"كنا مجموعة شباب وشابات من سريان الجزيرة السورية، نتحدث السريانية، إلى أن قاطعنا شاب حلبي ليقول: ألم تنقرضوا بعد؟" بهذا تختصر الإعلامية ماريا حنا مسؤولة قسم التحرير والأخبار في مؤسسة سورويو، حكاية تهميش لغة وُلدت قبل آلاف السنين، لكنها تعيش اليوم غائبة عن الوعي العام، وكأنها تنتمي للماضي أكثر من الحاضر.
اللغة السريانية كما يعرّفها بشير سعدي، نائب مسؤول المنظمة الآثورية الديمقراطية، ليست مجرّد لغة قديمة، بل "استمرار حي للغات ما بين النهرين وبلاد الشام"، وامتداد للآرامية والأكادية ضمن عائلة اللغات السامية، وهي بحسب المصادر التاريخية، لغة هذه المنطقة لقرونٍ طويلة، حتى القرن الثالث عشر الميلادي، حين بدأ استخدامها يتراجع تدريجياً مع التحولات السياسية في المنطقة. ومع ذلك، فإنها لم تختفِ، بل بقيت كامنة في تفاصيل الحياة اليومية، في أسماء القرى، ومفردات اللهجات، وفي ذاكرة الناس.
لم تحد الجغرافيا المحلية اللغة السريانية، بل شكلت عبر التاريخ لغة تواصل واسعة بين الشعوب. وبحسب ورقةٍ بحثية للدكتور عبد المسيح سعدي، انتشرت السريانية من غرب أوروبا حتى شرق آسيا، وأسهمت في إنتاج تراث أدبي، وعلمي، وديني متنوع، جعلها واحدة من أكثر اللغات تأثيراً في محيطها الحضاري. لم تكن لغة انعزال، بل لغة عبور؛ حملت الأفكار بين الحضارات، وأسهمت في نقل العلوم من اليونانية والفارسية إلى العربية، لتكون جزءاً من النهضة العلمية في العصر العباسي.
لغة حيّة… خارج الاعتراف الرسمي
السريانية التي كانت لغة عامة، تحولت إلى لغةٍ محصورة في نطاقات ضيقة. تقول ماريا إنّ استخدامها بقي محصوراً في المنازل والكنائس، حيث تُعامل "كلغة طقسية"، رغم أنها، كما تؤكد، "لغة شعب وثقافة وهوية"، وليست مجرد أداة دينية، مشيرةً إلى أن هذا الاختزال لم يكن عفوياً، بل جاء نتيجة سياسات طويلة قللت حضورها في التعليم والإعلام، ودفعت بها إلى الهامش. من جهته، يشير بشير إلى أن هذا التهميش ترافق مع غياب الاعتراف الرسمي بها كلغة قومية في سوريا، وإلى أنّ دستور عام 1928، سمح بتدريسها ضمن المؤسسات الخاصة، وبذلك، بقيت اللغة حاضرة اجتماعياً، لكنها غائبة مؤسساتياً، وهو ما انعكس على أجيالٍ كاملة لم تُتَح لها فرصة تعلّمها بشكل منهجي.
في البيوت، استمرت السريانية كلغة أم، تنقلها الأمهات إلى أطفالهنّ، وتبقيها حية خارج الأطر الرسمية. هذا ما عاشته ماريا شخصياً، حيث نشأت في بيئةٍ تتحدث السريانية يومياً، وتعتبرها جزءاً من تكوينها النفسي والثقافي. تستعيد ماريا موقفاً واجهته في جامعة حلب، حين كانت مع مجموعة شباب وشابات من سريان منطقة الجزيرة، وتقول: "إن اجتمع شخصان سريانيان، لا بدّ من أن يتحدثا السريانية".
حين قاطعها الشاب الحلبي مستفسراً عن اللغة التي تتحدث بها، ورغم محاولة ماريا توضيح أن حلب نفسها تحتضن نسبة كبيرة من السريان، وأن فيها حيّين حلبين باسم "السريان"، إلا أن معرفة الشاب القاصرة كانت تفيد بأن السريان انتهوا مع سقوط آخر إمبراطورية لهم. هذا الموقف، بحسب رأي ماريا، كان انعكاساً لفجوةٍ عميقة في المعرفة بوجود هذا المكوّن. وبالنسبة لها، لم يكن السؤال مجرّد جهل، بل مؤشراً على غياب السريانية عن الفضاء العام، وعن التصورات الوطنية.
كل أربع سنوات، يُقام مؤتمر علمي (سمبوزيوم) في إحدى عواصم العالم، يحضره كل المختصين بالتراث السرياني الآشوري، والأجانب أيضاً، ويقدمون على مدى ثلاثة أيام بحوثاً في هذا المجال. حضر بشير مؤتمرين، عُقد آخرهما في إقليم كردستان، واحتضنته دائرة الثقافة السريانية في أربيل. "كل العالم يهتم باللغة السريانية، عدا أصحابها من الدول التي ينبغي عليها اعتبارها لغة وطنية لها، فمنذ تأسيس الدولة السورية، كان الصهر القومي مطبقاً على السريان وكل القوميات التي اعتبرت عربية،" يقول بشير ويضيف أنه جرى تهميش وتجاهل هذه القوميات في الإعلام والمناهج الدراسية.
مع تأسيس الإدارة الذاتية عام 2014 وصدور العقد الاجتماعي، حظيت اللغة السريانية باعتراف رسمي، شكّل، وفق ما يؤكد بشير، نقلة نوعية أعادت الأمل بإمكانية ترسيخ الحقوق الثقافية واللغوية. غير أن هذا التقدم لم يخلُ من انتكاسات؛ إذ يشير إلى أن عملية الدمج الأخيرة حسب الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، رافقها "غبن" بحق اللغة السريانية، تجلّى في إزالة لغتها من أول لافتة حكومية عُلّقت في مديرية التربية بمدينة الحسكة، ما عُدّ تراجعاً عن مكتسب تحقّق بعد سنوات من المطالبة.
رغم ذلك، يؤكد بشير أن السريان مستمرون في نضالهم استناداً إلى المادة السابعة من الإعلان الدستوري، التي تنص على ضمان الحقوق الثقافية واللغوية لكافة المكونات السورية، مشيراً إلى أن القوى السياسية السريانية رحّبت بالمرسوم رقم 13، المتعلق بتثبيت حقوق الكورد، مع المطالبة بتطبيقه على جميع المكونات دون استثناء.
مقاربات دول الجوار تجاه السريانية
لماذا نخرج اليوم إلى العلن؟ .. إخفاء الهوية الكردية وتمظهرها
21 آذار 2026
في مقارنة إقليمية، يلفت بشير إلى اهتمام العراق المبكر بالحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية، منذ مرسوم عام 1972، وهو ما تعزز دستورياً في عام 2005 حين أُقرت السريانية كلغة وطنية، إلى جانب ضمان الحقوق الإدارية والثقافية للجماعات المختلفة في المجتمع. انعكس ذلك عملياً في استمرار تدريس المناهج بالسريانية في مدارس دهوك وأربيل حتى المرحلة الثانوية، مع الاعتراف بشهاداتها في الجامعات.
في المقابل، لا تزال السريانية في تركيا خارج أي إطار قانوني رغم ما نصّت عليه معاهدة لوزان بشأن حقوق الأقليات في تعليم لغاتها، إذ بقي تطبيق ذلك محدوداً ضمن الكنائس. أما في لبنان، فلا يوجد قانون ينظم وضع اللغة السريانية، وإن كان تدريسها متاحاً.
على النقيض من ذلك، توفر العديد من الدول الأوروبية أطر دعم واضحة للغات الأم، من خلال سياسات تعليمية تتيح تخصيص مدرسين للحفاظ على لغات الشعوب المختلفة.
الإعلام: خط الدفاع الأخير
وسط هذا التناقض، برز الإعلام مساحة بديلة للحفاظ على اللغة. اختارت ماريا العمل في الإعلام السرياني، رغم توفر فرص أخرى، مدفوعةً بقناعة أن بقاء اللغة مرتبط بوجودها في الحياة اليومية، وفي الخطاب العام. تجربتها لم تكن سهلة، إذ واجهت، كما تقول، صعوبات حتى في إيجاد كوادر تتقن اللغة، لكنها ترى في هذا الجهد ضرورة لا خياراً.
تصف ماريا شعورها وهي تقدم محتواها الإعلامي باللغة السريانية بأنه مزيج من الفخر والحزن؛ فخر نابع من التمسك بلغة الأجداد، وحزن على محدودية حضورها، وخشية أن تبقى محصورة في نطاق ضيق. "لا أريد أن نبقى الوسيلة الوحيدة"، تقول، في إشارة إلى الحاجة لتوسيع هذا الحضور.
من جهته، يدعو بشير المؤسسات والأحزاب السريانية الآشورية، إلى تبني خطاب موحّد يقوم على رؤية لسوريا جديدة، تُبنى على أسس ديمقراطية وعلمانية، ويستند دستورها إلى مبادئ حقوق الإنسان والمواطنة المتساوية، وإلى التأكيد على ضرورة الاعتراف الدستوري بالحقوق القومية المشروعة لكافة المكونات السورية، وضمان المساواة بينها، بما يشمل اعتبار لغاتها وثقافاتها جزءاً أصيلاً من الهوية الوطنية، وتسميتها كـ"الجمهورية السورية".






