بعد أيام طويلة يقضيها في العمل، تمتد أحياناً إلى ما يقارب اثنتي عشرة ساعة يومياً، يستأجر محمد إبراهيم، الشاب العشريني من مدينة القامشلي، مزرعة خاصة، ليلتقي بأصدقائه مرة أو مرتين شهرياً. يستلمون المزرعة منذ ساعات الصباح الأولى ليستفيدوا من كل لحظة، يقضون يوماً كاملاً في الترفيه عن أنفسهم، يحضرون الطعام ويلهون ويتسامرون، متمثلين طقوس النزهة التقليدية القديمة في المساحات المتاحة اليوم.
تنتظر إيمان قاسم من ساكنات مدينة القامشلي فصل الصيف لقضاء بعض أيامه في المزارع. تتفق ومجموعة من صديقاتها على الموعد وعدد المشارِكات، ثم يوزعن المهام بينهن؛ إحداهن تتولى التواصل مع صاحب المزرعة للحجز، وتتكفل أخريات بتأمين المستلزمات اللازمة، ويقسمن التكاليف وفق العدد. "نبدأ يومنا بجلسة قهوة، ثم نتناول الفطور، بعدها نقضي الوقت في الحديث أو ممارسة بعض الألعاب مثل ورق الشدة، قبل أن نبدأ بتحضير الغداء. لا نعتمد على المشاوي كوجبة رئيسية، بل نحاول التنويع. أحياناً نحضّر الطعام من المنزل، بحيث تتولى كل واحدة منا إعداد طبق معين، لنحصل في النهاية على مائدة متنوعة".
من "الزرنا" إلى الـ"DJ" .. تحولات الأعراس الكردية في سوريا
10 حزيران 2026
يعمل ديار في مدينة ديريك/المالكية ضمن مجموعة لتصوير المناسبات، ويحرص مع أصدقائه على قضاء بعض الوقت في المزارع كلما سنحت الفرصة. يومهم في المزرعة يبدأ عادةً في الفترة المسائية، حيث يصطحبون معهم ما يحتاجونه من أغراض، ويقضون ساعات في السباحة ولعب كرة القدم والجلوس بين الأشجار. تضع مجموعته شرطاً أساسياً للمشاركة في هذه اللقاءات يتمثل في عدم استخدام الهواتف المحمولة إلا عند الحاجة إلى طمأنة الأهل، في محاولة للابتعاد عن الأخبار اليومية وضغوطها؛ "هدفنا أن نبتعد لساعات عن كل ما يسبب التوتر. نقضي وقتنا بالسباحة أو لعب كرة القدم أو الجلوس بين الأشجار والاستمتاع بالهواء النقي".
يتزايد الإقبال على استئجار المزارع بوصفها متنفساً للكثير من الشباب والعائلات، خاصةً في ظل الظروف الاقتصادية والعسكرية التي لا تسمح بالسفر للاصطياف في البحر أو الجبال في المدن السورية الأخرى، لتصبح "الوجهة المختارة للعديد من المجموعات النسائية والعائلات التي تبحث عن مساحة للترفيه بعيداً عن صخب المدينة، ودخان المولدات"، يقول محمد.
ترفيه أقل
تتفاوت أجور استئجار المزارع بشكل كبير، فتراوحت خلال صيف 2025 بين 50 و250 دولاراً لليوم الواحد أو لاثنتي عشرة ساعة فقط، ويتباين مستوى الخدمات والتجهيزات تبعاً للسعر. تُعتبر تلك الأسعار مرتفعة مقارنة بدخل أغلب العائلات في المنطقة، لذا تقصدها عادة العائلات المقتدرة مادياً أو المغتربون ممن يقضون إجازاتهم في سوريا. ويلعب المغتربون دوراً مهماً في تنشيط حركة استئجار المزارع، فهم لا ينظرون إلى قيمة الإيجار كالمقيمين، نتيجة اختلاف القدرة الشرائية ومستويات الدخل، فيما تُحرم الشرائح الأفقر من إمكانية الترفيه هذه رويداً رويداً. "يصل إجمالي مصاريفنا في المزرعة إلى ما يقارب مليوني ليرة سورية. قبل عامين كنا نقضي وقتاً أطول في المزارع مقارنةً بالعام الماضي وهذا العام، بسبب الارتفاع المستمر في التكاليف." تضيف إيمان.
"أنا من شريحة لا يمكنها دفع أجرة المزرعة، لذلك نلجأ غالباً إلى مزارع يملكها بعض أقاربنا أو معارف أحد أصدقائنا. تكلفة قضاء يوم واحد في إحدى المزارع تساوي أحياناً ما نكسبه من عملنا خلال شهر كامل، وهذا أمر لا أستطيع تحمله."
يعمل محمد في توصيل الطلبات إلى المنازل والمزارع، ويشهد استثمار أصحاب المزارع مبالغ كبيرة في تجهيز المزارع وتأمين الكهرباء والخدمات والصيانة بشكل مستمر، وهو ما ينعكس على قيمة الإيجار "هناك من يرى الأسعار مبررة، بينما يرى قسم كبير من الأهالي أنها لا تتناسب مع مستوى الدخل الحالي."
يؤكد ديار أن تكلفة استئجار المزارع تفوق قدرة الكثير من الشباب، مضيفاً: "أنا من شريحة لا يمكنها دفع أجرة المزرعة، لذلك نلجأ غالباً إلى مزارع يملكها بعض أقاربنا أو معارف أحد أصدقائنا. تكلفة قضاء يوم واحد في إحدى المزارع تساوي أحياناً ما نكسبه من عملنا خلال شهر كامل، وهذا أمر لا أستطيع تحمله."
استثمار في البيئة أم تحدٍّ لها
فكّ الاشتباك بين الطاقة المتجددة واستدامة المياه الجوفية في القطاع الزراعيّ شمال شرق سوريا
04 أيلول 2025
وبينما ينظر مرتادو المزارع إليها بوصفها متنفساً للهروب من ضغوط الحياة اليومية، ينعكس التوسع المتزايد في إنشائها على البيئة والواقع العمراني في مدينة القامشلي. يرى المهندس آلا حبو أن لهذه الظاهرة جوانب إيجابية وأخرى سلبية، تختلف باختلاف طريقة إنشائها ومصادر المياه المستخدمة فيها ومدى الالتزام بالمعايير البيئية والتخطيط العمراني: "تسهم المزارع في زيادة الغطاء النباتي والمساحات الخضراء، ما يساعد على دعم البيئة المحلية والتخفيف من درجات الحرارة، فضلاً عن دورها في الحد من الغبار وتحسين جودة الهواء نسبياً. كما توفر متنفساً اجتماعياً وترفيهياً للسكان، وتشجع على قضاء الوقت في الهواء الطلق والتواصل الاجتماعي، خاصة في ظل محدودية المرافق العامة المخصصة للترفيه."
في المقابل، يحذر من أن التوسع العشوائي في إنشاء المزارع قد يؤدي إلى تحويل أجزاء من الأراضي الزراعية الخصبة إلى منشآت غير منتجة زراعياً، الأمر الذي يهدد بخسارة مساحات زراعية مهمة على المدى البعيد. كما يرى أن حفر الآبار بصورة غير منظمة قد يساهم في استنزاف المياه الجوفية وانخفاض منسوبها مستقبلاً، وأن غياب التخطيط قد يتسبب بمشكلات عمرانية وبيئية، مثل انتشار البناء العشوائي وضعف البنية التحتية وتراكم النفايات واستخدام أنظمة صرف صحي بدائية.
تتمتع مدينة القامشلي بأراضٍ خصبة ومياه جوفية، إلا أن "المشكلة لا تكمن في وجود المزارع بحد ذاتها، بل في العشوائية التي قد ترافق تنفيذها واستثمارها، فأي توسع عمراني ينبغي أن يراعي الحفاظ على الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية للمنطقة"، بحسب المهندس آلا.






