خليل صويلح: أرشيف الموت مفتوح في سوريا ولم يُغلَق حتى اليوم

مغامرةُ سردٍ في أفقِ المُعَلّق


في حوار طويل وشيّق يحكي الروائي والصحفي خليل صويلح لسوريا ما انحكت عن تجربته الروائيّة الطويلة وعن بداياته الشعريّة وطفولته في الجزيرة السورية، ويحكي عن علاقاته برياض الصالح الحسين ومحمد الماغوط وتأثير سليم بركات عليه، ويغوص في عمق الكتابة والأسس التي يستند عليها في كتابته وانتقاله من الشعر إلى الرواية.

19 أيلول 2023

محي الدين ملك

فنان تشكيلي سوري، أقام العديد من المعارض داخل وخارج سوريا، يهتم ويكتب عن الفن التشكيلي.

"طائرة أم قبر مؤجل؟ بشر أم أمتعة؟ موتى أم أحياء؟ أسئلة تتناهبني طوال وقت الرحلة، وأنا أراقب الوجوه الشاحبة..".

بهذه الصور المكتوبة وهي تُصاحبنا (هبّة الفاجعة التي لم تستقر بعد)، يُشرِّح الروائي والصحفي، خليل صويلح، جسد الأماكن المنكوبة للمكان الواحد، ويعيد بأسلوبه رسم ثيمة الموت المعجَّل والمؤجَّل، فتتشظى بينهما المستويات والاتجاهات إلى ما لا نهاية، في مغامرة كتابية تُطوِّع ببلاغتها الخيال المُحْتَمَل وكل هذا الدمار الذي لا ينسى.

والحوار موجز لوقائع أخرى، "مرآة ترشدنا في ارتباك الحياة". على سبيل المثال، هنا مكتبه الواقع في شارع بغداد، وهنا مقهى الروضة، وهناك عناوين له تختبر شعريتها أو نقدها: (اختبار الندم، وجنة البرابرة، ودع عنك لومي، وزهور وسارة وناريمان، وقانون حراسة الشهوة، ونزهة الغراب، وحفرة الأعمى، وناحية الماء والكلأ، مرافعات عن عمل الحكَّائين..). وهو الآن هنا: صحراء تتمادى نحو ذاتٍ هائمة لا هَمَّ لها غير الكتابة. شيئاً فشيئاً نتحاور: ما يمكن أن نقوله دائماً غير موجود، أو نتخيله أبداً مؤجَّجٌ، في نطاق آخر، في زمن آخر، ليّنٍ أو قاسٍ، قريبٍ أو بعيدٍ، كما يحدث في كل شيء. ويبقى المعنى محاولة لا تتبرأ من حُلم.

خليل صويلح يقيم حالياً في دمشق وهو المولود في سنة ١٩٥٩ (الحسكة)، حاز على جائزة نجيب محفوظ للرواية العربيّة عن روايته "ورّاق الحب"، وعلى جائزة الشيخ زايد للكتاب عن رواية "اختبار الندم"، وجائزة دبي للصحافة والإعلام. صدر له ثلاث دواوين شعريّة وعدد من الكتب والروايات منها "بريد عاجل" و"احتضار الفرس" و"دع عنك لومي" و"ضدّ المكتبة"، وتُرجمت بعض أعماله إلى الإنجليزيّة والألمانيّة والأوكرانيّة. 

من الضرورة بمكان البحث عن البدايات: المكان الأول، المرحلة الأولى، أول وميض ظل على الدوام قريباً من تكوين عالمك الشعري أولاً، وفضاءك الروائيِّ لاحقاً، هل لك أن تروي لنا غيضاً من تَرِكَةِ البدايات؟

كشخص خجول مثلي سيلجأ إلى هذا النوع من المِهَن، مِهَن الهشاشة والانزواء، لذا كانت القراءة عزاءً كبيراً في مجتمع صحراويٍّ لا يهتم بالكتاب. وبإمكاني أن أقول: خُلِقتُ قارئاً أولاً ، ثم كحالة هلامية تكتمل على مراحل، لأكتشف ملامح الجينات الخاصة المتصلة بسلالتي، البعيدين والمجهولين، فأسأل: ما الذي أتى بي إلى الكتابة؟!

ليس لمنطقتنا محيطٌ ثقافيٌ أو معرفي، ربما فقط التراث الشفاهي المرتجل في المَضَافاتِ والأشعار القديمة. لهذا أشعر كأنني مثل طائر مكسور الجناح رَمَّم جِراحه بأعشابٍ بريةٍ يأتي بها من أماكن بعيدة إلى عشِّه.

لعلها الأقدار الشخصية التي تزعزع الجهات فجأة. أذكر إنني أتيت إلى الشام وعمري عشرون سنة، وهذا الأمر لا أعتبره إلا مغامرة كبرى قياساً بأعراف المكان الأول، وفي ذهني فكرة واحدة هي أن أكون كاتباً، فعمِلت في الصحافة بعد مغامرات صغيرة في الكتابة الأدبية، لكن قصة نشرتها في صحيفة تشرين بعنوان "موت الحنفيش" أغضبت عشيرتي، ما عجّل بهجرتي إلى الشام.

كتبت الشعر أولاً، ونشرت مجموعتي الأولى "افتتاحيات" أوائل الثمانينيات، ثم جذبني عالم السرد وكانت محاولتي الأولى رواية صغيرة بعنوان "عين الذئب"، وستتناسل فضاءات هذه الرواية في أعمال لاحقة.

يوسف عبدلكي: لا شيء يسير على ما يُرام وسط هذا الرماد

04 أيلول 2023
يبوح الفنان يوسف عبد لكي لحكاية ما انحكت بالكثير، كمتصوْف معتكف "بالأبيض والأسود"، ربّما لأنّه عرف مبكراً أنّه "رسام أكثر من كوني مُلوِّناً، ولهذا تجدني أشتغل بالأبيض والأسود، وأُكرّس لهما...
فخر زيدان، حفريات في أحاديّة المكان (السجن) وتعدّد اللغة الشعريّة

15 آب 2023
"الشعر شيء آخر. حقيقةً، هو أكبر من السجن، وأكبر من التجربة، ومن الحياة نفسها. مَجَرَّة أخرى تقوم بفعل الجاذبية الدائمة في إنتاجه وصناعته/ الشعر، وكلٌّ على قدرِ استطاعته". يقول الشاعر...

أعتقد أن هذه الأكوام السردية ستظهر بجلاء في روايتك "سيأتيك الغزال".

نعم، نعم. كانت رواية "عين الذئب" عبارة عن مسوَّدة أولية عن رواية "سيأتيك الغزال". وربما سينبثق نص لاحق عنها، إذْ ما انفكت تطاردني أخيلة المكان الأول مثل لعنة أبدية.

ألهذا عنونتَ الرواية بـ"سيأتيك الغزال"، بادئاً حرف استقبال، ومنهيًا الرواية بسؤال: "جدتي هل سيأتي الغزال حقاً؟"؟

ربّما.

أنت ابن الصحراء، مصير الخيبة والمرارة والعطش والتيه والتمرد على الذات، وهي ذاتها الولادة والروح والفكر والحياة والفطرة والسيرة… هل ساهمت هذه الأشياء في تشكيل وعيّك الشعري والروائي؟

أتصور أنّ الوعي يأتي على مراحل، وكل مرحلة تخلق نصَّها، وهكذا تتحوّل التجربة إلى مغامرة لا نهائية. فالنص يشبه رمال الصحراء ينطوي على ألغاز وسراب وأسرار، وذلك بتحويل الشفوي المحلّي إلى خطابٍ سرديٍّ حميميٍّ، يُطيح شبكة العلاقات اللغوية المألوفة ببلاغة مضادة تتواءم مع خشونة المكان الأول وسطوة الحنين في استعادة ما هو مُفْتَقَد وجحيمي ومنهوب في آنٍ.

الآن، بعد عبور مسافة ألف كيلومتر، تبزغ فجأة مشهديات منسية ورضوض قديمة تجد مسلكها في السرديات اللاحقة على نحو آخر، كما في روايتي الأخيرة "احتضار الفرس"، إذ تجد استعادات لشذرات من نصوص سابقة بقصديّة وكأنّنا لم نغادر الأسئلة الأولى.

حالياُ لا أكتب، لكن أشعر أنني في حالة تخزينِ نصٍّ - صحراء آخر.

كتبتُ ثلاث روايات عن دمشق، وبعدها عدتُّ إلى مكاني الأول. عادة يبدأ الروائي بسيرة قريبة من بداياته، أنا فعلت العكس. كنت أظن أن رواية "سيأتيك الغزال" هي تصفية حساب مع المكان الأول كما ينبغي. الآن أشعر أنني لم أُسدِّد فاتورة ذلك المكان كاملة. الحالة حتى الآن ضبابية.

قبل فترة، كتبت عبارة قلت فيها: "أنا مزيج من رائحة الرمال وبياض أجراس القطن". أيّ، أنا صحراء ونهر. أعتقد أن هذا المزيج سيعمل على بناء شخصية مختلفة غير جاهزة، بل مازالت في حالة ارتياب وفحص.

أنا في دمشق منذ قرابة أربعين سنة، وما زلت أشعر كما لو أنني بلا جدارٍ استناديٍ. لعلّها ريبة البدوي من طعنةٍ مباغتة.

حسناً، هل من تفسير للفجوة التي بين الصحراء والمدينة، ومواجهة المستحيل في الهروب الدائم هنا وهناك؟

ليس لدي وسيلة لعلاج هذه الفجوة سوى بالكتابة واقتناص لحظة هاربة وإعادة توطينها ثانية بمحاولات مستمرة تخبو وتشعُّ تبعاً لارتكاباتي وارتباكاتي في تحويل الرمل إلى صلصال وخزف.

كنت شاعراً في أول عهدك بالكتابة.

أظن أن الشعر هو الشتلة الأولى في حقل الكتابة، قبل أن تجد مَسْرَباً إلى حقلٍ آخر. كنت واحداً من شعراء جيل الثمانينات، الجيل العالق بين برْزَخَي قصيدة النثر والقصيدة الإيقاعية، لكنني سأنخرط بجماليات قصيدة النثر عبر ثلاث مجموعات شعرية كان آخرها "اقتفاء الأثر"، وأظنها كانت تحمل بذوراً سردية، هي من قادتني لاحقاً إلى حقل الرواية.

حدثني عن علاقتك بـ"رياض صالح الحسين" و"بندر عبد الحميد"، وعن مناخات الشعر وقتذاك؟

كان "بندر" بوصلتي الأولى في دمشق لجهة القراءة، كما كان بيته ملتقى لمعظم مثقفي تلك الحقبة العاصفة، وفي هذا المكان تشكّلت ملامح خريطتي الثقافية قبل أن أجد مسلكاً فردياً.

أما علاقتي بـ"رياض" فكانت مصادفة. التقينا في باص النقل الداخلي. كان يعرفني من خلال بعض مقالاتي في جريدة تشرين. رياض كان أصمَّاً، يكتب سؤاله على الورقة وأجيبه بالمثل. ومع طول العِشرة بدأ واحدنا يفهم الآخر بالإيماءات والإشارات، كما كانت مجموعته الشعرية الأولى "خراب الدورة الدموية" بوصلة لتوجهاتي الشعرية، بالإضافة إلى أشعار بندر عبد الحميد ومنذر مصري.

أكثر من حَفَرَ أثَرهُ في نفسك؟

رياض. لقد غاب مبكّراً. حاولت ترميم هذا الغياب بالكتابة عنه في روايتي "بريد عاجل".

الآن عندما أحسب خسائري، لا أجد أحداً. تقريباً الكلّ رحل. أذكر أنني عمِلتُ على نوع من المراثي في روايتي "احتضار الفرس"، وكتبت فيها: أنا صديق الموتى.

حدثني عن علاقتك مع "الماغوط" وكتابك الحواري عنه، وكيف تقرأ اليوم تجربته، خاصة في ظل هذه المأساة، وهو القائل: "ما الفائدة من أن تكون قادراً على كتابة أي شيء في هذا العالم، ولست قادراً على تغيير أي شيء في هذا العالم"؟

صدفة. أول مرة قابلت فيها الماغوط كانت في منزله أوائل التسعينيات.، ثمّ تطورت العلاقة وأصبحنا أصدقاء. والكتاب عبارة عن حوارات، هي حصيلة أرشيف الماغوط الشخصي، وما طرأ عليه من إعادة صياغة، لتشكّل بورتريه له كابن الحياة التي لا سقف لها، لأنّه ولد في العراء وظلّ يحاول ستر عورته إلى آخر حروفه الهاربة من أقفاص اللغة نحو الحريّة وهي متلبِّسة بالجريمة الكاملة.

أعتقد لو أنه ولد في عصر آخر، لمات من الجَّلْدِ على يد أحد الخلفاء أو بترت أصابعه أو قطع لسانه، لأنّه هجَّاء من طراز خاص، لم تتوقف حنجرته عن الاحتجاج والسخط أبداً.

إذاً، الكتاب يُصاحب بشكل ما الصحافة، كدراسة وكمهنة.

لا أكتب مقالاً صحفياً، بل نصاً أدبياً في الصحافة. لا أحبّ المباشرة بل أعتمد على السرد، أي أستدعي خبراتي الروائية إلى مناطق نفوذ الصحافة، والعكس هو الصحيح، حتى يتحول الكل إلى هجنة لغوية.

سمر حدّاد: الكتاب حريّة والقراءة تحرّر

13 نيسان 2022
"أعاني من صعوبات للحصول على حقوق النشر، ومع دوائر الرقابة، حتى أنشر كتاب دون حذف أو إضافة"، و"لا نستطيع أن نزيد من سعر الكتاب، والسبب هو، وبالعامية: الناس ميتة من...
إدوار شهدا... من الفن الملتزم إلى اللون المختلط بالرموز ومخاضات الحرب

04 تموز 2023
"الفن لا يُعَرَّف. الفن قضية، ومتى ما وضع في قالب، ينتهي دوره في الحال" و "الفن مثل عملية الخَلْق: لا أحد يعلمُ كيف خُلِق. والشعارات التي تنادي بأن الفن ثورة،...

قرأت مقالك الأخيرة عن "سليم بركات" الذي قلت فيه إنّ الرجل على بُعد خطوات من مكان "نوبل".

جوهر المقال هو دفاع عنه وكسر النقد الذي يطوقه بفعل مَنْ يعتبر أنَّ كتابة سليم متاهة وألغاز وأنّ لغته تتصل بـ"فقه اللغة" العصية على النقد والفهم. لا. الأمر بحاجة إلى نبش، لأن سليم يعمل في منطقة استثنائية وبلغة عالية تحتاج إلى تأمل آخر.

عدت إليه وإلى سيرته وحديثه عن القامشلي. بالمناسبة، كان سليم يكتب "قامشلو"، وهي مفردة لا معنى لها، لا في الكردية ولا في العربية. هي "قامشلي": أرض القصب. فيما بعد، أيّ في روايته الجديدة "هؤلاء الصغيرات وأكياسهن الورقية" عاد أيضاً إلى القامشلي، وصار يكتبها بالياء لا بالواو. مجموعة من المثقفين الكرد يعتبرون أن "سليم" هو "سليمهم". أولاً سليم يكتب بالعربية، ثمّ هو كاتب مهم واستثنائي. ولا أعتقد أن كلّ من قرأ "سيرة الصبا" لم يتأثر بها، كيف يبني جملة شاهقة يصعب هدمها بسهولة.

هل مسألة سليم متعلقة بالعاطفة، أبوة قاسية كما يقال، أم بغياب التفكير النقدي والحساسية الجمالية القائمة على الوعي بتأويل أقرب إلى هندسته اللغوية المنضبطة؟

سليم بركات تجربة استثنائية، بل مرجعية. بجهد بسيط يكتشف القارئ سرداً مختلفاً. الذي حدث هو استرخاء نقدي ومحاولة "تكريده". صحيح أنه "كردي بنعال من الريح"، كما يصفه محمود درويش، لكنه فضاء واسع بلا تخوم.

يُعَوِّل بركات كثيراً على التراث العربي (الجاحظ، والثعالبي، وسيبويه، والنفري، وجلال الدين الرومي.. إلخ)، طبعاً كأليات الكتابة السردية ينحت الكلمة برغبة الانتقال من دروب إلى درب للبحث عن المعنى (مجد الغائب في الغياب). ألا تعتقد أنّ الكسل النقدي (أستخدم وصفك) نابع من غياب المقاربات والمقارنات النقدية بين الكتابة عند بركات والكتابة عند النفري كمثال (طبعاً، الأمر مجرد افتراض في النقد، مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق البيِّن)، من أجل إظهار زاويا أخرى من التجربة الكتابية.

لأوضّح أكثر: أدرك النفري المسافة الهائلة بين اللغة والمعنى الذي يريده، مسافات من "نطقُ وصمت وبرزخ فيه قبر العقل وفيه قبور الأشياء"، والكلام للنفري، واستواء الأضداد في الوجد، فما كانت محاولاته في "المخاطبات والمواقف.." إلا لردم تلك المسافة أو تبادل اللغة بينه وبين المراد - مُراده. وبشكل أو بآخر ينصهر سليم في اللغة التي هي محور الرؤية وفيها المعنى الذي يريد، وقصيدته الأخيرة "أخَرَجتَ عن صمتك، أم خَرَجَ صَمْتُكَ عليك؟" مثال قريب.

تماماً هذا الذي أريد قوله. سليم من أسلاف النفري أو التوحيدي أو الجاحظ.. إلخ. مع الأخذ بعين الاعتبار أن النفري رهين اللغة، بينما سليم فهو ابن الأرض المحروثة. سليم كروائي هو أحد مراجعي الغامضة. في روايتي "سيأتيك الغزال" قلتُ إن سليم كتب عن شمال الجزيرة السورية، بيئته الكردية، أما أنا فسأكتب عن جنوب الجزيرة السورية، أي عن العشائر البدوية وسيرة الطفولة والأقدار التي لعبت أدوارها، وهي جهة لم يكتب أحد عنها، وكانت مهمتي تكمن في ترميم هذا الشطر الآخر من تاريخ الجزيرة السورية..

وإذا كان عند سليم "شطح" فهو شطح لغوي. ثم إن سليم لم يقف عند الميراث العربي فقط، بل أسطر الميثولوجيا الكردية أيضاً، لكن باللغة العربية الباذخة.

هل استفدت من عالمه الروائي وطريقته في السرد؟

بشكل مباشر لا. قراءاتي تراكمية، ومن الطبيعي أن يكون سليم جزءاً من خريطتي القرائية، ولا أظن أن روائياً عربياً جيداً لم يطل على شرفة سليم بركات.

حسناً، لننتقل إلى نقطة أخرى. هل تكتب تحت الطلب؟ سأوضح سؤالي، منعاً من الالتباس. أعني تلك الجدلية والاستحالة في عملية الكتابة التي تنشأ من توجس الكاتب كقارئ وترصٌّد القارئ ككاتب. لحظة تشابك القراءة بالكتابة مع لحظات التبرم والسخط والحالة النفسية المتشظية. بأية حالة تبرر الكتابة؟ وهل يَؤول النص إلى ما تصبو إليه؟

لا. لو أنجزت نصي وشعرت أنه مكتمل، فلماذا أكتب ما يليه أصلاً؟ يقول باتريك موديانو: "كل كتاب اعتذار مِن الذي سبقه، وحُجَّة لكتابةِ الذي يليه". خطأ فادح إذا ما فكر الكاتب بأن نصّه مكتمل. هناك على الدوام ندوب تحتاج إلى فحص آخر.

إذاً، ما وظيفة الكاتب، بمعنى ما؟

الكتابة ليست وظيفة. لا روائي بدوام جزئي، يقول غيوم ميسو إنّ "مهنة الروائي ليست وظيفة بدوام جزئي، إذا كنت روائياً فستكون روائياً على مدار الساعة، على الروائي أن يعمل 24 ساعة". بمعنى أن الكاتب يعمل بكل الحالات والأحوال.

أجيبك بطريقة أخرى، الروائي اليوم يحتل مقام المؤرخ وعالم الاجتماع بآنٍ واحد. في فترة من الفترات، أعتبر الروائي مؤرخاً آخر. وأنا الآن أُعوّل على السيسيولوجيا في الكتابة، أعمل على تأريخ الوقائع بتحقيق سسيولوجي، وأتصور أن فداحة غياب علم الاجتماع في الساحة العربية عوَّضَتْهُ الرواية. أسعى بشكل عميق أن يكون تفكيك هذا المجتمع سسيولوجياً على رافعة التخييل

باللغة الروائية، أليس كذلك؟

طبعاً. هذا الأمر تحصيل حاصل.

عندما يكون الكاتب ركيكاً لغوياً وبلاغياً وجمالياً، تصبح القضية خاسرة حتماً.

أنت تعلم أن "ثيمة الفن هي ثيمة الحياة نفسها"، كما يقول لورانس داريل. على أي أساس تختار ثيمتك؟

عملياً، هي التي تختارني، لأنه من دون تحريض وعاطفة متأججة ما كان بإمكاني الكتابة. من الصعب أن أكتب رواية دون أن أكون مشحوناً بالموضوع. أعمل كما لو أنني في ورشة عمل، متكئاً على مرجعيات متعددة وبحث مضنٍ عن معلومة ما، سواء من الموروث العربي أو من وقائع راهنة. أشعر أحياناً أن بعض النصوص التراثية هي أعلى مراتب الحداثة، من جهة اللغة على الأقل. مثال، المتنبي الذي ما يزال يعيش بيننا، والجاحظ الذي أعتبره أحد آبائي الكبار برؤيته النقدية الصارمة ولغته، بل حتى ثقافته الواسعة التي احتوت على الكثير من العلوم والمعارف. من هنا أحاول أن أكون حفيداً نجيباً له.

هل شخصياتك واقعية أم تقوم بخلقها؟

لا بد من شخصيات واقعية لكنها مكسوة بريش آخر. إذا كانت واقعية وأُعيدَ إنتاجها كما هي، حينها سيغيب الثراء المعرفي والروائي.

وماذا عن شخصياتك النسائية؟

(يضحك). إحدى مشكلات الرواية العربية هي عدم تفكيك مفردة "الجنس"، ونص الجسد كما ينبغي، والهروب من هذا الجانب. وأحياناً أُتَّهم بأنني ذكوري في النظرة إلى النساء. ولكنني في حقيقة الأمر أشتغل على فضح "الذكورة". في رواياتي، وعن هذه الجانب، أُخبر الأنثى كيف يتحدث الذكور عنها. أنا كائن حسّي وترابي ولا أحبّ التهويمات.

بالمناسبة، أشعر أحياناً أن لغتي أنثوية، بمعنى تأنيث السرد في معظم مفاصل النصّ. 

وعندي، لا رواية مهمة، في هذا الموضوع، دون تفكيك الجسد الأنثوي.

المشكلة في العالم الإسلامي/ العربي هي نفي الجسد عن الكتابة، وهذا الإبعاد يعني خسائر كبيرة. يجب أن يكون الجسد حاضراً، لأنه نوع من الارتواء اللغوي والعاطفي. ثم أن في هذا الاقتحام نوع من الشجاعة. من هنا أرى أنه من الطبيعي أن تنعكس مرايا الجسد على الكتابة.

رندة بعث: أيّ فعلٍ ثقافي، ولاسيما في بلدانٍ تعيش حربًا، ضرورةٌ ملحّة.

03 آذار 2021
في هذا الملف الصغير الذي أعددناه عن المترجمة السوريّة رندة بعث، نحاورها في الترجمة عن اللغة الفرنسيّة وصعوبات الحياة في دمشق في الوقت الحالي ونحكي عن علاقتها بالثقافة، كما نرفق...
حسيبة عبد الرحمن: بقيت في سوريا كي لا يُقال أنّ أهل كفرسوسة طردوا الأقليّات

12 تشرين الأول 2021
إنّها حسيبة التي ما إن يُنطق اسمها أو يلفظ في مجلس ما أو يشار إليها، حتى تتلفت الرقاب نحوها بتقدير ناجم عن احترام كبير وجليل لامرأة يعرف كلّ من عرفها...

كيف ترسم معالم الشخصيات المتحاورة وتصغي إليهم؟ وكيف تقوم بعملية الغربلة والتصفية أثناء الكتابة؟

من طبعي تكثيف الجملة، وغالباً ما تكون المسوَّدة الأولى هي النهائية، مع تصحيحات متعاقبة أو انتظار عبارة صغيرة واحدة قد تنتشل النص من غيبوبة أو غياب ما. لا أستخدم التحولات الدراماتيكية في النص الأساس، وليس عندي برمجة جاهزة لكتابة النص، بل أرتجل في ثيمة حاضرة مع تفريعاتها. هذه الطريقة تنسحب على شخصيات الرواية أيضاً.

بالمناسبة، ما قصة "الجدة" كأسلوب سردي مُعَمَّم عبر الكثير من الروايات؟

من قبيل أن جدتي علمتني القراءة أو الحكاية…

نعم. ومن قبيل "جدتي، هل سيأتي الغزال حقاً؟"...

أعرف هذه الأشياء، لذلك كتبتها بحذر في أكثر من رواية أو قصيدة شعر. جدتي اسمها "فضة الجاسم"، كانت تنسج البُسُطَ بقرن الغزال ببساطة ودون قيم فنية أو هندسية. لذلك كنت أقول لماذا لا أكون في كتاباتي بهذه الحرية والفطرية. لقد أفادتني جدتي في هذه المسألة، إضافة إلى أنني فعلاً وجدت في منزلها "خزانة" تحوي نسخة شعبية من كتاب" ألف ليلة وليلة"، ربما أحضرها أحد أخوالي الغائبين، وأتذكر وضعية القارئ منبطحاً وأنا أقرأ تلك السرديات. (يمزح)... ماركيز هو الذي خرَّب الدنيا أولاً. هو أحد الآباء بالضرورة ثم أتى من يقلده.

قضية الرحلات والارتحال والتنقل في الزمان والمكان من القضايا الهامة التي تخص الأدب، وبفعل الكتابة والتدوين والتفكير تغدو علامة من علامات فضاء المتخيل. كيف تمايز بين المعروف والمجهول؟ بين المتوقع والمفاجئ؟ بين الأليف والعنيف؟ وما الدافع إلى هذا العبور السردي؟ هذه القضية واضحة في كتاباتك.

سؤالك مُعَقَّد (يضحك). الارتحالات متعلقة بالبيئة. بالمناسبة ولدت في بيت شَعَر، فيما بعد وأثناء فترة طفولتي، قام الأهل ببناء بيت من الطين وانتقلنا للعيش فيه، ثمّ انتقلتُ إلى المدينة، فضاء معماري آخر، من أجل الدراسة. هذه الصور وغيرها تنعكس على سردي لجهة العتمة والضوء.

من ناحية أخرى، نحن جيل بدأ القراءة على مصباح الكاز، ثم على المصباح الكهربائي، ومن الكتابة على الدفتر المدرسي إلى الكمبيوتر. كلّ هذه ليست إلا ارتحالات. أصلاً أنا أكتب نصَّاً مُرْتَحَلاً. يقول كونديرا بما معناه: أسوأ شيء في الرواية هو القدرة على تلخيصها. من هنا يبدو الارتجال آلية أساسية عندي، والرافعة اللغوية أيضاً، إضافة إلى أن الكاتب هو نتاج تراكمات معرفية.

في كتاب يتحدث عن شعرية الكتابة، استوقفني هذان السؤالان: بأي مهماز يمكن أن نحرّر الشاعرية من مُعْتَقَلِهَا؟ ومتى يتملّك الشاعر/ الكاتب حق الكتابة؟ ما رأيك؟

لا جواب.

حسناً، لنضبط الحوار أكثر ونقف عند تجربتك الكتابية. في كتابك "ضد المكتبة" لمستُ ذاكرة رائعة تتعلق بالكتب والكُتَّاب، فيه نَفَسُ سيرةٍ أو مذكراتِ "قارئٍ". ذكرتَ أسماء كان لديهم صدى في نفسك من موقعك كقارئ أولاً، وككاتب ثانياً، أذكر منهم: أمبرتو إيكو، أوفيد، بورخيس، كارلوس زافون، جان كوكتو، وليم فوكنر، هيسه، نيرودا، بارت، تودوروف، وآخرين.. كيف تبرر حيرتك منهم وقد قلت في مستهل الكتاب إنك كتبت هذه النصوص من موقع القارئ في المقام الأول، ولا تخلو من طيش ونزوات ومصادفات، ثم في نصيَّة أخرى تقوم بمدح "ماركيز" حيث تقول: لا نظن أن روائياً عربياً معاصراً لم تصبه لعنة ماركيز؟

نعم، توجد حيرة. حتى في القراءة هناك نوع من الحيرة والارتحال، ومحزنٌ من يعتقد أن هذا الكتاب أو ذاك من أعظم الكتب. عندما قرأت "الجريمة والعقاب" لدستويفسكي أول مرة، في القرية، يومها تأثَّرت بها أيما تأثر، نوع من "الخَبَل"، لكن اليوم من الطبيعي ألا أقرأها بنفس الدرجة من الشغف.

لذلك، في "ضد المكتبة" توجد الحرية في التنقل، ولا يوجد منهج في التعامل مع الكتب. و"ضد المكتبة" هو نتاج مقالات صحفيّة، وتحديداً الطريقة التي كتبت من خلالها الكتاب، وأبرزت فيه خصوصية الكتب وحيواتها.

على ذكر رواية "الجريمة والعقاب"، هل ترى أن منطقتنا قد أُصابتها لعنة بطلها "راسكولينكوف"؟

نعم. راسكولينكوف مُتَكَرِر عابر للأزمنة والأمكنة، وربما هو موجود بـ "بلطة" أقوى وأكثر حدّة من الأولى.

أوردت في الكتاب قولاً للكاتب الصربي "زوران جيفكوفيتش": "ماذا لو جمعنا كل كتب العالم في كتاب واحد، بدلاً من رفوف المكتبة؟". عندما قرأته، تذكرت عبارة قالها ابن عربي: "العالم حروف مخطوطة مرقومة في رق الوجود المنشور، ولا تزال الكتابة فيه دائمة أبداً لا تنتهي".

حينها، رانَ لي كأنك واقع في فخ المكتبة بشكله المادي لا بمضمونه الروحي المتصل بقوانين الحياة. هل ترى في هذه الخاطرة شيء من الواقعية؟

أنا ضد أن تكون المكتبة في كتاب واحد، لأن شهوة القراءة ستخبو.

أيضاً، العلاقة الجدلية بين الكاتب القارئ/ أنت، وبين الكاتب والقارئ/ الآخر، أو بالمعنى الذي يقصده بلانشو: "كل كاتب يكتب بحضور قارئ ما، أو يكتب لكي يقرأ". كيف عشتَ -ككاتب- حالة "الارتياب"، كما يسميها كيليطو؟

عندما أكتب مقطعاً ما ويرضي ذائقتي، فهو يرضي ذائقة قارئ يشبهني في الإرسال والتلقي، وعندما أكتب بشكل ميكانيكي وصعب أشعر بحصول حماقة ما قبل أن يشعر القارئ بها، وفي حال تركت المقطع كما هو فإن هذا القارئ سيصطادني ككاتب.

أريد أن أقول: أنا القارئ الأول لنصي.

القارئ الأول! بأيّ معنى؟

الذي يحاكم الكاتب. وبعد إنتاج النص وانفلاته من سلطة الكاتب يكون رضا القارئ/ الآخر هو الغاية دائماً، فإعجابه لا بدّ أن يثير نوعاً من الغبطة. 

يكثر التناص في خِطاب "ضد المكتبة". هل يتعلق السبب بذاتية التناص أم بلذَّته أم هو محصلة نقدية أم ماذا؟

الكتاب له علاقة بذائقة القارئ، أما التناص فحاضر بكثرة في جميع رواياتي، وهو إنقاذ للكتابة وليس عبءً عليها، وطريقة البناء هذه ترفد السرد بطبقة أخرى من الكثافة، كما أنني أبني علاقة صداقة مع شخصيات الكتابة التي أصادفها في الرحلة. ذكرت في "ضد المكتبة" أني متضامن مع "سانشو" أكثر من تضامني مع "دون كيخوتة". 

الكتاب بهذا الشكل هي حلم بجزيرة ما، حلم سانشو.

في روايتك "وراق الحب"، تبدو لعبة الخفاء والمكر والحيل والألغاز واضحة، لعبة الكتابة التي تسربل بها أسلوبك ولغتك، ربما لتجعل القارئ في قبضة نصّك على الدوام، هل كان الأمر متعلق بعملية الشدّ والتحفيز أم ثمة مآرب أخرى تتعلق بوضعية الكتابة القلِقة؟

الفكرة الأساسية من هذه الرواية هي الإشارة إلى ثراء الأساليب السردية العربية، وهي مهملة، والرواية العربية لا تتكئ اليوم على هذه المفاتيح. من هنا تأتي مهمتي كنوع من خلخلة طمأنينة الرواية المستقرة، كما أنني أجد دائماً العزاء في التراث العربي.

نعم في الرواية مكر، لاستقطاب القارئ إلى نص هجين.

في "ورّاق الحب" أيضاً رؤية نقدية مضمرة حول إشكالية التراث عموماً، والتراث السردي المسكوت عنه على وجه الخصوص؟

الرواية تحديداً اشتغال ضدّ المسكوت عنه. أي هتك ما هو مسكوت عنه، الجنس على سبيل المثال، وفيها إحالات إلى كيفية تناول هذا الموضوع برحابة عند الأجداد.

اليوم، ربّما جملة واحدة عن هذا المسكوت تحدث هزَّة في "الأزهر".

خصّصت روايتك "احتضار الفرس" للحديث عن سنوات الحرب الأكثر دموية، لسردياتها نصيب وافر من الحقيقية والمُعاش، تتصل بأبناء سوريا المحتضرة والمنكوبة. أثناء قراءتي كثيراً ما كنت أسأل هذا السؤال: من أجل ماذا؟ خاصة أن الميراث الدموي لم ينتهِ، بل توارى أو تبدَّل، وها هو اليوم يعود من جديد بأقنعة جديدة، ولا أحسب أن العَوْدَ أحمد. سؤالي: من أجل ماذا؟ وهل ما يزال الفرس يحتضر، أم..؟

الرواية من بدايتها إلى منتهاها هي عن فكرة الاحتضار بالدرجة الأولى، وعن طبقات الموت سواء كجغرافيا أو بشر أو حتى أحلام. ولو لم يكن من تحريض عالٍ لأرشفة هذا الموت لما كتبت الرواية، إلا أن التحريض الأساس كان موت أمي في الحقيقة، حتى أنني رجعت إلى كتب عن الموت. لذا أتصور أن الرواية ستخاطب الكثيرين، لأن كل واحد له حصة من هذا الحزن المقيم في الضلوع.

عموماً أنا غير مطالب بشرح الرواية، لكن كان في صدري شيء ثقيل وتخلصت منه مرحلياً، وأتمنى ألا أكتب عن الحرب بعد الآن. كتبت أربع روايات. كفى.

أما "من أجل ماذا؟"، ربما يكون جوابي عنه من خارج الرواية، وأقوله بكلمة واحدة: أبكي على ما جرى للبلد الذي دُمِّر بسبب الطغيان.

ثيمة الموت حاضرة وبكثرة في الرواية، ولا أبالغ إن اعتبرتها العنصر الأساس والفعال، وقد حدثت فعلاً في خضم المقتلة السورية، وانتقلتْ من فعلها الواقعي والشفاهي إلى فعل كتابة. حدّثني عن هذا التأويل الفارق في تغيُّر طريقة السرد وانتقالها من الحكي والمحكي إلى مصفاة التخيُّل، ثم إلى سردٍ ومحاصرتهِ في الرواية؟

هنا تظهر مهمة الروائي الذي يلتقط ثيمة ويعتقد أنها الملاذ في لحظة الكتابة. أرشيف الموت مفتوح في سوريا، ولم يُغلَق حتى اليوم. اشتغلت على حصتي من هذا الموضوع، وأظن أن أي سوريٍّ لديه مخزون ضخم من رائحة الموت.

للقوميات والأعراق في سوريا عموماً والتي بين النهرين خاصة حيّزُ في الرواية، كيف تنظر إلى هذه الأصوات والأفعال الثقافية بما هي امتياز للكتابة، وجزء من انتماءك المكاني؟

طموح لاستعادة الموزاييك السوري، هذا الثراء الحضاري. كل هذه القوميات والإثنيات موجودة في هذه الجغرافيا. هذا الموزاييك هو الذي صنع سوريا.

تعتمد بالتفصيل والتفاصيل على الخبر الإعلامي على اعتباره جزء من بناء الرواية، ومعلوم أن بعض الأخبار كاذبة أو مجرد شائعات لغايات وأجندات، فيتم تداوله بأشكال مختلفة وبروايات مختلقة، خاصة. أنت صحفي وتعلم هذا الأمر، لكن من موقعك كروائي كيف تتعامل مع خبرٍ واحدٍ مُتَدَاوَلٍ ومع أشكالها ورواياتها؟ وكيف تُفنّدُ صحيحَهُ من سقِيمِهِ؟  

في الرواية لست مؤرخاً، ولا أعمل في جهة إعلامية. مهمتي هنا تكمن في البناء المعماري للرواية ومتطلبات هذا البناء.

نعلم أن الرواية عموماً ليست فقط سلسلة أحداث مهمة كانت، ممتعة أو مؤلمة، بل الثيمة. أظن أن موضوعك هنا بالغ الأهمية في نطاق السرد الروائي، فقد يجد القارئ نفسه متورطاً ومشتبكاً مع موضوع مؤلم دون أن يكون ثمة اختراقٌ للأفق المسدود والدخول في حياة أخرى.

أوضح فكرتي بمثال، قيل: كان ألبير كامو صادقاً، في زمن اعتراضه على حرب الجزائر. يقول: إن ما من قضية تستحق أن يُقتل في سبيلها إنسان بريء. كامو كان روائياً بريئاً، في فترة كان الحلم فيها زوال المستعمرات. هكذا تخيلتك من الرواية، تطرقت إلى أحداث تثير الألم والقلق والخوف، دون أن تترك مجالاً للوعي كي يتجاوز الفظاعة. الفنون، جميعها، أداة للمعرفة والتغيير.

بصراحة أنا مخلص للسرد الروائي أكثر من أن أفكر بـ"إلى أين ستجري الأمور؟". لست محللاً سياسياً. ما يهمني هو إقناع القارئ بالمصائر الموجودة في الرواية، وكتابتها ببلاغة عالية. همي كروائي هو أن أنجز نصاً بلاغياً بالتوازي مع موضوع مثير ومهم.

أنت تسألني كأنني مؤرخ، لكنني صاحب خيال.

سؤال في "ماهية الرواية" بشكل عام. في خضم الأزمات العالمية والحروب والفقر.. هل من رواية جمالية نقدية لمعالجة الوعي العقيم الذي يحكم ويتحكم بمصائر البشر. جمالية نقدية تحمل وعياً جديداً يكون نواة لحياة جديدة؟

ليست مهمة الرواية التغيير السريع، بل يحدث ذلك على مهل. ربما التغيير عندي كروائي هو تغيير إنساني في المقام الأول. هل أنا نفس الكائن بعد قراءة أي رواية؟ هذا هو السؤال. المسافة التي يقطعها القارئ مع النص هي إنجاز الروائي في التغيير. وإذا لم يغير شيء في القارئ فهذا يعني أن سكّة النص معطّلة.

بعد صدور الرواية في العام ٢٠٢١، أما زلت في حالةِ استعادةٍ لذكرياتِ الماضي الأليم؟

الحالة دائمة، وهي حالة كابوسية.

هل تعتقد أنَّ النقد الذي يتعاطى مع نصوصك هو نقد بناء ومفيد بأي شكل؟

أغلب النصوص النقدية عن كتاباتي أتت من موقع المديح وأثرها مؤقت في نفسي. الحقيقة أن نصي في مكان آخر. من هنا لا أعمل على ضوء ما كُتب عن رواياتي.

ولا أخفي أن الفساد طال النقد أيضاً. في كتابي "حفرة الأعمى" قلت إن هناك ناقد البطحة وناقد الثريد وناقد المنسف.

هل هناك شيء تود قوله بخصوص الجوائز التي حصلت عليها؟

(يضحك). بجملة واحدة: الجائزة هي نوع من الحصانة لكتابتي، ولجيوبي المثقوبة.

هل من ثمن دفعته ككاتب؟

أكيد، فزرنيخ البغضاء متوفر بغزارة. هناك من يصفي حساباته الأدبية عن طريق هجاء الحياة الشخصية.

هل من أثرٍ للثمن؟

من قبل نعم، أما اليوم فلا. لقد قطعت شوطاً من الاطمئنان لعلاقتي مع الآخر.

ما هي مشاريعك في الأيام الآتية؟

أنجزت كتاباً عن سينما "محمد ملص"، وهو قيد النشر.

مقالات متعلقة

مها حسن: أترك نفسي الآن للخيال

11 شباط 2022
تحكي الروائية مها حسن في حوارها مع حكاية ما انحكت عن حياتها في فرنسا، وعن رواياتها وشخصيات هذه الروايّات وأثر بيئة القريّة الكرديّة عليها وعلى ما تكتب، وتحكي عن الخيال...
الرواية السوريّة: أسئلة الضوء في مواجهة العتمة

23 شباط 2021
"التحدّي أمام الأدباء المناهضين للفساد والظلم والدكتاتوريّة والقمع والقهر تجسّد في سرد الحكاية المعتّم عليها؛ حكاية أريد تناسيها وتجاهلها، والالتزام بتعرية الخراب الذي يراد له أن يتشكّل كهوية رئيسة من...
روزا ياسين حسن: الإنسانية تاريخ طويل من اللجوء، والأرض ملك لكلّ البشر

18 تشرين الثاني 2022
في هذا الحوار، تحكي لنا روزا عن التغيّرات والتحوّلات التي أصابتها في هذا المنفى، سواءً على الصعيد الشخصي أو على صعيد الكتابة، حيث تصف نفسها بالقول "مريضة تكتب عن مرضى،...
سؤال الزمن في اختبارات الفن والواقع

09 شباط 2021
يناقش الروائي السوري ممدوح عزام الرواية السوريّة من زاوية الزمن، فيذهب للقول إنّنا أمام فترة زمنيّة في غاية القصر، على الرغم من أنّها شهدت أحداثًا تاريخيّة كبرى، وسوف يكون من...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد