سابقاً، وصباح كلّ يوم، كان المهندس نزار يقف قبل ذهابه إلى العمل، مدّة دقيقتين تقريباً في المطبخ، يشرب قهوته وهو ينظر عبر النافذة ليرى البحر الذي يذكّره دوماً بأنّ مرفأ اللاذقية، حيث كان يعمل مهندس صيانة للروافع، قريب وينتظره. آنذاك، كان ينهي قهوته ويُسرع بالخروج. أصبح الأمر مختلفاً بعد أحد أيام آذار/ مارس ٢٠٢٦؛ شرب قهوته على مهل، واقفاً وبيده ظرفٌ بني اللون، يحوي أوراق استقالة ينتظر استكمالها منذ تقديمه ورقة الاستقالة الأولى مطلع كانون الثاني/يناير 2026.
خلال الأشهر السابقة لهذا اليوم، كثيراً ما ألقى جملةًّ حفظها أولاده الثلاثة وحفظتها زوجته كذلك: "لم أعد أحتمل". في بيته كانت تتناقص بشكل تدريجي حكايات المرفأ التي كان يرويها لعائلته وأطفاله تحديداً.
ركبنا وإياه في السيارة حتى وصلنا كنيسة اللاتين القريبة من المدخل الرئيسي لمقرّ الإدارة العامة للمرفأ. بجانب الباب وقف ثلاثة شبان ملتحين، علّقوا على أكتافهم بنادق كلاشنكوف. توقفنا قربهم، نزل نزار ومشى إليهم، فيما انتظرناه خارجاً. لا يعرف المهندس الخمسيني أيّاً منهم (كما شرح لنا لاحقاً). ما إنْ اقترب منهم حتى بادر أحدهم وسأله بلطف، وبلهجة تشي أنّه من محافظة إدلب: "تفضل، إش فيني ساعدك؟". شرح نزار باختصار ما يريد. أخذوا هويته الشخصية وسجلوا اسمه في سجل لديهم ثم التقطوا له صورة بالموبايل وأعطوه ورقة مختومة باسم الشخص الذي يقصده، وطلبوا منه بلطف إعادة الورقة إليهم عند الخروج.
في الداخل يبدو المبنى نظيفاً كما قال لنا نزار: "الأبواب جديدة أو مدهونة حديثاً، كذلك بعض المكاتب وعبارات (ممنوع التدخين) منتشرة إلى جانب لائحة تعليمات مُتعدّدة". يقول نزار: "المراجعون قلائل قياساً بما كان سابقاً على أيام النظام البائد. تشعر وكأنك في شركة خاصة".
بعد سقوط النظام تحوّل المرفأ من شركة قطاع عام إلى شركة تتبع هيئة المعابر البرية والبحرية التي تتبع بدورها لرئاسة الجمهورية الجديدة، في قرار يعكس سلسلة تغيّرات طالت هذا الصرح العريق في بنية الاقتصاد السوري، والذي وقّع مرسوم تأسيسه (رقم ٣٨) رئيس الوزراء السوري خالد العظم، في 12 شباط/ فبراير ١٩٥٠ تحت اسم (شركة إنشاء واستثمار ميناء اللاذقية)، والذي دشّنه بعد عقد من الزمان تقريباً، رئيسا الجمهورية المتحدة عبد الناصر ورئيس يوغسلافيا تيتو وسط حضور جماهيري كبير.
آنذاك كان على البضائع التي تصل إلى بيروت أن تدفع ضرائب للدولة اللبنانية الناشئة قبل أن تصل إلى دمشق وحلب. أراد العظم أن يكون لسوريا مرفؤها الخاص، مرفأ يطلّ على العالم مباشرة من دون وسيط. ومن يومها بدأت الأعمال في مرفأ اللاذقية بتسارع كبير، ليمتد اليوم على مساحة تضاهي 2.8 مليون متر مربع بين الأرض والبحر، وهو المرفأ الذي يغادره نزار اليوم بعد أن عمل فيه لما يقارب ربع قرن.
يلاحظ نزار بوضوح أنّ وجوه الموظفين في مبنى الإدارة تغيّرت بسرعة خلال عام ونصف فقط من تغيّر النظام، فلا يتعرّف على أحد من الموظفين ما عدا قلّة قليلة.
كان ثمّة تعب لا يُخفى في عيني نزار وجسده، تعب من تفاصيل ومشاهد كثيرة أوصلته إلى اللحظة التي قدّم فيها استقالته، مذ رأى زملاءه يُفصلون أو "ينقلون" واحداً بعد الآخر. يقول وهو يحرّك يديه وكأنّه يرسم خريطة على طاولة غير مرئية: "تابعت الهيئة عملها بنقل الموظفين إلى مواقع عمل بعيدة، وإحلال موظفين بدلاء لهم، في كلّ مكان في المرفأ بسرعة قياسية".
هذا ما يؤكّده همام أسعد (اسم مستعار/ بناء على طلبه) في حديث معه عبر تطبيق واتس آب. رجل خمسيني من قرية في ريف اللاذقية، يحمل شهادة الجغرافيا من جامعة اللاذقية، عمل لمدّة عشرين عاماً في المرفأ قبل أن يأتي قرار نقله في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 إلى معبر البوكمال الحدودي في محافظة دير الزور التي تبعد سبعمائة كيلومتر عن بيته وأهله وأولاده، الذين ما زالوا يذهبون إلى المدرسة. لم يكن وحده، كان معه كثيرون؛ يقول همّام، وصوته يرتفع قليلاً: "كان لساني طويلاً مثل اليوم من دون فائدة تُذكر. نقلوني من المرفأ إلى معبر البوكمال. أنا ابن اللاذقية. لم ألتحق بذلك المركز البعيد عن بيتي سبعمائة كيلومتر. كان الهدف واضحاً: دفعنا للاستقالة لكني لم أستقل، ولذلك فصلوني بحجة التغيّب عن الدوام".
في تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 طالت قرارات النقل اثنين وسبعين موظّفاً من مرفأ اللاذقية، ومئة وعشرين موظفاً من مرفأ طرطوس، وعشرات العاملين في مؤسسات أخرى مثل إدارة الموانئ. نُقل هؤلاء إلى معابر برية بعيدة عن موقع سكنهم مثل: معبر البوكمال في دير الزور مع العراق، ومعابر جرابلس والحمّام والراعي مع تركيا في حلب. قوائم الأسماء المُتاحة والاحتجاجات على مواقع التواصل الاجتماعي، دفعت عدداً كبيراً من المفصولين من الطائفة العلوية لرؤيته على أنّه انتقام طائفي، فيما يراه آخرون إجراءً إدارياً. وبينما يرى تمام أحمد، أحد موظفي المرفأ العلويين المفصولين القرار على أنه ذو صبغة طائفية بشكل واضح، يراه حسن جوخدار وهو كذلك من المفصولين "قراراً إدارياً هدفه تنظيم العمل وفصل من وظفهم النظام البائد في هذه المؤسسة الحساسة وبلا خبرات مناسبة، هدية مقابل سنوات طويلة قضوها في خدمة الجيش".
يقول نزار: "لم يتبقَّ سوى أعداد قليلة من موظفي المرفأ القدامى". وهو ما دفعه، من جملة أسباب أخرى كثيرة، لتقديم استقالته، التي قبلوها فوراً: "مستعجلين يتخلّصوا مني كوني من المُنتمين دينياً للمكوّن السني، وأرفض الفصل بهذه الطريقة التي تقوم بها الإدارة الجديدة. لا أملك حيلة للوقوف في وجههم"، كما قال لسوريا ما انحكت.
لم يطل النقل الموظفين الإداريين فقط، بل وصل إلى عمّال التحميل أيضاً، الذين يفرّغون الحاويات على ظهورهم قبل أن تحملها الرافعات.
يعمل حيدر في محطّة الحاويات وهو أب لثلاثة أطفال يقيم في بلدة سنجوان في أطراف اللاذقية الشمالية الشرقية، ويعرف المحطة والمرفأ "على الغايب" كما يقول لحكاية ما انحكت. ولكن صباح أحد أيام شهر شباط/ فبراير الماضي كان يوماً لا يُنسى، بالنسبة له.
"نزلت على المرفأ كالعادة من 15 سنة. وصلنا إلى الباب الرابع. حرس الباب قالوا لنا: ممنوع تفوتوا لأنكم مفصولون. وسكّروا الباب"، في سلسلة من القرارات والتصرّفات التي رآها وسمع بها المهندس نزار يوماً تلو الآخر.
كان يراهم يصلون إلى المرفأ كلّ يوم: وجوه جديدة، لهجات جديدة.. يجلسون في مكاتب زملائه القدامى، يفتحون أدراجاً لا تزال تحمل بقايا أوراق من سبقوهم بسرعة كبيرة، كأن أحداً يريد إنهاء المهمّة قبل أن يلاحظ أحد. يقول نزار: "لم يتبقَّ سوى أعداد قليلة من موظفي المرفأ القدامى". وهو ما دفعه، من جملة أسباب أخرى كثيرة، لتقديم استقالته، التي قبلوها فوراً: "مستعجلين يتخلّصوا مني كوني من المُنتمين دينياً للمكوّن السني، وأرفض الفصل بهذه الطريقة التي تقوم بها الإدارة الجديدة. لا أملك حيلة للوقوف في وجههم"، كما قال لسوريا ما انحكت.
"هناك ورقة عليّ توقيعها من شخص داخل المرفأ". قالت له الموظّفة التي يشاهدها هناك للمرة الأولى. مشى جوار مكتبه ونظارته الطبية تتحرّك فوق أذنه التي خفّ سمعها من سنوات الضجيج. لم يدخل المكتب. راقب حركة الرافعات المُتسارعة وسط زحمة المرفأ المستجدة بعد سنوات على توقّفه اضطراراً بعد العام 2011. الرافعات تعمل بسرعة، والحاويات ترتفع وتنخفض، وعمال يرتدون ملابس شركة خاصة ويركضون. لا يعرفهم، فيما السفن ترسو وتنزّل بضاعتها وتغادر. كلّ شيء كان يتحرّك ما عدا نزار. قبل أشهر قليلة كان بإمكانه تعداد أسماء الروافع الستين في المرفأ على أرصفته الثلاثة والعشرين وتعداد أوجاع كلّ واحدة منها، فتلك العتيقة ركّبوها قبل نصف قرن ثم نسيت، وتلك الأخيرة لم يمضِ على عمرها سنوات قلائل ولكنها تشعر دائماً بتوعّك في سيورها الناقلة غير الأصلية. "لا علاقة لي". همس نزار لنفسه ثم تابع نحو مكتب الشخص المعني بتوقيع ورقته تلك.
شرح لنا كيف شقّ طريقه إلى خارج مبنى الإدارة، نحو داخل المرفأ حيث عمل لسنوات طويلة. مرّ قرب المدخل على يمين مبنى الإدارة، حيث اختفت صورة كبيرة لرأس النظام السابق كانت ترقد فوق فسحة خضراء منحدرة نحو البحر، ليحلّ مكانها صفوف نبات دائم الخضرة شكّلت جملة: "مرفأ اللاذقية"، وهو التغيّر الذي يراه نزار لطيفاً ومثالياً، ما أعطاه شعوراً بالرضى، ما لبث أن تبخّر سريعاً بعد أن تذكّر أنه يغادر مُرغماً هذا المكان الذي شهد الكثير من التحوّلات على مرّ تاريخه، والتي تعكس بدورها تحوّلات الاقتصاد السوري منذ اتخاذ قرار تحديثه على ضوء الانفصال الجمركي بين سورية ولبنان عام 1950.
ومذّاك، وخلال سبعينيات القرن الماضي، توسّع المرفأ وأُضيف إلى بنيانه مُنشآت مُتعدّدة، مستودعات وصوامع كما توسّعت الأرصفة وزيد عدد الروافع، كانت تلك سنوات النمو، سنوات كبُر فيها المرفأ بسرعة. الصور القديمة التي عُلّقت في ممرات الإدارة أظهرت رصيفاً صغيراً وبضع رافعات فقط.
حين جاء نزار إلى هنا قبل ربع قرن، كان المرفأ قد اكتمل تقريباً. منذ نهاية التسعينيات، لم تطرأ تغييرات كثيرة عليه، حيث لم يزد عدد الرافعات الستين التي صانها نزار، وبقيت هي نفسها التي رآها في أول يوم عمل، وكذلك الحال بالنسبة للأرصفة التي مشى عليها وحفظها عن ظهر قلب.
رفع رأسه قليلاً، ليرى جامع الشعراني بحلّته المملوكية القديمة ومئذنته التي لم تتغيّر فيما طال التغيير كلّ شيء حولها: المدينة وهي تتسع وتضيق والمرفأ وهو يتطوّر ويتبدّل. المئذنة نفسها شهدت نزار الشاب مرتدياً بذلة جديدة، حاملاً حلماً جديداً قبل سنوات طويلة. كثيراً ما كان الجامع بأضوائه علامةً إلى بوابة المرفأ الرئيسية ليلاً، أيام انقطاع الكهرباء عن المدينة. ما زال الأذان يرتفع من الجامع ولكن بصوت مؤّذن جديد أيضاً.
بين عامي 2011 ونهاية 2024 عمل نزار مهندس صيانة للروافع في المرفأ. امتلك هو ومجموعة من المهندسين والفنيين والعمال خبرات مهمّة في إيجاد حلول وسط خلال ظروف غير مناسبة البتة. يقول وهو يتذكر تلك الأيام: "تأمين قطع التبديل كان عملية صعبةً تبدأ من رفع طلبات لا يُردُّ عليها إلا بصعوبة. في أحيان كثيرة كان علينا استخدام قطع تبديل قريبة من انتهاء عمرها الافتراضي، ومع ذلك لم تقع حوادث مؤذية للروافع إلا فيما ندر". شرح كيف كان يقف أمام الرافعة، يمسك القطعة المستعملة بيده، ينظر إليها طويلاً، ثم يركّبها. لم يكن هذا تهوّراً، بل خبرة، وفقاً لتقديره، إذ كان يعرف بالضبط كم ساعة عمل إضافية يمكن أن تمنحها هذه القطعة قبل أن تستسلم. لكن ثمّة حادثة لا ينساها: انقطع سير (ناقل) إحدى الروافع وسقطت حاوية مُتسبّبةً بموت عامل. في ذلك اليوم الضائع في التاريخ، عاد نزار إلى بيته ولم يأكل أو يتكّلم. جلست زوجته قربه، لم تسأله شيئاً. كانت تعرف من رائحة ثيابه، من طريقة مشيه، أنّ شيئاً ثقيلاً قد حدث. لم ينم تلك الليلة. بقي يحدّق في سقف الغرفة، يُعيد الحادثة في رأسه مرّة ومرّة: هل كان بوسعه فعل شيء لتفادي الكارثة؟
بعد سقوط النظام
حين سقط نظام الأسد صباح 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، كان نزار متجهاً إلى عمله. لم يصدّق في البداية. أحدهم ركض نحوه عند المدخل: "فلّوا، سقط الأسد، سقط النظام". لم يستوعب مباشرة تلك الجمل المفاجئة. ثم رأى الحرّاس يتراكضون، يرمون بواريدهم ويهربون. رأى الدخان يرتفع من مبنى الجمارك القريب في المدينة. وسمع أصواتاً لا تشبه أصوات المرفأ. يتذكّر نزار: "خلال 72 ساعة من إعلان السقوط وغياب الدولة، سُرقت مواد كثيرة. هرب الحرّاس خوفاً ولم يتجرّأ الموظفون على الدوام في ظلّ الوضع الأمني الصعب". المرفأ، الذي أمضى نزار سنوات من عمره في صيانة آلاته، فُتحت أبوابه ونُهبت بضاعته ومواده وأثاثه تحت عينيه فيما فُتحت حاويات واختفت بضائع كثيرة. وقف نزار آنذاك على مدخل البوابة الرابعة يشاهد كلّ شيء، عاجزاً.
وفي ظل الجو المشحون في البلاد والبيوت، كانت زوجته تسأله كلّ مساء: "شو صار بالمرفأ؟". وكان يهز رأسه فقط عاجزاً عن الجواب.
لاحقاً عاد الجميع للدوام وعاد نزار إلى رافعاته والعمال إلى أرصفتهم والحرّاس إلى بواباتهم. كان كلّ شيء في مكانه ظاهرياً، لكن المفاجآت كانت بانتظارهم. ظنّ نزار أنّ الأسوأ انتهى وأنّ المرفأ سيعود كما كان بعد الفوضى، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن عودة بل كان بداية لشيء آخر تماماً.
بعد أقل من شهر على سقوط النظام السابق، حُلّت الضابطة الجمركية وأُعلن تأسيس "الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية". يقول نزار: "لم يبقَ من عناصر الجمارك في المرفأ من أحد ما عدا موظف واحد تركوه لأنه كان خبيراً".
ثم تسارعت الأمور. بعد عام، أصدر الرئيس الانتقالي أحمد الشرع مرسوماً بإنشاء "الهيئة العامة للمنافذ والجمارك" التابعة للرئاسة مباشرةً، بعد أن كانت تتبع وزارة النقل، وعيّن قتيبة بدوي مديراً لمرفأ اللاذقية لفترة قصيرة قبل نقله إلى دمشق ليرأس هيئة المعابر نفسها. اليوم يدير مرفأ اللاذقية عبد الحميد الوهب، وهو الرئيس التنفيذي لشركة تدقيق مالي. سابقاً أدار المرفأ شخصيات تكنوقراط ممن درسوا الموانئ والاقتصاد واللوجستيات، مثل الدكتور عزت طرابلسي، الحائز على دكتوراه اقتصاد من فرنسا، وتوفيق الحياني.
يقول همام بعد أشهر من فصله: "لست منزعجاً من كونهم استبدلوني وأحضروا بديلاً، ففي النهاية أحضروا سوريين بدل سوريين. ولكني منزعج لأن نظام العمل هذا سوف يقود لخسارات متتابعة نتيجة تطفيش الخبرات".
يقول همّام، وصوته يرتفع قليلاً: "كان لساني طويلاً مثل اليوم من دون فائدة تُذكر. نقلوني من المرفأ إلى معبر البوكمال. أنا ابن اللاذقية. لم ألتحق بذلك المركز البعيد عن بيتي سبعمائة كيلومتر. كان الهدف واضحاً: دفعنا للاستقالة لكني لم أستقل، ولذلك فصلوني بحجة التغيّب عن الدوام".
تلك الخبرات التي تحدّث عنها همام بدأت بالتناقص في جهات المرفأ الأربعة، وبشكل أكثر وضوحاً في محطة الحاويات حيث عمل همام كإداري، في حين عمل حيدر كعامل تفريغ للحاويات لمدة خمسة عشر عاماً: "أنا كنت من الأشخاص الذين شهدوا وشاركوا في احتجاج عمال المحطة لما منعونا نفوت ع المرفأ أول مرة". يقول لحكاية ما انحكت، ثم يتوقف قليلاً، كأنه يعيش المشهد من جديد: "أول شباط الماضي، نزلت إلى المرفأ كالعادة من 15 سنة. وصلنا إلى الباب الرابع. حرس الباب قالوا لنا: ممنوع تفوتوا لأنكم مفصولون. وسكّروا الباب".
يقول حيدر إنّ أحداً لم يكن قد أخبرهم بذلك القرار، وأنهم لم يوقعوا على أي ورقة، وما جرى لم يفهمه معظمهم. "كنا ثلاثين شخصاً. الناس احتجت وقالت: ما بصير تفصلونا، نحن معنا بطاقات عمل نظامية. أصر العمال تفوت لأن معها بطاقات عمل ومن حقها تفوت. وطحشت الناس على الباب، وبين الساعة 11 و12 صار إطلاق نار في الهواء على باب المرفأ لفك التجمع. ردّت الناس بالحكي: عم تواجهونا برصاص؟ وكبرت القصة والناس عم تصوّر". هؤلاء الثلاثون شخصاً كانوا من أبناء مدينة اللاذقية وريفها معاً.
إثر تلك الاحتجاجات، جاء مدير الأمن في المرفأ المعروف باسم "أبو لؤي"، وهو من محافظة إدلب، وفق شهادة حيدر وغيره، وشرح لنا ما قامت به محطة الحاويات من تغييرات لا علاقة لهم بها. حيدر يقول في شهادته: "إنّ منعهم من الدخول للمرفأ وفق النظام القديم سببه بالفعل إدارة المحطة التي فصلت 600 عامل تحميل وتفريغ لرغبتها في تخفيض ما تدفعه للعمال، لكنّ المحطة لم تفعل ذلك إلا لأنها تخضع لضغوط من إدارة المرفأ الجديدة بهدفين هما"، كما يقول حيدر: "استبدال العمال بعمال جدد، وتقليل ما تدفعه للعمال من أجور عبر المخلّصين".
ثم جاءت الضربة التالية كما يشرح حيدر: "قسّموا من بقي من العمال لدى المحطة وهم 150 عاملاً فقط، إلى مجموعات، والأجور نأخذها من المحطة وليس من المخلّصين كما جرت العادة منذ تأسيس المرفأ بالنسبة لعمال التفريغ. كل عشرة منا وضعونا في مجموعة واحدة تعمل يوماً وتعطّل ثلاثة أيّام، بأجر يوم عمل للعامل مئتي ألف ليرة، بينما بقية الأيام ما في مصاري. بالشهر كلو تعمل المجموعة خمسة أيام، أي بأجر شهري بحدود مليون ليرة (80 دولاراً). هذا المبلغ هو ما يجب أن نعيش به كل الشهر مع عائلاتنا، بعد أن كنا نحصل على 600 ألف يومياً (50 دولاراً) بعدد أيام عمل تقارب حوالي 20 يوماً".
هدفت إدارة المحطة من ربط الأجور بها إلى تقليل ما تدفعه للمخلصين من أموال لقاء تخليص البضائع. يروي حيدر: "قال لنا أبو لؤي (هكذا هو النظام الجديد، عجبكم عجبكم، ما عجبكم أنتو أحرار)، جملة قيلت لرجال لا يملكون حرية ترك العمل، وإلى أين يذهبون؟ من يشغّل عاملاً في الخمسين لا يعرف إلا العتالة والتحميل؟ طلعنا عند المحافظ الذي أعاد تأكيد كلام المحطة بأن هذا النظام أفضل لنا، والأهم وعدنا بوظائف، بيع كلام يعني".
ثم جاءت الضربة الأخيرة. إدارة المحطة، وفق شهادة حيدر ومتابعات على التواصل الاجتماعي، "وظّفت تسعين عاملاً جديداً بدلاً من المسرّحين ولم يبقَ منهم سوى 17 عاملاً والباقي ترك وهرب لأن طبيعة العمل (العتالة والتحميل) لا تناسبهم". هؤلاء العمال الجدد، وفق حيدر، من منطقة الحفة (ريف اللاذقية) ولا علاقة لهم بالعمل الذي يحتاج خبرة وتمرّساً. ومع أنهم مُنحوا رواتب شهرية تجاوزت المئتي دولار، إلا أنهم تركوا وهربوا من المحطة". المرفأ لا يرحم من لا يعرفه، يكمل حيدر.
حيدر ما زال يدخل المرفأ حين تسمح له المجموعة، يعمل يوماً، وينتظر ثلاثة. في المساء، يعود إلى بيته، إلى أطفاله الثلاثة، وقبل أن يفتح الباب لا يدري ماذا سيقول لهم حين يكبرون ويسألون: "بابا، ليش ما عنا مثل ما كان عنا قبل؟".
حينما جاء مارس/آذار 2025، منحت الهيئة عدداً كبيراً من الموظفين إجازات إجبارية مأجورة. عرف نزار من كلمات أصدقائه العمال والمهندسين أنّهم لن يعودوا فتلك الإجازة "إجبارية" ولم يسبق أن فُرضت عليهم مثلها. بعض من أصدقائه استبق السيل الجارف القادم فقدّم استقالته، فيما رأى آخرون أنّ عليهم الانتظار. ورغم قرار الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية إلغاء هذه الإجازات إلا أنّ الإدارات نفسها رفضت عودتهم أو عرضت عليهم التوقيع على ورقة تعهّد بالاستقالة أو الإقالة من دون مناقشة، كما فُصلت العقود السنوية.
في بيته وبعد أشهر من مشاهدة زملائه يُفصلون ويُهانون، وبعد نقاش طويل مع زوجته التي رفضت قراره، كتب نزار على ورقة بيضاء استقالته دون تقديم مبررات، مكتفياً بالإشارة إلى وضعه الصحي.
في ذلك الصباح من شهر مايو/أيار الماضي عاد نزار إلى بيته في حي الرمل الشمالي حاملاً بيده الظرف البني بعد أن صار أخف. أوراق استقالته وُقعت، والاستقالة اكتملت وهو اليوم من جماعة المتقاعدين. لقد انتهى ربع قرن من العمل في يوم. في المساء جلس مع زوجته، وللمرة الأولى لم يفكّر مَن سيشغّل الرافعات، بل فكر في يومه التالي وعمله الجديد الذي سيكون لبقية عمره: دعاه صديقه المهندس للعمل في محل لبيع أدوات وتركيب الطاقة الشمسية. لا يطّل محل عمل نزار الجديد على البحر مثلما لم تعد المدينة تطل على المرفأ. يختم نزار: "القدامى خسروا وظائفهم، والجدد خسروا فرصة التعلم، والخاسر الأكبر هو المرفأ نفسه".







