كان 78 .. مراجعة أفلام "حكايات متوازية" لفرهادي و"أرض الآباء" لبافليكوفسكي و"مولان" لنيميش


19 أيار 2026

سليمان عبدالله

صحافي وناقد سينمائي سوري مقيم في برلين

شهدت الدورة الثامنة والسبعون من مهرجان كان السينمائي عودة بعض من كبار "المؤلفين" ، بعد غياب طويل؛ بعضهم عاد بقوة، فيما كان حضور آخرين، دون التوقعات. سوريا ما انحكت كان في كان، هذه مراجعة لثلاثة من أفلام المسابقة الرسمية.

حكايات متوازية ، أصغر فرهادي

🌑🌑🌗🌕🌕

بعد غياب خمس سنوات، لا يعود فرهادي إلى مسابقة مهرجان كان، بأفضل أفلامه، بل بفيلم متوسط المستوى، لا يحمل بصمته السردية أو أسلوبه القائم على التمهيد ثم مسك المشاهد من عواطفه، فيما تقلب شخصياته جوانب معضلة أخلاقية تنفض على الشاشة، قبل أن يتركه يغادر  السينما على مرأى نهاية شاعرية، تترك الكثير للخيال.

محاولته خلق شخصيات متوازية، تتجاور في المكان، تتقاطع طرقها في الشارع، ليست الأولى، فآخرون سبقوه، ولم تكن محاولاته ناجحة. الآن نعلم بأن معلماً في كتابة السيناريو كفرهادي، خبير في جعل الحكاية تمضي بسلاسة، غير قادر في نهاية المطاف على جعلنا نصدق "حكايا متوازية"، أن نصدق بأننا أمام شخصيات من لحم ودم لا بيادق في قصة مرسومة بحنكة، تبدو عظيمة على الورق.

أفلام عربية في مهرجان "الفيلم" في برلين.. مرآة لسوريا 

30 نيسان 2026
بعد أن شهدت الدورة الماضية لمهرجان "الفيلم" العربي في برلين،  تكريس مساحة واسعة للسينما السورية بعد سقوط نظام الأسد، انتهت الدورة الحالية أول أمس الثلاثاء بمشاركة محدودة نسبياً للسينما السورية....

يخاطر فرهادي هنا بتقديم نسخته، فيلمه عن التلصص على الجيران، وتبعاته العاطفية، مستنداً على سيناريو سينمائي كبير، كريستوف كيشلوفسكي. إلا أن فرهادي يأخذ هنا جزءاً من بنية فيلم كيشلوفسكي (فيلم قصير عن الحب)، ليبني عالماً حول شخصياته، بل يفرغه من حمولته العاطفية ليحيله مسرحاً لتمرين ذهني عن تأثير  الخيال على الواقع والواقع على الخيال، مخمناً بأن الجمهور سيمضي معه في رحلته… ليس تماماً.

في فيلم كيشلوفسكي، نراقب شاباً يافعاً، يتلصص على سيدة تسكن في الشارع المقابل بمنظار، ويقع في غرامها، ثم ما الذي يفعله اقترابه من شخص تخيله طويلاً، عندما تتلمسه، ويشعر بعبورها جدار الخيال، فيما يقدم فرهادي في فيلمه، نسخة باهتة، ذو طبقة واحدة، من هذه العلاقة العاطفية، محولاً التلصص إلى مادة لاستكشاف التحريض على الإبداع وإطلاق الخيال.

يضعنا فرهادي، في فيلمه المعزز بنخبة من الممثلين/ات الفرنسيين/ات، أمام كاتبة (تلعب دورها إيزابيل هوبر) تحاول إنقاذ مسيرتها، وكتابة حكاية طازجة مأخوذة من حياة عاملين/ات في أستوديو للمؤثرات الصوتية في الجانب الآخر من الشارع، يعمل فيه صاحب الاستوديو وموظف وموظفة (أهملت ذكر طبيعة العلاقة بينهم، منعاً لإفساد تجربة المشاهدة)، تراقبهم بمنظار و ترسم من خلال لغة أجسادهم وتحركاتهم، طبيعة العلاقات التي تجمعهم، هل يخون أحدهما الآخر؟. عندما تواجه روايتها الفشل، وترميها يلتقطها آدم، شاب (يلعب دوره آدم بيسا) بات يعمل لديها، ويحاول ضبط الفوضى المنتشرة في منزلها المكدس بالكتب، لكن أيضاً بعائلة فئران. علينا أن نصدق هنا أن ذاك الشاب، المشرد، ذا الماضي الإجرامي المتواضع، بات مبدعاً وانغمس في الحكاية، بل وسيعدلها وفقاً لخياله الخصب، ليقدمها للموظفة العاملة في الأستوديو، التي تمررها لزميليها، لنشاهد كيف تحركهم قصتهم المتخيلة في الرواية، وتجعلهم يمضون في اتجاهات لم يفكروا فيها، وتوقظ شكوكهم، وتضعهم أمام خيارات صعبة.

يزرع فرهادي فيلماً خيالياً داخل فيلم، ويدع شخصيات الاستديو (يلعب أدوارهم فانسن كاسل، وبيار نيني، وفرجينيا افيرا) تمثل الرواية، قبل أن يعيدنا إلى الواقع المفترض، يجعلنا نراقب كيف أثرت الرواية الخيالية المكتوبة عنهم، التي قرأوها، في حيواتهم. إلا أن مشاهدة النسخة المتخيلة تحيل ما تبقى من الفيلم إلى تمرين ذهني كسول ومتوقع من مسافة عدة مشاهد.

ما يقترحه فرهادي في فيلمه:  واقعك يمتد إلى حيث يصل خيالك، وكل ما نراه في الحياة الطبيعية قد يكون ذا معنى بالغ إن وُضع في سياق أحداث متلاحقة؛ مقولة يبدو أن فرهادي يريد التأكيد عليها ويحبها، إذ لطالما سرد حكاية قصيرة ذات صلة، في الماستر كلاس خاصته، عن لقاء عابر بين صديقين، وقول أحدهما للآخر  أن ينتبه لنفسه، إن توفي أحدهما لاحقاً يصبح لذلك الحدث العادي معنى أكبر.

يتساءل فرهادي أيضاً، عما إذا كان علينا اعتبار أي شخص (آدم) ذا ملكة تخيلية كبيرة، مبدعاً،  وإن لم يكن قادراً على التعبير عنها كتابة.

عرض الفيلم أثار نقاشاً هنا في كان، مستوحى من ثيمته: هل يصبح المبدع، فرهادي نفسه، أسيراً لنمط الأفلام الذي صنع نجاحه، تلك الحكايات الإيرانية، الواقعية، المبنية على معضلات أخلاقية، وما إذا كان عليه التوقف عن صناعة أي فيلم، في وقت تبدو فيها عودته لإيران للتصوير فيها غير متوقعة، وما إذا كان الجمهور سيرفض كل فيلم خارج عما يتوقعه منه… ؟ ليس تماماً، ربما يفتقد فرهادي إلى شخصية، كتلك التي تلعبها كاترين دينوف (مديرة دار النشر) في فيلمه هذا، تقول له كلا، أو يسمع لحدسه، صوته الداخلي، حيث كان متشككاً جداً من كون هذا المشروع يناسبه، عندما عُرض عليه اقتباس فيلم كيشلوفسكي، على ما صرح في المؤتمر الصحفي للفيلم.

"أرض الآباء"، بافل بافليكوفسكي

🌑🌕🌕🌕🌕

يعود المخرج البولندي بافليكوفسكي إلى كان بعد غياب ثماني سنوات، بفيلم راقٍ، بستايله الخاص، "مقطوع من شريط" فيلميه "إيدا" و"حرب باردة"، وإلى حكاية أخرى تدور خلال الحرب الباردة في أوروبا، هذه المرة في ألمانيا ما بعد الحرب، في العام 1949، سنة الولادة الجديدة لألمانيا، توأمين أحدهما في الغرب تحت الحكم الغربي، والآخر  في الشرق، تحت حكم توتاليتاري سوفيتي.

صناعة فيلم سيرة شخصية للكاتب الألماني توماس مان، الحائز على جائزة نوبل للآداب، لم تكن واردة عند بافليكوفسكي، كما سنعلم لاحقاً، عوضاً عن ذلك، اكتفى هنا بفيلم طريق، يستحضر المرحلة، عن رحلة عودة مان، الذي كان قد بات في الأثناء مواطناً أمريكياً، يعيش على أراضيها، إلى "وطنه" السابق ألمانيا.

بافليكوفسكي لم يصنع هنا فيلماً سياسياً، ولم ينشغل بإسقاط الماضي على الواقع، بل ينتقل من الخاص إلى العام، ويقدم لنا سيرة ثالوث عائلي، الأب توماس، وابنته الممثلة والمراسلة الصحفية إيريكا وابنه كلاوس، في لحظة حرجة من تاريخ العائلة، عندما يقرر كلاوس وضع حد لحياته، فيما يخوض توماس مان وإيريكا رحلة تكريمية، على جثة بلد، تبدأ من فرانكفورت في ألمانيا الغربية وتنتهي في فايمار في ألمانيا الشرقية.

خلال مشهد افتتاحي طويل يظهر فيه كلاوس للمرة الأولى والأخيرة في الفيلم (يؤدي دوره أوغست ديل) نفهم الديناميكية القائمة بين هذا الثلاثي، علاقة عميقة بين إيريكا وكلاوس، تحثه فيه بشدة على العودة من مدينة كان ومرافقتهما، وأخرى سيئة تجمع كلاوس مع والده، لكن أيضاً مع وطنه ألمانيا، الذي يعتبره في لحظة يأس، بلداً مريعاً بأناس مريعين وبلغة مريعة خُلقت ليُكذب بها، ويا للمفارقة، والدهما معلم فيها، فيما يراه والده مجرد كاتب مدمن.

يعود توماس مان، الذي فرَّ من النازيين يوماً، عندما كان يُنظر إليه كيهودي، نسبة إلى زوجته، إلى ألمانيا كنجم روك، لا يعترف كشأن الأدب، بالحدود ولا يرى ألمانيا سوى بلدٍ واحد، يعود ليقدم مساهمته ورؤيته عما ينبغي أن تكون ألمانيا عليه، وكيف تتخلص من "المشكلة الألمانية"، مستشهداً بغوته الذي قاوم ثقافة الموت الرومانسية.

لكن هذه العودة التي تبدو على السطح تكريمية، تخفي الكثير من الكراهية له داخل ألمانيا، في غربها، التي ما يزال يتلقى تهديدات منها، وما زالت الشخصيات النازية سابقاً، حاضرةً فيها في ثوب الحملان، حتى خلال تكريمه، من أحفاد الموسيقار فاغنر، إلى زوج إيريكا السابق، الصديق المقرب لقائد سلاح الطيران النازي هيرمان غورينغ، الذي استلهم منه شقيقها كلاوس روايته "مفيستو"، ليضطر توماس مان وإيريكا للتعامل مع الماضي على طريقتهما.

ويُسأل فيها أي بلاد يعتبر  وطنه، وما إذا كان يحق له إطلاق أحكام أخلاقية على الألمان وهو الذي سافر وعاش في بحبوحة وتركهم يعانون وحدهم خلال الحرب، "لو بقيت لما كان هذا الحديث بيننا"، يجادل توماس مان في الفيلم. قبل أن ينتقلا إلى الشرق، التوتاليتاري، ليُكرم في عيد ميلاد غوته ال200، حيث يحتار  مسؤول البروباغندا الروسية الكولونيل تولبانوف، والألمان في كيفية استغلاله لصالح سلطتها، وتحويله إلى بيدق.

هذا ليس فيلماً بخط درامي أو حبكة واضحة، بل رحلة طريق، يستكشف فيها السيناريست الألماني، هينك هاندلوغتن وشريكه في الكتابة بافليكوفسكي، حقبة، يتطرقان لثيمات الهوية، والانتماء للوطن، والتعاطي مع المعضلات الأخلاقية في الأوقات السياسية الفارقة، حيث من الصعب أخذ الأمور على مبدأ إما أبيض أو أسود، للمفارقة، عكس ستايل المخرج البصري.

تتقلب خلال هذه الرحلة العلاقة بين إيريكا ووالدها، بين الود والاحترام، لكن أيضاً  المواجهة الصاخبة، والتشكيك حول جدوى هذه الرحلة. هل يعتقد فعلاً أنها تجدي أي نفع، أم أنه يخوضها إلى النهاية بدافع نرجسي، ينمق عبارات خطاباته، ليحصل على تكريم واستقبال يليق برؤساء الدول، وهو يعلم بأن الكلمة الأخيرة للأمريكيين والسوفييت. يفضل توماس مان الاعتراف باختلاف رؤاهما.

بافليكوفسكي يواصل تعاونه مع مدير التصوير  لوكاسز سالز، ويمنح الموسيقى والغناء (الكورالي) مساحة هامة في فيلمه، ويمنح ظهوراً عابراً، للمغنية بطلة فيلمه السابق "حرب باردة"، ( تلعب دورها جوانا هوليغ)، ما يرسخ الانطباع بأننا أمام ثلاثية، حتى الآن على الأقل. موسيقى باخ، هي الأخرى، تحضر مجدداً في فيلمه، يودع بها المشاهد، فيما يطلق توماس مان العنان لعواطفه المكبوتة. يتركنا المخرج نخمن بما يتعلق الأمر هنا، بولد، أم ببلد، أحاله النازيون إلى كومة من الركام؟

كشأن فيلميه السابقين، يرسم بافليكوفسكي مع سالز، كوادر فيلمه بدقة، بكاميرا ثابتة، وبحركة محسوبة لممثليه داخل الكادر، محيلاً كل كادر إلى لوحة فنية بحد نفسها، علامة في فيلم يبدو كقطعة موسيقية.

الممثل هانس زيشلر ينجح بأداء متحفظ، وبنبرة تعكس السلطة، في نقل ثقل هذه الشخصية في التاريخ الألماني إلى الشاشة، فيما تقدم ساندرا هولر دوراً قوياً آخر في إحدى أنجح سنواتها المهنية.

مع ذلك، لا ينبغي، كما يؤكد المخرج نفسه، أخذ الفيلم كوثيقة تاريخية؛ إذ غيّر بافليكوفسكي الكثير من جوهر الرحلة التي قام بها توماس مان. هكذا إذ لم ترافقه ابنته إيريكا، التي كانت أكثر صرامة في موقفها السياسي مما ظهر في الفيلم، ودفعته سابقاً لاتخاذ موقف علني ضد النازيين عند وصولهم للسلطة، بل قاطعت الرحلة إلى فايمار، مجادلة بأنها لا تريد إضفاء شرعية للنظام الشيوعي، الممتد إلى ألمانيا الشرقية، وساءت علاقتها مع والدها جراء ذلك. من رافق توماس مان، حقيقةً كانت زوجته كاتيا، الذي أكد بافليكوفسكي في مؤتمره الصحفي أنه رأى أنها ليست مثيرة للاهتمام، فقام "بصرفها" واستبدالها بشخصية إيريكا.

 "مولان"، لازلو نيميش 

🌑🌑🌕🌕🌕

بعد قرابة عقد، من مشاركته الأولى في مسابقة مهرجان كان، برائعته "ابن سول"، الذي يجعلنا فيها نرافق معتقلاً في معسكرات الموت النازية، من المسافة صفر، التي نال عنها، الجائزة الكبرى "غراندبريكس"، عاد المخرج الهنغاري نيميش هذا العام، بفيلم "مولان"، الذي يأخذنا فيه إلى الفترة الأخيرة من حياة بطل المقاومة الفرنسية ضد الاحتلال النازي، جان مولان، تحديداً اعتقاله في ربيع العام 1943، في ليون، بعد عودته من بريطانيا، حيث كلفه الجنرال شارل ديغول بتوحيد فصائل المقاومة الفرنسية في الداخل.

بعد فصل أول يُعرّفنا فيه الكاتب أوليفييه ديمانجيل (هذا أول فيلم يخرجه نيميش، لا يكون من كتابته)، على شخصية جان مولان، ومدى أهميته للمقاومة الفرنسية، لكن أيضاً على مولان الإنسان، يرمينا معه إلى معتقل الغستابو في ليون، حيث اقتيد بعد اعتقاله في عيادة، ليقع في شباك، "جزار ليون"، كلاوس باربي.

كشأن بافلوفسكي، يبتعد نيميش وشريكه السيناريست ديمانجيل، عن صناعة فيلم سيرة ذاتية تقليدي عن مولان، ويكتفيان بتخيل ما جرى بين مولان وكلاوس باربي؛ إذ لم يُسجّل النازيون تفاصيل ما جرى مع مولان في المعتقل، وتختلف السرديات عما إذ كان قد قُتل حقاً تحت التعذيب، بعد رفضه الكشف عن خطط إنزال الحلفاء في أوروبا، وشبكات المقاومة، أم أنه أنهى حياته فيها بنفسه، ليضع حداً لفرص كشفه عما عنده من معلومات. يمر نيميش على هوية من أوقع مولان بين يدي النازيين سريعاً، دون أن يُوليه اهتماماً يذكر.

يبني نيميش وديمانجيل المواجهة بين باربي ومولان، الذي يُعرف باسمه الحركي ماكس، وباسم مزيف هو مارتان، بالتدرج في أساليب التحقيق، من التلاعب النفسي، كالإعدام الوهمي، ومواجهة اعترافات الأصدقاء، حتى الوصول إلى التعذيب، الوحشي، الذي يحاول المخرج إظهار آثاره، لا الفعل بحد ذاته في جل المشاهد. مع ذلك، قد يثقل (صوت) بعض اللقطات على المشاهد.

يقدمان لنا مولان كشخصية استراتيجية خارج السجن، وداخله، متوقد الذكاء، متشكك للغاية من كل من يتعامل معه، حاضر البديهة، يستطيع مجاراة كلاوس باربي وإقناعه بهويته المزيفة، وإن كان إلى حين. لكنهما أيضاً يأنسنان هذه الشخصية الأسطورية، فمولان هنا، ليس ذاك البطل الذي لا يقهر، بل شخصاً هش، يطلب الموت، ويهرب إليه، خشية أن يضعف ويبوح بما لديه، فيما يريد باربي تأجيل ذلك، بصفته واحداً من "أسياد الموت والحياة"، إلى حين أخذ ما يصبو إليه، وأيضاً حرصاً على ألا ينال صفة "الشهيد".

الممثلة هيام عباس ضيفة مهرجان برليناله الكبيرة، بفيلمي (بيت الحس) و(لمن يجرؤ) وحوار .. "متمردة"، "أم"، "سياسية"

23 شباط 2026
كان حضور الممثلة الفلسطينية القديرة هيام عباس طاغياً في نسخة هذا العام من مهرجان برليناله السينمائي؛ طافت فيها صالات السينما والمؤتمرات الصحفية متحدثة عن فيلمين شاركت فيهما، في قسمي المسابقة...

اشتغل نيميش بشكل واضح، على شخصية جزار ليون، باربي، تجنباً للوقوع في فخ الكليشيه، وإظهاره وحشاً .. شيطاناً يمشي على الأرض، مستعيناً بأحد أهم ممثلي جيله من الألمان، لارس ايدنغر، الذي ما زال نشطاً للغاية في العمل المسرحي.

ايدنغر ، يقدم لنا باربي، شخصاً من لحم ودم، مخيفاً بحركاته المحسوبة، وبرودة دمه، ومكره في التحقيق، واستخدامه النادر والمفاجئ للعنف، فارضاً حضوره في الفيلم بقوة، فيما يحاول الممثل الفرنسي جيل ليلوش، الذي يلعب دور مولان، مجاراة أدائه، بتقديم أداء معقول، يؤديه جل الوقت بصمت، موصل للمشاعر، بنظرات تشي بالارتياب قبيل اعتقاله، وأخرى تقترح ثقة فيما يتكلم بتحفظ، حذراً، فيما مصيره معلق في الهواء، بين صيحات الغستابو وشتائمهم، وتعذيبهم.

عودة نيميش إلى كان، جاءت "اعتيادية"، إذ صنع على نحو مفاجىء ربما، فيلماً تقليدياً، فيلم جاسوسية كلاسيكياً، جيداً، ينجح في تقديم المتوقع من أي فيلم من هذا النمط، لكنه أيضاً، لا يمنح الجمهور ما هو مميز، موضوعاً، أو بنية، أو من الناحية البصرية؛ إذ يقدم لنا مقاربة أقرب لفيلم نوار، صوره على مادة فيلمية، على شريط ٣٥ ميلي متر، محاولاً استحضار روح الأربعينيات، بألوان صفراء وخضراء وبنية، حاشراً  بطله مولان في زنزانة ضيقة، محاولاً ضخ حمولة اختناقية على الشاشة، تشعر المشاهد بالضيق، الذي مر به مولان في أيامه الأخيرة.

هذا فيلم تكريمي إلى حد بعيد لمولان، يحاول فيه نيميش تصوير نظام لا يتورع، أحد كبار قادته باربي، عن السخرية من رميهم الرضع في النار في بيلاروسيا، وفي المقابل، مولان المضحي لأجل شعبه، ورفاقه، وحتى سجين عادي من المقاومة معه في الزنزانة، صراعاً بين حضارة الموت وحضارة الحياة.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد