المسرحان "الوطني" و"المستقل" في سوريا: خشبة أعلى أم أدنى من الجمهور؟


14 آب 2026

عروة درويش

كاتب مهتم بالبحث والتحليل السياسي والجيواستراتيجي. له مساهمات أدبية وثقافية باللغتين العربية والإنكليزية.

في صالة غير معروفة في دمشق، ضمن مجمّع المدارس في الميسات في شارع برنيّة، توجد خشبة مسرح. المكان مألوف للنّاس القادمين، عند الباب شخص يقطع التّذاكر، وأمامه عائلة مكونة من أب وأمٍ وفتاة بعمر الرّابعة عشرة، وطفل صغير بالكاد يبلغ الثّامنة، يُمسك بفستان والدته خائفاً من النّاس الكُثر الّذين يقفون ويهمهمون حوله. جميع الموجودين في البهو بانتظار السّماح لهم بالدّخول لحضور مسرحية "نساء آخر زمن"، بداية بالطّفل، وصولاً إلى الصّبايا والفتيان في الطرف الآخر من البهو، يأملون أن يقضوا ساعة أو ساعتين من الضّحك القراح، دونما اعتبار لأيّ شيء "جاد" قد يرافقه.

في الحقيقة، لا يهدف هذا النّوع من العروض إلّا إلى إضحاك جمهوره، سواء اضطرّه ذلك للتّهريج البدني أو البذاءة، فحسب المنظور الرائج، ليس لدى هذا المسرح شيءٌ آخر يقدمه إلّا الضحك، ولن يدفع أحدٌ من القادمين ثمن تذاكره دون ذلك. بالنّسبة لمنتقدي هذا النّوع من المسرح، لا تكمن المشكلة الجوهرية في إضحاك الجمهور، بل باستبدال غاية المسرح ورسالته بالضحك فقط.

لكن بالنسبة للمدافعين عنه يكفيه شرفاً هذا الهدف، فهو بالتّرفيه الّذي يقدمه يصبح  (ولو عن غير قصد) جزءاً من نسيج "تسالي" عالمية قديمة وحديثة، شأنه شأن "كوميديا ديلارتي Commedia dell’arte" في أوروبا القرن السّادس عشر، أو "الفودفيل Vaudeville" الأمريكي في أواخر القرن التاسع عشر، أو "البانتومايم Pantomime" البريطاني.

في الواقع، وبغض النّظر عن الرّأي في المسرح المستقل، الّذي يُعرف أكثر باسم التّجاري، ومؤخراً "الحر" على ما يحاول العاملون فيه اعتماده، فهو جزء من المشهد الثّقافي السّوري الأعم، وهو يكشف عن غير وعي عن الاقتصاد الثّقافي الهش في سوريا، والّذي كان على الأرجح سبباً في الاستثمار في الضّحك، وعدم تمكّن المسرح الجاد غير المدعوم بالبروز في الخمسين إلى السّبعين عاماً الماضية.

تصوير: سوريا ما انحكت

الخشبة كمؤسسة

لم يكن المسرح السّوري عند ولادته مقسوماً بهذا الشّكل بين "قومي/جاد" (كان يُسمّى بالمسرح القومي، واليوم بات يُعرف باسم المسرح الوطني) و"تجاري/مستقل". كان المسرح في بداياته أقرب إلى مهنة تتطلب التّكامل من الألف إلى الياء: فرقة وخشبة وجمهور ودخل ومدينة، وشبّاك تذاكر يقرر نجاح العرض أو فشله. لم تكن علاقة المسرح مع السّوق في تلك الأيام نقطة ضعف، ولم يكن ضحك الجمهور دليلاً قطعياً على خفّة و"هرج" المضمون. في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان المسرح التّجاري/المستقل يعتمد على الفرق الخاصة والأندية والجمعيات الثّقافية.

مع مرور الزّمن تشكّلت المؤسسات الثّقافية، وصار للمسرح مركز ورتبة رسمية، وأهداف معلنة تريد أن يكون "نواة للمسرح الملتزم بقضايا البلد" - كما ورد بشكل حرفي في الإعلان عن إنشاء مسرح حلب القومي/الوطني في عام 1967.

تذكر بعض المصادر أنّ المسرح القومي تأسّس في 1959 بدعوة من "مديرية الفنون"، فيما تشير مصادر أُخرى إلى أن البداية كانت مع فرقة المسرح القومي التابعة لوزارة الثّقافة في 1960، والّتي ضمت معظم العاملين في الفرق الخاصة والأندية والجمعيات. كان المسرح القومي محاولة من الحكومة لجمع الطّاقات المتفرقة داخل بنية رسمية ممولة من الدّولة، وموجهة من الناحية الثقافية.

ثمّ في عام 1963 اندمجت "ندوة الفكر والفن" مع فرقة المسرح القومي، لتشكّل نواة لما يسميه البعض بالنهوض المسرحي الجديد، بمعنى المسرح الّذي لا يحتاج إلى "تمويل" التّذاكر كي يستمر، فيتحرر بذلك من سطوة الشّباك، ولا يضطر إلى "الإضحاك" أو خلافه كي يستمر.

ثم ترسخ مع مرور الوقت الانفصال بين المسرحين، فتكرّست المعاهد وبرزت سلطات النقد المسرحي والمهرجانات والاعتراف الأكاديمي من جهة، بينما بقيت الصّالات والعروض الّتي تحتضنها تعمل بمنطق السوق من جهة أخرى: التّذكرة، والموسم، والقدرة على جذب الجمهور الّذي لن يأتي إلى تجربة مسرحية معقدة، فهو يبحث عن التّسلية، وإن كانت تسلية خفيفة.

مسرح يعلو على التّصنيف الحاد: جاد وتجاري

لا يمكن تناول المسرح السّوري دون التطرق إلى الثّنائية المفترضة: "الجاد" الملتزم المرتبط بالمؤسسة، الّذي يحوز على الاعتراف بأنّه مسرح "ثقافي"، و"التجاري/المستقل" المرتبط بالطّفولة ومواسم الأعياد والتّرفيه دون أيّ "قيمة ثقافية مضافة" يحصل عليها رواده منه.

لكنّ هذا التَّصنيف ليس دقيقاً وصلباً كما يبدو من الوهلة الأولى، فالتّجربة المسرحية السّورية عصيّة على هذا التّنميط، إذ تبرز تجربة دريد لحام والماغوط، مؤهلة لتكون دراسة حالة للمسرح "الجماهيري" السّوري، وكذلك العابر للحدود ضمن البلدان النّاطقة بالعربية.

مع كلّ من مسرحية "ضيعة تشرين" 1974، و"غربة" 1976، و"كاسك يا وطن" 1979، و"شقائق النّعمان" 1987، بدأ المسرح السّياسي السّوري يجدُ له جمهوراً أوسع بسبب السّلاسة في الطّرح، وحمل الكلام والنّقد بطريقة مفهومة وقريبة من الناس.

"كاسك يا وطن" بشكل محدد، تركت لدى الجمهور السّوري من معاصري تلك الحقبة أثراً لا يمكن احتواؤه إلى يومنا هذا، لاشتغالها على وجع المواطن العادي: المعاناة من البطالة والفقر والجوع والمحسوبيات، وضعف الخدمات الاجتماعية والصحية. كانت تلك المسرحيات قادرة على ملامسة النّاس العاديين بشكل كبير وإضحاكهم، دون الاضطرار للجوء إلى "التهريج" أو "النكات البذيئة حول الجسد"، عبر وصفة تكاد تكون سحرية في معايير المسرح السّوري في ذلك الوقت.

إذا ما استرجعنا بعض الآراء النّقدية الّتي تناولت بالتفصيل تجربة دريد لحام والماغوط، نرى أنّ هذه التّجربة نجحت لأنها خاطبت جمهوراً يعيش بشكل مسبق ضمن "المادة" الّتي صُنعت منها المسرحيات، لم يحتج إلى شرح طويل كي يفهم التلميح السياسي والاجتماعي في المسرحيات، وذلك رغم منتقدي "السّقف المنخفض" للطروحات.

يرى النّاقد أنور محمد أنّ مسرح الماغوط استمدّ جاذبيته من محاكاة الواقع اليومي، ومن قدرته على جمع القهر والجوع والاستبداد داخل كوميديا تجعل الجمهور يضحك ويتألم في الوقت ذاته، ولم تنجم شعبيته عن تبسيط الفكرة المطروحة وحسب، بل أيضاً عن تحويل ما يعيشه النّاس في الفضاء العام إلى شخصيات ومواقف يمكن تمييزها بشكل فوري، وقد سمّاه مسرح "بلع الموس على الحدين"، لكونه تمكّن من الهروب من الرّقابة عبر اللّعب على حد المحرمات.

من المدافعين عن هذه التّجربة أيضاً الكاتب والمخرج المسرحي فيصل راشد، إذ يعدها: "كوميديا سياسية جماهيرية"، ويرى أنّ اختزالها ضمن توصيفات من قبيل "المسرح التّجاري" أو "مسرح التّنفيس" يتجاهل مشروعية المسرح الشّعبي وقدرته على إنتاج معنى سياسي. يعتبر راشد أنّ الجماهيرية ليست لازمة لنقص القيمة الفنية، ويشاركه الرأي النّاقد الفلسطيني فيصل دراج وكثرٌ غيره.

هذا يفسر أيضاً استمرار حضور هذه المسرحيات، على الشّاشة الصّغيرة، بين الأجيال السورية المتعاقبة.

من جهة أخرى، لم يكن الجميع معجباً بنتاج الثنائي الماغوط ودريد لحام، فالروائي خليل صويلح اعتبر أنّ الشّراكة بين الرّجلين أدّت إلى نقل الكاتب إلى الهجاء السّياسي، واختزلته ضمن إطار: "مسرح التّنفيس الاجتماعي"، ويرى أنّ أعمال الماغوط السّابقة لشراكته مع دريد لحام، مثل "العصفور الأحدب" و"المهرج"، أكثر صدقاً في تمثيلها لتجربته المسرحية الأصيلة.

وفي السّياق ذاته، تُقدّم الباحثة ليزا وادين قراءة تسمح بفهم هذا التّناقض، فالكوميديا السّياسية الّتي كان مسموحاً بها في حينه هي تلك الّتي تعمل على امتصاص الغضب وتفريغه، رغم أنّها قد تنتج عناصر جانبية لا يمكن التّحكم بها، فالجمهور الّذي يضحك ويحزن ويتفاعل مع المؤثرات والمحفزات ذاتها، يكتشف بأنّ ما يعاني منه ليس فردياً، وأنّه يتشاطر مع الآخرين الخلل ذاته.

لقد تمكنت بعض التّجارب المسرحية النّاجحة من الجمع بين الإيراد والانتشار والنّقد، لكن الهامش الّذي تحركت داخله التجربة بقي واسعاً، وكان يحتمل تأويلات متعددة، ومنها إجابتها عن أسئلة من قبيل: هل وسّعت المزاوجة بين المسرحين: الجاد والمستقل، مساحة الوعي لدى الحضور؟ وهل كانت في مقارباتها تميل إلى منح الأولوية للجانب التّجاري ولو على حساب المضمون؟

أذكر في هذا السّياق حين أخبرني الماغوط قبل رحيله بحوالي أربعة أعوام، في منزله في منطقة المزرعة، بأنّ دريد لحام شوّه نصوصه لمسلسل "وادي المسك" كي يتمكّن العمل من النّفاذ إلى القنوات الخليجية الّتي تدرّ المال.. لكنّه بالرّغم من ذلك، فضّل العمل مع دريد لحام لأنّه "على الأقل ما سرقوني" في احتجاجه على عدم تلقيه ما يستحق من مال في شركات أخرى.

أذكر في هذا السّياق حين أخبرني الماغوط قبل رحيله بحوالي أربعة أعوام، في منزله في منطقة المزرعة، بأنّ دريد لحام شوّه نصوصه لمسلسل "وادي المسك" كي يتمكّن العمل من النّفاذ إلى القنوات الخليجية الّتي تدرّ المال.. لكنّه بالرّغم من ذلك، فضّل العمل مع دريد لحام لأنّه "على الأقل ما سرقوني" في احتجاجه على عدم تلقيه ما يستحق من مال في شركات أخرى.

همام حوت: مسرح الشّهرة ورضا الرّقابة

بعد غياب دريد لحام والماغوط عن المسرح، ورغم محاولة الاثنين الاستمرار في إنتاجات منفصلة والفشل فيها، دريد لحام في "صانع المطر"، والماغوط في "خارج السّرب"، التهمَ الفراغ المسرح الهجين، وبقي هذا الفراغ حتّى جاءت "فرقة المهندسين المتحدين" وعلى رأسها همام حوت. القيمة الفنية لمسرح حوت موضع خلاف حتّى اليوم، لكنّه نجح في كسب شهرة والوصول إلى جمهور واسع، بمن فيهم أناس ليسوا قريبين لا من المسرح التّجاري الهزلي ولا المسرح القومي الجاد.

خرجت تجربة حوت من حلب، بعيداً عن مركزية دمشق، حيث ضمت فرقته بعض الهواة وبعض المهندسين، ثمّ توسعت عروضها لتصبح شعبية بامتياز، من حيث اللّغة والنّكتة واللّوحات، والجمهور العائلي. في إحدى مقابلاته، ربط همام حوت بين انحسار جمهور المسرح في سوريا، وبين عدم وجود عروض تلامس رغبات هذا الجمهور، فوفقاً له، لا يعدو سبب شعبيته التصاق شخصياته بالسّوري العادي، وتقديم اهتماماته وآماله ضمن قالب كوميدي.

الخلاف حول مسرحيات همام حوت أشد بكثير من ذاك القائم حول مسرحيات الماغوط - لحام، فهناك من يرى فيها تهريجاً بحتاً أو تبسيطاً مفرطاً بأحسن الأحوال، وهناك من عدَّها مجرّد "نقد مرخّص"، حيث من المسموح تناول الفساد والبيروقراطية والحكومة والواقع الاجتماعي، لكن دون الاقتراب من بنية السّلطة نفسها.

في بحثه حول "صورة السلطة في مسرحيات جمعية المهندسين المتحدين"، تحدث حمدان العكلة عن أعمال مثل ضد الحكومة 2002، وعفواً أمريكا 2005، وفساد أكاديمي 2009، بوصفها نماذج لفهم حدود النقد المسرحي، والفني عموماً، في ظل النظام الرقابي السوري.

وبغض النظر عن مدى تأثير مسرحيات حوت من عدمه، إلّا أنّها كانت مسرحيات مربحة بالمعنى المالي بكل تأكيد، وكانت قادرة على جذب الجماهير بأعداد كبيرة جداً. وفي الوقت الذي وظفت فيه هذه المسرحيات بعضاً من أدوات المسرح التجاري التقليدية، مثل التهريج البدني، والبذاءة، فقد تمكنت من تحقيق مبالغ دولارية بأصفار مليونية. بإجراء بعض الحسابات المستندة إلى المعطيات المُعلن عنها، منها كلام حوت نفسه، نرى أن مسرح حوت كان مضمون النجاح تجارياً، فقد حققت مسرحية "فساد أكاديمي"، إيرادات إجمالية تتراوح بين 2.8 و3.2 مليون دولار خلال 400 عرض.

فرقة نجوم الشهبا: البحث عن الاعتراف

لا ينبغي اعتبار "فرقة نجوم الشّهبا"، الوريث المسرحي لهمام حوت، وإن خرجت هي الأُخرى من حلب، واشتغلت الكوميديا الشّعبية، وحتّى لو تقاطعت معه في بعض الأدوات مثل التّهريج البدني، والنّكتة المباشرة، والاتكاء على سرعة الإضحاك، فهي تنتمي بنقاء للمسرح الشّعبي/التّجاري المستقل.

تعرّف "نجوم الشّهبا" نفسها بأنّها فرقة مختصة بـ"المسرح الشّعبي الكوميدي"، لكنّ لديها أيضاً محاولاتها لتكون أكثر من مجرّد "فرقة ضحك". وصفت "سانا" مسرحية "مجنون يحكي وعاقل يسمع" بأنّها عودة للمسرح الكوميدي الاجتماعي النّاقد، وتحدّثت عن توليفة تجمع كوميديا النّص والسكتشات السّريعة واللّوحات الرّاقصة، بهدف خلق تفاعل مباشر مع الجمهور.

وفي مادة أخرى عن عودة النّشاط المسرحي في حلب، أشارت وسائل إعلام إلى إقبال لافت على شباك التّذاكر، ونُقل عن نور نجمي، مؤلف ومخرج عدد من أعمال الفرقة، أنّ سقف الطّرح ارتفع بعد تخفيف القيود الرّقابية، وأنّ الجمهور الحلبي لا يزال قادراً، رغم الضّائقة الاقتصادية، على التّعامل مع المسرح بوصفه حاجة ثقافية لا ترفاً يمكن الاستغناء عنه.

لكن في الحقيقة، وعند مشاهدة بعض سكيتشات الفرقة المعروضة، بدا واضحاً أنّها لا تخرج عن مدار الفرق الشّعبية التّجارية المعتادة، إذ يتمُّ الاعتماد بشكل مفرط، أو كلي في الكثير من الأحيان، على التّهريج البدني، والنّكتة البذيئة، والإيحاءات الجسدية، دون أهمية لأيّ بناء قصصي أو مسرحي يمكنه أن يكون حاملاً للنّكتة البدنية، فيعطيها بعداً غير تّهريجي.

بالطّبع لا يمكن اختزال كامل تجارب الفرقة بالسّكيتشات الّتي يختارونها للتّرويج لأنفسهم، ولا حتّى بمسرحية كاملة واحدة، لكنّه بالتّأكيد يعطي صورة عن السّمة العامة للمسرح الّذي يتمّ تقديمه من خلال الفرقة، أو حتّى السّقف الّذي يضعونه لأنفسهم.

ورغم وجود بعض التّقاطع بين نجوم الشهبا ومسرح همام حوت، من ناحية اللجوء إلى النّكتة الجسدية، والإيحاء، وبعض البذاءة، إلّا أنّ "مسرح حوت" كان حالة جماهيرية أوسع، ضمن زمن رقابي وسياسي مختلف، ولا بدّ من الاعتراف بأنّه حوى الكثير من المضمون النّاقد، بغض النّظر عن الاتهامات له بمحاباة السّلطة أو بكونه "مسرحاً للتّنفيس". في الواقع، ورغم أنّ التّحليل التّالي يحتاج إلى أكثر من ملاحظة عابرة: نجوم الشّهبا يبدون جزءاً من ثقافة التّهريج المرتبطة بالسّوشيال ميديا، حيث يمكنك جمع المشاهدات بأبسط الطّرق، دونما حاجة إلى بذل مجهود أكبر، مع فارق أنّهم لا يزالون يعملون ضمن إطار المسرح المحسوس.

النّساء في المسرح الوطني والمستقل

يبدو للوهلة الأولى أنّ المسرح القومي/الوطني قد ساهم تاريخياً في منح الممثلات شرعية اجتماعية، لكنّه في الوقت ذاته أبقى معظم مواقع التّأليف والإخراج والإدارة في أيدي الرّجال، أمّا المسرح التجاري/المستقل، ورغم عدم وجود دراسة إحصائية شاملة تسمح بالتّعميم، فيُظهر في نظر معظم النقد الموجه له، مؤشرات على استخدام جسد المرأة والنكتة الجنسية لجذب الجمهور.

تتحدّث مية الرحبي في كتابها "النّسوية مفاهيم وقضايا" عن مساهمة المسرح القومي في إجبار الجمهور على احترام الممثلات عندما قام بتقديمهن ضمن الأعمال الإنسانية والأدبية، وذلك عوضاً عن تقديمهن بوصفهن أجساداً للفرجة.

لكن في الواقع، فقد بقيت المرأة شبه غائبة عن الإخراج والتّأليف. فبحسب الأرقام الّتي تبرزها الباحثة هبة محرز، ضمّ المسرح القومي بين عامي 1959 و1988 نحو 42 ممثلة، مقابل مخرجة واحدة فقط من أصل 29 مخرجاً، وفي أول دفعة تمثيل في المعهد العالي في 1981، لم يكن هناك سوى ثلاث نساء من أصل 17 طالباً، ليبلغ عدد الخريجات بين 1981 و2001 قرابة 59 امرأة، مقابل 151 خريجاً ذكراً.

من أبرز الّذين أشاروا إلى هذه المشكلة سعاد سيني، الّتي درست شخصيات النّساء في مسرح فرحان بلبل، أحد أبرز كتّاب ونقّاد المسرح السّوري الجاد والملتزم اجتماعياً. وعلى الرغم من تقديم نصوصه المرأة بصورة قوية وإيجابية، إلا أنها بقيت أسيرة نماذج مأخوذة من الوعي الاجتماعي السائد، يقدمها حنونة وقوية (رمزاً للأرض والوطن)، وكزوجة صالحة، تحتمل ممارسات زوجها، ورمزاً لأم مستقبلية صالحة، معتبراً هؤلاء النسوة هنّ فقط من يحقّ لهن أن يكنّ وطنيات، وحاملات لفكر الثورة، أمّا الزّوجة غير الصّالحة، أو "الخائنة" لعادات وتقاليد أسرتها، فلا يجب أن تظهر كصاحبة قيم سامية.

الجانب الآخر الّذي طاله النقد في المسرح القومي/الوطني، هو عدم خروجه عن الصورة النمطية للمرأة ودورها الاجتماعي، إلا ما ندر. فرغم مساهمته في تعزيز احترام الممثلة والمرأة العاملة في مجال المسرح، فقد بقي هذا الاحترام مرتبطاً إلى حد بعيد بصورة المرأة المقبولة اجتماعياً: الأم، أو الزّوجة، أو الأخت الطّيبة، أو المرأة الوطنية. رغم ترسخ التجربة، بقيت المرأة محصورة في مجال ضيق داخل النّصوص.

من أبرز الّذين أشاروا إلى هذه المشكلة سعاد سيني، الّتي درست شخصيات النّساء في مسرح فرحان بلبل، أحد أبرز كتّاب ونقّاد المسرح السّوري الجاد والملتزم اجتماعياً. وعلى الرغم من تقديم نصوصه المرأة بصورة قوية وإيجابية، إلا أنها بقيت أسيرة نماذج مأخوذة من الوعي الاجتماعي السائد، يقدمها حنونة وقوية (رمزاً للأرض والوطن)، وكزوجة صالحة، تحتمل ممارسات زوجها، ورمزاً لأم مستقبلية صالحة، معتبراً هؤلاء النسوة هنّ فقط من يحقّ لهن أن يكنّ وطنيات، وحاملات لفكر الثورة، أمّا الزّوجة غير الصّالحة، أو "الخائنة" لعادات وتقاليد أسرتها، فلا يجب أن تظهر كصاحبة قيم سامية.

وعليه، لم يتمكن المسرح القومي/الوطني، رغم تقدميته الواضحة، من تقديم المرأة، كإنسانة من لحم ودم.

ولم يكن هذا الوضع ناجماً عن قلة النصوص، إذ باتت النّساء غير النّمطيات يصبحن بطلات في نصوص سعد الله ونوس، ابتداءً من "رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة"، سواء أكنّ متمردات على "أخلاقيات" الزواج والأعراف الذّكورية أم لا. تلاحظ الباحثة سمر الزّهراوي، في بحثها المعنون: "صورة المرأة في المسرح الأمريكي والمسرح السّوري: تينيسي ويليامز وسعد الله ونوس أنموذجان" بأنّ شخصية ألماسة في "طقوس الإشارات والتّحولات" تعكس ما قلناه، فهي واعية بالتّفاوت الجندري، وتعمل بذكاء للحصول على الطّلاق والحرية، ولا تنظر إلى "مرتبة" الزّوجة بوصفها الوظيفة الأسمى للمرأة.

الأدلّة الموثقة والبحثية الشاملة الّتي تحصي الشّخصيات النّسائية أو أجور النّساء أو ظروف العمل المحيطة بهن في المسرح التّجاري/المستقل، قليلة.

في كتابها المذكور آنفاً، تقول ميّة الرّحبي إن جزءاً واسعاً من المسرح الخاص استخدم جسد المرأة بصورة تجارية لجذب الجمهور، مع استثناء تجارب خاصة وصفتها "بالجادة". ورغم وجوب الحذر في إطلاق حكم تعميمي على المسرح الخاص، إلا أنه يتقاطع مع نقد لنجم الدين سمعان تناول فيه المسرح التجاري، إذ ربط عروضه بالتّهريج، و"هزّ الأرداف بالتّنانير القصيرة" والنّكات الجنسية.

لكن ليست جميع عروض المسرح التّجاري/المستقل ذات انتهازية جنسية، إذ يفرض الحضور العائلي والفئة المستهدفة من الجمهور، على بعضها، أن يكون أكثر محافظة. تتراجع الإثارة الجنسية في هذا النوع من العروض، ولكن تحلّ محلها صور نمطية ومألوفة اجتماعياً للمرأة: زوجة غيورة، وأم متسلطة، وفتاة ينتظر خطها الدّرامي الزّواج للانتقال إلى مرتبة أعلى في السّلم الاجتماعي، أو نمامة الحارة وما إلى ذلك.

هذا تقريباً ذاتُ ما شهدته في مسرحية "نساء آخر زمن" الخاصة الّتي عُرضت في 2017، والّتي بدأنا حديثنا من بهو انتظارها. فهي لم تكن أكثر من مجموعة من السّكيتشات غير المترابطة، الّتي تظهر فيها النّساء بأدوار مألوفة للجميع: أم وطبيبة وعاملة مطبخ، يعانين من نقصان العاطفة وضياع عمرهن في العمل.

وفيما يخصّ التّحرش الجنسي، ليس لدينا بيانات موثوقة تقارن معدلات التّحرش أو الاستغلال الجسدي أو الأجور في المسرح القومي/الوطني، أو المسرح التّجاري/المستقل.

لا تبدو الخشبة السورية أعلى من الجمهور ولا أدنى منه، هي في أحسن أحوالها، قريبة منه بما يكفي كي تسمع ضحكه وخوفه وتعبه، وبعيدة عنه بما يكفي كي تعيد ترتيب هذا كلّه في حكاية قابلة للمشاهدة. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المسافة إلى قطيعة بين مسرح وطني مؤسسي يكتفي باعترافه بنفسه، أو مسرح مستقل يكتفي بأن يُضحك النّاس بأيّ ثمن.

الضحك العائلي يعيش من شباك التذاكر

في المنتصف، أقرب إلى المسرح التجاري وأبعد عن المسرح الوطني، يقف مسرح الطفل في سوريا كخشبة صغيرة تحاول الاستمرار بين الصالات الخاصة ودور الثقافة الرسمية. في مسرح الخيام بدمشق، خلال عرض "ماشا والدب" لفرقة "عمو سعيد"، بدت الصالة كباحة لعب: أطفال من الثالثة حتى بدايات المراهقة، يرقصون على نغمة واحدة وإيقاع واحد، ويصرخون وكأنّهم في عمر واحد.

يقول سعيد عطايا، مؤسس الفرقة، لحكاية ما انحكت، إن متوسط الحضور يبلغ نحو 150 شخصاً، وتمتلئ الصالة في الأعياد والعطل، مؤكداً أن العرض عائلي لا طفولي فقط. فالطفل بالنسبة إليهم هو المدخل، لكن نجاح العرض يمر أيضاً عبر ضحك الأب والأم.

بالنسبة لشباك التذاكر، لا يتهرب عطايا من وصف المسرح بالتجاري، لكنه يفضّل تسميته "شعبياً"، لأن التذاكر، والرعاة، والإعلانات، هي ما يسمح له بالاستمرار.

لكن خلف الضحك، تظهر الهشاشة: الحاجة إلى مولدة، تتوقف بدورها بسبب "وسخ بنزين"، وممثل يطالب بأتعاب تصل إلى 500 ألف ليرة، ولا يحصل إلا على 200 ألف "بالزور"، ودعم منظمات لا يكفي للديمومة. مع ذلك، يراهن العرض على ما لا تمنحه الشاشة: التفاعل الجسدي، والارتجال، ورسائل تربوية مباشرة عن النظافة والرياضة والتعاون، تجعل التهريج في مسرح الطفل أكثر تعقيداً من مجرد ضحك عابر.

في النّهاية، لا تبدو الخشبة السورية أعلى من الجمهور ولا أدنى منه، هي في أحسن أحوالها، قريبة منه بما يكفي كي تسمع ضحكه وخوفه وتعبه، وبعيدة عنه بما يكفي كي تعيد ترتيب هذا كلّه في حكاية قابلة للمشاهدة. المشكلة تبدأ حين تتحول هذه المسافة إلى قطيعة بين مسرح وطني مؤسسي يكتفي باعترافه بنفسه، أو مسرح مستقل يكتفي بأن يُضحك النّاس بأيّ ثمن.

في الحقيقة، ومهما بدا ذلك مؤلماً أو غير لائق في بعض أماكنه: لا تملك الخشبة السورية اليوم، الوطنية منها والمستقلة، ترف البروز بما يليق بالتّاريخ المسرحي السوري، وتلك ليست مسؤولية الممثلين أو من بقي من كوادر العمل، بل نتيجة شبه حتمية لهشاشة ثقافة المسرح واقتصاده.

مقالات متعلقة

أسطورة "زوزو": من "الجو" في أحياء دمشق إلى "عطيات" على المسرح السوري

16 كانون الأول 2022
في هذا النص، يأخذنا الكاتب إلى سبعينات وثمانينات سوريا ويحاول إعادة تركيب تاريخ لشخصية مثلية لانمطية التعبير الجندري كانت قد عرفت في أحياء دمشق وضرب فيها المثل: زوزو. من خلال...
ناندا محمد: أحلم بأن أصبح شجرة

01 تشرين الثاني 2022
تحلم بتوقف الحرب في هذه الحياة، كما تحلم بامتلاك مسرح خاص بها في يوم من الأيام، وهي المتصوّفة في عشق المسرح، والحاصلة على "وسام الاستحقاق الفرنسي الوطني للفنون والآداب برتبة...
صناعة المسرح: المشي على الحبل

14 حزيران 2021
يواجه صناع/ات المسرح السوريين/ات الآن، وبعد مضي ست سنوات على وصولهم إلى ألمانيا تحديّات صعبة متعلقة بجوهر العمل المسرحي، وربما يجد الكثير منهم  أنفسهم في موقف صعب، يقتضي إيجاد نقاط...
المسرح السوري خلال السنوات العشر الأخيرة

24 أيار 2021
قليلة هي العروض التي لمعت خلال هذه السنوات العشر، تجارب وحيدة لم تتكرر بنفس التوقيع، إن كان كإنتاجات برعايّة رسميّة من وزارة الثقافة أو كإنتاج مستقل، فغياب الخطة الثقافيّة والدعم...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد