مراجعات أفلام في مهرجان البندقية السينمائي 83 .. الفيلم الكوردي العراقي "لن تدخل الجنة إن قتلتك إمرأة"

.. و"حصان بري تسعة" و"امرأة مجهولة"، للمخرجة مي الطوخي


23 أيلول 2026

سليمان عبدالله

صحافي وناقد سينمائي سوري مقيم في برلين

الفيلم الكوردي العراقي "لن تدخل الجنة إن قتلتك إمرأة" (خارج المسابقة)، هلكوت مصطفى

🌕🌕🌗🌑🌑

بعد إنتاج العديد من الأفلام (الوثائقية في جلها، شابت السطحية في التناول معظمها) عن المقاتلات الكرديات ضد تنظيم داعش، في شمال شرق سوريا (روج آفا)، استرعى اختيار مهرجان البندقية هذا الفيلم للمخرج الكوردي هلكوت مصطفى الاهتمام، لتناوله هنا تجربة مقاتلة مفترضة من مقاتلات البشمركة اللاتي قاتلن التنظيم في كوردستان العراق، وإرسال العراق الفيلم للأكاديمية كمرشح العراق لأوسكار أفضل فيلم دولي.

عند زيارة عائلة كوردية مقيمة في النرويج الأهل في كوردستان العراق في 2014، تتعرض المنطقة لهجوم مباغت من داعش، ليُقتل الوالدان، وتتعرض ابنتاهما للخطف كسبايا، قبل أن تتمكن إحداهما، بطلة الفيلم فيان، من الهروب، وتتحول إلى قنّاصة تقاتل على الجبهة مع مقاتلات البشمركة. بعد عودة قصيرة إلى النرويج تواجه فيها ضغوطات من سلطات بلادها، تستعيد فيان آمال فك أسر شقيقتها، عندما تتلقى مكالمة هاتفية منها، لتعود وتتحول إلى مقاتلة (انغماسية) خلف خطوط العدو على جبهة الموصل.

إن كان ثمة ما أنجزه هلكوت في فيلمه هذا، الذي صنعه على نمط (أكشن/دراما)، فهو إخراجه مشاهد قتال ومطاردة مقنِعة، مطولة يُراد لها جعلنا نعيش التجربة، وبلغة بصرية لافتة، رفقة مدير التصوير النرويجي جون إيرلينج هـ. فريدريكسن. كذلك إدارته للممثلة الصاعدة آفان جمال، ومساعدتها على الارتقاء إلى مستوى تحدي حمل مسؤولية فيلم طويل وحدها، بأداء مقنع في دور مضن عاطفياً وصعب جسدياً.

إلا أنه ككاتب سيناريو، لا يبدو متمكناً من حكايته، ميالاً إلى الاستعجال، لا يقدم لنا ما يكفي من عاطفة في الجانب الدرامي من الحكاية، لنشعر مع بطلة فيلمه فيان، ونتوق للحظة تحريرها أولاً وشقيقتها لاحقاً، فيما تبدو الحبكة، خاصة في الجانب القتالي، معتمدة على حلول أسهل مما يجب، حلول جاهزة تنتظر فيان، التي بالكاد تجد صعوبة لإيجادها. وهكذا، تبقى مشاهد القتال قليلة، لا تكاد تُشبع نهم مشاهد/ة يريد الاستمتاع فحسب بفيلم أكشن.

يبدو الفيلم واعداً، للغاية حيناً، في بدايته ونحن نراقب فيان وهي تنخرط مع مجموعة من المقاتلات في اشتباك مع داعش، وتوقف في لمحة بطولية هجوماً مفخخاً، فنترقب باهتمام رحلة هروبها من الأسر، قبل أن يهبط مستوى الفيلم من منتصفه، بعد عودتها إلى كوردستان العراق بحثاً عن شقيقتها، عندما يصبغ هلكوت فيلمه، بطابع خطابي وشعاراتي عن التضحية وتحرر المرأة، ليصبح أقرب لفيلم دعائي، منه لفيلم يرصد تجربة إنسانية، وتصبح المصادفات التي يضعها في طريق بطلته، والحلول أمامها، بسيطة ومتوقعة، وأحياناً لا تصدق، جاعلاً جبهة قتال ومئات الرجال معتمدين على نجاح فيان في تحقيق ما عجزوا عنه لأمد طويل، في فترة بالكاد تذكر… هذا بالنسبة لمشاهد/ة قادم من المنطقة ويعرف تفاصيل الحملات العسكرية ضد داعش، تفاصيل قد لا تلفت نظر مشاهد غربي، رصيده المعرفي عن المنطقة يقتصر على العناوين.

أسئلة سوريا ما انحكت لهلكوت مصطفى خلال مقابلة مشتركة (طاولة مستديرة)

*سؤال افتتاحي عن عنوان الفيلم؟

هلكوت مصطفى: العنوان آت من التجارب التي شاهدتها، إذ كانوا يخافون للغاية من أن يُقتلوا على يد امرأة، خشية عدم دخول الجنة. اخترته كنص يظهر في بداية الفيلم، وأحبه أحد المنتجين، وأراد أن يجعله عنوان الفيلم. فقلت إنه طويل للغاية، فقالوا إنهم أحبوه. كان هناك حوالي ستة أشهر من النقاش، عما إذا كان العنوان طويلاً أو قصيراً .. وأرسلناه للموزع. قال الجميع إنه طويل، لكن لِمَ لا؟ فغيرناه ليصبح العنوان الحالي.

سوريا ما انحكت: هل تم التحقق من ذلك؟ إذ ظهرت الكثير من الشائعات التي ربطت مقولات بداعش، تبين عدم صلتها بأجندات التنظيم.

هلكوت مصطفى: هذا أمر آت من داعش، لذا يكرهون قتال المقاتلات، وكذلك تريد المقاتلات القتال ضدهم. معظم المقاتلات اللاتي التقيتهن كن يعشن حياة اعتيادية قبل أن يسيطر التنظيم على المنطقة، وتغيرت حياتهن في لحظة، ولم يكن لديهن خيار. كان سبتمبر/أيلول 2014، المرة الأولى التي أذهب فيها إلى الجبهات، صحبة مقاتلات، وكان الأمر على نحو، هل هذا ممكن؟

سوريا ما انحكت: شاهدت بالأمس مقابلة مع مقاتلة كوردية ضد داعش في سوريا والعراق تدعى جوانا بالاني، مقيمة في الدنمارك، حيث لاحقتها السلطات هناك قضائياً بعد عودتها، وتحدثت أيضاً عن وضع داعش مبلغ مليون دولار كهدية لمن يقتلها، أمر شاهدناه في فيلمك أيضاً، هل فيلمك مستوحى من قصتها، علماً أنها مقاتلة معروفة وألفت كتاباً عن حياتها.

هلكوت مصطفى: كلا، فيلمي مستوحى من حياة كل المقاتلات اللاتي التقيتهن. لم ألتقِ المقاتلة التي أشرت إليها. كنت على الجبهة، واكتشفت بعد مرور يومين وجود قناصة، لأنهم لا يدعونك تعرف عادة من هي القناصة. فاجأني ذلك، لأنها كانت تبتسم وتصنع الطعام، وتعيش حياة طبيعية، لأكتشف بأنها قتلت الكثيرين.

 سوريا ما انحكت: مقاربتك تقوم على تجسيد أو تجميع شجاعة المقاتلات الكورديات في شخصية واحدة. لدى مشاهدتي للفيلم، بدا وكأنه النسخة الكوردية من فيلم (رامبو) أو (جيسون بورن) الأمريكيين، لدينا شخصية رئيسية، بطلة، قادرة على فعل كل شيء، وقتل الجميع. يهمني أن أعرف أكثر هنا رؤيتك، هل فكرت في جعل الفيلم عن مجموعة من المقاتلات مثلاً؟

هلكوت مصطفى: لم أرد عمل (فيلم) عن مجموعة. صنعت هذا الفيلم عن النساء عموماً، وخاصة عن النساء الكورديات اللاتي قاتلن لسنوات، ليس فقط ضد الظلام بل أيضاً لأجل الأجيال. هذا ليس سهلاً عليهن. هذا ما أراه في شقيقتي ووالدتي، وعلى نحو خاص عندما ينشب صراع حولهن، كالفترة التي ظهر فيها داعش. شاهدت النساء الإيزيديات… أكثر من 2000 منهن (مخطوفات على يد التنظيم) ما زلن مفقودات. لذا استلهمت من كل مكان.

سوريا ما انحكت: وأنت تتحدث مع زميل هنا عن السيناريو، وعن تغيير السيناريو بعد تصوير جزء في النرويج. أتساءل إن كنت قد مررت بمراحل تطوير السيناريو؟

هلكوت مصطفى: نعم لدينا في النرويج تطوير للسيناريو، كان لدينا المرحلة الأولى من التطوير والمرحلة الثانية… وعلى نحو خاص مع فيلم كهذا حيث لديك ما بين 200 و300 شخص في موقع التصوير، وكل الكومبارس والمختصين بالمؤثرات الخاصة. كان لدينا فترة تحضير تقارب العامين، وصورنا الفيلم خلال أربعة أسابيع، بسبب عوامل الأمان و..

سوريا ما انحكت: لدي سؤالان عن التفاصيل، هل صورتم في الموصل في المواقع المدمرة حقيقة؟

هلكوت مصطفى: مواقع التصوير حقيقية، لكننا أعدنا بناءها، وفقاً لصور التقطناها.

 سوريا ما انحكت: نشاهد في بداية الفيلم المقاتلات توجهن مقاتلات (الناتو) كما أسميتها في الفيلم، لتدمر موقعاً يتواجد فيه التنظيم (أمر شاهدناه في سوريا أيضاً)، لكن في الجزء الأخير من الفيلم لا نجد هذه الآلية تُطبق .. سيتوجب على البطلة مواجهة مجموعة من التنظيم رغم معرفة مواقعهن..

هلكوت مصطفى: أجل، لأن الوضع كان مختلفاً في الموصل، لديك مئات الآلاف من المدنيين هناك، لذا لم يقصفها "التحالف الدولي ضد داعش" بالطائرات. هذا يفسر استغراق إعادة السيطرة على الموصل عامين.

تصوير: سليمان عبدالله

"حصان بري تسعة"، مارتن  مكدونا

🌕🌕🌕🌕🌕

بعد أن سحر المشاهدين بفيلمه السابق (حوريات أنشرين) عن رجل أيرلندي يقرر بين ليلة وضحاها مقاطعة صديقه الحميم دون رجعة، يعود المخرج البريطاني مكدونا بفيلم آخر عن الصداقة، لكن هذه المرة يحط رحاله في أمريكا، يرسلنا في رحلة مع رجلين منهكين، عميلي سي آي ايه، يمران بحالة هشاشة، لا يكفان عن الشتم والشكوى فيما تبقى من حياتهما، رغم أن القتل ينتمي لشغلهما اليومي.

كريس (يلعب دوره جون مالكوفيتس) رجل استخبارات عريق شارك في معظم الانقلابات الأمريكية ضد الأنظمة، ويحمل في جعبته بعضاً من أكثر الأسرار خطورة، عن اغتيال الرئيس كينيدي، يكتب مذكراته ويحاول رسم ملامح رحلته الأخيرة في الحياة، وأن يجد معنى لها، ولي (يلعب دوره سام روكويل) يحاول تحقيق أمنية كريس الأخيرة، بألا يتورط في خطط مدير محطتهما الاستخباراتية، الذي يريد نهاية مريحة لحياة كريس.

يستحضر مكدونا أجواء حملات وكالة المخابرات المركزية سي آي إيه، خلال الحرب الباردة، ضد أنظمة ديمقراطية في أمريكا الجنوبية والعالم، تستهدف إسقاطها لكونها يسارية فحسب، ويدع بطلي فيلمه يصلان إلى تشيلي، في العام 1973، قبيل الانقلاب المدعوم أمريكياً على الرئيس المنتخب سلفادور أليندي. ويلمس أسئلة سياسية حول معاداة الفاشية والديمقراطية، ما يجعل الفيلم ذا صلة بواقعنا، لا فيلماً عن تاريخ مضى. مع ذلك لا يلتزم بالصوابية السياسية ويدع بطلي فيلمه يتكلمان كما ينبغي لضابطي سي آي إيه في السبعينيات أن يفكرا.

عندما يصبح بوسع كريس التوقف عن المواربة والترويج المزعوم للديمقراطية، وهو يعد أيام حياته المتبقية، تتخذ مقولاته الصريحة حول نواياهم والمستقبل المظلم الذي يرسمونه لبلدان كتشيلي، بالتعاون مع ديكتاتوريات عسكرية، بعداً ساخراً. أيضاً سيجد نفسه يقلب هو و زميله لي، سؤالاً عما إذا كان ينبغي عليهما اتخاذ قرار أخلاقي مهما تعارض مع سياسات الوكالة، وهما يريان النهاية المحتومة لكل إنسان.

لا يأخذ مكدونا الحكاية بجدية ولا ينبغي على المشاهد أخذها على هذا النحو، ويمحص واقعيتها، بل الاستسلام لهذا العالم، غريب الأطوار.  يتنقل مكدونا بفيلمه برشاقة بين الإثارة والكوميديا السوداء، بسيناريو ممتاز، وحوارات طريفة وذكية تعلق في الذاكرة، لعل ألذها تلك المتعلقة بالصلة بين الديمقراطية والجبن والمثلية، التي دفعت جمهور العرض الافتتاحي للفيلم في البندقية لإطلاق العنان لضحكاتهم.

يساعده في ذلك جون مالكوفيتش الذي يجعل الفيلم متماسكاً بأداء قوي، ويضع نفسه منذ الآن مرشحاً بارزاً لجوائز أفضل ممثل رئيسي في موسم الجوائز القادم. هناك تناغم أخاذ لا تخطئه عين أيضاً بينه وبين سام روكويل، رغم عدم وجود وقت كاف للبروفات كما ذكر مالكوفيتش في مؤتمر صحفي، يخلق شعوراً بأن دقائق الفيلم مضت بسرعة، مع ذلك، يعرف ماكدونا متى ينهي حكايته في الوقت المناسب، دون أن يسمح لأي إطالة أن تتسبب بترهل النضج الذي وصل بفيلمه إليه.

(امرأة مجهولة)، للمخرجة الدنماركية، من أصول مصرية - مي الطوخي

🌕🌕🌕🌕🌑

كمخرجة وحيدة مشاركة في مسابقة البندقية، أحاط الحديث عن النساء والنسوية بهذا الفيلم كصناعة وكموضوع، وأثار نقاشاً حول جدارتها بأسد البندقية الذهبي، وعن تفادي النقاد والدوريات السينمائية وصف أي امرأة بعبقرية في السينما، كما ورد على لسان مي.

هذا فيلم حقبة تاريخية، جذاب، مهم، ليس مريحاً للمشاهدة في كل لحظاته، وربما عليه أن يكون على هذا النحو، تعود فيه المخرجة مي إلى الدنمارك مع اندحار النازية، وتجعلنا نعايش واقع نسائها، تجري جردة حساب سينمائية مع بلادها، التي أثخنت جراح نسائها أكثر.

يسائل الفيلم مبادىء العدالة التالية لفترات الاحتلال والدكتاتورية، عندما يحقق المنتصرون (المقاومة في هذه الحالة) العدالة المعتلة، ويحصل المحظيون من الرجال على معاملة تمييزية، تغفر زلاتهم، وتتعامى عن سقطاتهم، فيما توضع النساء تحديداً تحت المجهر بحثاً عما يدينهن.

هذا فيلم نسوي درامي، عن إلقاء اللوم على النساء كمتعاونات مع النازيين، يجعلنا نشاهد من المسافة صفر حلق شعرهن في الشارع، وتمزيق ثيابهن ورسم الصليب النازي على أجسادهن.

بعد وصول ماري إلى منزل سيدها، صاحب معمل قفازات ثري، وعملها كمدبرة منزل، تشعر بأن الحظ ابتسم لها أخيراً، مع وفاة زوجته مرضاً وقراره الارتباط بها. فيما تتلمس طريقها على السلم الاجتماعي نحو المجتمع الراقي، تتعثر بصديق سابق يعرف ماضيها مع النازيين. عندما يظهر صليب نازي ضخم على باب العائلة سيتوجب على ماري إنقاذ رأسها وحلمها الذي بات يتفتت بين يديها.

فيما يحاول كل الرجال المحيطين بماري، صديق الطفولة وزوج المستقبل وحتى خياطها ممارسة (ملكيتهم) لجسدها وحياتها، تريد لنا مي أن نرى، دون أن تفصح عبر حوارات أو شعارات، بل بطريقة غير مباشرة، خفية، أنه:  لكي تنجو امرأة محدودة الخيارات في ذاك العصر، كان عليها أن تخاطر بالمضي، وإن كان دون قصد، على جثث نساء أخريات، وأن تتعايش مع الذنب لما تبقى من حياتها… هذه دراسة لشخصية امرأة، تتعايش مع الرعب، في عالم لا يعرف المثالية، عالم تُعتبر فيه المساواة النسبية بين الجنسين، ضرباً من القفز إلى القصص الخيالية.

ماتيلدا أرسيل، التي نالت جائزة أفضل ممثلة، وبالكاد تغادر فيه الشاشة، تؤدي باقتدار الدور، في أداء مقتصد، يوصل تضارب المشاعر التي تمر بها الشخصية، اللطف حيال الآخرين، حتى من يضعون حياتها في خطر، والقساوة التي تفرضها غريزة البقاء.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد