بعيونٍ واسعةٍ خائفة وجسدٍ مرتجفٍ واهن، عاجزةً عن استيعاب ما حولها، وجدت سميرة نفسها محاطةً بمجموعةٍ من الرجال بملابس مدنية. فتشوها وفتشوا منزلها بوحشية، ثم أمروها بالركوع وهم يوجهون إليها الشتائم و الصفعات. قيدوا يديها، وصادروا هواتفها وأموالها، وأخذوا أوراقها الثبوتية، واقتادوها إلى مركز احتجاز في سجن المحطة في أربيل.
تقول سميرة: "لقد كانت تجربةً مرعبة. عشتُ في خوفٍ وألم، وتعرضتُ للسخرية والاستهزاء أثناء اعتقالي بسبب جسدي وصوتي وملابسي وسلوكي". سميرة، امرأة عابرة جنسياً في العشرينيات من عمرها، تنحدر من جنوب سوريا، خريجة جامعية عملت في مجال التعليم، وتعيش في أربيل منذ عدة سنوات. استُهدفت سميرة واعتُقلت من قبل قوات الأسايش (قوات الأمن الكردية) في أربيل بعد التواصل معها عبر حسابٍ على تطبيق غريندر/Grindr.
كانت سميرة تتوق إلى موعد سعيد يُخفف عنها وحدتها، ويُريحها خلال إجازتها، ويُضفي على يومها بعض السكينة والهدوء، ويمنحها بعض دفئاً وحناناً. ما لم يخطر على بالها وهي تتصفح الصور والملفات الشخصية على تطبيق المواعدة، أن تتحول إحدى تلك الصور إلى فخ يُوقعها في شباكه. تحركت أصابعها بشغف بين الصور، دون أن تدرك أن تلك اللحظات ستغيّر حياتها تماماً.
كوير سوري في نويكولن البرلينيّة
25 آذار 2022
استقر اختيار سميرة على صورة رجل في أواخر العشرينيات من عمره. وجدته جذاباً، فتحدثت معه، وتعرفا إلى بعضهما، بدا أسلوبه سهلاً وواضحاً، واثقاً من نفسه، وأخبرها أنه متاح لموعد غرامي فوري، سألها عن عنوانها وقال إنه يريد مقابلتها في منزلها أولاً.
على الرغم من استغراب سميرة من طلب الرجل صوراً كاملة لها، تظهر فيها وجهها وجسدها، إلا أنها استجابت له، وهو أمر لا تفعله عادةً، خوفاً من الابتزاز. وافقت على كل طلباته و أعطته عنوان منزلها، وانتظرته بفارغ الصبر حتى سمعت خطواته خارج الباب، ثم رنين الجرس. ركضت مسرعةً، ونظرت من خلف الباب فوجدته وحيداً، لكنها فوجئت بعدة رجال مختبئين خلف الجدار عندما فتحت، قاموا على الفور بتقييد يديها، وانتشروا في المكان لتفتيشه في لحظات من الصدمة والذهول لن تنساها أبداً، حسب سردها لسوريا ما انحكت.
ترحيل قسري
لسنوات عديدة، ظلت أربيل ملاذاً آمناً للسوريين من مجتمع "الميم"، ممن فروا من تصاعد العنف في سوريا بعد عام 2011، موفرةً لهم فرص عمل، وسكناً، ومستوى معيشياً لائقاً، وقدراً معقولاً من الحرية الشخصية. لكن الحال تغير في منتصف عام 2023، عندما بدأت السلطات في أربيل بتشديد القيود عليهم، بتعليق تأشيرات الدخول إلى المنطقة وفرض قيود أكثر صرامة على المقيمين والراغبين في الحصول على تصاريح إقامة أو تجديدها. تم ترحيل سميرة إلى سوريا حيث تعيش حالاً من القلق المستمر: "أخاف من تطبيقات المواعدة، وأعاني من أرق يومي بعد وصولي إلى سوريا. أستعمل الحبوب المهدئة للسيطرة على توتري، وكي أستطيع النوم لساعات قليلة".
شاهدت سميرة عشرات المعتقلين من مجتمع "الميم" في السجن، بينهم قاصرون وممن يحملون جنسيات أخرى إلى جانب جنسيتهم السورية "الجميع يعلم ما يصيبنا من انتهاكات، لكنهم يفضّلون تجاهلها والتزام الصمت". لم تُقدّم منظمات حقوق الإنسان التي تُدافع عن مجتمع الميم عين و العابرين جنسياً في أربيل أي بيان حول هذه الأحداث. ولم تصدر السلطات الإقليمية في أربيل أي بيان أو تصريح رسمي ذي صلة.
قهوة صغيرة بالشام
01 كانون الثاني 2021
كانت أربيل أحد مراكز تجمع أفراد مجتمع الميم عين والعابرين جنسياً من سوريا. علي (اسم مستعار)، وهو رجل في الثلاثينيات من عمره، من اللاذقية، حاصل على شهادة في القانون، عاش في كردستان العراق لسنوات عديدة وعمل في وظائف مختلفة، وكان يشعر بالأمان، قبل موجة الاعتقالات. أُلقي القبض على علي قبل قرابة شهرين في مكان عام، وسُجن لمدة أسبوعين قبل ترحيله إلى سوريا.
يقول علي: "كان من المفترض أن أسافر إلى بلد آخر خلال أيام قليلة عبر برامج إعادة التوطين التابعة للأمم المتحدة، لكن ذلك لم يمنع اعتقالي وترحيلي".
تنوعت أساليب وأماكن اعتقال أفراد مجتمع الميم عين والعابرين في أربيل خلال هذه الحملة، وحسب علي، فقد اُعتقل بعضهم في منازلهم، وآخرون في الشوارع والمقاهي، أو بعد مغادرتهم مراكز تجديد الإقامة، بينما اعتُقل آخرون بالقرب من مراكز الفحص الطبي. أثناء نقلهم واستجوابهم، يُجبر المحتجزون على الكشف عن أسماء شركائهم أو أصدقائهم من مجتمع الميم، ويُسألون عن ميولهم الجنسية وأرقام هواتفهم وعناوين منازلهم. تُستخدم هذه المعلومات لاحقاً لاستدعاء الأفراد واعتقالهم إن تأكد انتماؤهم إلى مجتمع الميم.
ويعاني المحتجزون والمرحّلون من ضائقة نفسية شديدة، وشعور بالفقد، ويكافحون للتأقلم مع وضعهم. يقول علي: “إنّ وضع من بقي من مجتمع الميم في أربيل ليس أفضل حالاً. فهم أيضاً يعيشون في خوف دائم، غير قادرين على التنقل أو ممارسة حياتهم وعملهم بحرية، لا يشعرون بالأمان حتى في منازلهم”.
غياب العلاج
ردود أفعال أفراد مجتمع الميم في أربيل، تجاه هذه الحملة ضدهم، جاءت متفاوتة، يحاولون التكيف والاستجابة، بطرق تناسب كلاً منهم. اختار البعض تغيير مكان إقامته بدلاً من المغادرة، بينما اختار آخرون الانتقال إلى مناطق أخرى في العراق، يعتبرونها أكثر أماناً حالياً. إلا أن هذه التدابير تشكل بحد ذاتها، خطراً على وضعهم القانوني وتهدد ملفات لجوئهم، إذ يُلزمهم ذلك بتعديل تصاريح إقامتهم ومحل سكنهم واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لإعادة التسجيل لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وهذا شبه مستحيل بسبب صعوبة الحصول على الأذون الرسمية من بغداد وأربيل.
تقول ميمي:"بعد أن ألقت وحدة مكافحة الإرهاب القبض عليّ، احتجزوني لمدة عشرة أيام في سجن المحطة، ثم أطلقوا سراحي عند معبر سيمالكا الحدودي"، أقصى شمال شرق سوريا. ميمي عابرة جنسية، في منتصف العشرينيات، كانت تعمل في أربيل منذ عدة سنوات. بعد انتشار أنباء الاعتقالات الأخيرة، حاولت البقاء في منزلها لعدة أشهر دون عمل، لكنها اضطرت في النهاية إلى العودة إلى عملها في حلاقة الشعر، لحاجتها الماسة للمال. مجموعة من رجال الشرطة اقتحموا صالون التجميل الذي تعمل فيه، وقاموا بجرها من ثيابها إلى سيارة مغلقة وسط ذهول الموجودين في المكان. عبرت ميمي الحدود مجبرة، مع إحساس عميق بالغربة والعجز والخذلان ودون مال.
سارة حجازي في سوريا
لا توجد إحصاءات رسمية أو أي إقرار رسمي بحدوث عمليات اعتقال وسجن وترحيل؛ لأنها تُنفَّذ خارج إطار القانون. الدكتور أيمن هدى، الخبير في القانون الدستوري، والناشط الحقوقي، أكد لسوريا ما انحكت أن جميع هذه الإجراءات تُنفَّذ خارج إطار القانون، في أربيل أو في المناطق الخاضعة للقانون العراقي، أو عموماً خارج إطار قوانين حقوق الإنسان:"هي إجراءات غير شرعية وغير قانونية تماماً، تُنفَّذ خارج الإطار القانوني. لو سُمح للمُرحَّلين بتعيين محامٍ أو رفع قضيتهم إلى المحكمة، لكان لهم الحق في إلغاء جميع إجراءات الترحيل والبقاء في المنطقة، بسبب المخاطر التي تهدد حياتهم (حال عودتهم)".
لم تسفر محاولات كاتب هذه المادة للتواصل مع جهات رسمية أو شخصيات عامة أو قانونية في أربيل عبر البريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي عن أي استجابة. بعض أفراد الأسايش في إقليم كوردستان، تحدثوا، سراً بصفتهم الشخصية، رافضين التحدث عن هذا الموضوع علناً، خشية الفصل من العمل والسجن.
عند وصولهم إلى الحدود السورية، يحاول المُرحَّلون/ات، الذين يجدون أنفسهم في منطقة غريبة، لم يروها من قبل أحياناً، إيجاد شاحنة أو سيارة تُعيدهم إلى محافظاتهم التي ينحدرون منها. يجد هؤلاء أنفسهم في وضعٍ مجهول وغامض المستقبل، لا سيما أولئك الذين انقطعت صلتهم بسوريا لسنواتٍ طويلة، ويخشى بعضهم من السلطات الجديدة في سوريا.
لم يتحمل علي البقاء في سوريا، شعر بأن الهواء ثقيل، وأن هناك من يراقبه طوال الوقت، على حد توصيفه، لذا اختار الخروج منها مرة أخرى بحثاً عن الحياة والأمان، فيما تعاني ميمي وسميرة من القلق والخوف بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية والتهديد المستمر لحياتهما وسلامتهما، بسبب ميولهما الجنسية، وانتمائهم لأقليات دينية وعرقية.






