ملف السويداء، ”ذاكرة ولا يقين“: مضى عام على اقتحام قوات من الأمن العام السوري، والقوات الرديفة من العشائر، مدينة السويداء وريفها. أُحرقت قرى ونُهبت، وقُتل أكثر من 1700 شخص، وتمزقت عرى الوطنية السورية بما لا يمكن رأبه في المستقبل القريب. لا تزال ذكرى ما حصل تثقل سوريا بالمرارة، نفوساً وأجساداً وبيوتاً وطرقات. سوريا ما انحكت تدعو في هذا الملف مجموعة من أبناء السويداء لمشاركتنا ذكرياتهم وأفكارهم، عن ماضٍ بعيدٍ جميلٍ وآخر قريبٍ مُضنٍ، وتستكشف أحوالهم في ظل حالة اللايقين السائدة.
***
في مدخل مبنى اتحاد الفلاحين في مدينة السويداء يجلس مجموعةُ رجالٍ كبارٍ في السن يتبادلون الحديث عن الحال والأحوال محاولين نسيان الحقيقة المرة، أنّهم نازحون من أمكنة وقرى أخرى، وأنّ عليهم اليوم قبل الغد تأمين احتياجاتهم من مياه الشرب قبل الحديث عن أي أمر آخر.
يتحدث أبو سلطان ـ كما عرّف عن نفسه في حديث مع سوريا ما انحكت، عبر مكالمة فيديو، دون ذكر اسمه الأول: "نحنا ساكنين بمقر مبنى اتحاد الفلاحين. عطوني أني وزوجتي غرفة مترين بمترين ونصف وعندي أربعة وعشرين نفس في منن قاعدين عند خيي. الفرق بينا وبين النازحين بالخيام أنو في سقف باطون وإلا حياتنا متل حياتهن نفس الشي. نجيب قناني المي لحتى نفوت على الحمامات. ونقول الحمد لله".
السويداء: كيف تُنقذ الأرواح؟
16 تموز 2026
أبو سلطان السبعيني، فقد رزقه كله واحترقت بيوته وبيوت أولاده، يتلقى العلاج من مشاكل رئوية سابقة، ويحتاج أدوية ليس من السهل الحصول عليها، وينطبق الأمر نفسه على زوجته: "وأنت تعرف يلي ترك رزقو وأملاكو واحترقت بيوتو كيف بيعيش، بعد ما يفقد كل هاذ، كل شي يبين عليه غالي".
في لحظة قاسية، وبدموع مختنقة، يروي أبو سلطان كيف فقد هو وزوجته اثنين من أولاده بطريقة مفجعة: "اللي صار معانا في 18 تموز العام الماضي: فاتوا علينا 13 مسلحاً من العشائر، أنا وأولادي ونسوان ولادي بالبيت. في ولد صغير كان برات البيت. الجماعة فاتوا بـ 13 بارودة، فتصور كيف كان الوضع والأطفال والنسوان والبنات".
يكمل أبو سلطان والقهر يتناثر من ألفاظه الممزوجة بالحزن وحرفي الثاء والقاف بلا أي تخفيف: "جربوا يصفّوني إلي، واحد منهم أطلق النار على المضافة. على الداير صابوني بكتفي وإجري. أخدوا اثنين من أولادي الشباب من قدام نسوانهم، لبسّوهم شارات وعصبات حمر على زنودهم. واحد أخدوه بالسيارة والثاني اسمه مجدي خطفوه مشي عالأقدام". فيما بعد، أشارت السلطة السورية الانتقالية إلى أن مرتدي هذه العلامات (العصبات الحمر) ينتمون إلى المليشيات المحلية.
في الليلة التالية ـ مساء السبت حصل أبو سلطان على خبر جميل: غافلهم ابنه مجدي وهرب، لكن الفرحة لم تكتمل. يحكي بحرقة قلب أب: "نمنا هديك الليلة بالبايكة (أنت كبير القدر) مشان البنات ما يأخذوهن. تاني يوم الصبح قلت لمجدي، أخوك أخدوه وما عاد رجع. ناس بتقول استشهد وناس تقول صفّوه. طلع أخوه نهار السبت يبرم عليه ما لاقاه ولا لاقى له أثر. نمنا بنفس المكان".
لم يكن ممكناً الاستمرار بالنوم في ذلك المكان؛ لذلك اقترح مجدي أنّ يخرجوا من البلد "لأن كل العالم فلّت. أنا كانوا ضاربيني بكتفي وإجري ما قدرت أمشي. المهم ساعدونا ولاد الحلال من البلد وطلعنا. ما طلعنا من الدار خمس متار لحتى قنصوه للولد ومرته. شو بدي قلك. تصور ابنك وأمه ومرته قنصوهن قدام عيونك. من ساعتها ما عاد عرفنا شي عن بعضنا. تشتتنا. أسا كل عيلة بمكان بيناتنا عشرين كيلو متر. وخيّهن الثاني صابته سكتة قلبية، عمره خمسة وأربعون سنة. مشينا وسط السيارات اللي كان فيها ناس محروقة. مشينا بين الجثث والناس". يختنق الرجل بكلامه ويكمل: "ما بدي شي من الدنيا غير حق ولادي. مش سائل عن رزق وعن سيارة. الخمس دور اللي احترقوا ما مهمين، كل شي مش مهم. بدي حق ولادي".
"وأنت تعرف يلي ترك رزقو وأملاكو واحترقت بيوتو كيف بيعيش، بعد ما يفقد كل هاذ، كل شي يبين عليه غالي".
لم يسأل أحد أبو سلطان عن صحته النفسية، ولم يكن هناك من يسأل. وفي تلك اللحظة التي تحدث لنا، لم يكن لديه كلمات يصف بها مشاعره، لكن زوجته تقول إنه لم يعد ينام ويستيقظ كل ليلة على صوت الرصاص في رأسه، ماشياً في الغرفة الصغيرة ذهاباً وإياباً حتى الفجر. لم يزر قبر ابنيه منذ دفنهما. لا يستطيع. يقول لها: "بعد ما آخذ حقهم، بروح لعندهم". تداري الزوجة مشاعرها هي الأخرى مكتفيةً بترديد عبارات قصيرة موجزة: "الله أعطى والله أخذ"، "هيك المكتوب"، أو "الله يبعتلن محل أحسن". يسود الصمت وتملأ فراغاته بنظرات عيون مكسورة ودموع لا تتوقف.
حزن بلا اسم
تشير الدكتورة زهر غانم، معالجة نفسية مقيمة في السويداء تواصلنا معها عبر الهاتف، إلى أن هذه الحالة تدعى في الأدبيات النفسية الغربية "اضطراب ما بعد الصدمة"، لكن هذين الزوجين وآلافاً غيرهما لم يسمعا بها، ولا يهمهما اسمها، موضحةً أنّ "هذه المفاهيم لا تعرفها مجتمعاتنا. الناس لا يعيشون تشخيصات مثل الاكتئاب، والقلق، والحزن المعقد. إنهم فقط يعيشون. لن يقول لك أحدهم (أعيش اضطراب ما بعد الصدمة)، بل سيقول شيئاً آخر: قلبي مفحّم".
تقول زهر إن "هناك حالات انهيار شائعة جداً، مثل الانفعالات غير المبررة والسلس البولي عند الأطفال، وحالات كثيرة من الهلع ومحاولات انتحار لكن لا تتوفر أرقام دقيقة عن الأعداد التي تعرضت لهذه الحالات". وتشير إلى أن غياب البرامج النفسية المؤسسية لا يرتبط فقط بنقص في الكوادر، بل يأتي نتيجة تهميش السلطة الانتقالية لملف الصحة النفسية بالكامل، تاركةً المجتمع ليدير صدماته بنفسه عبر آليات تقليدية قد تكون غير كافية.
وتٌكمل الدكتورة زهر أنه "غالباً ما يكون هناك ضغط اجتماعي على الناجين، خاصة في مجتمعات كمجتمعاتنا، تحمل توقعات معينة حول كيفية التعبير عن الحزن، مثل فكرة أن بكاء الرجال ضعف. يمنعهم هذا الضغط من التعبير الصحي عن مشاعرهم من منظور نفسي مثل البكاء، وهو استجابة طبيعية وصحية للحزن والصدمة. ويؤدي ترفُّع الرجال عن البكاء إلى كبت المشاعر، ما يؤخر عملية التعافي، ويزيد من خطر تطور أزمات نفسية مثل الاكتئاب والقلق".
"لو أستطيع النوم"
11 تموز 2026
تصف الدكتورة أهالي المفقودين بأنهم "الحالة الأصعب. عدم الإغلاق ـ الوصول لمعلومات مثبتة عن حالة الشخص ـ بحكم غياب الدليل القاطع على الوفاة، وغياب أي خبر يؤكد الحياة يجعل هؤلاء بحاجة لرعاية خاصة ودعم كبير ولضمهم لمجموعات داعمة تعالج هذا النوع من الفقدان"، أمرٌ ليس متوفراً دائماً في السويداء اليوم.
تشير الأرقام الأممية إلى مقتل أكثر من 1700 شخص خلال مجازر السويداء، الغالبية العظمى منهم من المجتمع الدرزي، مع تسجيل ضحايا من البدو في ريف المحافظة، يُقدَّر عددهم بقرابة المئتين، إضافة إلى عناصر من القوات الحكومية، كما ترافقت كل موجة عسكرية مع موجة انتهاكات واسعة، وأعمال عنف شديدة ضد المدنيين، وتهجير للسكان.
هذا العدد الكبير من الضحايا لم يتح للجميع إقامة طقوس العزاء، في ظل ظروف التهجير والنزوح الصعبة، ولم يتمكن المئات من دفن أحبائهم في الوقت المناسب، وفق رواد بلان، الناشط المجتمعي في مدينة السويداء، الذي يمضي متحدثاً عن أيام العزاء: "تتحوّل المضافة الموجودة تقريباً في كل بيت إلى فضاء شبه طقسي: القرآن والزوار والقهوة والوافدون والخارجون. يستمر العزاء أحياناً أسبوعاً، ولكن هذا كله لم يكن متاحاً في تلك الحقبة السوداء. يتحوّل الوضع إلى حزن معلّق لا نهاية له، ربما يجد عزاءً له في العقيدة الدرزية التي تؤمن بالتقمّص"، على حد توصيفه.
وترى الدكتورة زهر أن الإيمان بالتقمص في العقيدة الدرزية يوفر منظوراً فريداً للموت والفقدان ويقلل بالفعل من حدة صدمة الموت ويقدم نوعاً من الطمأنينة كما يسهل عملية تقبل الفقدان؛ أن الروح انتقلت لحياة أخرى، معتبرة مجالس العزاء فرصة للدعم الاجتماعي المتبادل، تلعب دوراً حيوياً في التعافي، خاصة وأنها تسمح بالتعبير الجماعي عن الحزن، مما يجعل الأفراد يشعرون بأنهم ليسوا وحدهم في معاناتهم.
وتشير الاختصاصية النفسية إلى أنّ "عملية تعافي مجتمع تعرّض لهجوم من هذا النوع هي عملية طويلة ومعقدة، تتطلب جهوداً متعددة الأوجه نحو إرساء الأمن والاستقرار وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة بناء البنى التحتية، ثم تحقيق العدالة والمساءلة مع إعادة بناء النسيج الاجتماعي والاعتراف بالصدمات الجماعية".
أن يستمر المصاب
لكن هذه العملية الطويلة الأمد تصطدم بعوائق إضافية كغياب التصورات عن شكل المستقبل، "ففي مجتمع لا يملك أبناؤه أي خيار غير الشهادة العلمية، يصبح التعليم أزمة نفسية بحد ذاتها"، كما تقول الأم نهال (اسم مستعار)، امرأة خمسينية، تعمل كمدرّسة في بلدة شهبا، الواقعة شرق السويداء، "يعيش السكان منذ سقوط نظام الأسد واقعاً كارثياً حيث لا كهرباء ولا ماء، جاءت قصة إجبار طلاب السويداء على تقديم امتحاناتهم في العاصمة لتزيد في الوجع"، مشيرة إلى قرار جاء بعد مفاوضات حثيثة بين الحكومة الانتقالية وسلطة الأمر الواقع في السويداء.
تبدو الأم نهال قلقة أكثر من ابنها مهند على مستقبله القريب، بعد أن قدّم هذا العام امتحان الثانوية في دمشق، مخالفاً بذلك توجهاً مناقضاً في السويداء بعدم تقديم الامتحانات في دمشق، وتصف شريحة الطلاب بأنهم "ضحايا نفسيون صامتون، بعضهم يهرب إلى العالم الافتراضي (الموبايل)، وآخر انضمّ للفصائل في المحافظة، وثالث مع المشايخ، ورابع يعمل بقوت يومه، ولكن هناك قسم يحارب من أجل شهادته، حتى يحين الوقت المناسب ويعود إلى دراسته".
سأل فريق "الغارية" نحو ألف ناجٍ استضافوهم إن كانوا بحاجة إلى دعم نفسي، لم يرفع أحد يده، ولم يقل أحد: "نعم، أنا محتاج". تفسّر رؤى ذلك بالوصمة وانعدام الثقة في السرية في مجتمع "الكل بيعرف بعضه"، وتخلص إلى أنه "لم ينجُ أحد بعد"، لا ضيوفها فحسب، بل مجتمع السويداء كله.
وفق المصادر الأممية، نزح ما يقرب من 155 ألف شخص، في اتجاهات متعددة، إلى الخارج، لبنان مثلاً، وإلى الداخل، خاصة مناطق جنوب محافظة السويداء، الأكثر أماناً من المناطق المتاخمة للجوار الشمالي والغربي، ولكن هذا كان وهماً إلى حد كبير.
في الثامن عشر من يوليو/تموز العام الماضي، وصل مسلحون سوريون وأفراد من العشائر المحلية إلى الحدود مع الأردن، وعبثوا بالعديد من القرى، منها قرية "الغارية"، التي تبعد عن الحدود مع الأردن حوالي عشرة كيلومترات، ولا يتجاوز عدد سكانها عشرة آلاف نسمة.
هذه القرية الصغيرة فقدت ثلاثة عشر شخصاً في المعارك مع المسلحين، وأصيب العديد من سكانها بجراح. "وفي الوقت نفسه استقبلت ما يزيد عن 867 أسرة من القرى والمدن لتكون ملاذاً آمناً لهم بما توفر فيها من إمكانيات، في ظروف حصار خانق وانقطاع في الكهرباء والدواء والمحروقات وما يتبعها من شح الماء والأغذية والمؤونة والمواصلات" حسب ما تقول لسوريا ما انحكت، رؤى منذر المرشدة الاجتماعية، ابنة القرية، والعضو المؤسس في فريق "الغارية" التطوعي.
تقول رؤى أنّ البلدة رفضت أن تفتتح مراكز إيواء منذ اللحظات الأولى؛ حيث تم استقبال الأهل في البيوت والمضافات، مشيرةً إلى اعتماد فريقهم التطوعي ما يشبه بروتوكولاً نفسياً ارتجالياً لحالات الطوارئ. توضح رؤى، خريجة جامعة دمشق في الإرشاد النفسي: "غالبية الأشخاص الذين تمت استضافتهم تعرضوا للعنف، سواء النفسي من إهانة وشتائم وقتل أمام أعينهم وفقدان منازلهم وأرزاقهم، أو العنف الجسدي من ضرب وركل بالأقدام واستخدام أدوات حادة في التعذيب. وهؤلاء تم التعامل معهم وفق برنامج دعم نفسي حسب هرم الاحتياجات".
يقوم هذا البرنامج الذي صُمم على عجل "بدايةً بإشعارهم بأنهم أصبحوا في مكان آمن. ثم تلبية الاحتياجات الأساسية من طعام وشراب وأدوية للمرضى وضمادات للجرحى وتأمين حليب للأطفال الصغار وفراش للجلوس، وملابس للكبار والصغار" تقول رؤى، مضيفةً: "ثم بدأ العمل على الجانب الاجتماعي وبناء علاقات ضمن القرية والزيارات المتبادلة لتعزيز الشعور بالأمان والتخفيف من ذكريات المواقف التي مروا بها"، مشيرة إلى تخصيص مسار موازٍ للأطفال "كونهم الفئة الأشد ضعفاً وتأثراً"، تضمن "نشاطات تعارف مع أطفال البلدة، وألعاب تحدٍ، والتعرف على مواهبهم وتشجيعها، ونشاطات تفريغ انفعالي من خلال الرسم واللعب، وتوزيع هدايا في نهايتها".
وفقاً للدكتورة زهر وآخرين ممن تواصل سوريا ما انحكت معهم، لا يوجد في السويداء كلها برنامج حكومي للصحة النفسية أو عيادة نفسية مجانية أو أطباء نفسيون في المشافي العامة، كما لم تخصص السلطة الانتقالية أي ميزانية للدعم النفسي بعد المجازر. لا تغطي المبادرات التطوعية، كشأن فريق "الغارية"، إلا أجزاء صغيرة من المحافظة، معتمدةً على تمويل من مغتربين.
سأل فريق "الغارية" نحو ألف ناجٍ استضافوهم إن كانوا بحاجة إلى دعم نفسي، لم يرفع أحد يده، ولم يقل أحد: "نعم، أنا محتاج". تفسّر رؤى ذلك بالوصمة وانعدام الثقة في السرية في مجتمع "الكل بيعرف بعضه"، وتخلص إلى أنه "لم ينجُ أحد بعد"، لا ضيوفها فحسب، بل مجتمع السويداء كله. تقر رؤى بأن "الشغل النفسي البحت والأكاديمي لم يحدث بعد".







