ملف “السويداء، ذاكرة ولا يقين”: مضى عام على اقتحام قوات من الأمن العام السوري، والقوات الرديفة من العشائر، مدينة السويداء وريفها. أُحرقت قرى ونُهبت، وقُتل أكثر من 1700 شخص، وتمزقت عرى الوطنية السورية بما لا يمكن رأبه في المستقبل القريب. لا تزال ذكرى ما حصل تثقل سوريا بالمرارة، نفوساً وأجساداً وبيوتاً وطرقات. سوريا ما انحكت تدعو في هذا الملف مجموعة من أبناء السويداء لمشاركتنا ذكرياتهم وأفكارهم، عن ماضٍ بعيدٍ جميلٍ وآخر قريبٍ مُضنٍ، وتستكشف أحوالهم في ظل حالة اللايقين السائدة.
***
كانت ظروف زيارتي إلى مدينة القامشلي شخصية بحتة، فقد قدِم شخص منها إلى السويداء، مدعياً زوراً بأنه كردي، وأنه ملاحق من قوى الأمن الحالية، لذا استقبله الأهالي، وقدموا له طابقاً كاملاً ليقيم فيه. بعد أن استقر عندنا لشهرين، سرق مبالغ مالية ومصوغات بما تصل قيمته إلى مليار و800 مليون ليرة سورية، وهرب عائداً إلى القامشلي. وبحكم عملي كمحاسب مع المتضررين، وبعد تأكدنا من وجوده في القامشلي، قدِمنا إليها في خطوة محفوفة بالمخاطر الشديدة، لتقديم دعوى أمام المحكمة ضده، قصد إلقاء القبض عليه. وصلت إلى القامشلي في 12 يوليو/تموز 2025، وأُغلقت الطرقات أمام عودتنا.
من التضامن الثوري حتى القطيعة مع رفاق الأمس
اسمي ضياء العبد الله، من قرية الثعلة في السويداء، 53 عاماً، أحمل شهادة في الهندسة المدنية، وأنشط في المجالين الأدبي والمدني. عايشت تجربة الاعتقال السياسي المريرة ثلاث مرات في عهد الأسدين الأب والابن؛ أولها نهاية عام 1999 لدى الأمن السياسي، وحينها توفي حافظ الأسد، فبقيت معتقلاً لمدة سنة، وثانيها لدى المخابرات الجوية عام 2011، والثالثة في عام 2012، على خلفية كتابتي منشوراً على فيسبوك، بدعوى "تحقير رئيس الدولة".
"لو أستطيع النوم"
11 تموز 2026
كنت من رواد ساحة الكرامة، ومن الثابتين فيها؛ اخترنا في السويداء أن تكون لنا ثورتنا الخاصة، أن نقدم من خلالها الصورة الحقيقية للإنسان السوري، ثورة كرامة وحرية وإيمان بالديمقراطية والتعددية السياسية.
بعد نصف ساعة من سقوط النظام، كتبت أنني لا أعترف بالسلطة الانتقالية، ودعوت إلى وقفة احتجاجية أتى إليها أربعة عشر شخصاً فقط من السويداء، ورفعت لافتة أرفض فيها الاعتراف بالسلطة الدينية. ومنذ ذلك اليوم، بدأت بتلقي اتصالات من أصدقاء، معتقلين معي سابقاً، كالوا فيها لي الشتائم. هكذا حذفت من قائمة أصدقائي على مواقع التواصل الاجتماعي الكثيرين منهم. كانت تلك صدمة حقيقية، وهكذا باتت علاقتي الآن مقطوعة مع 99% منهم، لم يتبقَ لدي أصدقاء سوى من الكرد أو أبناء السويداء، وقلة قليلة من المناطق الأخرى، ممن لا يزالون يميزون بين المستبد ودينه.
كنت بالنسبة للكثير من السوريين، الصوت الأعلى في السويداء، وكانت علاقتي جيدة جداً مع كل النخب الثورية وأتواصل معها، يتواجدون في قائمة لا تنتهي من أصدقائي. بعد الثامن من ديسمبر/ كانون الأول، توقفنا عن الاعتصام في الساحة قليلاً لمراقبة ما ستؤول إليه الأوضاع. كنا نشعر ببعض القلق، حتى جاء "مؤتمر النصر"، حين عيّن الرئيس نفسه بنفسه، ووصلتنا الصورة كاملة: لن يكون هناك دستور في هذه البلاد، وستحكمنا الجهادية السلفية، وسيتسلم المشايخ حكم البلاد. تمت التضحية بالهوية السورية حينها، وبتنا كدروز وعلويين وغيرهم خارج الصورة.
مراقبة الهجوم على الأهل من الغربة الداخلية
بدأ الهجوم على السويداء بعيد وصولي إلى القامشلي، مقيماً في فندق. كان اليومان الأول والثاني من المجازر، من أصعب الأوقات التي عشتها في حياتي، لعدم تمكني من التواصل مع عائلتي بالسرعة المطلوبة، نتيجة سوء وضع الإنترنت في السويداء، والارتباك الشديد لدى الأهالي.
تواصلت مع شقيق زوجتي وطلبت منه إخراج عائلتي من الثعلة، رغم وجود قناصين قرب الطريق في منطقة المعامل، فقد كنت أعلم أن هذه المرة لا تشبه سابقاتها. الكثير من أهالي الثعلة فقدوا حياتهم برصاص القناصين. تمكنوا من الوصول إلى الشهبا في السويداء قبل اشتداد المجازر، واستقروا مع عائلة زوجتي. أما إخوتي وأخواتي فقد واجهوا صعوبات كبيرة، فقد اضطروا للنزوح من الثعلة إلى مركز المدينة، والبحث عن مسكن هرباً من الموت.
أول من تلقيت خبر مقتله كان ابن عمي، بهاء، الذي كان صديقاً وشخصاً مقرباً مني، أولادي أصدقاء أولاده، وقد وقف إلى جانبي منذ 2011، وهكذا كان برفقتي حين تم اعتقالي في المرة الثالثة. بعد ذلك بدأت تتوالى أسماء القتلى والأخبار السيئة؛ قريتنا تم نهبها وحرقها مرتين.
خروجي من المنزل كان بمثابة الموت بالنسبة لأطفالي، خاصةً أنه جاء قبيل اقتراب الموت منهم.
أعتبر نفسي محظوظاً لأن زوجتي وأولادي استقروا مع عائلتها، وقد نزح جميع من تبقى من الأهالي من قراهم. لم نعتد تنصيب خيام في السويداء، لذا عمل أهالي المدينة على استيعاب واحتضان، ما يعادل ثلث سكان السويداء من النازحين، وقد بقي البعض لفترات طويلة في الشوارع والملاعب والمدارس خلال التصعيدات العسكرية.
يشرف على آخر الحواجز الموجودة بين دمشق والسويداء، داخل قريتي الثعلة وحتى حدود مدينة الشهباء، شخص يتبع لسليمان عبد الباقي وليث البلعوس، أولئك من يجمعني معهم تاريخ طويل من النزاع الفكري، قبل أن يتحولوا لشخصيات منبوذة في السويداء، بعد ما شهدته المدينة من مجازر ونهب.
محاولات العودة
بذلت جهوداً كبيرة لأجد طريقاً للعودة. تلقيت وعوداً بمرافقة قوافل مساعدات، كان من المفترض أن تتوجه من الحسكة إلى السويداء، لكن أنباء وصلتني عن تعرض القوافل لرقابة أمنية شديدة وتدقيق في هويات الأشخاص المرافقين لها، ونصحني الأصدقاء بألا أخاطر، لتفشل تلك المحاولة قبل البدء بها.
أعرف الكثير من النشطاء ممن لديهم الموقف ذاته من السلطة الحالية، لكنني أنشر موقفي على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا أدري إن كنت مطلوباً لدى حواجزها.
جاءت محاولتي الثانية خلال وجود طلاب من السويداء في القامشلي لبعض الوقت. كنت على تواصل مع عوائلهم لطمأنتهم على أحوالهم. كنت أخطط لمرافقتهم خلال العودة، لكنهم غادروا دون إخباري.
ومذاك أنتظر أية فرصة سانحة. فرغم عقدي صداقات في القامشلي، وعيشي في أمان، لكنني أشعر بأن السويداء تحتاج كل أبنائها، خاصة مع امتلاكي شبكة علاقات واسعة داخلها. أتمنى لو كنت هناك الآن، أتنقل بين ناسها وأتواصل معهم.
عائلتي تفتقدني
لا أتواصل يومياً مع أطفالي، لأنني أرى أن من حقهم العيش واللعب وممارسة النشاطات الترفيهية التي تبعدهم عن آثار ما واجهوه خلال السنة الماضية. يشتاقون لي كثيراً، فهم لم يعتادوا غيابي عنهم فترة طويلة كهذه، وأنا الذي كنتُ أتواجد معهم أكبر قدر ممكن من الوقت. كان ابني لا ينام قبل أن أغني له "سيرة الحب"، لأم كلثوم.
خروجي من المنزل كان بمثابة الموت بالنسبة لأطفالي، خاصةً أنه جاء قبيل اقتراب الموت منهم.
لدي خياران لا ثالث لهما، إما العودة للسويداء، خيار أتمسك به حتى لو كان الأمل في تحققه 1%، أو البقاء في القامشلي، المدينة التي احتضنتني، وتعرفت فيها على أناس من الكرد ممن يشبهون أهالي السويداء، في عاداتهم وتفكيرهم وطبيعة منازلهم.
في زيارة لمنزل صديق في مدينة الحسكة، سألتني والدته عن رأيي بالمنطقة، فأجبت، إن تم نقلنا ونحن الآن في هذه الجلسة من منزلك إلى أي منزل في السويداء، لن يتغير شيء، أنا اليوم بين أناس يشبهونني بكل التفاصيل، لذا لست مضطراً للسفر إلى مكان أبعد. الخروج من سوريا ليس في حساباتي.






