حصار بيروت ٢٠١٩

من خروج ياسر عرفات إلى "خروج" السوريين


في سرد آسر وحزين، يكتب المخرج السوري المعروف، عروة المقداد، عن يومياته في بيروت، مقارنا بين حال السوريين وحال الفلسطينيين، متنقّلا بين زمنين، زمن الآن حيث تضيق بيروت بالسوريين وزمن الأمس، حين خرج الفلسطينيون منها، ومقارنا بين ثورتي سورية وفلسطين، وموقع بيروت منهما، دون أن ينسى تفاصيل الثورة السورية ومحطاتها.

22 تموز 2019

(تشبه بيروت اليوم ٢٠١٩ دمشق نهاية ٢٠١٢ لا مكان للثورة فيها./ لوحة رسمت خصيصا لهذه المادة، خاص حكاية ما انحكت)
عروة المقداد

مخرج سوري له عدد من الأفلام، آخرها "300 ميل".

خَلف واجهة إحدى المحال في بيروت الشرقية، يُدير ياسر عرفات ظهره للمارة وللمدينة عَقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت سنة (١٩٨٢) عندما حَملته السفينة اليونانية (أتلانتس) مع مئات المقاتلين الفلسطينيين إلى تونس.

التقط المصور اللبناني الشهير، فؤاد خوري، الصورة في لحظةٍ استثنائية عاشتها الثورة الفلسطينية.

في مشهد آخر، يَغيبُ قائد المقاومة (ياسر عرفات) في تشكيلة من بوسترات ولوحات لفنانين لبنانيين وسوريين. يتوسط المحل شارع مار مخايل الممتلئ ببارات تَهبُّ عليها نَسماتُ "مكبّ الكرنتينا". تتبخرُ غازات القمامة فيه لتشكل رائحةً خانقة يستطيع الكثير من الأوروبيين، القادمين لإكتشاف الشرق والبحر والقضية السورية، أن يشربوا البيرا مع الرائحةِ الكريهة. تبدو الرائحة ذاتَ دلالةٍ مزدوجةٍ عن سنوات الحرب المروعة، وحال البلد المتردي الذي يُتهم فيه السوريون والفلسطينيون بأنهم سبب أزماته. يُعرج بعض الصحفيين والباحثين والطلاب الأجانب على المحل ليلتقطوا منه ذكرى عن المدينة. تبدو الحياة طبيعية ً فيها، وستعشر للوهلة الأولى أنهم سياح، لكن سيدرك المرء مع الوقت أن لا سياح في بيروت، وأنّ القلق والخوف يُخيّم على شوارعها وأحياءها، فناقوس العنصرية والخلافات الداخلية اللبنانية الآيلة للتدحرج ككرة نار، قد قرع.

(تشكيلة من بوسترات ولوحات لفنانين لبنانيين وسوريين، تتوسط محلا في شارع مار مخايل، حيث تظهر صورة ياسر عرفات لحظة مغادرته لبنان/ تصوير عروة المقداد في تموز 2019/ خاص حكاية ما انحكت)

يقفُ عرفات على ظهر السفينة شاردَ الذهن. تنسدلُ كوفيته متموجةً من رأسه حتى منتصف ظهره، وتندمج الكوفية مع البحر العريض المنتهي عند خط الأفق. بماذا كان يفكر عقب لحظة الخروج التراجيدية للفلسطينيين؟ عقب حصارٍ دمويٍّ قامت فيه قوات الاحتلال الإسرائيلي بقصف المدينة، براً وبحراً وجواً ، مرتكبةً مجازر مروعة ضد المدنيين. سيخوض المقاومون في بيروت الغربية معارك مشرفةً ضد العدوان الإسرائيلي، وستطلق النساء الزغاريد والرجال الرصاص، وسيخرج الفلسطينيون بشكل مهيب موّدعين العاصمة التي احتضنت حلم المقاومة.

من سيخرجنا الآن؟

أُطيل الوقوف أمام صورة عرفات، وأشعر أن الزمن يمضي من المستقبل إلى الماضي بصيغةٍ أكثر رداءة. وأسأل نفسي: من سيخرجنا الآن؟

ليس ثمّة خيارات كثيرة لدى أهالي المخيمات التي هُدمت فوق رؤوس أصحابها من قبل الجيش اللبناني، ولا الداخلين خلسةً من منشقين وهاربين من الجيش أو تحت إقامة جبرية. أحكم حزب الله السيطرة على المناطق الحدودية بعد معارك القلمون وريف الغوطة الغربي. لم يبقَ طرق تستطيع التسلل منها إلى سوريا، كما أحكم الحزب سيطرته على لبنان بعد أن أوصل حُلفائه إلى سدّة الرئاسة. أما المنظمات الدولية فهي غير معنية بمأساة اللاجئين. حدثت الانتهاكات بحقهم أمام أعين مفوضية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية وتحت أنظار العالم دون أن يحرك أحدٌ ساكناً.

يفتتح محمود درويش قصيدة (مديح الظل العالي) التي كتبها ابان الحصار، فيقول:

بحرٌ للنشيدِ المرِّ. هيَّأنا لبيروتَ القصيدةَ كُلَّها.

بحرٌ لمنتصفِ النهارِ

بحرٌ لراياتِ الحمامِ، لظلِّنا، لسلاحنا الفرديِّ

بحرٌ، للزمانِ المستعارِ

لبنان بين ثورتي فلسطين وسورية

شكّلت لبنان عمقاً استراتيجياً للثورة الفلسطينية، وستشكل عمقاً استراتيجياً للثورة السورية. استضافت الكثير من البلدات الحدودية بين عامي (٢٠١١ – ٢٠١٣) الجرحى والمصابين، وتحولت مكانا ًآمنا لعائلات المتظاهرين والمقاتلين من الجيش السوري الحر، وملاذ مؤقتا لمن اختار الهروب من القتال في المعارك الدائرة. ستكون هذه المدن والبلدات ممراً للكثير من المستلزمات الطبية والمشافي الميدانية وأجهزة الاتصال والمعونات الغذائية. وكنت تستطيع في تلك البلدات رفع علم الجيش الحر أو التظاهر من أجل الثورة وترديد شعاراتها. وتحولت بيروت إلى متنفس فكري للشباب المنخرطين بالعمل الثقافي والفني، ففي عام ٢٠١٢ انتعش شارع الحمرا بخليط مختلف من فنانين ومثقفين وكتاب حاولوا إيجاد فسحة في المدينة للتعبير عن ثورتهم بعد اختناق العاصمة دمشق وفرض السيطرة الحديدية عليها، حيث انتشرت الحواجز في مختلف أنحاء المدينة وانتشر القناصة على أسطحها، ودوهمت المنازل ونصبت الكمائن لمئات من الناشطين السلميين والضباط المنشقين، وستتوالى أخبار إعدامهم وقتلهم تحت التعذيب في خسارة لواحدة من أكثر حقبات الثورة غزارة فكرية ونضالية.

هامش حرية أم حالة حصار!

"يوجد هامشٌ من الحرية تستطيع التعبير فيه عن رأيك".

قلت ذلك عندما رفعت الطماشات عن عيني وسألني المحقق الشاب، وهو يعرض عليّ صورة كبيرة للقيادي في الجيش الحر (أبو يعرب) ووراءه علم الثورة: لماذا جئت إلى بيروت؟

لم يُسمح لي بمغادرة بيروت، ومنذ ذلك الحين وأنا أعايش حصاراً ناعماً بدا ينهش المدينة. أمطرت بيروت بأكوام الزبالة التي ستنذر بموت جماعي طويل الأمد. ثم بدأ التضييق على المثقفين والناشطين اللبنانيين. وسيبدأ موسم هجرة جماعي لمن يستطيعون المغادرة. وسينتهي المشهد بإعادة اللاجئين قسرياً والبدء بتسليم الناشطين والمنشقين إلى مخابرات النظام. تشبه بيروت اليوم ٢٠١٩ دمشق نهاية ٢٠١٢ لا مكان للثورة فيها.

أنظر نحو البحر، الذي نظر عرفات إليه في لحظة مصيرية، وأبتسمُ ساخراً: إننا تحت الحصار.

تنتشر الحواجز في المدينة. وتقتصر تحركاتي على المشي. تتملكني رغبةٌ يومية بالتجوّل في الطرقات وكأنما هو وداعنا الأخير.  إنه شهر تموز حيث بدأ الياسمين بالترنح مسلماً رائحته الرقيقة للهواء. تتسلل رائحة الياسمين من إحدى البيوت المهجورة المقصوفة منذ الحرب الأهلية وتخفّف من وطئه الرائحة الخانقة. تهب نسمة محملة برطوبة البحر فأفكر بكل المقاتلين الذين تجولوا في شوارع بيروت حاملين حلم تحرير فلسطين. أقول في سري: "هبت رياح الجنة"، وأضحك في استعادة لقرار عرفات، حين اشتدَّ عليه الحصار وقدمت له عروض مخزية للخروج من بيروت.

(بندقية مقاتل سوري على أطراف المدينة الصناعية بمدينة حلب أواخر عام 2012. البندقية لمهندس معماري حمل السلاح لأجل الثورة، وكان يقول للمصور: "بس تنجح الثورة رح اترك السلاح". تصوير: عروة المقداد. خاص حكاية ما انحكت)

يقترح أحد الشباب المنشقين على صفحته في الفيس بوك خروجنا من لبنان عبر الباصات، فتعود مشاهد خروج المقاتلين من المدن السورية المحاصرة. خرج عرفات من الخارج نحو الداخل، وخرج المقاتلون في سوريا من الداخل نحو الداخل. قال البعض انتهت الثورة، لكن المعارك في حماة والمظاهرات في درعا، تثبت أن فصول الثورة لم تنتهي بعد، كذلك لم يتوقع عرفات أن تأتي الانتفاضة الثانية كفصل جديد للثورة الفلسطينية. للمرة الأولى يبدو خيار الباصات خيار نصر لكننا نعرف أنه لن يتحقّق. لا بنادق نحملها الآن ولا حتى موبايلات، فأحد الناشطين اعتقل لسماعه أغاني الساروت. تطلق باخرة في الميناء صفير حاداً ويعبر الطيران الإسرائيلي ليقصف المواقع السورية من سماء المدينة.

"بيروت نجمتنا"!

على الرغم من التدمير الممنهج الذي خضعت له المدينة إبان احتلال الجيش السوري وحصار الجيش الإسرائيلي إلا أنها احتضنت مشاريع فكرية وثقافية، استطاعت أن تبلور جزءا من حلم الديمقراطية العربي وحلم تحرير فلسطين. ستحتضن المدينة عدداً كبيراً من المفكرين العرب وستتحول إلى ساحة لطرح مشروعهم الفكري والنضالي. كما سيثبت حصار بيروت رجعية الأنظمة العربية، وتحديدا السوري الذي جهد في تمزيق المقاومة وشق صفها واستهداف مفكريها وقياداتها. وسيكون تأثير تلك الحقبة الرافد الأساسي في تشكيل الثورة السورية، التي كانت ستصبح درة المشروع التحرري العربي. وستعاني الثورة السورية من اعتكاف المثقفين عن الكفاح المسلح وسينكفئ أغلبهم لمراقبته وسيتبرأ الكثيرون منه، وفي أفضل الأحوال سيدعمه بعضهم من وراء الشاشات. وكما حدث مع الثورة الفلسطينية بعد انهيار اليسار والقومية العربية وملء فراغها بالهوية والمقاومة الإسلامية، سيملأ فراغ غياب المثقف السوري مشروع الإسلام السياسي الذي تحالف مع الإسلام الراديكالي وبرّر وجوده ثم انقلب عليه. وستكشف الثورة السورية وتداعياتها عن انهيار المشروع الثقافي العربي، وسيغدو المثقف شبيهاً بالسلطة في عنجهية واستبداديته وانكفائه على نظرة استعلائية تجاه الواقع.

في ثمانيات القرن المنصرم شارك الكثير من الآباء السوريين كفدائيين في لبنان.  خاضوا معارك الحصار، حالمين بتحرير فلسطين متأثرين بالمشهد الثقافي الفكري الحافل في المدينة، ثم عادوا إلى سورية في مواجهة العنف الذي سيسحق أحلامهم وأحلام أبنائهم. في درعا كانت تهرب أشرطة كاسيت لأشعار محمود درويش ومظفر النواب، كما كانت تهرّب الجرائد اللبنانية والفلسطينية التي أبهرتنا بمقالات تتحدث عن الحرية والديمقراطية وتعرية الانظمة العربية الاستبدادية. كما كانت أخبار باريس الشرق تأتي مع العائدين من بيروت، العاملين في موانئّها، عن مدينة مجنونة تطفح بالحركة والنشاط السياسي والفكري. كنت صغيراً عندما كنت أصغي لجلسات أخي وأولاد عمي بعد عودتهم من بيروت في الصيف، يستمعون بشغف وحزن لتلك الشرائط. ويتحدثون مراراً وتكراراً عن حصار بيروت وعن القيادات الفلسطينية وعن أخطاء أبو عمار وعن فتح الانتفاضة وعن خروج المقاتلين بزفاف الزغاريد والرصاص. سيحمل أولاد عمي وأخوتي السلاح بعد عشرات السنين وينضموا للجيش الحر وسيقاتلون دفاعاً عن الثورة، واضعين نصب أعينهم تحرير فلسطين والجولان. رددت معهم في طفولتي مئات المرات:

بيروت قلعتنا

بيروت نجمتنا

دون أن أدرك ما تحمله هذه الكلمات من مرارة وشعور بالخيبة.

بعد ما يقارب ثلاثون سنة، ها أنا انظر نحو المدينة الغارقة في خوفها وأردد الابيات في صمت.

"أبو صامد".. من بيروت إلى مصياف

في منتصف ٢٠١١ التقيت في مدينة مصياف، علي مصطفى، الرجل الخمسيني الذي قاتل في حصار بيروت. استضافنا في بيته وأصغى باهتمام شديد لحديث مجموعة من شباب الثورة.

تحدث علي بنبرته الواثقة عن رأيه في مسارات الثورة وناقشنا في خيارات الحراك السلمي، وأنصت باهتمام لآرائنا ولتوقعاتنا لما ستحمله الأشهر اللاحقة من تطورات.

خرج علي بصحبة أخيه وصديقه أبو يوسف الظفري إلى لبنان عقب الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، نفذوا عمليات وراء خطوط العدو الإسرائيلي، قاتل علي وأبو يوسف بشراسة إبان الحصار وسيطلق الفدائيون في جبهات بيروت الغربية على علي لقب (أبو صامد).  تأملت الفدائي وهو يناقشنا بخيارات الثورة ومستقبلها، في مدينة مصياف التي كانت آنذاك تشهد حراكاً واسعاً للمظاهرات والنشاط السلمي. وبدا لي أن مشهد الفدائي الذي قاتل في بيروت وهو يتصدر الحراك السلمي في مصياف واحدة من أعظم اللحظات التي اختصرت تاريخاً نضالياً طويلاً في  حلم الحرية من الاحتلال والاستبداد.

وسيقوم أبو صامد بترؤس لجنة الحوار لمنع التحريض الطائفي الذي يقوم به النظام لإفشال الثورة، وسيتصدى أبو صامد بقلب الفدائي لتلك المحاولات وسيكلفه ذلك عدة اعتقالات، آخرها في الشهر السابع 2013، مع صديقه أبو يوسف الذي سيستشهد تحت التعذيب. في دمشق عرفت ابنته "وفا"، كأول فتاة دخلت حي الميدان وهتفت بين آلاف الشباب. وستتولى "وفا" المساهمة في تنظيم والإشراف على العديد من المظاهرات الطيارة التي حدثت داخل العاصمة دمشق. وستهتف بآلاف الشباب في ريف دمشق ودرعا والدير، وستعتقل كما اعتقل والدها ثم ستخرج نحو المنفى وتجهد  في إثارة قضية المغيبين قسرياً في سجون النظام.

تداهم ذاكرتي صورة لأبو صامد وهو يمسك آربي جي، ويقف بجانب صديقه في بيروت الغربية ويبتسم للكاميرا. وأردد أبيات درويش: "اقرأ باسم الفدائي الذي خلق".

بيروت.. تدفع بنا نحو الموت

دخلت بيروت للمرة الأولى بصحبة الشهيد، باسل الصفدي، المبرمج السوري  الفلسطيني، الذي أعدم ميدانياً في سجون النظام السوري بداية ٢٠١١، التقينا بالصحفية جين كوربن والمخرجة دانا ترتميتر التين ستنجزان فيلماً وثائقيا من المواد التي قمنا بتصويرها في درعا ودمشق، تحت عنوان : Syria: Inside the Secret Revolution  . كما التقينا بعدة أصدقاء لبنانيين، والذين لم يألون جهداً في توفير جميع الإمكانيات لدعم الثورة.

(ملصق يطالب بالحرية لباسل الصفدي قبل معرفة مصيره. المصدر: صفحة الفعالية المطالبة بالحرية لباسل الصفدي على انستغرام، والصورة تنشر ضمن سياسة الاستخدام العادل واالحقوق محفوظة لأصحابها)

بعدها بسنتين سأنال جائزة سمير قصير عن فيلم "شارع الموسيقا"، وهي (الجائزة) باسم الصحفي والمناضل اللبناني الذي بشر بربيع دمشق، والذي سيحرمه من مشاهدته مفخخة أودت بحياته، وسترفع في إحدى مظاهرات الثورة السورية عبارته الشهيرة "ربيع بيروت، حين يزهر إنما يعلن أوان الورد في دمشق".  منحت الجائزة عن شريط مصور قصير في نهاية ٢٠١٢ عند عودتي للمرة الأولى من حلب. يتناول الشريط مجموعة من الشبان الذين حملوا آلاتهم الموسيقية وعزفوا في الطريق حيث شكلوا وجهاً مشرقاً للمدينة والقادمين إليها من سوريا، حالمين بالثورة، هاربين من القمع. بدا لي حينها أن ثمة رابط خفي بين حلب وبيروت. في بداية تحرير حلب كانت المدينة تشبه إلى حد كبير الصورة التي بنيتها في ذهني عن حصار بيروت. في المدينة الصناعية تشاركت في قبو المجلس الانتقالي الثوري الغطاء مع عشرات المحامين والمهندسين والأطباء في الليل تحت الضربات المتواصلة من الطيران السوري. كانت المدينة تعد بمشهد ثقافي نضالي مشرق. أُصدرت العديد من الجرائد، وأقيم المجلس الانتقالي الثوري، وأطلق القادة العسكريين تصريحات مشرفة في مواجهة الطائفية البشعة. سيعقد مؤتمر الإعلاميين، كما سترفع أعلام الأكراد بجانب علم الثورة. وسيقام تجمع القضاة الأحرار والمحاميين الأحرار وسينشطون مع طلاب جامعة حلب حيث سيتمخض عن نقاشاتهم اليومية تحت القصف العنيف هوية وطنية وخطاب فكري يقف في وجه التطرف الذي كان يزحف ببطء بموازاة زحف النظام. كانت ستكون حلب عاصمة مؤقتة، تكون المرتكز الأول لإسقاط النظام. أفشل ذلك المشروع بتوافق دولي.

في بيت سرسق وأمام حشد كبير من رجالات الدولة وسياسيها تحدثت عن حلب المحررة والثورة السورية، ثم ختمت حديثي: "شكراً لبيروت التي تحتضننا دوماً"! اليوم بيروت تدفع بنا نحو الموت!

أتأمل الصورة وأنا افكر: هل أدرك عرفات أن المدينة بعده ستتغير؟ ثم أستعيد الفصل الأخير من رواية البيرتو مينديس (أزهار عباد الشمس العمياء)، التي تتناول أربع قصص عقب هزيمة الجمهوريين وبقاء فرانكو في السلطة.

يرسل لي أحد الشباب الهاربين من الجيش المتخفيين في بيروت "أنا على استعداد للموت قبل أن يتم ترحلي إلى سوريا".

أحاول في يومياتي أن لا ألفت الانتباه، ألتزم الصمت والمنزل في أغلب الأحيان. أراقب قطي الأليف وهو يتأهب لأي حركة على الدرج. أقفز بعدها وأحدق من العين السحرية. أعود نحو الأريكة. يبدو خيار القفز من الشرفة معقولا كما في الرواية.

إنها فصول الهزيمة في بيروت.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد