الزوج القادم من المجهول

السوريات والحرب.. معاناة من نوع آخر


بين حب وطلاق، عنف وحنان، غياب وهروب، موت وحياة تنتظر "العملية الاستشهادية"... هكذا هي حيوات سوريات اخترن الزواج من "مقاتلين" أجانب انخرطوا في الحرب السورية، وقدموا من بلاد ومصادر مجهولة. يرصد هذا التحقيق المعمّق، حكاية هاتي الفتيات وأحوالهن اليوم.

22 آب 2019

(زواج من رجل مجهول المصادر والأهداف، ومعقد النتائج، قبلت به بعض السوريات تحت ضغوط مختلفة وأسباب عديدة/ خاص حكاية ما انحكت)
رنا العبد الله

اسم مستعار لصحفية سورية مقيمة في محافظة إدلب

"غادر بعد ثلاثة أشهر من زواجنا، ولم يعد إلى الآن".

بهذه العبارة تجيب سعاد (30 عاما) من كفرنبل بريف إدلب الجنوبي كل من يسألها عن زوجها السعودي الذي غادر فجأة دون أن تعرف الى أين ذهب، ولماذا؟

أبو أسامة، لقب لأحد المهاجرين الذين وفدوا إلى سورية في عام 2014. وكالعديد من المهاجرين، تزوّج من سعاد السورية من كفرنبل في ذلك العام بعد أن أخبرها بأنه جاء لمناصرة أخوته السوريين ضد النظام السوري.

فريد (اسم مستعار/ 55 عاما)، وهو ضابط مخابرات (الأمن السياسي) من كفر نبل، منشق عن النظام منذ بداية عام 2013. يؤكد خلال لقاء شخصي معه أن "الزوج" كان زميلا له في فرع المخابرات، قبل أن ينشق عن النظام، وهو من الطائفة العلوية، ولكنه كان يدخل إلى المناطق الخارجة عن سيطرة النظام باسم "المهاجر السعودي أبو أسامة، والذي كان يقاتل مع جبهة النصره".

يقول فريد لحكاية ما انحكت: "بعد رؤيتي لأبي أسامة  في أحد متاجر المدينة لبيع الحلويات، تذكرت ذلك الضابط العلوي، زميلي في فرع المخابرات السورية. عندها نظر إليّ نظرة خوف وارتباك. وفي اليوم الثاني أعلن الناس اختفاءه من المدينة!".

من جانبها، أوضحت سعاد التي التقتها حكاية ما انحكت، أثناء زيارة لها في  مركز مزايا في كفر نبل، بأنها لم تستطع معرفة شيء عنه خلال عيشها معه إلا هويته وجواز سفره "السعودي"، حتى صلاته كان لها غرفة خاصة.

مهند (الاسم الأول/ 35 عام) الذي يعمل في مهنة تربية النحل وبيع العسل، من كفرنبل، يؤكد أيضا، خلال لقاء شخصي معه، أنه قابل ذلك الرجل عندما كان يأخذ نحله إلى مراعي تلك المنطقة في قرية الربيعة ذات الأغلبية العلوية في ريف حماة الغربي. لم تعد تلك المعلومات، سواء كانت صحيحة أم خاطئة، تعني لسعاد شيئا عن أصله وحقيقته ما دام قد "غادر بلا عودة" كما تقول.

هذه حالة من عدّة حالات، تصل إليها فتيات سوريات يخترن الزواج من المقاتلين المهاجرين، والقادمين من بلاد ومصادر مجهولة، وأكثر ما يعرف عنهم الجملة المتداولة التي يدّعون فيها أنهم قدموا "لمساندة المعارضة السورية ضد النظام السوري المجرم".

(زواج من رجل مجهول المصادر والأهداف، ومعقد النتائج، قبلت به بعض السوريات تحت ضغوط مختلفة وأسباب عديدة، بينما ترى به بعض من نساء المنطقة أنه زواج مهين، قلّل من شأن المرأة السورية وقيمتها بشكل عام/ خاص حكاية ما انحكت)

زواج من رجل مجهول المصادر والأهداف، ومعقد النتائج، قبلت به بعض السوريات تحت ضغوط مختلفة وأسباب عديدة، بينما ترى به بعض من نساء المنطقة أنه زواج مهين، قلّل من شأن المرأة السورية وقيمتها بشكل عام، وبأنه غامض، باعتبار أنّ أصول ذلك الرجل تبقى مجهولة بالنسبة للزوجة مهما تحدّث وعرف عن نفسه، فإنّ الحقيقة تبقى غامضة، خاصة في ظلّ تصرفات بعضهم الغريبة والمريبة.

نفس الحالة تقريبا تكررت في قرية معرة حرمه في ريف إدلب الجنوبي مع "أبو طلال المهاجر" الذي يقاتل مع جبهة النصرة، الذي يقول أنه قادم من السعودية لمساعدة المقاتلين من الثورة السورية.

تزوج من ريم (اسم مستعار/ 18 عام) التي التقينا بها بشكل شخصي، تقول لحكاية ما انحكت: "كان يعاملني بقسوة وعنف وطالما ضربني، وكان يفرض علي قوانين غريبة، كأن لا أتكلم مع أحد خارج المنزل، أو ألا أستعمل الهاتف، ولا أذهب لزيارة الجيران! وإن حدث وذهبت، يذهب خلفي ويسألهم عمّا كنّا نتحدث؟!".
جارة ريم، أم يامن (48 عام)، والتي طالما استقبلتها عندما تأتي إليها شاكية باكية جراء سوء معاملته لها، بعد أن أعياها الوصول الى أهلها الذين نزحوا ويعيشون في المناطق الحدودية مع تركيا، تقول لحكاية ما انحكت، بأنها نصحت ريم بأن تتصل بأهلها بواسطة هاتفها وتخبرهم بمعاملته السيئة لها، وبعد ذلك ساعدتها على الهرب، فعادت إليهم بعد زواج فاشل.

من جهتها، الجارة أم يامن تبدي امتعاضها وشكوكها حول ذلك المهاجر، فتقول "إن تصرفاته تثير الشكوك حول حقيقته، خاصة وأنه لم يُري زوجته هويته، ولم يسمح لها أن تتكلم مع أهله، أو إخوته! بالإضافة إلى معاملته السيئة وضربه لها!".

( تقول ريم لحكاية ما انحكت: "كان يعاملني بقسوة وعنف وطالما ضربني، وكان يفرض علي قوانين غريبة، كأن لا أتكلم مع أحد خارج المنزل، أو ألا أستعمل الهاتف، ولا أذهب لزيارة الجيران! وإن حدث وذهبت، يذهب خلفي ويسألهم عمّا كنّا نتحدث؟!"/ خاص حكاية ما انحكت)

معتز (اسمه الأول/ 28 عام) من الجيش الحر من سكان قرية معرة حرمه، وهو زميل لأبي طلال المهاجر، يفيد خلال لقاء شخصي معه، بأنه لاحظ على صديقه المهاجر السعودي، أنه بدأ آخر فترة بامتهان طب الأعشاب والتداوي به بين الناس!

معتز يلفت الى ناحية مهمة وهي أن أغلب هؤلاء المهاجرين يطلقون على أنفسهم أسماء مستعارة مثل: "أبو طلال وأبو يوسف، أبوأحمد... فهذه الألقاب تبقيهم مصدر شك وريبة، خاصة لمن لا يقبل منهم بإبراز هويته الشخصية كأبي طلال، وبأن بعضهم قد يكون مخابرات لجهات مجهولة" حسب ظنه.

حالات ناجحة

بالرغم من وجود هذه الحالات الفاشلة، إلا أنّ ذلك لم يمنع استمرار حالات الزواج تلك، وتكرارها في كافة المناطق، سيما وأنه ليست جميع الحالات تفشل بهذه السرعة، أو سريعة النتائج بهذا الشكل.

لمياء (26 عاما) من ريف حماة، تسكن اليوم في مدينة إدلب. تقول خلال لقاء مباشر معها: "قبلت الزواج من زوجي الروسي الأصل، فأنا وأهلي عانينا من سطوة النظام وظلمه، حيث قتل أخي، وسجن أخي الآخر، لذلك نحترم كل من هاجر إلينا ليساعدنا على إزالته والانتقام منه".

ولده الذي في أحشائها ينتظر القدوم إلى هذه الحياة ووالده كان قد سجل سلفا على عملية استشهادية ضد النظام وأعوانه، موضحة بأنه أخبرها بذلك قبل أن يخطبها، ومع ذلك وافقت على الارتباط به.

أبوحنيفة الروسي، نقلا عن زوجته، كان يعمل قبل قدومه إلى سورية بالدعوة والإرشاد في روسيا. تشاجر مع أحد المعادين للإسلام هناك وضربه، فأصبح مطلوبا للحكومة الروسية (والقول له نقلا عن زوجته)، وما إن سمع بالقتال ضد النظام في بلاد الشام حتى قدم إليها ليتخلص من الملاحقة.

تفيد لمياء بأنها سعيدة مع زوجها حاليا، والذي تعرّف عليها عن طريق أخيها الذي هو زميله بالقتال ضد النظام، إذ طلبها منه ثم وافقت بمشورة والديها بدون قصة حب مسبقة، إنما كان هناك إعجاب من قبلها به مقابل إعجابه بها. لكنها الآن تعاني من جهله بالتعامل مع المجتمع بشكل عام هنا، كونه غريب. وينعكس ذلك بأدق التفاصيل، حيث يعاني من صعوبة شراء أي شيء من المتجر، ما يجعلها تشعر بالمسؤولية تجاهه وتجاه تصرفاته: "تزوجت لأشعر بوجود سند لي ولكني تفاجأت بأني أرعى زوجي وأنتبه له كولد صغير لا يعلم شيء عن هذه المنطقة وكيفية التعامل مع أهلها".

تصفه لمياء بأنه حنون بمعاملته معها لدرجة أنه كان لا يأكل طبخة اليبرق بعد أن تطبخها، تضامنا منه معها وتعبيرا عن حبه وتقديره لها، لأنها تتعب بصنعه ولأن عمله يتطلب جهدا ووقتا طويلا، فيما هو يأكله في دقائق! وهو بدوره يطبخ لها بعض الأكلات الروسية لكي يعرّفها عليها ويطعمها منها، وأشهر تلك الأكلات تدعى (آش).

كلماته العربية البسيطة التي يتقنها كانت كافية لخلق التفاهم فيما بينهم والتعامل  والمودة. تضيف لمياء بالقول: "إن حالة الاعجاب قبل الزواج تحولت إلى حب حقيقي بعد أن تزوجنا، لذلك أحاول الآن دائما أن أقنعه بعدم تنفيذ العملية الاستشهادية من أجل ولدنا وسعادتنا معا".

(تفيد لمياء لحكاية ما انحكت بأنها سعيدة مع زوجها حاليا، والذي تعرّف عليها عن طريق أخيها الذي هو زميله بالقتال ضد النظام، إذ طلبها منه ثم وافقت بمشورة والديها بدون قصة حب مسبقة، إنما كان هناك إعجاب من قبلها به مقابل إعجابه بها/ خاص حكاية ما انحكت)

وعن طبيعته الدينية، تؤكد لمياء أنه غير متشدد في آرائه الدينية حيث ترك لها حرية الخيار في لباسها دون خمار ولم يجبرها عليه.

لم تلاحظ حالات للزواج بين اثنين لا يتقن فيها المهاجر بعض كلمات في اللغة العربية أبدا، وذلك لصعوبة التفاهم فيما بينهم وقد لاحظنا بعض حالات الطلاق عندما يوجد هناك اختلاف وعدم انسجام بالشخصية أو الثقافات.

ليس كل حالات هذا الزواج متساوية بدرجة التفاهم والانسجام، فسوسن (مستعار/ 35عام) من معرة النعمان كانت تشكو من طبيعة زوجها التونسي المهاجر التي تتصف بالغموض في تصرفاته، كأن يقفل على نفسه بغرفته الخاصة كلما أراد أن يفتح اللابتوب أو كلما أراد الصلاة !

سوسن توضح سبب اضطرارها لهذا النوع من الزواج،  فتقول أنه كان بسبب يأسها من فرص الزواج برجل من أبناء بلدها.

أزواج شهداء

تفيد لمياء بأن هناك زملاء لزوجها كثر يطلبون الزواج حاليا، ويعللون سبب إقبالهم على الزواج كونهم يحبون أن يكون لهم ولد يحمل اسمهم وطابعهم في الحياة  قبل وفاتهم حيث أنّ الغالبية منهم سجلوا على عمليات استشهادية، وبالتالي مصيرهم الموت على الأغلب.

أبو حنيفة الروسي (نقلا عن زوجته) أدرج اسمه للعمليات الاستشهادية، طمعا بالجنة التي سوف يلقاها بعد الموت وفق اعتقاده، وذلك كثواب له لأنه "يقاتل النظام وأعوانه من الشيعة أعداء الله" حسب وصفه.

(الغالبية من الأزواج سجلوا على عمليات استشهادية، وبالتالي مصيرهم الموت على الأغلب/ خاص حكاية ما انحكت)

من جانبها، تعلل لمياء سبب قبولها بالارتباط بزوج شهيد قائلة: "لقد وصلنا هنا في سورية إلى حقيقة مهمة، وهي أننا كلنا هنا مستهدفون بالموت والدمار، سواء كنّا مدنيون أو غير ذلك، لذلك فالأمر صار عاديا لدينا، وأنا أتوقع أن يأتي زوجي من المعركة ميتا بأي لحظة. ما يهمني أنه وعدني بأن يحقق لي حلمي بالعودة إلى حماة قبل أن يموت وبأن يحضر لي أولادي من زوجي السابق الذي انفصلت عنه قبل أربع سنوات بسبب بقائه مع النظام بريف قمحانه لأعيش معهم في حماة التي خرجت منها بسبب ملاحقتي من قوات النظام". ورغم ذلك، فإن لمياء تصر تصر على زوجها أن يلغي العملية الاستشهادية.

أكثر من زواج

في بعض الأحيان يتزوج مهاجر واحد من عدة زوجات ويطلق بحسب رغبته. هذا ما فعله أبو حيدرة (اسمه في المنطقة) وهو مهاجر آخر. يقول نقلا عن زوجته الثانية رشا التي التقتها حكاية ما انحكت في بيتها في قرية البارة نهاية عام 2018، أنه قدم من العراق وجاء لمناصرة الثورة أيضا. ويدّعي أيضا أنه كان في سجون الدولة الإسلامية لأنه كان يقاتل ضدهم في العراق هناك، وأنه استطاع الفرار الى سورية، وهو يعمل اليوم في تدريب المقاتلين من الجيش الحر.

تقول رشا (25 عام): "كنت آخذ كلامه عن نفسه وتعريفه عنها بثقة تامة، وتزوجته على هذا الأساس".

وعن حقيقة أصوله، توضح قائلة: "كل ما أعرفه عنه هو أنه كان يجعلني أتكلم فعلا مع إخوته وأمه وأبيه في العراق على الهاتف".

زميله يونس (اسم مستعار، 35عاما) مقاتل سوري من الجيش الحر من قرية البارة. يفيد خلال لقاء شخصي معه، بأنه أطلعه يوما على دفتر عائلته "المزور"، والذي يصنعه أغلب المهاجرين الوافدين إلى المنطقة، في أي محكمة متوفرة في المنطقة، وهو مكون من  اسم الأب واسم الأم. ولكنه غير معترف عليه إلا داخل المناطق المحرّرة، شأنه كشأن أي شهادة دراسية أو هوية شخصية تصنع بتلك المنطقه، وغير معترف بها في الدول الرسمية.

(في بعض الأحيان يتزوج مهاجر واحد من عدة زوجات ويطلق بحسب رغبته/ خاص حكاية ما انحكت)

المحامي يوسف (مستعار/ 55 عاما) من كنصفره في ريف إدلب الغربي، يعمل في محكمة معرة النعمان يقول: "إن هذه الدفاتر أصبحت حديثا تعمل للمهاجرين حصرا في دار الشؤون الاجتماعية في إدلب المدينة، حيث يتطلب الدفتر فقط اسم الأب للمهاجر والمتعارف عليه، والذي يناديه به أهل المنطقة، مع اسم الأم وبقية المعلومات تضاف أيضا إلى نفس الدفتر".

وعن أسباب قبولها لهذا الزواج، تقول رشا وهي زوجته الثانية "أردت أن أتخلص من الفقر الذي كنت أعيشه مع عائلتي، فقد كان أبي يعمل بالخبز وبيعه لإعالة 9 أولاد، كنت أنا واحدة منهم، فعدت إلى والدي ومعي ابنتان!".

والد رشا، الذي التقته حكاية ما انحكت بشكل مباشر، يدافع عن نفسة تجاه انتقادات الناس لموافقته على هذا الزواج بقوله: "لا نستطيع أن نحرّم من جاء لقتال عدونا ومساعدتنا ضده من أبسط حقوقه وهو الزواج". ولكنه يعترف أن هذا الرجل المهاجر يختلف عن البقية، وبأنه "غير صالح" حسب وصفه، فمعاملة أبي حيدرة السيئة لابنته جعلته يشكك في أصوله ونواياه، فطلب منه أن يطلقها في حين غالبا ما يتملص أبو حيدرة المجاهد من نفقة ومصروف ابنتيه كما تقول زوجته بعد الطلاق! كل ذلك لم يشكل مانعا أمام سكان المنطقة من أن يزوجوه بفتاة أخرى بعد طلاقه لها!

"هذه المرة كانت زوجته الثالثة من معرة النعمان" كما تقول ياسمين التي التقتها حكاية ما انحكت، وهي صديقة زوجاته الثلاثة، وهي من أبناء قرية كفرومه. تفيد بأنه كان يضرب جميع زوجاته ويهينهن، حيث كن يشتكين منه دائما لها عن ذلك، حيث كانت على دراية بكل ما يحدث معهن بحكم صداقة زوجها يونس له وعلاقات العائلتين.

تحدثنا رشا أيضا، عن تظلمه وشكايته من طليقته الأولى، عندما جاء لخطبتها و"لكن للأسف كان كلامه عنها بالسوء كله كاذبا".

الخوف من العنوسة والطلاق.. أسباب أخرى

العنوسة ساعدت إلى جانب الفقر على وجود مثل هذه الحالات من الزواج أيضا، وذلك جراء خوف بعض الفتيات من البقاء طوال العمر دون زواج.

إيمان (اسمها الأول/ 32 عاما) من معرة حرمه في ريف إدلب الجنوبي، تصرح عند لقاء حكاية ما انحكت بها شخصيا، بأنّها غير نادمة على زواجها من مهاجر روسي من أذربيجان رغم وفاته عام   2017 بسبب مرض السرطان الذي أصابه.

وتعلل سبب قبولها من الزواج به، أنها تحب أن يكون لها أولاد، بعد أن  وصلت لسن متأخره (35 عاما)، الأمر الذي قلّل فرصها بالزواج وإنجاب الأطفال لذلك قبلت بهذا الزواج من أجل الحصول على الولد. وبالفعل حصلت منه على ولدها الوحيد.

(العنوسة ساعدت إلى جانب الفقر على وجود مثل هذه الحالات من الزواج أيضا، وذلك جراء خوف بعض الفتيات من البقاء طوال العمر دون زواج/ خاص حكاية ما انحكت)

لكن السبب عند لجين (مستعار/ 28 عام) من قرية بسقلا في ريف إدلب يختلف، بالرغم من التشابه، فلجين سعيدة بالعيش مع زوجها من أذربيجان (موطنه الأصلي) وطفليها الصغيرين، أيمن (3 سنوات) وصفاء (سنة واحدة).

تشرح لجين خلال لقاء معها في بيتها، عن سبب قبولها بالزواج، من ذلك المقاتل المهاجر بقولها: "بعد أن تركت زوجي الأول بسبب خلافاتنا، أصبحت فرص الزواج مرة أخرى بالنسبة لي ضعيفة لأني أصبحت مطلقة، وذلك بحسب أعراف أهل البلد، لذلك قبلت بالزواج من مقاتل مهاجر".

أما والدها يبدو مسرورا جدا بنسيبة الجديد الذي يساعده في الزراعة وأعمال الأرض.

قليلا ما تفكر لجين بالمستقبل، ونتائج هذا الزواج على المدى البعيد، فما يهمها هو أنها تعيش حاليا بسعادة مع هذا الزوج الذي يحترمها. وتقول أن معاملته أفضل من معاملة زوجها السابق الذي كان من نفس قريتها!

نظرة المجتمع إلى المطلقة ساعدت أكثر في ظلم المتزوجات من المهاجرين. فريم تعلّل سبب تأخرها بالانفصال عن زوجها المهاجر بقولها: "كلما كنت أقرر وأستشير أهلي بالطلاق كانت تقول لي أمي: انتظري واصبري الآن إلى أن تتزوج أخواتك البنات، لأن وجود أخت مطلقه لهن ربما يمنع الناس من التقدم لخطبتهن!".

من الملاحظ، أن عدد الفتيات اللواتي تزوّجن هذا الزواج في تزايد مستمر بالرغم من بعض حالاته الفاشلة. تشير إحصائية نشرتها حملة تدعى "مين زوجك" (2018) بإدارة الناشط نسيب عبد العزيز، والذي يعمل ضمن مجموعة تطلق على نفسها اسم (سوريون ضد التطرف)، حيث تعمل المجموعة على التنبيه والتوعية ضد التطرف وكشف أساليب المتطرفين في التدليس  بما يناسب مصالحهم وغاياتهم، ساعين لتبيان الأخطار وأثرها على المجتمع السوري بكل مكوناته. طالت الحملة التي يعمل أفرادها بشكل سري خوفا من المتطرفين، كل من إدلب وريفها وريف حماه الشمالي، وبينت الحملة بأنه قد بلغ عدد المتزوجات من المهاجرين 1735 من عام 2013 حتى عام 2018. 65 حالة منها هرب الزوج وترك زوجته، و190  حالة صارت بحكم الأرملة أو المطلقة.

يقول مسؤول الحملة، نسيب عبد العزيز الذي تحدثت معه حكاية ما انحكت عبر اتصال هاتفي: "الهدف من الحملة هو بيان الآثار السلبية جراء هذا النوع من الزواج على الأفراد والمجتمع، وخاصة الأطفال، عن طريق نشر رسائل توعوية، توّضح تلك الأضرار كما ركزت على مستقبل الأطفال ونسبهم وهوية هؤلاء الأطفال والعوائق المؤثرة على مستقبلهم، فهم حكما وقانونا مجرّدون من الحقوق المدنية السورية".

كما كان من أهداف الحملة، التركيز على الوضع الصحي والنفسي والعائلي للمرأة في هذه الحالة، خاصة وأن معظمهم تركوا نساءهم بسبب وفاتهم أو انتقالهم إلى مناطق أخرى أو بسبب زواجهم مرة أخرى.

وعمّا إذا كانت الحملة قد حققت نتائج ملموسة، تحدث نسيب عن تفاعل شعبي كبير وغير متوقع من الناس مع الحملة لدرجة أن بعض المتزوجات من مهاجرين شاركن في النقاش والحوار في المنتديات الحوارية لتلك الحملة، وبالإدلاء بإفادتهن ومعلوماتهن الكاملة عن هذا الموضوع.

من جانب آخر، يؤكد نسيب على أنّ الحملة تعرّضت للملاحقة من بعض التنظيمات كهيئة تحرير الشام وبقايا تنظيم جند الأقصى.

هربا من "نق الحماية" أم الجهل؟

أم عبد القادر (مستعار/ 46 عاما) نازحة من مدينة حماة إلى قرية بسقلا في ريف إدلب الجنوبي، وهي ربة منزل/ بالإضافة لعملها أحيانا في الورشات النسائية العاملة بالزراعة في تلك المنطقة. تقول بأنها لاحظت أن "المرأة مظلومة في هذه القرية (بسقلا) والقرى التي تجاورها، حيث تتلقى الفتيات معاملة سيئة، إذ يجبرهن أهاليهن على العمل في الأراضي الزراعية بدون أي امتنان، أو شكر وتقدير من ذويهن".

وتضيف أن "الكنة (زوجة الابن)  تتلقى معاملة سيئة عادة من قبل بيت عمها الذين لا يتوانون عن إهانتها، وهذا ما يعلل رغبة أكثر البنات في ريف إدلب أن يقبلن بالزواج من مهاجرين ليس لهم أب أو أم، يفسدون علاقتهن مع الزوج الابن".

(تقول أم عبد القادر لحكاية ما انحكت: "الكنة (زوجة الابن) تتلقى معاملة سيئة عادة من قبل بيت عمها الذين لا يتوانون عن إهانتها، وهذا ما يعلل رغبة أكثر البنات في ريف إدلب أن يقبلن بالزواج من مهاجرين ليس لهم أب أو أم، يفسدون علاقتهن مع الزوج الابن"/ خاص حكاية ما انحكت)

وبحسب أم عبد القادر "ففي قرية بسقلا هذه، والتي يبلغ تعداد سكانها خمسة آلاف نسمة، بلغ عدد المتزوجات من مقاتلين مهاجرين ثمانية بسبب الجهل وقلة الوعي، بينما في مدينة كبيرة قياسا بالقرى الصغيرة الأخرى كمدينة كفرنبل التي يبلغ تعداد سكانها 100 ألف نسمة لا يوجد حالات لهذا الزواج سوى حالتين، بسبب كون سكان هذه المدينة أنضج وثقافتهم ذات مستوى أعلى".

من يعارض؟

هناك الكثير من مثقفي وأهالي المنطقة يعارضون هذا النوع من الزواج. وحجة أصحاب هذه المواقف تتمثل في الخوف من أصول هؤلاء المهاجرين الحقيقية وغاياتهم في ظل عدم الاطلاع على هوياتهم، أو أيّة أوراق رسمية تثبت ما يقولونه أو يدعونه عن أصولهم، وولادة أطفال مشتتي النسب والإقامة، مما يؤثر في استقرار الأسرة التي هي عماد المجتمع.

منير (مستعار/ 55 عاما)، التقته حكاية ما انحكت بشكل مباشر، وهو مهندس عمارة من مدينة كفرنبل، يوضح بأن أهل مدينته "يعارضون الزواج من خارج المدينة أصلا داخل سورية، فكيف إذا كان الزواج من دولة أخرى أو مناطق مجهولة؟".

لذلك فحالات الزواج هذه قليلة في مدينته كما يقول، مبرزا دوره المعارض لهذا الأمر، خاصة ممن يتزوج منهم بأكثر من امرأة قائلا: "كيف لمن جاء للجهاد أن يتفرغ للزواج بأكثر من امرأة بينما هو قادم إلى هنا بهدف القتال ضد النظام فحسب! إن هذا يدعو إلى التشكيك في نوايا ذلك النوع من المهاجرين الحقيقية".

السبب الآخر الذي جعل بعض الناس ترفض هذا الزواج، هو ولادة جيل من الأطفال يتامى الأب، سيما وأن أغلب هؤلاء المهاجرين سجلوا على عمليات استشهادية قبل زواجهم.

مهنا (اسمه الحقيقي / 20 عاما) من طيبة الإمام في ريف حماه الشمالي، تحدثنا معه عبر الواتساب، ترملت أخواته الثلاثة بوقت متقارب ما بين عامي 2015 و2016  فقط، قبل أن يرزقن بأولاد بعد. الكبرى أسماء (18 عاما) والصغرى رغد (12 عاما) أما الوسطى  ريم 15)عاما)، فبعد ن أصبح يتيما في عام 2012 ، هو وأخواته الثلاثة حيث توفي والداه في حادث سيارة، لم يبق لهم أحد، فقرر الذهاب إلى مدينة الرقه منذ أربع سنوات بداية الشهر الأول عام 2015، وهناك قام بتزويج أخواته إلى مهاجرين، جميعهم كانوا قد سجلوا على عمليات استشهادية، فاستشهدوا جميعا.

ابنة عمه ولاء 25عاما، وهي ربة منزل نازحهة، تسكن اليوم في خان السبل بريف إدلب، تؤكد لحكاية ما انحكت خلال لقاء مباشر، أن لتيتمهم سابقا، هو وأخواته الدور الأكبر في ضياع هذه الأسرة حيث لا يوجد ناصح ولا راعي لأسرتهم بحسب قولها، حيث أن حالات الزواج من الاستشهاديين نادرة تقريبا لمن يمتلك الأسرة والرعاية الكاملة بحسب ولاء.

الحقوقية، وداد الرحال، ناشطة حقوقية نسائية من مرعيان، رئيسة الرابطة النسائية السورية في محافظة إدلب المحررة، أخذت على عاتقها توعية النساء تجاه ذلك الزواج ومخاطره على المدى البعيد من خلال محاضرات منظمة في المراكز النسائية الموجودة بالمنطقة، وخاصة فيما يتعلق بمصير أولاد المهاجرين، حيث لا يوجد هناك دفاتر عائلية رسمية وحقيقية يسجلون بها، مما يضطر بعضهن لتسجيل الأولاد على دفتر عائلة أبيها وأهلها فيصبح ولدها بمثابة أخيها في التسجيل!

(لوحة للفنان عمران فاعور، تظهر خاتم زفاف متصل بقيد دليل على رفضه عروض الزواج التي تعرض على اللاجئات السوريات في مخيمات اللجوء وغيرها، والتي تعتبر بمثابة استغلال لظروفهم الصعبة بدل مساعدتهم. المصدر: حملة لاجئات لا سبابا على الفيسبوك)

قام متطوعون معارضون لهذا الزواج بعدة حملات توعوية لأخطاره أيضا كحملة "لاجئات لا سبايا"، وحملة "طفلة لازوجة" للتوعية بمضار زواج القاصرات في المناطق المحررة. وتتمثل نشاطات هذه الحملات بالكتابة على الجدران حول مخاطر الأمر، وعبر تقديم محاضرات توعوية.

من ناحية أخرى، ناقشت مجموعة من النساء أثناء الجلسات الحوارية لوضع الدستور السوري التي أقيمت بمعرة مصرين في 2/2/2019 مع مهتمات ومغتربات سوريات دعت إليها الحركة النسوية السورية عبر سكايب، إمكانية تغيير البند القديم الذي لا يسمح للمرأة السورية بإعطاء الجنسية لأولادها. حيث تم الاتفاق على ضرورة الضغط والنضال من أجل حصول المرأة على حقها بمنح الجنسية لأبنائها، من أجل إنصاف ذلك الطفل الذي يأتي من أب مهاجر.

تتحدث رانيا (مستعار/35 عاما) من قرية معرة حرمه بريف إدلب الجنوبي عن عقد زواجها بمهاجر من كردستان العراق، فتوضح بأنه عقد زواج مدني كتبه شيخ بحضور شاهدين من رجال أهل المنطقة، حيث يوقع الطرفان على هذه الورقة التي هي بمثابة عقد الزواج، وذلك خلافا للطريقة المعروفة لدى أهالي المنطقة قديما حين كان يتم تثبيت هذا العقد لدى محكمة تابعة للدولة القائمة آنذاك.

تقول رانيا التي تحدثنا إليها عبر الهاتف، بأنها غير نادمة على هذا الزواج بالرغم من وفاة زوجها بسبب مرض السرطان، وذلك لأنها حصلت منه على طفلها الذي تحبه وتستأنس به بعد أن وصلت لسن 35 سنة، حيث يئست مع هذا العمر من فرص الزواج. ولكنها باتت تعاني اليوم من قضية تسجيل ولدها، فهي لم ترغب تسجيله على خانة واسم أهلها ولا لدى الإئتلاف سابقا، والذي حل محل حكومة الإنقاذ التي تتبع لهيئة تحرير الشام حاليا.

المحامي يوسف من كنصفره يقول: "إن تسجيل الأولاد أو عقود الزواج للمهاجرين  يتم حاليا حصرا في مبنى الشؤون الاجتماعية في إدلب المدينة".

وبدوره الحقوقي والقاضي الشرعي حسن (اسم مستعار، 62 عاما) من ريف حلب الغربي، والذي التقته حكاية ما انحكت، بشكل شخصي، قال: "إن الزواج من رجل غير مسلم باطل في الشريعة الإسلامية، وقد يكون هذا الرجل غير مسلم، طالما أنه مجهول الهوية والاسم الحقيقي".

توضح والدة رانيا، أن زوج ابنتها كان صديق أخيها، وقد أعجبته أخلاقه العالية لذلك وافق على تزويج أخته له، وقد شاهد بأم عينه جواز سفره وهويته الشخصية، بل هو من عرض عليه الزواج من أخته عندما لمس معاملته الراقية والطيبة حسب والدة رانيا. أما ربا (مستعار/27  عاما)، وهي ربة منزل، فقد  قامت بتسجيل ولدها من زوج مهاجر سعودي على دفتر عائلة والدها وهويته بعد أن توفي زوجها في إحدى المعارك  ضد النظام السوري.

خالد دعبول (54 عاما)، مدير المجلس المحلي سابقا في مرعيان، يقول :" يوجد في قرية مرعيان التي يبلغ عددها 5 آلاف نسمة، عدة حالات لفتيات تزوجن من مهاجرين، اثنان منهم غادروا ولم يعودوا، وآخر تزوج من زوجة ثانية، وحالتان  توفي فيهما الزوج أثناء القتال، وحالتان مات أزواجهن بالمعارك".

وعن إذا ما كان هناك أي اهتمام بمصير الزوجة بعد وفاة زوجها المهاجر من قبل المجالس المحلية، يفيدنا محمود أنه ليس هناك أي اهتمام رسمي من قبل المجالس المحلية بهذه القضية، سوى بعض المنظمات المستقلة التي تكفل بعض أطفالهم اليتامى بعد الوفاة.

ما بين مؤيد لهذا الزواج ومعارض، يرى أكثر سكان هذه المناطق أنّ سلبيات هذا الزواج تفوق إيجابياته، فمنى مدرسة اجتماعيات من كفرنبل (45عاما) لا تؤيد هذا الزواج مهما كانت الأسباب، وترى أنه ينتقص من كرامة المرأة السورية ويقلل من قيمتها ، إذ "لدي ستة بنات ولا أويد زواج أي منهن من مهاجر، حتى لو بقين طيلة حيواتهن بدون زواج لأن النتائج السلبية أكثر من الإيجابية وعلى كافة المستويات".

وتضيف منى أن هذه المشكلة لا تحل إلا بالوعي لدى الأهالي وبين النساء بشكل عام موضحة بأنه "لا يوجد طريقة منظمة  للتوعية، ولا اهتمام بها لغاية الآن بسبب خوف البعض من انتقام تشكيلات هؤلاء المقاتلين المسلحة".

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد