"كعكة الرئيس" أو "مملكة القصب"، حسن هادي
🌑🌗🌕🌕🌕
ما إن سقط نظام الأسد، حتى تغيرت المقاربة الشائعة في الأوساط المعارضة سابقاً، حيال العقوبات على سوريا، أو كما كان يقال سابقاً، على النظام السوري فحسب لا الشعب، وبات يُجادل، عن حق هذه المرة، بأن العقوبات قد أصابت البلاد بشلل، وجعلتها بالكاد قابلة للحياة. لم تُصنع بعد أي أفلام سورية تعالج فترة الحصار والعقوبات الدولية، الخانقة للسكان معيشياً، في فترة حكم الديكتاتور بشار الأسد. هكذا كان الحال أيضاً في العراق، الذي شهد حصاراً دام قرابة 12 عاماً، تلا غزو الكويت، حتى تصدى له المخرج العراقي الشاب حسن هادي في أول أفلامه الطويلة، ليشارك في مسابقة نصف شهر المخرجين الموازية لمسابقة مهرجان كان السينمائي في الدورة الماضية، وحقق جائزة "الكاميرا الذهبية".
اتخذ حسن هادي، الحصار التالي لقرار الديكتاتور العراقي صدام حسين بالغزو خلفية لأحداث فيلمه، لا موضوعاً له، يستعيد فيه مشاعر رافقته طفلاً هو وجيله، كان يمكن لها أن تندثر، إن لم يستعدها أحد.
يأخذنا المخرج في رحلة طريق تخوضها طفلة صغيرة تدعى لميعة، يقع "شرف" إعداد كعكة احتفال عيد ميلاد الرئيس صدام عليها، بعد قرعة ينظمها معلمها "البعثي"، فيما تطال مهمة جلب الفواكه، صديقها سعيد، فتى تجمعها به علاقة إعجاب بريئة. عندما تزف خبر التكليف إلى جدتها "بيبي"، ينزل كالصاعقة عليها، وهي تعلم تبعات عدم جلب ما يليق بقدر الرئيس، فتذهبان في رحلة إلى المدينة، مع بعض الحاجيات، وديك اتخذته لميعة حيواناً منزلياً، "هندي"، لتدبر المقادير. تعيش لميعة في هذه الرحلة، الكثير من المغامرات، و سيتوجب عليها المساومة ومقاومة منطق الكبار، واختبار قساوة قلبهم، تصادف بعضهم وهم في أحط حالاتهم، وأن تتحلى بالشجاعة في عالم أكبر من وعيها.
بلغة بصرية أخاذة، يلتقط هادي البيئة الساحرة لأهوار العراق، وسكانها الملتحمين بالطبيعة، وبيئتهم البسيطة، ويرينا الأثر الذي تركه الحصار على حياة أناس بسطاء، يُجبرون فيها على إقامة طقوس تأليه القائد، رغم ضيق ذات اليد. نحن أمام تفاوت طبقي لم تخلقه نماذج اقتصادية خاطئة، إنما فعل سياسي طائش، ذو تبعات مهلكة، وطبقة من الموالين، المتنافسين على المغالاة في التأييد.
ينجح هادي أيضاً في إخراج أداء ممتاز من ممثلاته، على نحو خاص، بنين أحمد نايف التي تسرق من المشاهد، اهتمامه، وتعاطفه، وتوصل الفيلم إلى نهايته الحزينة، بأداء قوي، في دور لميعة.
مع ذلك، يترك سيناريو الفيلم الكثير للتمنيات، بل ويثير الاستغراب، عندما نعلم بأن كاتب السيناريو الأمريكي اللامع، ايريك روث، الذي قدم لنا نصوصاً من قيمة "فورست غمب"، و "الحالة الغريبة لبنجامين بوتن" قد شارك في الفيلم كمنتج منفذ. إذ يحشو حسن هادي الكثير من الدراما، المليئة بالتقلبات والأحداث العظام، والأرواح المزهوقة، في خط زمني يكاد لا يتجاوز يوماً واحداً، ويجعلنا نعاني لنصدق ما نرى، في مبالغة، تثقل كاهل الفيلم. هذا قبل أن "يخرج" من الفيلم في نهايته ويحاول معالجة أو الإجابة على سؤال عما إذا كان "الطغاة يجلبون الغزاة".
"فلانة"، زهراء غندور
🌑🌑🌗🌕🌕
(تنبيه: المراجعة تتضمن تفاصيل قد يراها المشاهد/ة إفشاءاً للأحداث)
البحث عن مختفيات، مختطفات في سوريا، شغل أهالي الضحايا في سوريا عموماً، وفي الساحل السوري على نحو خاص ربيع العام الفائت. هذا هو شأن زهراء غندور في فيلمها "فلانة"، تحاول، كما يُفترض، خلال صناعته فك لغز اختفاء صديقة طفولتها، نور، التي تتذكر كيف اقتيدت من منزل "الخالة حياة"، جارتهم الممرضة والقابلة، التي قضت سنواتها العشر الأولى عندها، بعد أن تعذر على والدتها إعالتها، في ظل الحرب.
بعد بداية واعدة، تسرد فيها الخالة حكاية نور، طفلة تخلت عنها والدتها لتجنب إغضاب زوجها الكاره لإنجاب الإناث، قبل أن يستقر بها الحال في مأوى، توهمنا صانعة الفيلم زهراء بأننا أمام مسار بحث سيكشف لنا تفاصيل أكثر عن مصير نور، وسينتهي على الأرجح بفصل أخير لهذه الصداقة الجميلة، إلا أنها تفاجئنا بعدم إحرازها تقدماً يُذكر، بعد الغزو الأمريكي للعراق، لتبدأ بتتبع قصة شبيهة لشابة يافعة تدعى ناتالي، تخلى عنها والدها المعنِّف، ببساطة لتعيش في مأوى، أشبه بالسجن، لنفهم هنا بأنها أيضاً "فلانة"، تنتمي لمجتمع من الفتيات تخلى أهلهن عنهن، مجهولات الهوية والنسب. مع ذلك، يبدو الزمن واقفاً في حياة ناتالي، الخارجة للتو من الملجأ، لتستقر في منزل ناءٍ.
هذا فيلم تعدنا صانعته مرتين برحلة، وما إن يحزم المشاهد/ة عدته، يكتشف بأن محطته الأولى هي محطته الأخيرة، لا تلعب فيه الخالة حياة دور القابلة فحسب، بل تحافظ على تماسك الفيلم، و"تولده"، وتوصله بأمان إلى نهايته.
رغم انجذاب المشاهد/ة إلى الخالة، وارتياحه لحضورها على الشاشة، الذي يخفف من ثقل موضوع الفيلم، تبدو بعض المشاهد على رقتها وجمالها، مقحمة على الفيلم، كذاك الذي تروي فيه الخالة بالتفصيل قصة حب قديمة مع جارها، وتستذكر تفاصيل من حياة أمها. ومن ثم يقفز إلى الذهن سؤال، ما إذا كان من الأجدى أن يكون الفيلم عن شخصية الخالة، التي ولدت أجيالاً من النساء، وأن تبقى الكاميرا ثابتة في منزل الخالة، لتحكي عن حياتها، وحياة زهراء وهي صغيرة وقصص أخرى عن معاناة النساء، إن كان تجوال الكاميرا خارج المنزل لم يقدم جديداً عن مصير الصديقة المختفية نور.
شأنه شأن مشهد آخر، توزع فيه صانعة الفيلم زهراء وروداً على قبور نساءٍ، أُخفيت هوياتهن، بعد قُتلن بزعم الشرف، الذي يبدو لنا، رغم تفهمنا لدافعها النبيل ومدى إلحاح القضية وأهميتها، كتأكيد للمؤكد، بأننا أمام مجتمع تشيع فيه كراهية النساء، ويُكرس فيه الإفلات من العقاب، عن الجرائم المرتكبة ضد النساء، وهو أمر شاهدناه سلفاً عبر قصتي نور وناتالي.
"حبيبي حسين"، اليكس بكري
🌑🌕🌕🌕🌕
مع تدفق المؤسسات غير الحكومية والبعثات الغربية بعد سقوط نظام الأسد، وتنفيذها مشاريع تنموية في سوريا، تحضر معها أسئلة، عما إذا كانت هذه المنظمات آتية لتستفيد وتفيد المتعاقدين معها من خبراء وتجني أرباحاً، أم أنها مهتمة حقاً بمنح الفرص للسوريين/ات، وخلق بيئة مواتية، تجعل استمرار العمل، حتى بعد تدفق المساعدات مستقبلاً، ممكناً. هل تفكر بطريقة كولونيالية، وتنظر من أعلى إلى الكوادر المحلية السورية، التي تبحث عن فرصة؟
هذا ما عالجه صانع الأفلام الفلسطيني اليكس بكري في فيلمه القوي "حبيبي حسين"، الذي يقدم فيه دراسة "كاركتر" لفني عرض أفلام يدعى حسين، من سكان جنين (في الضفة الغربية)، قضى عقوداً من حياته وهو ينثر السحر للمشاهدين/ات، عبر آلات عرض تعمل بالفحم، في سينما جنين. عندما تحضر منظمة ألمانية لنفض الغبار عن السينما، المتوقفة عن العمل لأمد طويل، وتجديدها، وتشغيلها، تستيقظ آمال حسين، ويتبع بعزم شديد حلم مواصلة مسيرة مهنية انقطعت.
حسين، كما نفهمه ونشعر به، ينتمي إلى تلك الشريحة من الناس، العالقة في خريف عمرها المهني، تحاول إثبات جدارتها، وأهميتها في الحياة، الأمر يتجاوز هنا "العمل"، بل إثبات أن الشخص "يعمل". نراه "يقتحم" كل الأبواب والحواجز بحثاً عن فحم هنا وعدسات هناك، على نحو خاص عند "العراب"، تاجر قطع التبديل. يحيل اليكس بكري، "السيكونز"، فيلماً داخل فيلم، ويكاد يجعله بنسق المونتاج السريع، جزءاً من فيلم إثارة لاهث.
مع ذلك، لا يقدم لنا اليكس، حسين، كبطل لا يُقهر، هو خبير في أدوات عرض سينما الأمس، إلا أنه يحار في أمره عندما يجد نفسه أمام أدوات عرض سينما اليوم. بالمثل، لا يُقدم مدير المشروع الألماني كلاوس، وخبير العرض السينمائي القادم من ألمانيا، كأشرار، بل كأناس يريدون إنجاح المشروع، وإن كنا نراهم يتناقشون مرة كيف أن أفلام المخرج الفرنسي الكبير جان لوك غودار لا تناسب سكان المنطقة، ربما عليهم عرض أفلام بروسلي لهم.
قد يشغل مشاهدي/ات الفيلم، المقيمين منذ وقت طويل في ألمانيا، سؤال عما إذا كان الأمر يتعلق هنا بنظرة غربية كولونيالية، ومحاولة لتهميش الكوادر المحلية حقاً في كل لحظات الفيلم، أم أن الأمر يتعلق أحياناً بالشخصية الألمانية، التي تؤمن بالتخصص، وتفضل المشي على المخطط، لا الارتجال، الذي يميل إليه حسين، الذي يغرق في حوار صامت مع الآلات، لساعات وساعات، ويجرب حتى يفهمها أو يتفاهم معها.
يظهر الفيلم أيضاً، كيف تتحول الترجمة إلى أداة نفوذ يستخدمها السكان المحليون ضد أقرانهم في مثل هكذا أوساط، وكيف أنها قد تحيل أحدهم إلى مدير، يتحكم بمصائر من لا يستطيعون إيصال ما يفكرون به إلى الأجنبي، ليتكون لدينا طبقات من المهمشين، ونتساءل من يهمش حسين هنا، الإدارة الألمانية، أم المترجم الفلسطيني؟
لا يقفز صانع الفيلم فوق السياسة، لكنه أيضاً لا يبالغ في التطرق إليها بطريقة استعراضية، بل يظهرها حينما يستدعي السياق، ونرى الإجراءات المعقدة والانتظار المضني الذي يتطلبه مجرد جلب قطعة إلكترونية، على حواجز الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية.
التهميش - من صناديق التمويل- نال أيضاً فيلم "حبيبي حسين"، الذي بدأ صانع الفيلم تصويره في العام 2008. كان اليكس، كما سنعرف في لقاء نظمه مهرجان "الفيلم"، بعد عرض الفيلم في برلين، قد بدأ تصوير الفيلم لصالح المنظمة الألمانية، قبل أن ينسحب منه، ويطلب نسخة من المواد ويصنع نسخته، الناقدة بشكل واضح لعمل المنظمة، ويجعل فيلمه يتمحور حول حسين لا المنظمة، ليأتي الفيلم بمثابة رد اعتبار لحسين ودوره. كذلك، يذكرنا بإمكانية صناعة أفلام متعددة من مواد مصورة متعلقة بموضوع ما.








