عَبَّارات دير الزور .. حكاية السوريين بين ضفتي الفرات 


على مدار سنوات؛ اضطر موظفون وطلاب ومرضى وسكان مدن وبلدات ريف دير الزور شرقي سوريا، إلى استخدام العَبَّارات المائية كوسيلة للتنقل بين ضفتي الفرات. في نقطة عبور الميادين، وبعد حادثة غرق عَبَّارة وموت ستة سوريين بينهم أطفال، وحوادث غرق مركبات وشاحنات تبرز معاناة الأهالي في رحلة العبور والتنقل القصيرة والخطرة على متن هذه الطوافات البدائية.

08 أيلول 2026

كمال شيخو

صحفي سوري، عمل مراسلاً لعدة وكالات دولية وكتب في صحف عربية وغربية ومواقع سورية.

دير الزور (الميادين) بين ضفتي نهر الفرات وأمواجه وأطلال جسوره المدمرة، ومع القصبات النهرية وذكريات المسافرين المثقلة بمآسي الحرب والقصف الجوي؛ يقود الخمسيني حميدي خضر العلي، المتحدر من مدينة الميادين بريف محافظة دير الزور، عَبَّارته المائية كل صباح منذ تسع سنوات، عبر ممّر نهري من بلدة ذيبان شمالي النهر إلى مسقط رأسه الواقع بالجهة الجنوبية من الفرات. يستمر حميدي بعمله على الرغم من مخاطر التنقل بهذه الوسيلة محلية الصنع، وحوادث الغرق وحالات الوفيات المتكررة، إذ يزداد استخدام العَبَّارات جراء خروج معظم الجسور عن الخدمة نهائياً بعد الفيضان الأخير، وبسبب القصف خلال سنوات الحرب.

ودير الزور التي عُرفت بمسميات عدة؛ بينها (درة الفرات) ومدينة الجسور، تملك أكثر من ستة وعشرين جسراً على نهر الفرات، بينها أربعة عشر جسراً معلقاً واثنا عشر معبراً حديدياً تصل الوديان بالسهول القريبة، تعرضت جميعها للتدمير جراء القصف الجوي. حسب روايات سكان المنطقة، تعود الضربات لطيران النظام السابق والقوات الروسية وقوات التحالف الدولي، خلال حقبة سيطرة تنظيم داعش الإرهابي على هذه المناطق بين أعوام 2013 و2019.

بعد سقوط النظام السابق ودخول الحكومة الانتقالية المدينة نهاية 2024، أُعيد ترميم الجسر المعلق بدير الزور، إلى جانب جسر العشارة، وانتهت عمليات تركيب الجسر الحربي في الميادين، غير أن المسافات البعيدة وازدياد تكاليف النقل بين مدن وبلدات الباديتين الجزيرة والشامية، تضطر الأهالي إلى استخدام العبارات مكرهين، وسط تدهور الوضع الخدمي والمعيشي للدير.

تصوير كمال شيخو

حكايات ضفتي الفرات

يبدأ العم حميدي نهاره مع شروق خيوط الشمس الأولى بتفقد محرك العَبَّارة والوقود وحالتها الفنية لحماية مسافريه، ثم ينتظر عند نقطة التجمع من جهة الميادين. يستقبل ركابه الأوائل بابتسامته المعهودة، والسواد الأعظم منهم خليط من العمال والطلبة والمرضى الذين يقصدون مركز المحافظة، إلى جانب بائعي الخضار والأجبان والسمن الذين يعرضون منتوجاتهم الطازجة في أسواق دير الزور.

خلال هذه الأعوام؛ تحولت عَبَّارته من وسيلة نقل وعمل إلى بيته الثاني الذي يقضي فيه معظم وقته، في دوام يستمر لأكثر من أثنتي عشرة ساعة يتبادل فيها الأحاديث والذكريات مع الركاب والمسافرين الذين يقصدونه للتوجّه للضفة الثانية. يعرف العم حميدي معظم زبائنه بأسمائهم ويحفظ تفاصيل حياتهم اليومية ووجهة كل راكب، فهذا طالب يقصد جامعته وتلك سيدة ستذهب لتفقد زوجها المريض، وذلك رجل يقصد المدينة بحثاً عن العمل اليومي، وهذه سيدة تحمل الجبن والسمن العربي لبيعهما في أسواق مكتظة.

بالنسبة لأهالي المنطقة ممن يقصدون عَبَّارة العم حميدي، لم يكن هذا الرجل مجرد صاحب وسيلة نقل؛ بل كان شريان الحياة ونبضها الذي يربطهم بالجهة المقابلة لمناطقهم على الرغم من مخاطرها، فالحرب كانت قد قسمت جغرافية دير الزور بين عدة جهات عسكرية متحاربة، إلى جانب دمار الجسور وبُعد المسافات بين مناطق مترامية الأطراف.

في بداية حديثه إلى سوريا ما انحكت، يروي حميدي العلي كيف بدأ يفكر بصناعة عَبَّارة مائية بعد تدمير جسر السياسية الرئيسي بدير الزور أواخر العام 2014، والفضل يعود إلى صناعي عراقي كان يعمل في صناعة الزوارق المائية في بلده: "ساعدني في تصنيع عَبَّارة مائية سنة 2016 كان طولها خمسة عشر متراً وعرضها خمسة أمتار، بتكلفة مالية ناهزت خمسة آلاف دولار أمريكي، غير إنها اُستهدفت بقصف الطيران وتحطمت في العام التالي"، ليصنع عَبَّارة ثانية أصغر حجماً من الأولى لا تزال ترافقه حتى اليوم بحمولة تتسع من ثلاثين إلى أربعين راكباً.

يستذكر الرجل الخمسيني ذو الملامح الفراتية، وكان يلبس شماغاً عربياً وجلابية، الزي الشعبي التراثي للسكان، أحلك الأيام والظروف التي مرت عليه خلال سنوات الحرب، عندما قصفت طائرات النظام السابق والقوات الروسية، معظم الجسور والعبارات المائية:" أواخر عام 2017، كان القصف يستهدف كل العبارات والزوارق المائية. حينها كنا نبقى طوال اليوم دون أن نتحرك من مكاننا، ونضطر للسفر ليلاً".

اُستهدِفت العَبَّارات النهرية والمعابر المائية في دير الزور وقُصِف عشرون معبراً وممراً مائياً، ما أسفر عن وقوع مجازر دامية راح ضحيتها 241 مدنياً بينهم 28 طفلاً و23 سيدة وقتذاك. اليوم وبعد ترميم بعض الجسور بدير الزور واحتمالية توقف عمل العبارات يشدّد العم حميدي بأن عمله ينتقل بحسب الحاجة، إلى مكان تجمع السكان الذين يضطرون للسفر سريعاً لاختصار المسافات: "خلال هذه الأعوام تغيرت نقاط عملنا كثيراً، إما بسبب قصف الجسور أو ارتفاع منسوب النهر، ومؤخراً بسبب الحكومة الجديدة التي تمنع سفر الأهالي عبر هذه العبارات في نقاط محددة، لنذهب إلى نقطة ثانية ونكمل عملنا". أثناء الحديث لم تفارقه ابتسامة لطيفة: "الرزق على الله ونتمنى أن تُرمم كل الجسور وتعود الحياة لطبيعتها، لكن هذا الكلام يحتاج لسنوات وجهود كبيرة"، على حد تعبيره.

وازداد اعتماد سكان دير الزور على العبارات النهرية كوسيلة نقل بعد حصار المحافظة عندما كانت خاضعة للقوات الموالية للرئيس السابق بشار الأسد، أوائل 2014 حتى تاريخ سقوط حكم الأسد نهاية 2024، وعزلة مركز المدينة عن ريفها بالكامل، الأمر الذي فرّق البلدات والقرى عن بعضها بعضاً، لكن القوارب المتهالكة والعوّامات المائية التقليدية خطرة لافتقارها لوسائل الأمان والسلامة، ما يهدّد حياة الركاب وممتلكاتهم ويعرضهم لمخاطر جسيمة.

حشد ينتظرون العبور والانتقال للضفة الثانية

عند نقطة التجمع من جهة ذيبان شمالاً، ينتظر المئات من السكان في طابور طويل للعبور والتنقل للضفة المقابلة، بعضهم كان يصطحب دراجاتهم النارية للسفر بها نحو مركز دير الزور أو العمل عليها، وآخرون اصطحبوا أطفالهم إما لزيارات عائلية أو لمراجعة طبيب أو دائرة حكومية، كما حملت النساء أكياساً وحقائب ملابس صغيرة بغرض زيارة الأهل في الطرف المقابل، والحديث المشترك بين جميع المسافرين على متن هذه العَبَّارات كان تمني وصول الرحلة بأمان، وأن يكون منسوب النهر وسرعته هادئين خشيةً من الغرق والارتطام بالأمواج.

يعمل صخر العوض (45 عاماً) منذ سبع سنوات في نقل الركاب على متن دراجته النارية من ضفة النهر، إلى كراج الميادين ومن ثم إلى وجهاتهم. يؤكد صخر بأن نقطة المعبر ليست ثابتة، فهي تنتقل بحسب ارتفاع منسوب مياه النهر والقرارات الحكومية، ويقول لسوريا ما انحكت: "شغلنا غير ثابت كل مرة ننتقل من مكان لنقطة التجمع، والإنسان يجب أن يلاحق عمله أينما كان. أغلب الركاب الذين يقصدون هذه النقطة يومياً يأتون بدافع سرعة التنقل على الرغم من خطورتها".

وبعد وصول العَبَّارة إلى النقطة الثانية، تصطف عشرات الدراجات النارية لنقل المسافرين إلى وجهاتهم، لتبدأ حالة البازار بين أصحابها والركاب وسط علو الأصوات وكأننا سوق، أما الأجور فتكون محدودة لقصر المسافة بين ضفة النهر وكراج السرفيس، وتبدأ من خمسة عشر ألفاً (نحو  دولار أمريكي واحد) وحتى خمسة وعشرين ألفاً (ما يقارب دولارين). ذكر العوض بأن طبيعة عمله متوقفة بشكل كبير على حركة العَبَّارات المائية، كحال باقي سائقي الدراجات الذين يبحثون عن رزقهم ويتواجدون بكثرة عند هذه النقطة سعياً لكسب قوت يومهم.

ينقل العوض بأن عملهم: "فيه تعب كبير، لأننا نأتي هنا مع ساعات الفجر حوالي الخامسة صباحاً، ونبقى لمغيب الشمس، ونقضي كل وقتنا تحت لهيب الشمس الحارقة. حقيقةّ عملنا موت أحمر" في دلالة على التعب والجهد اللذين يتحملهما هؤلاء السائقون.

أما الشاب عمر البكري (16 عاماً) المتحدر من مدينة الميادين فقد جمع بين العمل على دراجة نقل وإكمال دراسته بالصف التاسع الإعدادي. منذ عام بدأ في توصيل الركاب والطلبات لضيق حالتهم المادية، لتأمين تكاليف معيشة عائلته وإكمال دراسته وسط تحديات وعورة الطريق الترابية والقرارات الحكومية المتغيرة، يقول لسوريا ما انحكت: "عملنا ضعيف ومردوده المادي قليل ومرتبط بحركة الركاب. في أيام، يكون هناك إقبال والحركة جيدة وتكون الحركة ضعيفة في أيام ثانية. أغلب الزبائن الذين نقوم بتوصيلهم إما طلاب مدارس أو موظفون أو مرضى".

وشهدت دير الزور حادثة انقلاب عَبَّارة نهرية في 12 من شهر يوليو/تموز الماضي أدت إلى وفاة ستة مدنيين بينهم أربعة أطفال. بحسب روايات الأهالي تعود أسباب الحادثة إلى نفاد الوقود وجرف النهر، ليفقد السائق السيطرة على العبارة، وتصطدم بالجسر الحربي، مما أدى إلى غرق هؤلاء وإصابة آخرين، الأمر الذي ترك حالة من التوتر والقلق لدى الكثير من المسافرين الذين يقصدون هذه العّبَّارات البدائية كحال سكينة المحمد.

سكينة المتحدرة من قرية حويجة الطيبة بالميادين تبلغ من العمر 43 عاماً وتقصد هذه النقطة كل صباح مرتدية عباءتها الفراتية السوداء، كانت تحمل بيدها أكياساً من الجبن الديري والسمنة الحيوانية التي أعدتها بنفسها، بغية بيعها في أسواق ذيبان وغرانيج وهجين على الضفة المقابلة في الجزيرة، كما ستزور شقيقته.

ولا تخفي هذه السيدة كحال الكثيرات اللواتي يأتين مجبرات على السفر على متن هذه العَبَّارة والعيش بحالة من الخوف والرعب طوال رحلتها القصيرة: "إذا تعطلت العبارة في منتصف الطريق ستكون كارثة لأن شكل العبارة وطريقة تصنيعها لا يعطينا أي إحساس بالأمان". تستذكر كيف تعطلت بها العبارة في إحدى المرات وعاش جميع الركاب لحظات عصيبة خشية من الموت والغرق: "كنا نخشى من ارتطام أمواج النهر العالية، وسرعة جريان النهر، رأينا الموت بأعيننا".

الطالبة وئام ذات الـ 20 ربيعاً والقادمة من بلدة ذيبان، تصف رحلة عبورها شبه اليومية بالعَبَّارة بـالخطيرة والممَّيتة فهي ليست مجرد وسيلة نقل وسفر للوصول إلى جامعتها بالضفة الثانية: "بل تجربة مليئة بالخوف والتوتر فشعور الرعب لا يفارقنا، سيما عندما يركب العبَّارة أعداد كبيرة متكدسة فوق بعضها البعض، ومع وجود الدراجات النارية والبضائع والحمولات تزداد درجة خوفي ولا أصدق أن أصل بسلام"، واعتبرت أن وسيلة النقل والطوافات المائية رغم أنها تقضي حاجة الركاب وتخفف أعباء السفر، "لكنها تبقى مخيفة وخطرة بسبب سرعة جريان نهر الفرات هذه الأيام".

تقسيمات نهر الفرات

يقسم نهر الفرات دير الزور، التي كان يسكنها قبل الحرب نحو مليون ونصف المليون نسمة، إلى ضفتين رئيسيتين، تُعرف المناطق الواقعة في الجهة اليمنى باسم "الشامية"، فيما تُعرف مناطق الضفة اليسرى باسم "الجزيرة"، وخلال سنوات الحرب خضعت كل ضفة لسيطرة قوى عسكرية متحاربة ليتحول سرير الفرات إلى خط تماس فاصل بينها جغرافياً وعسكرياً. ويقطع النهر مسافة 135 كيلومتراً داخل أراضي محافظة دير الزور، قادماً من ينابيعه التركية شمالاً ومحافظة الرقة المجاورة، ويستمر حتى مدينة البوكمال الحدودية حيث يدخل الأراضي العراقية شرقاً.

وشهدت دير الزور موجة فيضانات غير مسبوقة هذا العام، وارتفع منسوب نهر الفرات خلال شهر مايو/أيار الفائت، وعاد ارتفاع المنسوب بشكل ملحوظ أواخر شهر أغسطس/آب الماضي، نتيجة زيادة التدفقات المائية القادمة من السدود التركية وزيادة تدفق مجرى المياه من سد الفرات، والتي تسببت بإخراج وتدمير جميع الوصلات الترابية والجسور المعدنية الحربية، بعد تركيبها مؤخراً لربط ضفتي النهر.

وبحسب الخبير والباحث الاجتماعي علي السمحان من بلدة هجين، تحوّل عبور نهر الفرات إلى تحدٍّ يومي لآلاف المدنيين، بعد تدمير الجسور وتقطيع أوصال الريف التي كانت تربط ضفتي النهر خلال سنوات النزاع والعمليات العسكرية ضد تنظيم "داعش"، وقال في حديث لسوريا ما انحكت: "لا يشكّل الفرات بدير الزور فاصلاً بين مجتمعين، بل يمر في قلب مجتمع مترابط عائلياً وعشائرياً واقتصادياً، هنا آلاف الأسر موزعة بين شرق النهر وغربه، وترتبط بعلاقات قرابة ومصاهرة، ما يجعل التنقل المتكرر بين الضفتين حاجة إنسانية واجتماعية أساسية".

ويشير الخبير الاجتماعي إلى زيادة صعوبة التحديات التي تواجه أبناء المنطقة، مع تركز المؤسسات الخدمية والدوائر الرسمية والمشافي الحكومية في مناطق غربي الفرات، يقول: "الأمر الذي يجبر سكان المناطق المقابلة على استخدام العَبَّارات النهرية لإنجاز المعاملات، والوصول إلى العمل والتعليم والرعاية الصحية، وزيارة الأقارب ومتابعة شؤونهم، لكن لا ننسى أن هذه العبُّارات تؤدي دوراً مهماً في تخفيف العزلة وتسريع التنقل، فإنها تبقى حلاً مؤقتاً ومحدود القدرة".

من جانبها، ذكرت منى ذات الثلاثين عاماً والتي اصطحبت طفلها الصغير الذي كان يشكو من أمراض داخلية، حاجة سكان بلدات ريف دير الزور للطبابة والرعاية الصحية والأدوية، "لذلك نضطر رغماً عنا لاستخدام هذه العبَّارات المائية لتوفير الوقت والمال والسرعة في التنقل، بصراحة كلما نسمع بحادثة وفاة أو غرق نخاف كثير من هذه اللحظات التي نعيشها يومياً، ومطلبنا إعادة ترميم الجسور وإصلاحها".

وتعليقاً على حالة منى وغيرها من النساء اللاتي يقصدنّ تلك العبارات للتنقل رغم مصاعبها، يرى الخبير السمحان بأن الرحلة: "عادةً تتأثر بالأحوال الجوية ومستوى المياه وساعات التشغيل، وقد لا تستجيب بالسرعة المطلوبة للحالات الطبية الطارئة أو احتياجات الأطفال وكبار السن وذوي الإعاقة"، كما تشكل تكاليف العبور المتكررة عبئاً إضافياً على الأسر التي تعاني أصلاً من آثار الحرب وتراجع مصادر الدخل.

وأوضح الباحث الاجتماعي أن أزمة العبور في دير الزور ليست قضية نقل فقط، "بل قضية وصول إلى الحقوق والخدمات والحياة الطبيعية، فغياب جسور آمنة ومنتظمة يؤخر علاج مريض ويعرقل الحركة الاقتصادية، ويحد من فرص العمل والتعليم، ويضعف الروابط الاجتماعية بين سكان ذات المحافظة"، وشدّد على أن إعادة ربط ضفتي الفرات ليست مشروعاً عمرانياً فحسب، "بل خطوة أساسية لاستعادة كرامة السكان ووحدة مجتمعهم وقدرته على التعافي".

تحتاج دير الزور إلى دعم عاجل لتأمين عبور نهري آمن ومنتظم، "ومراعاة الحالات الإنسانية والطارئة، وهي بحاجة لخطط حكومية حقيقية لإعادة تأهيل الجسور أو إنشاء بدائل دائمة"، على حد كلام السمحان.

تصوير كمال شيخو

ذاكرة دير الزور

لا يقتصر دمار الجسور على قطع شريان الحياة وبعد المسافة وتحمل أعباء مادية إضافية، بل يتعداه إلى تدمير ذاكرة وتاريخ دير الزور بحسب المهندس المدني ذياب المحيميد،  الذي يسترجع ذكريات جسور الدير، وبينها الجسر المعلق والسياسية والميادين وغيرها من الجسور التي كانت همزة وصل بين سكان المدينة وريفها، وترتبط بحكايات سكان الدير وتقاليدهم الشعبية.

يقول المحيميد في حديثه لسوريا ما انحكت: "أغلب أهالي المنطقة يتذكرون مواكب الزفاف والحفلات التقليدية على هذه الجسور، كان العروسان يترجلان ويمشيان لالتقاط صورة تذكارية بالأبيض والأسود عليها". بقيت قصصها تُروى ولا تُنسى حتى بعد انهيار تلك الجسور، "لكنها تركت جرحاً كبيراً في قلوب سكان الدير، فالحرب والدمار وكل هذه الصور القاسية لن تحجب الذكريات الجميلة التي تغنينا فيها في الأعراس والاحتفالات".

تعطل الجسور يعيد سكان دير الزور إلى مآسي سنوات الحرب والقصف الجوي والتقلبات الميدانية والعسكرية، فهذه المحافظة كحال باقي المدن السورية شهدت عمليات عسكرية عنيفة ودماراً واسعاً طال بنيتها التحتية والممتلكات الشخصية، كما تكبدت خسائر اقتصادية هائلة وتدهورت بفعلها الحالة المعيشية، مما يبقيها أمام سيناريو مفتوح على مزيد من التردي الخدمي.

يوضح سعد الحاجم (55 سنة) والذي يقصد هذه النقطة يومياً لإنجاز أعماله في مركز المحافظة، بأن كل المسافرين والركاب الذين يقصدون العبارات والزوارق النهرية لا يأتون بإرادتهم، "لأن الجميع مجبر على التنقل بالعبّارات، لعدم وجود سوى جسر واحد يوصل بين ضفتي النهر وهو جسر العشارة، فحتى الجسر الحربي الذي شُيّد وتم تركيبه بالميادين لم يدخل الخدمة وننتظر الانتهاء من عمليات التشييد".

يحمل المسافرون على متن هذه العَبَّارات والزوارق النهرية أرواحهم على أكفهم ويركبونها بصمت مشوبٍ بالهلع، غير آبهين إلا بتلك اللحظات ورحلتهم القصيرة، فهم يعبرون فوق الموت، آملين أن يصلوا للضفة الثانية بسلام آمنين. لا ينتهي خوفهم بالوصول إلى النقطة الثانية فهم سيسلكون نفس الطريق في العودة، مستعجلين قبل مغيب الشمس وارتفاع منسوب النهر.

مقالات متعلقة

دير الزور: بورتريه محافظة منسية .. يكافح سكانها للتأقلم مع واقعها الديموغرافي الجديد

01 تشرين الأول 2025
بعد سقوط نظام الأسد وانجلاء نفوذ إيران استيقظ سكان دير الزور على توزيعةٍ جديدة للسلطة، أمرٌ تعوّدوا عليه في الأثناء، في ظلّ تبدّل السيطرات منذ اندلاع ثورة ٢٠١١. في هذه...
أطفال ونساء "داعش" المنسيات

23 حزيران 2026
في مخيم "روج"، أقصى شمال شرقي سوريا، تعيش نحو 800 امرأة (مهاجرة) مع من تبقى من أطفالهن في أخطر مخيمات سوريا على الإطلاق. كانت أولئك النساء قد تزوجنّ بجهاديين أجانب...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد