراطية والحرية. فليس معقولًا الحديث عن وجود هكذا ديمقراطية، في العالم العربي، والتذرع بها، في الهجوم، بل والاعتداء والتهجُّم، على من "لا حول ولا قوة له"، نظريًّا وعمليًّا، قانونيًّا واجتماعيًّا وإعلاميًّا وسياسيًّا.

الإقرار بحرية الإنسان.. أولا وأخيرا

إن الأساس الأولي والمبدئي، الذي ينبغي لأي موقف أخلاقي من المثليين أن ينطلق منه، يتمثل في الإقرار بحرية الإنسان، وحقه، في أن يكون مثليًّا أو غيريًّا، بدون أي تدخلٍ/ قمعٍ خارجيٍّ. هذا الإقرار ضروريٌ قبل، وبعد، أي نقاشٍ أو سجالٍ، في خصوص الموقف العلمي/ الطبي من المثلية والمثليين. وبعد هذا الإقرار، وبعد رفض كل الممارسات القمعية الإرهابية الممارسة بحق المثليين، والتنديد بها، ومحاولة تجاوزها، يمكن العمل على إيجاد أجواءٍ صحيةٍ ما لقيام نقاشاتٍ بناءة في هذا الخصوص. وإذا كان الدكتور  وصفي يرى أنّ مشكلة "الغرب"، في التعامل مع ظاهرة "المثلية الجنسية"، هي القيام بربط هذه القضية بمسألة "حقوق الإنسان"، فنحن نعتقد أنّ هذا الربط مهم ومفيد وضروري وإيجابي، وأن عدم القيام به هو المشكلة والعائق الأكبر الذي يحول دون التخلص من "(إ)رهاب المثلية الجنسية"، في العالم العربي والإسلامي، وفي بقية البلدان والمجتمعات التي ما زالت تجرِّم المثلية الجنسية وتعاقب المثليين. فإذا انطلقنا من الإقرار بوجود ميول جنسية مثلية لدى "المثليين الجنسيين"، ومن الاحترام الذي يجب أن نتعامل، على أساسه، مع أي إنسانٍ، بوصفه إنسانًا، بما في ذلك الإنسان المثلي، لكان لزامًا علينا أن نحترم خصوصية الحياة الجنسية للمثليين وأن نقر لهم بحقهم في حرية التصرف في حياتهم الخاصة، وألا نتدخل في هذه الحياة. التعامل باحترام مع الآخرين، يعني، فيما يعنيه، الاعتراف بإنسانية الإنسان، وبأنه شخصٌ واعٍ ذو استقلالية ذاتية. الاحترام هو احترام المسافة التي تفصلنا عن الآخرين وعدم تجاوزها ومحاولة فرض قيمنا وتفضيلاتنا عليهم.

المعاني المتعددة لـ "إ"رهاب المثلية الجنسية

آمل أن يكون مضمون النص قد أوضح مسبقًا المعاني المتعددة التي يحيل عليها عنوانه. وأود ان أختم هذا النص بتوضيحٍ سريعٍ لتلك المعاني. ويمكن اعتبار ذلك التوضيح هامشًا على متن هذا النص. ويحيل العنوان على أربعة معانٍ رئيسيةٍ.


من ناحيةٍ أولى، وبتجاهل ما جاء بين قوسين، يحيل العنوان على "رهاب المثليين الجنسيين". وكما هو في معظم حالات الإضافة في اللغة العربية وكثيرٍ من اللغات الأخرى (الإنجليزية مع of، والفرنسية مع de والألمانية مع von) يمكن لهذا التعبير أن يتضمن معنيين مختلفين: المعنى الأول يحيل على الرهاب المزعوم الذي يشعر به غير المثليين تجاه المثليين الجنسيين؛ أما المعنى الثاني فيحيل على الرهاب الذي قد يشعر به المثليون من غير المثليين. ومن ناحيةٍ ثانيةٍ، وبرفع القوسين، يكون العنوان هو عن "إرهاب المثليين الجنسيين". وهنا أيضًا تتضمن صيغة الإضافة معنيين ممكنين: المعنى الثالث يحيل على الإرهاب الذي قد يمارسه المثليون على غير المثليين، أما المعنى الرابع يحيل على الإرهاب الذي يُمارس ضد المثليين.

ففي خصوص المعنى الأوَّل، ثمّة اعتقاد شائعٌ بوجود مثل هذا الرهاب: "رهاب المثلية الجنسية". وقد حاولت في هذا النص الإشارة إلى أنه إذا كان مصطلح/ مفهوم الرهاب يحيل على ظاهرةٍ نفسيةٍ مَرَضِيةٍ، فهو ليس مناسبًا لوصف ظاهرة معاداة المثليين. ففي هذه الحالة، يعطي هذا المصطلح انطباعًا خاطئًا بنفسانية هذه الظاهرة ومرضيتها، ويغفل ويطمس حقيقة أنها، قبل ذلك، وبالدرجة الأولى، مسألةٌ أخلاقيةٌ وسياسيةٌ وقانونيةٌ وإعلاميةٌ واجتماعيةٌ. ويرتبط هذا المعنى الأول بالمعنى الثالث للعنوان، عند الاعتقاد أن المثليين الجنسيين هم من يثيرون هذا الرهاب المزعوم لدى معاديهم من غير المثليين. فوفقًا لهذه الأطروحة يمارس المثليون بسلوكهم إرهابًا يثير الخوف والفزع والرهاب لدى غير المثليين. ويقوم هذا النص على رفض هذه الأطروحة وما يتصل بها من أحكامٍ وقيمٍ.

الأطروحة التي دافعت عنها، في هذا النص، ترتبط بالمعنيين الثاني والرابع. ففي خصوص المعنى الثاني، يبدو لي ضروريًّا إبراز واقعة أن من يتعرض للتخويف والقمع والملاحقة والعقوبات النفسية والجسدية، المعنوية والمادية، هم المثليون، وأنهم، هم تحديدًا، وليس معادي المثلية، من يمكن ويُرجَّح أن يشعروا بالرهاب من معاديهم وملاحقيهم ومضطهديهم. هذه المعاداة والملاحقة وذاك الاضطهاد هو ما أقترح تسميته بالإرهاب، بوصفه ممارسةً عنيفةً أو تلويحًا بهذه الممارسة وتهديدًا بها، بقصد الترهيب وإثارة الرهبة والخوف والفزع، لتحقيق أهدافٍ أو غاياتٍ ما. وهذا ما يتعرض له المثليون في معظم البلاد العربية والإسلامية: فمن جهةٍ أولى، يتم ربط المثلية والمثليين بجرائم الاغتصاب والمخدرات والهوس الجنسي المرضي بالأطفال أو بالعصابات والممارسات الإجرامية المنحرفة والمهددة وبالقيم الغريبة على المجتمع والثقافة إلخ. ومن جهةٍ أخرى، يُلاحق هؤلاء المثليون ويتم إهانتهم اجتماعيًّا وقانونيًّا وإعلاميًّا، والاعتداء المستمر عليهم، ماديًّا ومعنويًّا، جسديًّا وروحيًّا، وتُفرض بحقهم فحوصًا شرجيةً، مؤلمةً ومهينةً، وعقوبات شديدة قد تصل إلى حد السجن لسنواتٍ طويلةٍ أو حتى الإعدام شنقًا أو رجمًا.

تتجاور وتتكثف وتتداخل، في عنوان النص ومتنه، المعاني الأربعة المذكورة، بطريقة مقصودة ومرغوبة. وهذه المعاني تحيل على ما هو كائنٌ من جهةٍ وعلى ما يجب أن يكون من جهةٍ أخرى. ومن الضروري استحضار ما هو كائنٌ، عند الحديث عما يجب أن يكون؛ ومن الضروري أيضًا أن يأخذ خطاب "ما يجب أن يكون" في الحسبان، ما هو كائنٌ وما يمكن أن يكون. وقد حاولت، في هذا النص تقديم قراءة نقدية لمفهوم "رهاب المثلية الجنسية" ولخطاب معادي المثلية و/ أو المثليين عمومًا، وقد تأسست قراءتي على ما هو كائنٌ من جهةٍ، وعلى ما يمكن ويجب أن يكون، من منظوري، ومن منظور منظومة حقوق الإنسان العالمية، من جهةٍ أخرى.

المراجع:

([1]) هذا ما حصل في عشرات المقابلات التي أجرتها وسائل الإعلام معه. انظر مثلًا لقائه على قناة "القاهرة والناس"، والمعنون ﺑ "لقاء مع د. أوسم وصفي عن المثلية الجنسية في مصر".

([2]) أوسم وصفي، شفاء الحب. كشف الحقائق عن الجنسية المثلية: الأسباب. العلاج. الوقاية، (دون دار نشر، دون مكان نشر، 2007).

([3]) انظر: المرجع السابق، ص 73 وما يليها.

([4]) هذا ما حصل في ظهورها الإعلامي الدائم وفي مواقعها الشخصية على وسائل التواصل الاجتماعي. انظر مثلًا: موقعها الحاص.

([5]) يمكن الاطلاع على موقف الدكتورة قطب وأفكارها في هذا الخصوص، من خلال مشاهدة تسجيلات ظهورها التلفزيوني الإعلامي في هذا الخصوص على موقع يوتيوب. انظر مثلًا ظهورها في برنامج بوضوحن والمعنون ﺑ "برنامج بوضوح - د. هبة قطب وحوار عن المثلية الجنسية".

([6]) هذا مذكور في تدوينتها الخاصة.

([7]) انظر التقرير عن المسألة على موقع دويتشه فيله: "عقوبة الرجم حتى الموت للمثليين تدخل حيز التنفيذ في بروناي".

([8]) انظر التقرير عن المسألة على موقع بي بي سي: "بروناي تعلق عقوبة الرجم حتى الموت بحق المثليين".

([9]) انظر الحوار الذي نشرته صحيفة الغارديان باللغة الإنجليزية، بعنوان "Mashrou' Leila: the Lebanese indie band championing Arab gay rights"، وترجمته العربية على موقع LGBT ، بعنوان "مشروع ليلى: فرقة مستقلة لبنانية مناصرة لحقوق المثليين العرب".

([10]) انظر التقرير الذي نشرته ال bbc، بعنوان: "القبض على سبعة في مصر بعد رفع علم المثلية الجنسية في حفل غنائي"، 26  سبتمبر/ أيلول 2017.

([11]) انظر تقرير هشام عبد الجليل، على موقع اليوم السابع، المعنون ب "نائب بـ"التشريعية": سنغلظ عقوبة الشذوذ الجنسي في تعديل قانون العقوبات".

([12]) انظر أوسم وصفي، شفاء الحب ...، ص 37-53

([13]) هذا ما تذكره في تقديمها لنفسها باللغة الإنجليزية، على صفحتها على اليوتيوب:

Dr. Heba Kotb is an Egyptian certified sex therapist and host of The Big Talk, a sexual advice show airing in Egypt. The first licensed sexologist in the country, Kotb bases her methods on the teachings of the Qur'an, which she says encourages strong marital life including healthy sexual relationships between husband and wife.

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد