"كأن الممثل يحكي معك": السينما في دمشق وذاكرة العتمة المشتركة


28 أيار 2026

عروة درويش

كاتب مهتم بالبحث والتحليل السياسي والجيواستراتيجي. له مساهمات أدبية وثقافية باللغتين العربية والإنكليزية.

كلّما ذكرت علياء اسم الفيلم تضحك، وليس السبب أنّ "لا أنام" كان فيلماً مضحكاً، ولا لأنّ في حبكته ما تتذكره سوى أبطالها، ولكن لأنّ الاسم فتح لها بوابة عتيقة تقف على مسافة منها طفلة في الثانية أو الثالثة عشرة من عمرها، ترتدي حماستها فوق ثيابها "المرتبة"، وإلى جانبها عمّتها فاطمة، متجهتين إلى العتمة التي ستترك ضوءاً لا ينطفئ في أكثر من نصف قرنٍ تالٍ من حياتها.

لا تذكر علياء (اسم مستعار) اسم الصالة تماماً، ولا تستطيع فرحتها بالذكرى أن تعينها على استحضار العام بدقة: "إمّا 1971 أو 1972". حين نعود إلى عام إنتاج الفيلم، فهو أقدم من تلك اللحظة بنحو ثلاثة عشر عاماً أو أكثر، أي بعمر تجربة علياء الأولى مع السينما. لكنّ هذا الارتباك لا يفسد الحكاية، فذاكرة علياء لا تحفظ القصة كما نحفظ الثبوتيات في أرشيف حكومي، بل تحفظها كرجفة مرافقة لصوت محيطي، في عتمة دخلتها طفلة وخرجت منها أكبر بساعتين من الخبرة التي تساوي عمراً، أو أكثر بقليل.

كان العبور إلى عالم الكبار هو ما عنته صالة السينما لعلياء، عالمٌ ستتعلم منه كمدرسة، لكنّه ليس كالمدرسة التي ستهرب منها لاحقاً مع صديقاتها لمشاهدة فيلمٍ آخر. كانت عتمة السينما لعلياء أماناً لا خوف فيه، تؤنسها فيه أصوات الممثلين الظاهرين على الشاشة، والذين بدوا لها "كأنهم عم يحاكوك وحدك".

يجمع أبناء جيل علياء على أن دُور السينما كانت "راقية"، والناس فيها كانوا "راقيين". تكرر علياء الكلمة كأنها تحاول تثبيت سمات الزمن قبل أن تنساه وسط تلاحق الأحداث وتدهور العلاقات الاجتماعية في سوريا ودمشق التي تقطنها. تخشى علياء وأبناء جيلها على قيم "متسامحة" مهددة بالانقراض، وكأنّ السينما في زمنها شاهدة على عالمٍ أجمل وأكثر اتساعاً.

تنسج حكاية دُور السينما في دمشق، لا من أسماء الصالات وتواريخ افتتاحها وإغلاقها، بل من حياة أشخاصٍ دخلوها أطفالاً، أو أمهات وآباء، من نساء يبحثن عن فسحة، من مراهقين قطعوا مسافات طويلة ليتشربوا العاصمة على هيئة شاشة كبيرة، وغرباء يؤنسونهم.

متعة عابرة

كان محمد موظفاً حكومياً جاء إلى دمشق في 1971 من مدينة سلمية المتاخمة للبادية السورية، وكان قد زار السينما في سلمية قبل مجيئه، وأحبّها، وتعلّق بها. في دمشق، صار يرتاد السينما والمسرح على نحو متكرر، كجزء من طقس اعتيادي يسلي به وحدته في المدينة الجديدة. في عام 1972 تزوّج من نادرة، وجاء بها إلى دمشق من إحدى قرى سلميّة. كانت نادرة ليّنة العريكة وبسيطة، لم تعرف إلّا النذر اليسير عن حياة المدن قبل الزواج. لذلك، عندما اصطحبها محمد إلى السينما في يوم جمعة بعد زواجهما بعدة أشهر، بدت التجربة لها مفرحة إلى حدّ يفوق الوصف.

نظرة على تجربة النوادي السينمائية السورية.. منذ نادي دمشق السينمائي في الخمسينيات، وحتى لحظة الانعتاق من النظام

15 تشرين الأول 2025
"عند السؤال حول ضرورة النوادي السينمائية في الحياة الثقافية المعاصرة تبرز الإجابة من الفعل الثقافي نفسه، فمشاهدة الأفلام في الصالات السينمائية التقليدية لا توفر تلك الحميمية ولا ذاك الانفتاح على...

سكنت نادرة عند وصولها إلى دمشق في جوبر، في غرفة تطلّ على نهر تورا، أحد فروع بردى، ضمن منزل صغير مشترك مع عائلة أخرى. كانت أيّ رحلة إلى وسط المدينة بمثابة "مشوار مسلٍ" لها، فما بالك أن تكون تلك الرحلة، في 1973، إلى سينما الزهراء لحضور فيلم لفريد الأطرش "زمان ياحب"؟ دندنت نادرة أغنية من أغاني الفيلم: "فوق غصنك يا ليمونة"، بنوع من السعادة، مصرّة على أنّ الأغنية كانت أجمل ما في الفيلم، بل وربّما أجمل ما بقي من السينما بأكملها.

كان الجو في صالة العرض مناسباً للعائلات، كما تتذكره نادرة، و"راقياً" أيضاً. وكانت فرحتها، وهي الحامل، استثنائية وهي "تفصفص" البزورات أثناء حضور الفيلم، مشددة على أنّها لم ترمِ القشور على الأرض، بل تضعها في كيس صغير تحمله لهذا الغرض. يتعارض تفصيل "البزورات" الصغير في ذاكرة نادرة مع تفصيل "عدم وجود طعام على الإطلاق" في ذاكرة علياء! تناقضٌ صغيرٌ بين ذاكرتين، لا يفسد الاتفاق على تفاصيل السينما الأخرى.

كانت الرحلة التالية لنادرة إلى السينما في العام ذاته، لحضور فيلم رعاة البقر (كاوبوي)، بصحبة عائلة أخرى من سلمية. لم يكن الفيلم ممتعاً، فاتخذ الجميع قراراً موحداً بالخروج من الصالة وعدم إكماله، وتوجهوا بدلاً من ذلك إلى "نادي الصالحية" للعشاء. لم تذهب نادرة إلى السينما بعد ذلك، فهي "لم تحبه". حتى عندما اصطحبها ولدها الأصغر بعد 37 عاماً إلى سينما الأبعاد الثلاثة/3D في مول كفرسوسة، بقيت على رأيها. حضرت هناك فيلماً تتحرك فيه الكراسي ويتم ضخ الهواء والماء على وجهها كي تساعدها على عيش واقعية الحدث، فخافت، ونزعت النظارات، وتوقفت عن متابعة بقية الفيلم، رغم أنّ مدته لم تكن تتجاوز الربع ساعة.

في لحظة خوف نادرة، كان محمد، زوجها، قد انقطع بدوره عن السينما لسبعة وثلاثين عاماً قبل أن يصطحبهما ولدهما الأصغر إلى تجربة الأبعاد الثلاثية. لم يكن محمد يحب السينما كثيراً، ولذلك حاول مقاومة رغبة ولده بإعادته إليها بأقصى ما استطاع، حتى وصل به الأمر حدّ التهديد بالإعراض عن "المشوار" بأكمله. لكنّه، وعلى عكس نادرة، وجد في التجربة تسلية لم يتوقعها. وعلى عكسها أيضاً، لم يخلع نظارة الأبعاد الثلاثية، بل استمر بمشاهدة الفيلم باهتمام، وضحك، وقهقه بشكل نادر لا يتناسب مع تحفظه قبل الدخول.

خلافاً لمحمد ونادرة، عادت علياء إلى السينما مرّات ومرّات. شعرت هناك "وكأنّ الممثلين عم يحكو معك وحدك". لم تخف علياء من عتمة السينما، لا هي ولا صديقاتها اللواتي هربن معها من المدرسة، نحو عام 1975، لحضور فيلم في دار سينما السفراء. بقيت متعلّقة بالسينما إلى أن جاءت حقبة التسعينيات، حيث بدأ "الرقي" يتراجع، وبدأت صالات السينما تفقد "حلاوتها". حتى عندما ذهبت منذ فترة قريبة إلى سينما سيتي، وهي النسخة المحدّثة من سينما دمشق الشهيرة، لم تستمتع. بالنسبة لها: صارت الأفلام سخيفة، وصار الناس يدخلون وبأيديهم الكثير من الطعام والشراب. باختصار: لم تعد للمكان "هيبته" التي أبهرت جيلها.

لم ينجح تكرار التجربة بعد فترة قصيرة بإعادة رونق السينما إلى علياء، ولذلك كانت واضحة حين قالت: "يضربوا هنن وهيك أفلام". علياء أم عازبة بقيت طوال سنين الحرب مشدودة الأعصاب، قلقة على جميع من تحب. ثمّ انضمّ خوفها من "أسلمة المجتمع السوري" اليوم إلى أسباب زيادة قلقها وامتعاضها. بالنسبة لعلياء فقدت السينما، كما فقدت دمشق في كثيرٍ من نواحيها، رونقها. حين تتحدث عن الدُور وصالاتها، تبدو كأنّها تشرح الفرق بين حقبة حُفرت في الذاكرة، وحقبة جديدة وصلت إلى السباق مع منفسة في الفم. حقبة منهكة، بلا قيمٍ يمكن احترامها، ولا هالة تمنح الأشياء البسيطة زخرفها القديم.

السينما الخالدة!

في الستينيات والسبعينيات، كانت السينما في دمشق جزءاً من الحياة العامة. لم تكن رفاهية خالصة، ولا نشاطاً للنخبة وحدها. كانت موعداً للعوائل، وفسحة للمراهقين، ومساحة للنساء كي يخرجن من البيت تحت غطاء مقبول اجتماعياً، ومجالاً للأطفال الذاهبين مع أمهاتهم كي يروا العالم أكبر مما تتيحه الأزقة والمدارس والنوافذ. في زمن ما قبل هيمنة التلفزيون، كانت صالات السينما واحدة من نوافذ المدينة القليلة على الخارج. هناك تصل وجوه من مصر وفرنسا والهند وأمريكا، وتجلس إلى جانب المتفرجين السوريين كما لو أن المسافة بين دمشق والعالم يمكن قطعها بتذكرة.

حازم (اسم مستعار)، المولود عام 1967، يتذكر أولى مرات زيارته للسينما عبر مرآة أمه وجاراتها وأولادهن. كانوا في السابعة أو الثامنة حين ذهبوا إلى فيلم "نغم من حياتي". بالنسبة له، كانت تلك الرحلة أقرب إلى "سيران" منها إلى مشاهدة فيلم فقط. ليس وصف هذه الرحلة إلى السينما "بالسيران" أمراً اعتباطياً، بل دليلٌ على أنّ السينما في ذلك الحين، كانت فعلاً جماعياً منظماً، تخرج فيه النسوة - جاراتٍ وصديقاتٍ وقريبات - ليروحن عن أنفسهن ضمن فسحة ليست بالكبيرة، وسط أسر تلقي عليهن الكثير من الواجبات والالتزامات.

تحوّلت ذاكرة رحلات السينما لدى حازم - وهو الذي فقد والدته في سنّ صغيرة، وترك هذا الفقدان لديه ندبة كبيرة غيّرت مسار مهنته وحياته - إلى مرآة لزمن جميل لا يمكن تكراره. يتذكر عبور شارع 29 أيار باتجاه سينما السفراء، وكيف كادت سيارة أن تدهسه وسط ذهول والدته التي أفلت يدها. يروي الحادثة كأنّها ذكرى لطيفة مليئة بالفرح، فنتيجتها في ذاكرته لم تكن السيارة التي كادت تدهسه، بل دخول السينما وحضور فيلمٍ آخر مع الأم التي رحلت بعد ذلك بفترة وجيزة.

في سياق السنوات التي تمضي، ومعها التغيرات التي حدثت للسينما ودورها في دمشق، تبرز ذاكرة جيلٍ آخر مع الصورة الكبيرة المتحركة في العتمة. سليم (اسم مستعار)، المولود في 1980، كان يسمع كثيراً من أهله وأقاربه عن سينما النبك، وهي السينما التي لم تعد موجودة في الواقع مذ كان طفلاً. بدأت علاقته الخاصة مع السينما في الصفين الثامن والتاسع، حين صحبه والده مع إخوته إلى سينما الشام في "العاصمة". بالنسبة لسليم، كانت السينما بوابة القدوم إلى المدينة الأكبر.

كان والد سليم مالكاً لمعمل، ويملك لذلك من المال والعلاقات ما يكفي ليتيح له شراء منزل، أو أكثر، في دمشق. كانت تلك المنازل موجودة فقط لخدمة سليم وإخوته حين يريدون النزول إلى المدينة والمبيت بها. لذلك في أيام العطل، عند النزول إلى "الشام"، كانت السينما واحدة من محطات المتعة الصرفة التي ينتظرها سليم. كان الفيلم الأول الذي حضره لعادل إمام. لا يتذكر عنوان الفيلم، قد يكون "الإرهابي"، ولكنّه لا يهتمّ كثيراً بتذكره، فما بقي له من التجربة التي عاشها هو: بشر كثيرون، يضحكون بشكل جماعي، مستثارون وعيونهم معلّقة على شاشة بحجمٍ لم يعهده من قبل. كان سليم يعيش "الجنّة" حينها.

لكن، عندما كبر قليلاً، وبدأ ينزل وحده إلى دمشق دون أهله، مضى مرة إلى فيلمٍ آخر في دار سينما أخرى لا يتذكر اسمها، ويرجّح أنها كانت "سينما الفردوس". صدمه مستوى الصالة. إنّها "هابطة"، وأدنى من أن يستطيع "إنسان محترم أن يكمل فيها فيلماً". لكن ما سمات "الاحترام" التي تحتاجها السينما؟ بالنسبة لسليم، كان الاحترام يعني أن يشاهد الناس الفيلم حقاً لا أن يفعلوا أشياء أخرى، وألّا تكون رائحة الصالة آسنة لا يمكن احتمالها، وأن تكون الشاشة والصوت يصلحان لنقل التجربة.

السينما "المعيبة"

ربّما أفضل من علّق على رائحة دور السينما الهابطة هو راجي (اسم مستعار)، المولود في 1992 في مخيم اليرموك. كان راجي في بداية مراهقته فتىً يريد تجربة كلّ شيء، ومنها السينما. لهذا ذهب مع أصدقائه إلى سينما النجوم في شارع فلسطين ليحضروا فيها فيلماً، علّه يعود بعدها وهو يحمل تجربة تمكّنه من التباهي أمام الأقران والأقارب. لكن لحظة وصول راجي إلى الصالة كانت لحظة التقاطه للرائحة الغريبة التي لم يشمّها من قبل، وهي بكلماته: "رائحة مني"!

المذهل هو اختلاف وصف راجي لسينما النجوم عن شهادات كتّاب وناشطين سياسيين عن سينما النجوم ذاتها. فالكاتب الفلسطيني-السوري علي بدوان يقول عنها بذاكرة احتفالية: "فعاليات سينما النجوم الوطنية الفلسطينية، شهدت على الدوام مشادات ومشاكل، أثناء سيرها أو بعد انتهائها ، بما في ذلك الاشتباك بالأيدي بين مختلف أعضاء الفصائل". بينما يقول الكاتب فجر يعقوب، الفلسطيني-السوري أيضاً، في سياق هجومه على الطبقة السياسية الفلسطينية: "وقد مرَّ على مسرحها قادة فلسطينيون مثل ياسر عرفات، وجورج حبش، وأبو العباس، ونايف حواتمة، وسواهم".

الطريقة الوحيدة لفهم هذه التحولات في دُور السينما هي التسليم بأنّها بدأت، منذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات، بالتحوّل إلى شكل جديد: لا أخلاقي وهابط، بعكس نشأتها الأولى في عشرينيات القرن الماضي. ربّما لم تكن هذه الصورة موحدة لدى الجميع، ولا عادلة على الدوام، لكنّها صارت قويّة بما يكفي لتصبح حاجزاً مسبقاً يمنع دخول الناس إلى الصالات.

لم تستطع دور السينما التطوّر بما يكفي، ولا الحفاظ على جمهورها ولا زخمها. تختلف الآراء حول أسباب ذلك، لكن المؤكد أنّ التراجع لم يحدث بسبب عامل واحد. من السهل إلقاء اللوم على التلفزيون، وتحميله وزر قتل السينما، غير أنّ هذه الإجابة تبقى ناقصة. في سوريا، تركت عوامل أخرى أكثر ثقلاً، أثراً لم يتم التراجع عنه إلى اليوم.

يميل البعض لتحميل المسؤولية لقرار مركزية استيراد الأفلام وحصرها بالمؤسسة العامة للسينما، لكنّ قرار الثمانينيات هذا تغيّر منذ بداية الألفية الثانية، بل وصدرت قرارات أخرى لتشجيع أصحاب دور السينما على ترميمها وتحويلها إلى مراكز تجارية مربحة شريطة الحفاظ على صالة عرض سينمائية فيها. يتحدث البعض عن ضعف الاستثمار، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الصيانة، وتبدّل وسط المدينة، وصعوبة المواصلات، وتغيّر مزاج التسلية. لكنّ الأكيد الوحيد الذي نعرفه: عندما تراجعت قدرة الناس على الوصول إلى الصالات لأسباب معيشية، وحين لم تعد الأفلام الجديدة والمشوّقة تظهر على البوسترات، وحين صارت بعض القاعات قديمة ورثّة أو محاطة بسمعة سيئة، بدأ الجمهور بهجرها عاماً تلو آخر. لم تمت دور السينما دفعة واحدة، لكنّ الغياب عنها صار هو العادة.

اتخاذ القرار وفقاً للجنس

لمياء (اسم مستعار)، المحرومة من السينما، مثالٌ صارخٌ على هذا التغيير. فرغم أنّ زوجها كان يذهب، في طفولته ومراهقته، إلى السينما بصحبة أقاربه، فقد منعها في العقدين الأولين من القرن الحالي، من الذهاب إلى دُور السينما أو اصطحاب بناتهما إليها، ولو كان الفيلم المعروض للأطفال.

كانت المرة الأولى التي ذهبت فيها لمياء، المولودة عام 1973، إلى السينما ضمن رحلة مدرسية في الصف الرابع، لتحضر مع رفاقها فيلم "عمر المختار". ترك الفيلم أثره فيها محفوراً، وجعلها تتعلّق بذلك المكان ذي الشاشة الكبيرة والصوت الجهوري. لا ترى لمياء في حديث زوجها كلاماً عابثاً كلياً، فهي تسمع مثله عن السينما وعمّا يُقال بأنّه يحدث في صالاتها. لكنّها، رغم ذلك، تعتبر ما جرى لها مجرّد حلقة أخرى في سلسلة طويلة من تحكّم الذكور في حياتها، وإجبارهم لها على تجنّب ما لا تريد تجنّبه. تفكّر أنّ زوجها كان يمكن أن يكون محقّاً لو أنّها رغبت بالذهاب إلى إحدى دُور السينما "الهابطة"، لكنّها أرادت الذهاب إلى "سينما الكندي"، ذات السمعة الجيدة لدى السوريين، والتي كانت المؤسسة العامة للسينما تديرها باحترافية مقبولة قبل التحرر من سلطة الأسد في سوريا. بعد التحرير، وضعت وزارة الأوقاف يدها عليها، لكونها قائمة على أرض وقف، وغيّرت الرؤية المؤسسية لدورها، وهي الرؤية التي لم يتمكن السوريون من معرفة ملامحها حتى وقت كتابة هذه الكلمات.

"فيمَ كان يفكّر عندما منعني؟ هل تخيّل أنّ هناك رجلاً يترصدني ليجلس عمداً بجانبي في السينما؟ هل يتخيّل أن أحداً (حايشني) في العتمة؟". لكنّ لمياء، وإن استكانت لفترة وجيزة، وقد أجبرها على تلك الاستكانة سوء الأوضاع وسكنها بعيداً عن قلب المدينة، قررت "النشوز" وعدم إطاعة زوجها بمجرّد تغيّر الظرف. ابنتان لم تتمكن من اصطحابهما إلى السينما كي تنقل لهما تجربتها، لكن الثالث يجب أن يذهب. بدأت باصطحاب ابنها إلى السينما كلّما واتتها الفرصة. كانت المرة الأولى في "سينما كندي" مشروع دمر لحضور فيلم للأطفال.

كانت السينما شبه خاوية، لكنّ ضحكات ولدها عوّضتها عن الازدحام وعن ذكرياتها الخاصة. بعد فترة، صحبته إلى "سينما سيتي - سينما دمشق سابقاً"، وهي السينما التي أعاد ترميمها مستثمرها، المنتج الراحل نادر الأتاسي، لتصبح سريعاً دار سينما للطبقة الوسطى العليا وما فوق. اليوم يبلغ سعر التذكرة نحو 6 دولارات، أي ما يعادل حوالي 80 ألف ليرة سورية قديمة، وهو مبلغ لا يستطيع السوري العادي دفعه بسهولة إذا ما رغب باصطحاب أسرته، خصوصاً إذا أضفنا ثمن البوشار والشيبس الذي يضاعف الكلفة أو يزيد. هنا اكتشفت لمياء أنّها لن تتمكن من المضي أبعد في "رفض الاستكانة"، وأنّ عليها الالتصاق "بسينما الكندي" إن أرادت الاستمرار بتثبيت تجربة السينما في ذهن ولدها.

عمل "ما بيجيب همه"

بالنسبة لصبري، المولود عام 1983، ليس في السينما أو دُورِها ما يستأهل الحنين، بل إنّ تجربته معها تبدو مشوبة بالتوتر حتى قبل الوصول إلى الصالة. عاش طفولته في ليبيا، حيث لم يدرك يوماً أنّ هناك شيئاً يُسمى سينما. لذلك جاءت تجربته الأولى مع السينما متأخرة، عام 2004 أو 2005. وحتّى تلك التجربة، لم يعشها راغباً، بل بسبب قريب له كان يعمل في الإضاءة في السينما، أمّن له بطاقات مجانيّة، واصطحبه مع صديق أرمني اسمه هاكوب، إلى تجربته الأولى مع الشاشة العملاقة.

كان صبري مثالاً على من يقول عنه السوريون: "ولد مهذب". أمّا قريبه كمال وصديقه هاكوب فكانا العكس منه تماماً، في تلك اللحظة على الأقل. في الطريق إلى "سينما الشام"، داخل الباص، وضع هاكوب السماعات على أذنيه، وبدأ مع كمال بالغناء بصوت مرتفع. أكل الحرج صبري حدّ التبرؤ من معرفة الشابين، وبدأ بكره السينما قبل أن يصل إليها حتى.

لا يتذكر صبري الفيلم المعروض بقدر ما يتذكر ما جرى داخل القاعة. من شدة ما كان كمال وهاكوب "مهضومين"، ترك بعض الناس متابعة الفيلم، وبدؤوا يتابعون الصديقين كأنهما عرض مسرحي حي. تحولت الشاشة إلى خلفية، وصارت الصالة نفسها هي المشهد. لكن، على عكس ما حدث في الباص، شعر صبري هذه المرة بالفخر لأنّه آتٍ مع من سرق الأضواء، ولم يأبه كثيراً للأصوات الخارجة من "سبيكرات" الصالة.

اليوم، لم يعد كمال يعمل في الإضاءة في "سينما الشام"، وهي الدار التي أغلقت قبل أكثر من عقد ونصف "للصيانة" التي لم تنتهِ حتى وقت كتابة هذه الكلمات. في الحقيقة، لم يعد يعمل في مهنة إضاءة دور السينما مطلقاً، فهي: "شغلة ما بتجيب همها". غادر معه سوريا كلّها إلى بلادٍ أخرى يمكنه فيها شغل عملٍ "يجيب همه".

لم يذهب صبري إلى صالة سينما بعد ذلك، خاصة بعد أن أغلقت سينما الشام. بالنسبة له، ارتبطت السينما وصالاتها "بالانحلال الأخلاقي". أليس هذا ما يظهر في المسلسلات؟! ألم يحاول "يعرب" في مسلسل "تخت شرقي" أن "يتجاوز الأخلاق" عندما اصطحب "هارموني" إلى السينما كي يعانقها؟ أليس هذا، في مخيلة صبري، هو الهدف من ذهاب الفتيات والشبان إلى صالات السينما، أن تتلامس الأيدي والأقدام؟ لم تتمكن حتّى "سينما الشام"، المعروفة برقابتها، من تغيير وجهة نظر صبري.

تكشف علاقة صبري مع السينما مدى خوف السوريين المحافظين اجتماعياً من أن تُنتهك أخلاقهم وقيم عائلاتهم في عتمة الصالات المغلقة. المفارقة أنّ تلك العتمة نفسها هي التي هربت إليها علياء من مدرستها مع صديقاتها لحضور فيلم "الرداء الأبيض"، قبل أن تصبح، في زمن آخر، مصدر رعب لكثير من الأهالي. العتمة ذاتها التي جمعت عائلاتٍ وأبناءها، لم تتوقف عن كونها مزدوجة التأثير، لهذا هي ذاتها من دفع والد إسماعيل إلى صفعه بشدّة عندما علم أنّه زار السينما مع صديقه خلدون حربا.

العتمة في "سينما أهرام" في منطقة فكتوريا، كمثال، هي العتمة التي شقّها ضوء أفلامٍ كلاسيكية عظيمة مثل "سبارتكوس" و"معركة منسك"، وهي العتمة نفسها التي دفعت الأمن الجنائي في 2006 إلى إغلاقها بتهم متصلة بالدعارة، كما أوضح سليمان الحركي (اسم مستعار)، الذي كان أحد عناصر الجنائية الموجودين في الموقع آنذاك. "سينما أهرام"، التي سماها صاحبها المنتج السينمائي السوري صبحي فرحات، بهذا الاسم تقرباً من حبيبته الفنانة زبيدة ثروت، تحولت بعد تلك الحادثة إلى صالة عرض مفروشات، ثمّ إلى مجمع تجاري بأسماء مختلفة. لم يُطل فرحات المكوث حياً بعد ذلك بكثير، إذ وجدت الشرطة المصرية جثّته متعفنة، وحيدة، عام 2010.

لكن ما الذي تخسره دمشق عندما لا يعود الغرباء يجلسون معاً في عتمة واحدة؟

من الفيلم إلى الرياضة والضحك

أي حديث عن السينما يعرّج، بشكل أو بآخر، على دربٍ أكبر يشمل الحديث عن المدينة بأكملها، وعن الحياة العامة فيها، وعن الفضاءات التي توفرها لساكنيها. في مواضع كثيرة، انتقلت السينما كفضاء عام إلى نشاط أصغر يجد مكانه في صالات نوادٍ صغيرة "ثقافية" أو شبابية. بعض دُور السينما - مثل "سينما السفراء" - قاومت بطرق ملتوية، فبدلاً من الأفلام، صارت مباريات كرة القدم هي التي تجذب الجمهور إلى شاشة كبيرة في مواعيد محددة.

بعض الأنشطة التي تبحث عن أماكن تستضيفها، تمنح دُور السينما فرصة لكسب صراع اكتشاف جزء من "هويّة العصر" التي تسمح لها بالاستمرار، ولو بشكل ثقافيّ آخر. في السنوات الأخيرة صار من الواضح أنّ الجمهور الذي هجر الأفلام في دُور العرض، مستعدٌ للعودة إلى الدُور ذاتها إذا ما هي انتقلت إلى العروض الحيّة، ونتحدّث تحديداً هنا عن "الستاند أب كوميدي".

في لقاء لمّ الشمل في مونبلييه.. سينمائيون سوريون يناقشون: أيّة مؤسسةٍ عامة للسينما تناسبهم؟ ومستوى الدعم الفرنسي لها

29 تشرين الأول 2025
شهد مؤتمرٌ عن مستقبل السينما السورية، نظّمته جهاتٌ فرنسية سينمائية على هامش مهرجان البحر المتوسط السينمائي، لمّاً لشمل مجموعةٍ عابرةٍ للأجيال والجغرافيا والخبرات من السينمائيين السوريين، لم يلتقِ بعضهم الآخر...

الملصقات التي تظهر شخصاً يقف على "المسرح" وأمامه ميكروفون، يسلي الناس قبل أن يخوضوا التجربة حتّى، ويعدهم بأمسية ضحك جماعي يجب ألّا يفوتوها، جذابة إلى حدّ يصعب رفضها. يرتبط الستاند كوميدي بطبقة اجتماعية، وبجيل أحدث من جيل السينما. "سينما سيتي"، السينما الأبرز اليوم في دمشق، والأكثر قدرة على جذب الطبقة الوسطى العليا، ملأت صالتها بجمهور جاء ليحضر في منتصف 2025 عرض "أربعطش" للكوميديان السوري المقيم في هولندا: عمار دبا، في أول عودة له إلى دمشق بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، بعد غياب دام 14 عام. كان ذلك العرض يحمل معه "رائحة" الانفتاح على "اللاحدود"، ولهذا كانت مزاوجته مع صالة السينما نوعاً من الدفعة الرمزية لصالات السينما، والأدوار الجديدة التي يمكن لها أن تلعبها، حتى مع شاشة سوداء صامتة.

وضمن السياق ذاته، شرعت فرق مثل "ستيريا" بالتحرّك لتكون جزءاً من ساحة المزاوجة بين الوافد الجديد نسبياً: الستاند أب كوميدي، ودور السينما والمسرح العتيقة. الفرقة الناشئة التي بدأت عروضها في مقاهٍ صغيرة قبل سقوط السلطة في سوريا، اندفعت إلى مساحات أوسع بخطوطٍ حمراء معدومة أو قليلة جداً، وكانت سينما سيتي هي أيضاً الحاضنة لإحدى محطاتها - إلى جانب عدد من المقاهي والقاعات.

لكنّ الترحاب بالعروض الكوميدية في دمشق وصالاتها - السينمائية وغير السينمائية - لم يكن هو ذاته في بقية المحافظات. فعند حديثنا مع أحد أعضاء الفريق، أخبرنا عن قصة إلغاء حفلة حماة، عندما لم يشفع لهم شعار مهرجانهم: "إذا فينا نضحك مع بعض، فينا نعيش مع بعض"، حيث كانت دار سينما الشرق من الصالات المرشحة لاستقبالهم، قبل أن يأتيهم الاتصال الغامض الذي أعلن عدم ترحيب "أهل حماة" بهم. الكوميديان كان خائفاً بحق وهو يشرح: "ما فينا نخاطر، ممكن يكون الاتصال من واحد بلا طعمة، بس ممكن يكون من واحد جد بيحل وبيربط متل ما عرف حالو".

"الكوميديا تزدهر في المجتمعات المقبلة على تحولات كبيرة"، يعلنها السيناريست والممثل زيد ظريف وهو يعلّق على ظاهرة انتشار الستاند أب كوميدي: الفن الذي لا يزال خجولاً لافتقاده إلى "الحرية الداخلية وتجنبه للنقد الجريء خوفاً من الاتهام". اقتصرت المزاوجة بين دور السينما والستاند أب كوميدي حتى اليوم على صالات دار سينما سيتي، لكن ربّما تمتد بعد حين لتشمل المزيد من الصالات التي تحتاجها أكثر من سينما سيتي!

رغم ذلك، أعلنت دُور سينما أخرى الاستسلام دونما رغبة بالمقاومة، مثل "سينما أوغاريت" التي قال وارثها الوحيد عز الدين قرى حسن، قبل عدة أعوام، إنّ مِلكَه اليوم أشبه بالخرابة، وأن "التطور هو الذي ألغى دور السينما وأنهى عملها".. قال ذلك بينما كان يبيع على بسطة من أجل تأمين قوت يومه، عاجزاً عن الانتفاع من المِلك الذي ورثه عن والده.

تغيّر الزمن في دمشق، هذه حقيقة لا يمكن إنكارها، لكنّ دُور السينما كانت إحدى الضحايا الكبرى لهذا التغيير الثقافي والاجتماعي. وللأسف، لم تتمكن جميع وسائل الالتفاف على موت دور السينما من تعويض ما فات جيل ما بعد صالات السينما الجميلة، فدور السينما إذا ما أردنا إمعان النظر فيها، قريبة مما وصفه المخرج الإيطالي فيديريكو فيليني: "ليس هناك بداية، وليس هناك نهاية.. فقط شغف الحياة اللامتناهي"… ما يفقد السوريين عناصر هامة منه، خطوة تلو أخرى.

مقالات متعلقة

فيلم "تدمر" ، بالكاد محتمل لدى جمهور "الفيلم" في برلين .."خفيف" في دمشق

09 أيار 2025
"تدمر" فيلمٌ وثائقيّ من صنع وإخراج الراحل لقمان سليم ومونيكا بورغمان، يحكي ويمثّل فيه معتقَلون لبنانيون سابقون عن تجربتهم في ذلك الجحيم، الذي لا يكاد أحدهم يصدّق أنه خرج منه...
مهرجان كان 79 .. مراجعة أفلام "توت الأرض" لليلى المراكشي و"البارح العين ما نامت" لركان مياسي و"المحطة" لسارة إسحاق

26 أيار 2026
يشير تمحور جميع الأفلام العربية الطويلة، المعروضة في نسخة هذا العام من مهرجان كان السينمائي، حول التضامن النسوي والأختية، إلى انشغال صانعي وصانعات الأفلام في المنطقة العربية بقضايا النساء في...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد