جدليّة الثورة والحرب الأهليّة وإشكاليّة الكيان الوطني نفسه في سوريا


يحلّل الكاتب والباحث وسام سعادة ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة هذه الثورة وأسبابها ويقارنها بغيرها من الثورات، ويقول في متن مقالته إنّ الثورة السوريّة "كانت ثورة يمكن استجماع مجموعة وافرة من المسببات لها، إنما من دون سبب قصدي مباشر محدّد يعلو على واقعة انتشار عدوى "الشعب يريد" في عدد من البلدان العربية، في إثر تونس ومصر وليبيا ثم اليمن والبحرين وسوريا".

26 آذار 2021

وسام سعادة

أستاذ محاضر في الفلسفة السياسيّة وباحث في معهد العلوم السياسيّة في جامعة القديس يوسف في بيروت منذ العام 2003. عمل في صحيفتي السفير والمستقبل ككاتب رأي، ويكتب منذ العام 2014 في صحيفة القدس العربي.

انفجرت الأحداث في سوريا منذ آذار 2011 بفيض من المسبّبات، إنّما من دون سبب مباشر. الشعوب العربية الأخرى ثارت، والشعب السوري أخذ يقتدي بها. ما عابه أدونيس بالنتيجة على ثورة "تخرج من المساجد" يجد عنصره في هذا: أنها قد تكون نشبت، بشرارة اشتعلت، بدءًا من درعا–سردية الثورة، أو أنّ الفتيل أُشعِلَ بمؤامرة بحسب سرديّة النظام، لكنها من دون سبب مباشر. لا هزيمة عسكريّة جديدة، لا كارثة اقتصاديّة جديدة. كلّ الدعاية المضادة للثورة بقيت في هذه الخانة: هذا نظام "وطني" فهل يعقل أن تثوروا عليه من دون سبب واضح ومباشر؟ وهذا نظام له "أهل" مصيرهم معلّق بمصيره، فهل يعقل أن تثوروا على "أهل النظام"؟

كانت ثورة يُمكن استجماع مجموعة وافرة من المسببات لها، إنّما من دون سبب قصدي مباشر محدّد يعلو على واقعة انتشار عدوى "الشعب يريد" في عدد من البلدان العربيّة، في إثر تونس ومصر وليبيا ثم اليمن والبحرين وسوريا.

الثورة السوريّة.. نموذج الشرارة

إذا ما قارنا بلبنان 2005، سنجد أن هناك حدثًا مباشرًا، بثقل اغتيال الرئيس رفيق الحريري هو الذي أجّج الميدان، واستفاد من تراكم استقلالي مناوئ لاستمرار الوصايّة السوريّة ومنادٍ بانسحاب الجيش السوري من لبنان. أما الانفجار الكبير في سوريا فلم يدشنه حدث مشهدي من هذا النحو، بل انتظمت الأحداث فيه أكثر ضمن نموذج الشرارة التي تشتعل في نقطة، طرفيّة، لتمتد سريعًا، من هذه النقطة إلى باقي النقاط، وإن كان منحاها يزكِّي فكرة أنّها انتقلت من طرف إلى بقية الأطراف في حين عانت مبكرًا، ثمّ وبشكل مزمن، من صعوبة انتقالها من الأطراف إلى المركزين المتروبوليين الكبيرين، دمشق وحلب. 

السبب المباشر السياسي القصدي الذي حرمت منه الثورة السوريّة هو السبب الذي عادة ما يصدر عن مآل الوضع داخل المركز نفسه. وهذا لم يحدث.

بالنتيجة، انتفضت الأنسجة الأهليّة، لا سيما الريفيّة من الأكثريّة السنيّة على نظام مصبوغ بعصبيّة أهليّة ومناطقيّة علويّة، دون أن يكون من الممكن الاكتفاء بهذا التوصيف وإن كان لا بد من المرور به. أكثريّة لها محددات إثنيّة معينة تصل إلى لحظة لا تصبر فيه على تسلط له سمات إثنيّة أقلويّة معينة، إنّما لحظة غير مفعلة بسبب مباشر "سياسي". والحال كذلك، خطاب معاداة الثورة السوريّة استثمر هذه النقطة بالتحديد للقول إنّها ثورة ضدّ طبيعة الأشياء، ثورة "مفتعلة". في حين أنّه، تحديدًا في هذه "الملابسة التأسيسيّة" كان يتجلّى أكثر ما يفترض أنّه عادي عند البشر، عدم صبرهم على نظام يفترض منهم تعطيل جزء لا يستهان به من طبائعهم كبشر.

فيض المسبّبات واحتجاب السبب المباشر

غياب السبب المباشر في مقابل فيض المسبّبات عنى بالنتيجة إقفال المركز المتروبولي على اللهيب الانتفاضي إلى حدّ كبير. لأنّ السبب المباشر السياسي القصدي الذي حرمت منه الثورة السوريّة هو السبب الذي عادة ما يصدر عن مآل الوضع داخل المركز نفسه. وهذا لم يحدث. 

الحدث السوري بوصفه ثورة سياسيّة

25 آذار 2021
ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة يكتب الكاتب المغربي لحسن أوزين عن الأسئلة التي فرضتها الثورة بوصفها جزءًا ضروريًا من أي مراجعة نقديّة لكلّ المقاربات السرديّة التي حاولت...

ولهذا وجه صلة مع كون الثورة السوريّة هي ثورة المناطق الريفيّة، ثورة فلاحين، ضدّ نظام يكرّم الفلاحين أيديولوجيًا، ليعني بهم، "الفلاح المقاتل"، الذي يجد كماله في شخص حافظ الأسد. ثورة فلاحين ضد نظام يجعل من "الفلاح" عقيدته، ومن التفاوت السياسيّ والاقتصاديّ والهوياتيّ بين السوريين بنيته. البرجوازيّة المدينيّة السوريّة احتفظت بضغائنها القديمة ضدّ النظام لوقت آخر، لكنها تململت ونأت عن نفسها بعد أسابيع قليلة عن ثورة استمرت، لا يستطيع النظام قمعها ولا تستطيع هي الإطاحة به، ثورة فلاحين بشعارات لا–فلاحيّة، أمّا ليبراليّة وأمّا إسلامويّة أو مزيج، لا يكاد يحضر الأثر الفلاحي في الخطاب إلا من المؤثرات البعثيّة.

الاستشراق والثورة: نيقولاس فان دام أنموذجًا

الفارق الكبير بين فيض المسببات واحتجاب السبب المباشر ترتبت عليه أشياء كثيرة. منها الحدود المسبقة التي طبعت قراءات عديدة لما حصل. خذ مثلًا حالة المستشرق والديبلوماسي الهولندي نيقولاوس فان دام، الذي كان كتابه "الصراع على السلطة في سوريا: الطائفيّة والإقليميّة والعشائريّة في السياسة" يقدّم مادة تركز بشكل شبه حصريّ أحيانًا على الطابع الفئوي، الأقلوي، لنظام آل الأسد في سوريا. اختلف الأمر تمامًا عنده مع كتابه "تدمير أمة. الحرب الأهليّة في سوريا" (2017). بدأ في كتابه الأخير استعادة مضامين كتابه السابق، وكيفيّة تسيّد نخبة من الضباط البعثيين العلويين على الحزب والجيش وأجهزة الدولة، وكيف اتخذ هذا المسار طابعًا شموليًا في ظلّ حافظ الأسد، ويتوقف عند مفارقة الاستفزاز المزدوج الذي مثّله هذا النظام بالنسبة إلى الوسط السنيّ المحافظ، إن كان من جهة علمانيته أو من جهة طائفيته، ويظهر كيف بدأت إشكالية توريث الحكم منذ تدهور صحة الأسد نهاية العام 1983، وإصراره على حرمان شقيقه رفعت من خلافته، وتنكب رفعت باعتماده على الطائفة المرشديّة (فرع من العلويين) فحسب، في مقابل إصرار حافظ على وجوب أن يمثل القابض على رأس السلطة نقطة تلاق بين الضباط العلويين الأساسيين، ولا يكون محسوبًا على فرع واحد من العلويين، وعلى هذا النحو أيضًا يفهم فان دام لماذا رست الخلافة في آخر المطاف على بشار الأسد.

لكن، إذا كان النظام ديكتاتوريًا على جميع السوريين بلا استثناء، فإنّ نسبة واسعة من السُنّة والته أو عارضته، ظلّت تنظر إليه على أنّه نظام علوي في نخاعه الشوكي.

يستذكر التفاؤل غير المبرّر عند مراقبين غربيين كثر بتوريث بشار، اعتقادًا منهم أن فترته اللندنيّة قرّبته من تشرّب شيء من الديموقراطيّة، وهو ما يظهر فان دام خطأه، ذلك أنّ هذه الفترة اللندنيّة الوجيزة علمته بالأحرى أنه تلزم سوريا مرحلة طويلة قبل أن تتأهل لأيّ شكل من أشكال الديموقراطيّة. في المقابل، يشدد فان دام، في غير موضع، على "دمشقيّة" بشار الأسد، الذي لا ولد ولا ترعرع في القرداحة أو جبل العلويين، وينبّه إلى أن بشار لا يرى نفسه بالشكل الذي يراه الدمشقيون السنّة، وأنه، استطرادًا، لم يكن من المجدي انتظار أن يعمل بشار وأبناء كبار الضباط العلويين الذين ولدوا في دمشق من أجل التحضير لخطة بديلة في حال سقوط نظامهم في العاصمة، كمثل الانفصال بجبل العلويين عن بقيّة سوريا. هم متمسكون بدمشق، وبمعادلة التحالف بين أبناء الضباط العلويين وبين بعض شرائح البرجوازيّة الدمشقيّة السنيّة، مع إشكاليّة ظلّت تقلق النادي الحاكم، وهي ميل أبناء الضباط إلى قطاع الأعمال، أكثر من ميلهم إلى السلك العسكري. هذا قبل أن تتبدل المعطيات بعد الثورة فالحرب. فمن جهة، انخفض العديد في الجيش بعد الثورة من 220 ألف إلى 65 ألف، ما يعني ارتفاع نسبة العلويين فيه، في القاعدة، وليس فقط في القيادة، واتضاح ذلك بعدد قتلاه الذين يشيّعون في القرى العلويّة. إلا أنّ المتغير الأساسي مع الحرب كان تراجع الاعتماد على الجيش النظامي نفسه، لصالح الميليشيات العلويّة والأقلياتيّة كالدفاع الشعبي والشبيحة وقوات النمر وصقور الصحراء، التي صار لها أمراء حرب لهم حيثيتهم الموازية.

القاعدة العسكريّة الطائفيّة للنظام وصعوبة إسقاطه

لا يعتبر فان دام أنّ العلويين يحكمون سوريا منذ منتصف الستينيات إلى اليوم، لكنه يشدّد على أنّ كبار الضباط منهم يتحكمون بجميع المفاتيح في الحرس الجمهوري والمخابرات والقطاعات الأساسية من الجيش، وأنّ أيّ حل سياسي مستقبلي في سوريا لا بدّ أن يترافق مع تخفيض هذه النسبة إلى شيء معقول.

الثورة السوريّة بوصفها حدثًا

24 آذار 2021
"لا يمكن القفز فوق حدث البدايات، في تقييمنا لما نتج لاحقًا؛ فكل ما حدث كان جزءًا من وعيد سلطةٍ بأن تهدَّ البلاد، ولا تدع حجرًا على حجرٍ؛ وقد نفذت السلطة...

لكن، إذا كان النظام ديكتاتوريًا على جميع السوريين بلا استثناء، فإنّ نسبة واسعة من السنة والته أو عارضته، ظلّت تنظر له على أنّه نظام علوي في نخاعه الشوكي، ولم ينفع كثيرًا اهتمام حافظ وبشار بتسنين النظام من ناحية بعض الرموز والاحتفالات الدينيّة، بل ربما ارتد عليهم الأمر بمفعول عكسي.

بالنسبة إلى فان دام، ما كان ممكنًا تفادي الصدام الدموي في سوريا. بالدرجة الأولى، لأنّ نظامًا يقوم على هذه القاعدة العسكريّة الطائفيّة المحصورة من المتعذر إسقاطه بشكل سلمي، والنظام كان واضحًا منذ البداية بأنّه ليس في صدد تقديم إصلاحات جديّة.

بيد أن فان دام ذهب في كتابه "تدمير أمة" إلى أنّه لولا تلقي القوى المعارضة للدعم الخارجي المتعدد المصادر لكان باستطاعة النظام قمع الثورة تمامًا عام 2011، وكانت الضحايا ستكون أقل في المحصلة، وكان يمكن للثورة أن تتجدد بعد ذلك في سنوات مقبلة.

إلا أنّ ما حصل لم يكن كذلك، بل "تدمير أمة" بكاملها. وهنا يحصل الانعطاف في سرديّة الكتاب. ففي الوقت نفسه الذي يقول فيه فان دام إنّ النظام لم يكن بصدد تقديم أي تنازلات، يعود فيعتبر أنّه كانت لا تزال هناك حظوظ لتسويّة معقولة عام 2011، وبشكل أصعب بعد ذلك. ينتقد فان دام تركيز كلّ الضغوط على تنحية بشار الأسد، ويعتبر أنّ ذلك زاد النظام شراسة، لخوض معركته كصراع من أجل البقاء، وتسعير الطابع الطائفي للنزاع. كما يحمل على إيثار حكومات الغرب قطع علاقاتها مع النظام، ويتحجج بأنّ ذلك أفقد هذه الحكومات قدرتها على الضغط السياسي عليه، في الوقت الذي لم تكن تنوي فيه التدخل العسكري ضده. يعتبر أنّه قد جرى بشكل عام التقليل من عناصر قوة النظام وشبكة تحالفاته.

التناقض الذي يحكم كلّ المسار السياسي في سوريا

من جهة، يعتبر فان دام أنّ النظام لا يمكنه أن يقدم أي إصلاحات أو تنازلات، لكنه من جهة ثانية يستهجن كيف يمكن أن تقوم المفاوضات معه على قاعدة إنكار شرعيته بشكل مسبق. بالطبع، يلفت فان دام هنا إلى التناقض الذي يحكم كل المسار السياسي في سوريا، لكنه لا يظهر ما الطائل الذي يمكن أن تجنيه المعارضة من عدم التثبيت من الآن فصاعدًا على مركزيّة تنحية بشار الأسد. يردّد فان دام بأن حقن الدماء، بالتسويّة السياسيّة، أولى من العدالة، وأنّ البراغماتيّة والواقعيّة السياسيّة تفترض هذا. والمشكلة مع هذا المنطق أنّه غير واقعي: فإذا كانت التسويّة السياسيّة غير متاحة، بحسب ما بيَّن فان دام نفسه، فالأولى التمسك بمفهوم العدالة، فلماذا تسليم هذه "الورقة"، هذا إذا اعتبرناها ورقة. لكن الأهم، إنّ الكاتب لا يعي أنّ ثورة السوريين كانت بالفعل ضدّ آل الأسد، قبل أن تكون "من أجل" أي شيء، سواء كان هذا الشيء هو الديموقراطيّة أو الشريعة الإسلاميّة أو أيّ شيء. وليس سبب هذا "شخصنة" الصراع، بل على العكس: لإدراك دفين بأنّ غياب العقد الاجتماعي في سوريا، وصل مع هذه العائلة، منزلة، لا يمكن إعادة تأسيسه، إلّا بطي صفحتها.

الثورات الكبرى الفرنسيّة والروسيّة والصينيّة تؤرّخ بسنة إطاحتها بالنظام القديم، لكن سنة الإطاحة هذه، إمّا هي فاتحة حرب أهليّة كما في الحالتين الفرنسيّة والروسيّة، وإمّا هي خاتمة الحرب الأهليّة كما في الحالة الصينيّة.

بالمجمل، يتذاكى فان دام: يقر بالسمة الفئويّة للنظام، وبطابعه الشموليّ والدمويّ، لكنه يعتبر أنّ كل هذا كان يفترض أن يعزّز التعامل معه بواقعيّة أكثر، وصولًا إلى عدم التركيز على تنحية الطاغية، لتجنب تدمير المجتمع السوري.

صحيح ما يقوله بأنّ سوريا تختلف عن أحوال بقيّة الأنظمة، بسبب الطابع الطائفي لنخبتها الحاكمة. صحيح أنّ الإطاحة بالنظام فيها أصعب، لكن ما دام يعتبر بنفسه أنّ انفجار الصراع ما كان من الممكن تفاديه، كان من المفترض، واقعيًا أيضًا، الإقرار بأنّ "التثبيت" على طلب الإطاحة ببشار الأسد لم يكن من الممكن تفاديه أيضًا، بصرف النظر عن الاختلاف العميق بينه وبين حسني مبارك أو زين العابدين بن علي.

ما كان من الممكن تفادي متلازمة الحرب والثورة في سوريا. كان من الممكن تطوير مقاولات مختلفة للعلاقة بين الثورة وبين الحرب الأهليّة. لكن، سواء من موقع النظام ومحاباته، أو حتى من موقع نقائض النظام، كان هناك أثر سلبي لطغيان ثقافة سياسيّة تتعامل مع الثورات كما لو أنّها في فلك لا تقترب منه الحروب الأهليّة وإلا انعدمت سمة الثورة نفسها. 

في تداخل الثورات مع الاحتراب

الثورات الكبرى الفرنسيّة والروسيّة والصينيّة تؤرّخ بسنة إطاحتها بالنظام القديم، لكن سنة الإطاحة هذه، إما هي فاتحة حرب أهليّة كما في الحالتين الفرنسيّة والروسيّة، وإما هي خاتمة الحرب الأهليّة كما في الحال الصينيّة. 

الوطنيّة "الممكنة": هل كانت هزيمة الثورة السوريّة محتومة؟

23 آذار 2021
"إنّ تلك الوقائع معروفة ويمكن التحقّق منها بسهولة عبر الأرشيف الصحفي، لكن قراءة تلك الوقائع ووضعها في سياق قصة متكاملة، أو ما نسميه فعل "السرد"، هو ما يبقى مثار جدل...

أمّا في سوريا، فليس انتصار الثورة هو من أشعل حربًا أهليّة يولّدها منطق المزايدة داخلها، بالتفاعل مع مناحي الثورة المضادة والتدخلات الأجنبيّة (حال فرنسا وروسيا). بل كان السبب بالأحرى، عدم انتصارها والتوازن الكارثي الذي سارت عليه الأمور منذ الأسابيع الأولى، والقمع الدموي الذي اعتمده النظام، والنزيف التحتي الذي شهده جيشه في مقابل تماسك نخاعه الشوكي ومعادلته المناطقيّة والطائفيّة. وهذه هي حال الأكثريّة العربيّة السنيّة الواقعيّة كما المتخيلة، إذ يجمعها الانتماء للإسلام السني كمشترك عام، لكن ما يجمعها يعود فيقسمها، ذلك أنّها تشترك في الانتماء إلى ديانة كونيّة، وشعور بالانتماء إلى مجال واسع جدًا، وصعب استجماعه وتسخيره في الوقت نفسه. تجاوز الأكثريّة السنيّة لنفسها تحت شعار "الشعب السوري واحد" فيه مكابرة، وخطاب تكتيل نفسها كقوم أكثري في مقابل القوم أو الأقوام الأقليّة فيه مكابرة. 

كل هذا جعلها حربًا أهليّة لا هدنة فيها ولو ليوم واحد، وإن وجد سجل من المفاوضات والمساعي بلا طائل، كون النظام يفاوض على ما ليس يمكن، من حيث طبيعته، أن يحتمله، أي إصلاح ولو جزئي داخله، وكون بعض الحسابات كانت تنبني على أنّه ينازع ويحتضر، في حين أنّه نجح في التحول سريعًا، وبجدارة مرعبة، من نظام يبدو محتضرًا إلى نظام احتضار دموي، لا يتحكم تمامًا بالحرب الأهليّة، لكنه يتحكم باستمراريته فيها إلى أوسع حد.

في الثورتين/ الحربين الأهليتين الفرنسيّة والروسيّة

ليس ثمّة تناقض مطلق بين مفهومي الثورة والحرب الأهليّة. لكن ثمة فوارق أساسيّة بين حالة وحالة. في الثورتين الفرنسيّة والروسيّة اتخذت الحرب الأهليّة نفسها طابعًا ثوريًا. عاد ذلك بصفة خاصة إلى كون الحربين الأهليتين التاليتين لانتصار الثورتين الفرنسيّة من عام 1789 والروسيّة من عام 1917 حربين طبقيتين بامتياز، إضافة إلى اشتغال الرؤى اليوتوبيّة التي تريد شقلبة المجتمع رأسًا على عقب، ما أدى بثورة فرنسيّة، كانت ترمي أساسًا لتنظيم الإكليروس في نطاقها، وتجذير منحاه الاستقلالي المتصاعد عن البابويّة طيلة القرن الثامن عشر إلى الاصطدام سريعًا معه، ومن ثم إلى الاصطدام بالديانة الكاثوليكيّة من حيث هي كذلك، وصولًا إلى التجريب الديني الثوري في "عبادة الكائن الأسمى" وبدع أخرى. تطويع الكنيسة كانت نتيجته الطلاق الجمهوري معها، ما لم يتبلور إلا بعد أحد عشر عقدًا من بداية هذا الصراع.

سريعًا تحوّل التاريخ الديني للصراع الحالي في سوريا إلى بوابة الصراع المذهبي السنيّ الشيعيّ، والصراع بين المفاهيم المختلفة للتسنن، في حين برز تنظيم "الدولة" لوحده كحالة يمكن مقارنتها مع المشاريع اليوتوبيّة في سجل الثورات الكبرى.

وفي المقابل، الثورة الروسيّة التي آلت سريعًا للأكثر عدائيّة تجاه الدين والكنيسة، سرعان ما اتخذت مسارًا مفارقًا: تحويل الإلحاد نفسه إلى ديانة، يتعرف الحزب الثوري من خلاله على نفسه ككنيسة، ثم الاستعانة بالدين القديم عندما استدعت ظروف الاجتياح الهتلري ذلك. التاريخ الديني للثورتين الفرنسيّة والروسيّة متشعب وهو ميدان معرفي خطير بحد ذاته. فهل كان للثورة السوريّة بدورها، تاريخها الديني؟ هي ثورة على نظام "علماني" من حيث هو يلتزم بعقيدة إيديولوجيّة لا تجد مصدرها في الدين، وليس من جهة قوانين الأحوال الشخصيّة، مثلًا، لمواطنيه. لكنها ثورة الشرخ الكبير بين نخبها، ومقاتليها، وقواعدها. القواعد الشعبيّة لهذه الثورة في فترة النضال الجماهيري، بدت أميل إلى جعل الانتماء الديني والتدين من عناوين الصراع مع النظام، ومدخل لــــــ"أجنبته" – تعميم النظرة له كنظام "أجنبي" نسبة إلى "الشعب" الثائر. لكن ذلك لم يأخذ نسقاً عقائديًا مستقرًا وواضحًا.

في "المسألة الدينيّة"

في المقابل، بدت المفارقة العسكريّة لافتة، بين الاسم "العلماني" للجيش السوري الحرّ والأسماء الدينيّة ذات الرنّة المذهبيّة التصادميّة أحيانًا لكتائبه. كان هذا قبل أن يشيع تبرؤ الفصائل المقاتلة من شرك "الديمقراطيّة" لتوسع مشكلتها مع الاستبداد الأسدي إلى مشكلة مع الديمقراطيّة أيضًا، وليكسب تنظيم "الدولة" رحلة المزايدة حين لم يعد مراده "أجنبة" النظام في سوريا، بل "أجنبة" سوريا نفسها، والتشهير بها ككيان صنمي مفروض على الشعب "السوري" وينبغي تحريره منه. هذا عن القواعد والفصائل المسلحة، أما نخب المعارضة السوريّة فإنها فضّلت تأجيل الخوض في "المسألة الدينيّة" وكانت لعبتها الأسهل الرد على الشاعر أدونيس في مسألة عدم تجويزه انطلاقة ثورة من المساجد.

ماذا حصل منذ عشر سنوات في سوريا؟

22 آذار 2021
تكتب ناهد بدر في مقالتها ضمن ملف “الذكرى العاشرة للثورة السوريّة” عن تصادم الشعارات في الثورة وعن السوريون في الطرف الآخر، محاولة البحث عن الأجوبة المتعلقة بسوريا والسوريين بهدف مقاربة...

وسريعًا تحوّل التاريخ الديني للصراع الحالي في سوريا إلى بوابة الصراع المذهبي السنيّ الشيعيّ، والصراع بين المفاهيم المختلفة للتسنن، في حين برز تنظيم "الدولة" لوحده كحالة يمكن مقارنتها مع المشاريع اليوتوبيّة في سجل الثورات الكبرى، لكن هذه المرة، من زاوية إضافة ضلع جديد للمثلث: ثورة "تؤجنب" نظامًا تخرج عليه، تنظيم "يؤجنب" الكيان السوري نفسه، بمفاعيل توحيديّة لشرق سوريا مع غرب العراق، لكن أيضًا تنظيم "يؤجنب" الدين نفسه، ويصيّره شيئًا "إكزوتيكيًا".

الخلاصة

اللافت في كلّ هذا، أنّنا أمام ثورة يمكننا التحليل الطبقي لانفجار أريافها، من دون أن يشهد البعد الاجتماعي، وضمنًا الطبقي لها، أيّ اعتراف سياسيّ أو برنامجي به. الليبراليون أرادوها ثورة "حريّة" بلا فاصل "رغيفي". الإسلاميون مقتنعون بأنّ الإنصاف آت بتحكيم الشرع، ورغبتهم في الفتنة بين المذاهب تتحول إلى سلام اجتماعي بين الطبقات. ثورة الفلاحين السوريّة لبّست عباءتين نافيتين لها في وقت واحد: ليبراليّة وإسلاميّة. 

أما النظام، فيلبس بدل العباءة ألفًا، فهو علمانيّ من جهة، ويتبع ثورة خميني من جهة، وهو فلاحيّ من جهة، ويحمي المدن من الفلاحين من جهة. هذا التفاوت في القدرة على انتحال العباءات والتكيّف معها ما زال يطيل من عمر النظام، ويأكل من قابلية الكيان السوري نفسه للحياة المديدة.

مقالات متعلقة

مقاربة أوليّة لسردياتنا حول الانفجار السوريّ

19 آذار 2021
"تبقى السردية المأمولة هي السردية غير المحكومة برؤانا الذاتية ومواقفنا السياسية، السردية التي تكون رهينة منطق التاريخ وعقلانيته ومساراته وتحولاته وحصائله" يكتب حازم نهار ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة...
الثورة والصراع على السرد

18 آذار 2021
ضمن مقالته في ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة يكتب معتز الخطيب عن سرديات الثورة السوريّة المختلفة ويصنفها في فئات مختلفة ذاكرًا أهمية هذه السرديّات ونقاط الاختلاف فيما بينها.
التباس الثورة السوريّة

16 آذار 2021
في مقالته ضمن ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة يكتب موريس عايق عن التباسات الثورة المتعددة فيقول إنّ الثورة السوريّة كانت مثار التباس عميق لدى العديد من الفئات الاجتماعيّة والتيارات السياسيّة...
في سرديّات الثورة السوريّة

15 آذار 2021
في مقدمة ملف الذكرى العاشرة للثورة السوريّة، يكتب د.حسام الدين درويش، المحرّر الضيف في حكاية ما انحكت، وهو مُعّد ومحرر هذا الملف، عن سرديات الثورة السوريّة ويستعرض المقالات التي سيتضمنها...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد