غضب، رامي قديح (بقعة ضوء)
🌕🌕🌕🌗🌑
صناعة فيلم عن أزمة البنوك اللبنانية، ومحاولة المواطنين اقتحام البنوك، واستعادة أموالهم المحتجزة.. المنهوبة، كانت مسألة وقت، بعد أن بدأت الأزمة، واعتُبرت مؤقتة، لتمتد لأعوام، ولا سيما بعد تصوير بعضها من قبل صحفيين. المخرج رامي قديح صنع نسخته منها هنا، وعرضها في البندقية، رفقة النّجم الأمريكي جورج كلوني، الَّذي جاء بوصفه أحد المنتجين المنفذين له.
عندما تكتشف الأختان مارو وداليا عدم قدرتهما على استعادة أموالهما من بنك، لعلاج إحداهما من السَّرطان، وتصطدم محاولاتهما الخطرة في تدبر المبلغ بشتى الطرق، حتّى تلك المُرهقة للكرامة والذّكريات، يتوجب عليهما التَّحالف مع جاريهما، العضو السَّابق في الميليشيات المسيحية، خلال الحرب الأهلية، وقريبه المتورط في أعمال بيع جوازات سفر مزورة للسّوريين، ليضعوا خطة لاقتحام البنك، محفوفة بالمخاطر، وغير مأمونة العواقب.
هذا فيلم، مسل، صُنع ليخاطب الجمهور العريض، يعلب هذه المأساة في فيلم من نمط "سرقة البنوك"، ذي إيقاع سريع، وطاقة متفجرة، معتمد على قطع سريع في اللقطات، لا يريد التَّوثيق، بل يحاول حفظ وإيصال المشاعر المشحونة بالغضب على النّظام وعلى الفاسدين في القطاع المالي، المطبعين معه، عندما لا يلبون حتَّى أبسط الحقوق، بمنح (شوية أمل).
يضع رامي، الَّذي يقول إنّه استوحى السّيناريو من حياته الشّخصية، عندما لم يستطع وشريكته في الحياة، وفي الكتابة نورا ماريانا، الحصول على أموالهما لتجري عملية جراحية، الشّخصيات، ونحن المشاهدين، أمام أسئلة أخلاقية: عندما يخنقك الفساد، وتصبح مهدداً في حياتك وكرامتك، هل لديك (رفاهية) الالتزام بالمبادئ ، وما هو (مشرف)؟
ماريا نكوزي وريم مروع تقدمان هنا أداءين قويين، وتساعدان على بلورة الأحداث المتناثرة في الفيلم ومنحها بنية سردية متماسكة.
لا يريد صانع الفيلم له أن يكون فيلم إثارة، خاطفاً للأنفاس وجذاباً، يجعلك ملتصقاً بكرسيك، رغم تجاوزه السّاعتين، وإنّما يقدم في خط قصصي ثانوي، تشريحاً للمجتمع اللبناني، والنّدوب الّتي تركتها الحرب الأهلية، على الناّس، ما يمنح الفيلم ثقلاً، ويجعل المَشاهد الّتي تجمع جاريهما (يلعب دورهما عصام بو خالد، وحسان عقيل)، بعضاً من أقوى مشاهد الفيلم، وبذا يوحي لنا أنّ هذه الأزمة المالية الّتي التهم فيها تحالف من السّاسة وأصحاب الأموال، أموال المواطنين/ات وجنى عمرهم، ما كانت لتحصل، أو تمر دون تبعات، إن لم تكن هذه الشّقوق الّتي فرقت طوائف الشّعب اللبناني، ما زالت موجودة وعميقة.
يستعرض قديح في مشهد مشاجرة مفتعلة أمام بنك، طبقات السّلطة الّتي ما زالت موجودة في لبنان، تبعاً للحي، سلطة الطّائفة، والميليشيا، والجيش الّذي يكافح، ليفرض الهدوء بالدّبلوماسية، ويحيله إلى مسرح يلعب فيه الجاران، دوراً في خطة السّطو على البنك، قبل أن يكتشفا كيف يخرجان بشكل أوتوماتيكي ربما عن النّص، ويتصرفان وفقاً لمنطق الطّائفة، وميزان القوى في الحي المناهض للميليشيات المسيحية سابقاً.
يلمس قديح أيضاً هنا ثيمة الغفران، وما إذا كان للماضي الدّامي لعضو الميليشيا أن يُترك في الماضي حقاً، مقترحاً ذلك جسراً إلى مستقبل أفضل. يُقدّمه أيضاً بوصفه فيلماً نسوياً، عن نساء لبنان القادرات على مقارعة الرّجال، ومجاراتهم في القوّة، وكسر الصّور النّمطية، وإن كانت العودة إليه في ختام الفيلم، أطالته أكثر من اللّازم، وأعطته سمة حلقاتية.
فيلم (حوار مع البحر)، مؤيد عليان (بقعة ضوء)
🌕🌕🌗🌑🌑
هذا واحد من تلك الأفلام الّتي يحوّل فيها السّيناريست شخصيته الرّئيسية إلى محقق في قضية عائلية، مقتل قريبه غالباً، لتكشف التّفاصيل المتوالية الّتي نكتشفها معه عن الأبعاد الشّخصية والاجتماعية والسّياسية للحكاية. كنا قد شاهدنا ذلك أخيراً في فيلم المخرجة التّونسية، ليلى بوزيد، (بيت الحس) في مسابقة مهرجان برليناله.
عندما تطالب السّلطات الإسرائيلية، رجلاً فلسطينياً عائداً من أمريكا إلى بيته في القدس، بديون الضّمان الاجتماعي المتراكمة على ابنه وائل المتوفى منذ عشرين عاماً، يبدأ محاولة يفترض لها أن تكون قصيرة، لإصلاح الخطأ وإسقاط الدين عنه، لكن عندما يبدأ بالبحث في السّجلات تظهر الشّكوك لديه، عما إذا كانت الجثة المعثور عليها تعود لابنه حقاً، وعن ظروف مقتله، ليكتشف الحقيقة، يقرر سلوك الطّريق الصّعب، والبحث عن اسم صبية إسرائيلية، ارتبط اسمها بتقرير وفاته.
هذا فيلم دراما اجتماعية، يلامس الميلودراما، ذو خلفية سياسية، يقترح صانعه بأن تقليب أي جريمة جنائية أو مأساة عائلية شخصية، سيكشف لنا أنّها تعود بطريقة أو أخرى إلى سياسات إسرائيلية تتسامح مع المستوطنين والمدنيين الإسرائيليين، كلما طاب لهم التّضييق على الفلسطينيين والاعتداء عليهم.
نتلمس خلال المشاهدة رغبة عليان في جعلنا نعيش مع بطل قصته، ما الذي تعنيه القدس للفلسطيني، الضّغوطات الّتي قد تجعله يتركها رغماً عنه، وتلك الّتي يعيش تحتها ليس من الحكومة فحسب، بل من مدنيين إسرائيليين يستغلون سياسة الإفلات من العقاب، ومن سماسرة يغرونهم بالأموال الطّائلة لإفراغها منهم. يريد لنا أن نعرف قساوة الحياة فيها، وكيف أنّها تعلمك الصّبر.
كان للمخرج مؤيد عليان أن يصوغ هذه الحكاية فيلماً من نمط الغموض أو الإثارة، لكنّه يختار هنا دراما هادئة، تتسم بالرّتابة، غزيرة الحوارات (الّتي يغلب عليها الرّكاكة في العديد من المشاهد)، تفتقد إلى القوّة الدّاخلية، الجاذبة للمشاهد، يختمها بفصل نهائي لا يترك الأثر المرجو منها.
الممثل الفلسطيني القدير كمال الباشا، الّذي سبق وأن سجل حضوراً لافتاً في البندقية عبر فيلم المخرج اللّبناني زياد دويري، (إهانة)، يقدم هنا أداءً يجعل الفيلم مستساغاً ومقبولاً للمشاهدة، وهو يؤدي دور ذاك الرّجل الهش، الّذي يعي أنّه دمر سمعته وخسر احترام عائلته، مع ذلك، يحاول الحصول على نهاية مشرفة لحياته. فيما يأتي أداء باقي طاقم العمل، ممن يؤدون أدواراً ثانوية، دون المتوقع لدى المتحدثين بالعربية، وسيئة لدى المتحدثين بالإنجليزية.
فيلم (المواطن أسامة)، أحمد حسونة (فينيس أوبن، خارج المسابقة)
🌕🌕🌕🌑🌑
بعد أن ذهب بمجموعة من الأفلام القصيرة تحت عنوان (من المسافة صفر) إلى مهرجان كان ليُعرض على هامشه، احتجاجاً على رفض المهرجان عرضها، حضر المخرج الفلسطيني رشيد المشهرواي إلى البندقية، ليقدم مع شريكين إنتاجيين هذا الفيلم المتمحور حول ملاحقة القوات الإسرائيلية لصحفيين فلسطينيين في غزة.
لا يمنح صانع الفيلم هنا الصّحفي صفة خاصة مميزة عن آخرين من سكان غزة، كناية عن تشاركهم الظّروف والمعاناة نفسها، ومنه جاء عنوان الفيلم.
يعتمد (حسونة) على مقاربة مختلفة هنا، لا يصنع فيلماً عن مقتل مصور صحفي في غزة، بل عن الاحتفال بالحياة ونجاة أحدهم، لا يعرض مشاهد تستجدي الدّموع من مشاهديه، ولا يهدف إلى الإثارة المرتبطة بالاشتباكات على الجبهات، وإنّما يسعى إلى إشعارنا بما يعنيه أن تشعر بأنّك الهدف التّالي للقصف لمجرد كونك مصوراً صحفياً، كيف تعيش وتتصرف، تحسب خطواتك، وتتعامل مع كل يوم على أنّه الأخير ربما في حياتك.
يدعنا نراقب ما يخلفه هذا الخطر اليومي الكامن خلال عام، على ثلاثة أجيال، على أسامة المواطن الغزي، وابنه الرّضيع الّذي نشاهد ولادته بداية الفيلم، ووالديه، اللذين سيتوجب عليهما التّدخل في قرار فيما إذا كان على أسامة العمل أم لا، بعد استهداف عدد من زملائه، ليصطدما بمفارقة، إن كان أسامة محمياً أكثر داخل المنزل أم خارجه؟
ما يعرضه المخرج هنا، لا فظائع لم نشاهدها، بل تجربة انتظار الموت المفاجئ ، الأحلام البسيطة الّتي يرنو إليها أسامة وزملاؤه قبيل مغادرتهم الحياة، محاولتهم التّغلب على صوت المسيرات بإطلاق النكات، الهم اليومي، البحث عن طعام يُؤكل وبنزين يمضي بالسّيارة، مطاردة مناطيد المساعدات الهابطة والنزوح المتكرر إلى الجنوب والعودة مع كل هدنة، وسط الاحتفالات.
وباعتماده هذه المقاربة، يخفف المخرج من ثقل الفيلم العاطفي على الجمهور، الّذي لا ينبغي له توقع مشاهد ملهبة للمشاعر، مدرة للدّموع، بل مثيرة للتّعاطف الإنساني.
من المقرر عرض الفيلم في مؤسسات سياسية أوروبية ضمن حملة، وقدمته فلسطين بوصفه مرشحها هذا العام لأوسكار أفضل فيلم دولي، على ما ذكر واضع موسيقى الفيلم راسموس ستين، بعد عرض الفيلم في البندقية.









