تدفع التكلفة والانتظار واللّغة بعض المغتربين من السّوريين إلى تأجيل البحث عن علاج لأعراض مرضهم لحين الوصول إلى عيادات بلدهم، فيما تعيد الأمراض الخطرة آخرين سريعاً إلى أنظمة الرّعاية في بلدان إقامتهم الأكثر تطوراً. بين الاتجاهين، ينشأ مسار طبي عابر للحدود، كظاهرة اجتماعية واقتصادية تُمارس دون أن يحكى عنها.
تتحدث صفاء لسوريا ما انحكت عن علاج الأسنان في كندا؛ إصلاح سن واحد مصاب بالتّسوس يكلّفها ما بين 500 و600 دولار كندي، متضمناً التّصوير والمعالجة، ورغم أنّ الأطباء هناك أفضل من نظرائهم في سوريا وتركيا بنظرها، لكن الفاتورة دفعتها، مثل عدد من معارفها، إلى تأجيل العلاج حتّى زيارة أحد البلدين.
تغير ذلك بعد إطلاق الحكومة "الخطة الكندية لرعاية الأسنان" عام 2023 وتوسيعها في 2025. يشترط البرنامج ألا يمتلك المستفيد تأمين أسنان خاصاً، وأن يقل صافي دخل أسرته عن 90 ألف دولار كندي، وبحلول نيسان 2026، كان قد انضم إليه أكثر من 6.3 مليون شخص، موفراً لكلّ مستفيد نحو 900 دولار سنوياً في المتوسط. ولم تكن صفاء وحدها ممن تجنبوا العلاج بسبب تكلفته؛ فقد فعل ذلك 24٪ من الكنديين بين عامي 2023 و2024، بينهم 27٪ من النّساء و22٪ من الرّجال.
لكن صفاء ما زالت تؤجل مواعيد أُخرى حتى تزور سوريا، فهي تتابع اضطراباً في الغدة الدّرقية، وحين أحالها طبيب الأسرة إلى اختصاصي في نيسان 2026، حصلت على موعد في آب/اغسطس 2027. تقول إنّها مُستعدة للدّفع مقابل معاينة خاصة، لكن هذا الخيار غير متاح بسهولة ضمن النّظام العام، بينما قد يعني اللجوء إلى الطّوارئ انتظاراً يمتد من سبع إلى عشر ساعات من دون ضمان مقابلة اختصاصي، لذلك تحشر هي وزوجها مواعيدهما وفحوصهما خلال الإجازة في سوريا أو تركيا.
هناك دائماً متسع للطّبيب
لا توجد إحصاءات سورية تبيّن عدد المغتربين الّذين راجعوا الأطباء أو حجم ما أنفقوه. لكن وزارة السّياحة سجلت وصول نحو 2.13 مليون زائر من السّوريين المغتربين خلال النّصف الأول من 2026، بزيادة 75٪ عن الفترة نفسها من 2025، حين بلغ العدد 1.22 مليون.
تأتي هذه الحركة من كتلة بشرية كبيرة؛ إذ يمكننا عبر جمع البيانات الواردة في مخزون الأمم المتحدة حول دول المقاصد، وجود أكثر من 1.67 مليون مهاجر من سوريا في أوروبا (ألمانيا: 860,697، السويد: 243,388، هولندا: 153,160، النّمسا: 90,968، فرنسا: 60,670، بلجيكا: 50,068، بقية الدول الأوروبية الواردة: 214,378). ونحو 125767 في كندا، وفي الولايات المتحدة، أحصى مسح المجتمع الأمريكي 122 ألف شخص مولود في سوريا عام 2024، يرتفع عددهم إلى 261 ألفاً عند احتساب المولودين في أمريكا الّذين صرحوا بأصل سوري.
مع ذلك، لا يصحّ وصف زياراتهم الطّبية بالسياحة العلاجية. لم تأتِ صفاء - كمثال - إلى سوريا من أجل أسنانها وغدتها، بل أضافت المواعيد إلى إجازة كانت ستحدث على أي حال.
ويختلف ذلك عن تركيا، الّتي سجلت 1.5 مليون قادم لتلقي خدمات صحيّة عام 2024، بإيرادات بلغت 3.023 مليار دولار، ثُمّ نحو 1.4 مليون في 2025 بإيرادات مماثلة. تسمح التّراخيص وأنظمة التّسجيل التّركية بتمييز من جاء للعلاج عمن احتاج إلى رعاية عارضة أثناء الزّيارة. ولم نجد إحصاءات معلنة عن المرضى في تركيا بحسب الجنسية ونوع العلاج، أو إحصاءات موثوقة تدعم الحديث الرائج - رغم أني اختبرته بنفسي بالمشاهدة - عن كون السّوريين يذهبون إلى تركيا من أجل زارعة الشّعر وعلاج الأسنان.
لا تتيح البيانات السّورية إجراء هذا الفصل، فبحسب منظمة الصّحة العالمية، لم تكن وزارة الصّحة تحصل إلّا على 37٪ من بيانات خدمات العيادات والمخابر والمراكز الخاصة، رغم الدّور الأساسي للقطاع الخاص في التّشخيص والعلاج التّخصصي.
الموسم الصيفي
يعمل الدّكتور مرار رومية، اختصاصي الأنف والأذن والحنجرة والجراحة التّجميلية، في دمشق واللّاذقية، ويلاحظ ارتفاع مراجعات القادمين من الخارج خلال الصّيف، ولاسيما من لبنان ثُمّ ألمانيا. يقصده معظم المغتربين للتّجميل، بينما يلاحظ لدى زملائه إقبالاً على علاج الأسنان وتجميلها.
لا يمنح رومية المغتربين معاملة مختلفة، لكن قدرتهم الأعلى على الدّفع تظهر في التّحاليل والأدوية الّتي يطلبونها، ويعدُّ ذلك طبيعياً، إذ تتراوح معاينة الطّبيب في سوريا، بحسب تقديره، بين 50 و100 ألف ليرة، أي نحو ستة يوروهات.
يظهر الفارق بوضوح في أوروبا. دفعت لين 80 يورو لمعاينة خاصة في إسبانيا، بينما دفع بعض أصدقائها مبالغ قاربت 400 يورو. وفي ألمانيا، قال 17٪ من المشاركين في استطلاع تمثيلي لصندوق التأمين الصحي "AOK"، إنّهم لم يحصلوا على موعد في الوقت المناسب إلّا بعد الدّفع أو قبول خدمة إضافية، ووثّق تحقيق لبرنامج "بانوراما" عرض تصوير بالرّنين المغناطيسي بنحو 180 يورو للحصول على موعد أسرع، فيما منعت محكمة في دوسلدورف طبيب عيون عرض موعداً مبكراً مقابل 150 يورو من ممارسة المهنة. وتتراوح الأسعار المنشورة للمعاينات العصبية الخاصّة بين 100 و150 يورو، وقد تصل الاستشارة المطولة إلى 500 يورو.
لا يُقتصر الأمر على ألمانيا، فقد فرض مركز طبي في باريس 30 يورو إضافية لضمان موعد خلال 24 ساعة، بينما وجد اختبار نمساوي إمكان اختصار انتظار جراحة الورك من ستة أشهر إلى أربعة أسابيع بعد حجز استشارة خاصة بنحو 120 يورو.
سوق طبية منظمة؟
تظهر حول التّجميل ملامح سوق عابرة للحدود، فقد قدّرت الجمعية الدّولية لجراحة التّجميل إجراء 153,040 عملية وإجراءً تجميلياً في سوريا خلال 2023، بينها 55,790 عملية جراحية و97,250 إجراء غير جراحي، وأفاد الجراحون السّوريون المشاركون في المسح بأنّ وسطي القادمين من الخارج بين مرضاهم شكلوا نحو 20٪، وكان لبنان والعراق والأردن أبرز بلدان القدوم.
لا يعدّ الرّقم إحصاءً وطنياً، كما أنّ القادمين من الخارج ليسوا بالضرورة مغتربين سوريين، لكنّه ينسجم مع ملاحظة رومية أنّ معظم مراجعيه القادمين للعلاج التّجميلي من النساء، فعالمياً، شكّلت النّساء 84٪ من الإجراءات التّجميلية (الجراحية وغير الجراحية) الّتي أجراها جراحو التّجميل عام 2024.
يتذكّر رومية سوقاً أكثر تنظيماً كانت تنقل مرضى إيرانيين عبر وسطاء يرتبون العلاج والإقامة في دمشق وطرطوس. تراجع هذا المسار بعد تغير السّلطة وانقطاع حركة الزّوار الإيرانيين، بينما بقيت مراجعات المغتربين السّوريين محصورة في الأفراد والعائلات، لا في شركات سياحة علاجية منظّمة.
الوقت الّذي يمكن شراؤه
السويداء: كيف تُنقذ الأرواح؟
16 تموز 2026
قبل موعدها الطّبي في برلين، تنجز لين ما تسميه "وظيفة": تكتب أعراضها، وتبحث عن الكلمات الألمانية اللّازمة، وترتب ما ستقوله في الوقت المتاح، ومع ذلك، تشعر أحياناً بأنّ الطّبيب لم يفهمها، أو أنّها لم تفهم منطقه.
حين أصاب الألم مفاصل يديها، راجعت خمسة أو ستة أطباء خلال تسعة أشهر من دون تشخيص نفع في علاجها، وخلال زيارة لأصدقاء في مدينة أخرى، فحصها طبيب سوري وشخّص إصابتها بحالة مرضية التهابية تدعى (مرفق لاعب التنس). لم يقتنع طبيبها الألماني بالتَّشخيص فوراً، متحدّثاً عن أعراض مختلفة عمّا تشعر به، لكنّه وافق على تجربة العلاج، فتحسنت سريعاً.
لا يمكن تعميم حالة لين، فالبعض حصل معه العكس، لكنّها في العموم تشرح انجذاب المريض إلى طبيب يعرف لغته وطريقة وصفه للألم. ولا تسافر لين خصيصاً للعلاج، بل تحشر ثلاثة مواعيد في المتوسط داخل زياراتها المعتادة، فما يستغرق أشهراً في ألمانيا، تقول إنّها تنجزه في سوريا خلال ثلاثة أيام.
ما لا تقوله التّرجمة
وجد الدّكتور نضال الحاج مصطفى في هذه الفجوة سوقاً لعيادته الخاصة (Natal Care) في مدينة إسكلستونا السويدية. يقدّم استشارات للحالات غير الطّارئة، ويساعد المرضى في فهم خططهم العلاجية والوصول إلى الاختصاص، موفراً لبعض من كانوا سيسافرون إلى سوريا أو تركيا أو العراق طبيباً عربياً داخل السّويد.
لا يرى نضال بطء النّظام السّويدي إهمالاً أو مشكلة، بل طريقة لتوزيع الموارد بحسب شدة الحالة. يفرض "ضمان الرّعاية" تقييماً للحاجة خلال ثلاثة أيام، وموعداً لدى الاختصاصي خلال 90 يوماً إذا تقررت الحاجة إليه، ثمّ بدء العلاج خلال 90 يوماً أُخرى.
يسمي نضال الفارق "ثقافة طبية"، ففي عيادته يعاين بين ثمانية واثني عشر مريضاً يومياً، مخصِّصاً نحو 40 دقيقة لكلّ منهم، ويقارن ذلك بقريبة دخلت عيادة سورية وكان رقم انتظارها 85. يرى نضال أنّ هذه الأعداد تحوّل الطّب من متابعة وعلاج إلى استجابة إسعافية سريعة بأحسن الأحوال، وبازار من الأخطاء في أسوئها.
تدعم موقفه، في رأيه، تقارير وصور يجلبها بعض المرضى من سوريا، فقد رفض مؤخراً الاعتماد على صورة شعاعية قديمة حملها مريض قيل له إنّ لديه كتلة، وطالب بإعادتها في السّويد، إذ لم تؤكد النّتيجة الجديدة التّشخيص الأول. يقول نضال إنّ الالتزام بالطّريق الطّبي في السّويد يجنب المرضى مشكلة الآلات والمعدات القديمة، والوقوع تحت يد أطباء لا رقابة حقيقية عليهم.
إلى النّمسا على أول طائرة
اختبرت سارة (اسم مستعار)، المسار المعاكس. اكتشف مركز الآغا خان في سلمية إصابتها بالسّرطان أثناء إجازتها، فنصحها الأطباء بالسفر إلى النمسا، وكانت قد زارت قبل الرّحلة طبيباً في فيينا من أصل عربي، فشخّص حالتها على أنّها حساسية وآثار ربو، قبل أن تكشف الفحوص السّورية الكتلة الّتي تضغط على صدرها.
قطعت إجازتها وعادت إلى فيينا. حاول مستشفى قريب وضعها في طابور يمتد لأشهر، فتوجّهت إلى مستشفى فيينا العام "AKH"، ولم يتجاوز أطول انتظار بعدها ثلاثة أيام كانت للحصول على نتيجة الخزعة، فبمجرّد إدراك المستشفى لخطورة الحالة، كانوا هم من يتصلون بها ويحثونها على الإسراع. بعد نحو عام، تقول إنّ وضعها تحسن كثيراً.
لم تقتصر الرّعاية على العلاج. حصلت طفلتها على الدّعم، وعُرضت على الأسرة مساعدة منزلية، وسُمح لزوجها بالعمل من المنزل، كما أخذ الأطباء في الاعتبار رغبتها المستقبلية في الإنجاب عند اختيار العلاج، وحين تقارن ذلك بوالدتها، الّتي كانت تتلقى علاج السّرطان في أروقة مستشفى سوري مكتظ، تشعر بالحزن على من لا يملك خيار المغادرة.
أنفقت النّمسا 57.8 مليار يورو على الصّحة في 2024، بما يعادل 11.7٪ من ناتجها المحلي الإجمالي، وتحمل القطاع العام 75.7٪ من الإنفاق.
التّأمين يقرّر ما يمكن تأجيله
لا يؤجل شاكر، المقيم في السّعودية، علاجه حتّى زيارة سوريا لأنّه يحمل تأميناً جيداً، لكن الوضع يختلف لدى أصحاب الوثائق الأضعف أو من لا يملكون تأميناً مطلقاً.
تقدّر كلفة الولادة الخاصة من دون تأمين بما بين 10 و15 ألف ريال، وهو رقم لا تؤكده تعرفة وطنية موحدة، لكنّه يقع ضمن بعض الأسعار المنشورة. إذ تبدأ باقات الولادة الطّبيعية من نحو خمسة إلى سبعة آلاف ريال، بينما تتراوح بعض باقات القيصرية بين 12 و15.5 ألفاً.
ويقول إنّ بعض معارفه يؤجلون علاج الأسنان لأنّ وثائقهم لا تغطيه كاملاً، كما يشجع بعض أرباب العمل موظفيهم على تقليل المطالبات خشية ارتفاع كلفة التّأمين. تنصُّ السّياسة السّعودية على توزيع 10٪ من صافي فائض عمليات التَّأمين على حملة الوثائق المستحقين، لكن حامل الوثيقة في تأمين الموظفين قد يكون المنشأة، لا الموظف نفسه.
من يساعد المريض بين نظامين؟
حين يصير الواتسآب بيتًا
28 كانون الثاني 2022
لا يحلّ التّأمين مشكلة اللّغة. تقول لين إنّ خدمات التّرجمة الّتي تقدمها الجمعيات الألمانية أقلّ من الطّلب، ولذلك يستعين حتّى بعض المقيمين منذ عقود بأصدقاء يعيدون صياغة شكواهم "وفق منطق الطبيب الألماني". وقد أحصى مسح للمنظمة الدّولية للهجرة 198 جمعية سورية مسجّلة في ألمانيا، لكن 87 منها فقط كانت نشطة على الإنترنت.
لكن لا تقتصر الظّاهرة موضوع الحديث على السّوريين. تقول ماجدالينا، وهي بولندية تعيش في بريطانيا منذ أكثر من 12 عاماً، إنّها اعتادت تأجيل زيارات الطّبيب ومصفف الشّعر حتّى سفرها إلى بولندا. كانت تدفع قبل عامين نحو 20 جنيهاً إسترلينياً لمعاينة الاختصاصي، مقابل 50 أو 60 جنيهاً في برمنغهام، لكنّها تدفع اليوم نحو 40 جنيهاً في بولندا، ما قلّل حافزها للتّأجيل.
مع ذلك، تبقى المقارنة ناقصة إذا اختزلناها في مغترب يصل إلى عيادة خاصّة في دمشق مع قدرات مرتفعة على الدفع. يأتي مرضى سوريون أيضاً من محافظات تفتقر إلى الاختصاصيين، أحياناً من دون موعد مؤكد، ويمضون ساعات بجانب العيادة على أمل تغيب مريض أو قبول الطّبيب إضافة رقم جديد. وإذا أخفقوا، يعيدون الرّحلة في يوم آخر، متحملين كلفة الطّريق والإقامة وتعطيل العمل، من دون تأمين أو نظام بديل يعودون إليه.
يصبح استمرار المغتربين في القدوم للعلاج أكثر إثارة للاستغراب عند وضعه في سياق انهيار القطاع. ففي أيلول/سبتمبر 2025، قالت منظّمة الصّحة العالمية إنّ 57٪ فقط من المستشفيات و37٪ من مراكز الرّعاية الأولية تعمل بكامل طاقتها، فيما غادر البلاد ما بين 50 و70٪ من القوى الصّحية.
لا تسمح الدّراسات المتاحة بالحكم على كفاءة الأطباء الباقين، لكنّها تثير القلق بشأن تكوين الأجيال الجديدة، فقد رصدت دراسة شملت 1774 طالب طب في جامعات دمشق وحلب وتشرين (اللّاذقية حالياً) مشكلات كبيرة في البيئة التّعليمية، ولا سيما خلال المرحلة السّريرية، بينما قال 64٪ من المشاركين في دراسة أصغر إنّ الموارد التّعليمية تراجعت، ووصف 72٪ دعم الكادر التّدريسي بأنّه محدود.
رغم ذلك، لا يزال بعض المغتربين يضعون موعد الطّبيب داخل برنامج الإجازة. هم لا يعودون لأنّ سوريا تملك نظاماً صحياً أفضل، بل لأنّهم يجدون فيها ما ينقصهم في بلدان الإقامة: موعداً أسرع، وكلفة أقل، وطبيباً يتحدث لغتهم، وفي المقابل، يعود من يواجه مرضاً خطراً إلى النّظام الأكثر قدرة على حمل رحلة العلاج كاملة. بهذه الطّريقة يبقى المرضى يتحركون بين نظامين، محاولين أن يأخذوا من كلّ واحد منهما ما لا يجدونه في الآخر. لهذا فقط يعود المرضى للاستطباب في بلد يغادره أطباؤه.







