فروق الرواتب في القطاع العام في سوريا .. ساحة الصراع الصامت بين الموظفين القدامى والجدد


25 أيلول 2026

كمال شاهين

صحفي وكاتب سوري

في كل مرة تتلقى فيها رنا إشعاراً بوصول راتبها عبر تطبيق (شام كاش)، يدفعها الفضول إلى البحث في القوائم الإلكترونية عن راتب مديرها الجديد الذي استلم موقعه منذ حوالي العام، ولكنها لا تعثر له على اسم.

تنتمي رنا إبراهيم (اسم مستعار بناء على رغبتها)، خمسينية العمر، الموظفة في مديرية الشؤون الاجتماعية في اللاذقية إلى فئة موظفي الفئة الأولى، أي أولئك الحاصلين على شهادة جامعية عن دراسة خمس سنوات، وهي تحتل موقع مديرة قسم منذ عدة سنوات، شأنها شأن المدير الجديد، رغم عدم حمله أي شهادة جامعية.

لم تعد قضية الشهادة الجامعية مهمّة في العديد من تعيينات الحكومة الانتقالية في مؤسسات القطاع العام، "حتى أنّ هناك موظفين في مواقع مسؤولية تنفيذية لم يتجاوزوا التعليم الثانوي"، وفق ما تقوله السيدة في حديثها مع سورية ما انحكت، مفضّلة عدم ذكر أسماء.

تلقت رنا هذا الشهر راتبها في موعده  في 26 آب/أغسطس، في حين تأخر الشهر الماضي حتى الثلاثين منه: "لا يهم، المهم وصل". بلغ راتب السيدة المتزوجة 17328 ليرة سورية جديدة (ما يعادل نحو 1.73 مليون ليرة بالعملة القديمة، أو حوالي 131 دولاراً بسعر الصرف السائد)، وصلها في موعده كما تقول لكي: "ندفع فاتورة الكهرباء عن الدورة الأولى لهذه السنة (كانون الثاني وشباط)، أتعرف كم تبلغ؟ مليون ومئة ألف على العملة القديمة، سيكفيها الراتب، وسيبقى معي ما يكفي لجلب أغراض للبيت، تكفينا عدة أيام".

في المؤسسة التي تعمل بها رنا هناك موظفون وموظفات جدد جاؤوا من خارج المحافظة وخارج (الملاك) كما تقول ولكنهم: "يقبضون بالدولار"، لا تمتلك السيدة تأكيداً على كلامها سوى "ما يقوله الموظفون والموظفات، وعدم ورود أسمائهم في جداول الرواتب".

حتى نهاية العام الماضي كان كلام رنا عن القبض بالدولار صحيحاً إلا أنّ الحكومة الانتقالية السورية الجديدة بدأت صرف الرواتب والأجور بالليرة السورية بدلاً عن الدولار منذ مطلع العام 2026، وذلك لتوحيد سلالم الرواتب بعد عام من صرف الرواتب بالعملتين، وفق مصادر متعددة أشارت إلى أنّ "رواتب العاملين في وزارتي الدفاع والداخلية تُصرف حالياً بالليرة، وبقيت قيمة الرواتب على حالها، لكن تُحتسب بالدولار وفق سعر السوق الموازية"، أي السوق السوداء بواقع 1320 ليرة جديدة مقابل الدولار، ويشمل هذا التحول رواتب موظفي (حكومة الإنقاذ) سابقاً والعقود الجديدة التي توقعها الحكومة أو الوزارات مع الأفراد أو أصحاب الخبرات الذين يُسمون مستشارين.

فروق مستمرة بين موظفي الحكومتين، الانتقالية والإنقاذ

لم يختفِ فارق الرواتب بين موظفي أجهزة الدولة السورية (القدامى) وموظفي حكومة الإنقاذ التي حكمت منطقة إدلب منذ خريف العام 2017، وتولّت بعد سقوط النظام السابق في ديسمبر/كانون الأول 2024، إدارة المرحلة الانتقالية وتسيير أعمال الوزارات في دمشق. جرى دمج جزء من موظفي (الإنقاذ) في الإدارات الحكومية في مختلف أنحاء سوريا ليحتلوا مناصب إدارية وتنفيذية كثيرة.

تؤكد التعليمات التنفيذية للمرسوم رقم 67 لعام 2026، الصادر عن حكومة دمشق الانتقالية، المتضمن زيادة الرواتب للقطاعات الثلاثة ـ العام والخاص والتعاوني، بنسبة خمسين بالمئة، وجود هؤلاء في كيان الدولة السورية عبر استثنائهم من الزيادة السابقة، وذلك في مادته الثانية: "يُستثنى العاملون المدنيون والعسكريون المشمولون بأحكام قانون العاملين الأساسي رقم 53 لعام 2021 الصادر عن حكومة الإنقاذ السابقة من نسب الزيادة العامة".

وعن سبب استثناء هؤلاء الموظفين من الزيادة الأخيرة، يوضح سلّم رواتب هذه الحكومة في (قانون العمل 53 لعام 2021 الصادر عن حكومة الإنقاذ) أنّ أجور موظفيها خاضعة لسلّم مالي منفصل ومرتفع بالأصل، تتراوح الرواتب فيه بين 100 و 400 دولار أمريكي بحسب الرتبة والدرجة الوظيفية والشهادة، أي أضعاف الرواتب الحكومية لموظفي دمشق، ومع ذلك، ووفقاً للتعليمات التنفيذية للمرسوم السابق الصادر عن وزارة المالية في الحكومة الانتقالية بدمشق، فقد أُعفي هؤلاء من الاقتطاعات والمساهمات مؤقتاً لحين صدور تعليمات جديدة (المادة 2 من المرسوم).

فارق الأجور هذا أو الفجوة في الأجور بين موظفي حكومة دمشق وموظفي حكومة الإنقاذ السابقة (المعتمدين على القانون 53) تقلّص بشكل ملحوظ وفق دراسة نشرها المركز السوري لبحوث السياسات (SCPR) وقد أعدها كلٌّ من الخبيرين، زكي محشي ومحمد علبي، ليصل إلى نحو 143% في النصف الثاني من العام 2025 والثلث الأول من عام 2026، وذلك بعد أن كان الفارق يتجاوز 500% في السنوات السابقة.

وفيما لا يزال قانون العاملين الأساسي رقم 50 هو الإطار الأساسي الناظم للرواتب ويربط الأجر بالدرجة الوظيفية والأقدمية والشهادة والخبرات ولا يسمح بالتعيين المباشر بأي شكل، يبقى القانون رقم 53 لعام 2021، الصادر سابقاً عن (حكومة الإنقاذ)، التابعة لهيئة تحرير الشام في إدلب، مستخدماً كمرجعية إدارية لتسوية أوضاع وتحديد رواتب الموظفين والدبلوماسيين الجدد، رغم كونه تشريعاً استثنائياً، صُمم لإدارة المؤسسات ضمن مناطق المعارضة سابقاً، بدليل أنه يسمح بتعيين الموظفين بأوامر مباشرة بدل المسابقات الوظيفية المعلنة رسمياً، إضافة لتحديد الراتب بالدولار الأمريكي، وبرواتب أعلى بأضعاف من الرواتب الحكومية في دمشق.

تعتمد المنظومة الإدارية، وفق مصادر إعلامية محلية، على آلية التفاف تستغل استمرار سريان القانون 53 في مناطق دمشق، عبر ثغرة واضحة، هي "استقالة" الموظف/ة من الوظيفة الحكومية الأصلية بموجب القانون 50، ومن ثم "المباشرة" والتعيين بموجب القانون 53 مما يضمن راتباً مضاعفاً له، مع ميزات التعيين المباشر في مناصب إشرافية، متجاوزاً بذلك مسابقات التوظيف الرسمية ومتطلبات التحقق من المؤهلات العلمية، لتشمل حتى الشهادات الممنوحة بالمراسلة دون تدقيق (وقد أثيرت ضجة حول تعيين عدد من هؤلاء في مواقع قيادية كما هو الحال في وزارة التعليم العالي). في المقابل، يفقد الموظف أمان الوظيفة الدائمة والحقوق التقاعدية، ويواجه مخاطر قانونية مرتبطة بإنهاء خدمته تعسفياً تحت مظلة العقود المؤقتة للقانون 53.

رواتب حكومة الإنقاذ كلّفت الخزينة السورية وحدها، وفق قول الخبير الاقتصادي محمد علبي، لسوريا ما انحكت نحو "390 مليون دولار عام 2025، ومن المتوقع أن يزيد المبلغ في 2026، وهو رقم ضخم في اقتصاد يعاني أصلاً من عجز مالي وانكماش إنتاجي".

فروق أخرى داخل صفوف القدامى

كان متوسط رواتب القطاع العام في العام 2010 يعادل ضعفي ما هو عليه اليوم، وسجل معدل التضخم السنوي نسبة مستقرة بلغت 4.4%، لكن مع اندلاع الحرب وتدهور الاقتصاد، تراجعت قيمة الرواتب بشكل حاد، إذ أفضى التضخم المتسارع في العام 2022 إلى حصول أكثر من مليون موظف عمومي على مبلغ يتراوح بين 20-33 دولاراً فقط شهرياً، بينما بلغت تكلفة السلة الغذائية المعيارية لأسرة من خمسة أفراد 67 دولاراً، وفق ما نقل مركز كرم شعار للدراسات الاقتصادية.

وفي العام 2025، قفزت فاتورة الأجور العامة في سوريا إلى 15.6 تريليون ليرة سورية (قديمة)، بزيادة بلغت حوالي 115% عن العام السابق، وفقاً للمركز السوري لبحوث السياسات. وجاءت هذه القفزة مدفوعة بزيادة رواتب موظفي الدولة بموجب المرسوم رقم 67، الذي رفع متوسط رواتب القطاع العام إلى ما بين 80 و100 دولار، أي ما يعادل نصف ما كان عليه في العام 2010.

يصف أحد الخبراء الذي عاد من الغرب قبل عدة أشهر، ليعمل مستشاراً في وزارة الإعلام، تجربته لسوريا ما انحكت (مفضلاً عدم كشف هويته): "عدت لأشارك في بناء شيء جديد، لكني فوجئت بأن راتبي الشهري، الذي يبلغ نحو 10000 ليرة جديدة (ما يعادل 700- 800 دولار)، لا يكاد يغطي إيجار شقة لائقة في دمشق، ناهيك عن تكاليف المعيشة اليومية".

هذه الزيادة، التي بلغت نسبتها 200%، خففت العبء الاقتصادي الكبير عن مئات الآلاف من العائلات، لكنها لم تكن كافية لمواكبة التضخم المتواصل. ففي العام 2026، أشارت تقديرات المركز السوري لبحوث السياسات إلى استقرار التضخم عند مستويات مرتفعة تتراوح بين 40% و50%، بعد موجات التضخم الجامح التي سبقت المرحلة الانتقالية، مما يعكس مشهداً مالياً متبايناً بشدة بين الأجور وتكاليف المعيشة.

لم تأتِ هذه الزيادات من فراغ، ففي يناير/كانون الثاني 2025، أعلنت الحكومة الانتقالية عن زيادة بنسبة 400% في الرواتب، قبل أن تتراجع إلى 200% بعد أن كشفت تدقيقات كشوف المرتبات عن وجود نحو 400000 موظف وهمي على كشوف الدولة، كانوا يتقاضون رواتب دون حضور أو دوام فعلي، ومع أن هذا التدقيق صحّح فاتورة الأجور جزئياً، إلا أن الفجوة بين رواتب الموظفين القدامى والجدد ظلت قائمة، بل وتعززت مع قرارات الفصل وإعادة التوظيف التي أعادت تشكيل الفئات الوظيفية. وبينما فُصل آلاف الموظفين بتهم الفساد أو التواطؤ، أُعيد توظيف آخرين كانوا قد طُردوا في عهد النظام السابق، مما خلق طبقات وظيفية جديدة لم تكن موجودة سابقاً، أضافت تعقيداً إضافياً إلى مشهد الرواتب.

الزيادة النوعية.. ليست نوعية

وفيما تسببت زيادة أسعار الخدمات الأساسية، إضافة للتضخم المتسارع، بالتهام جزء كبير من زيادة الراتب الأخيرة، فإنّ الزيادة التي تلت عبر المرسوم رقم 68 وسميّت "نوعية"، شملت عدداً مُحدداً من الوزارات والهيئات الاعتبارية، وتسببت بحدوث فوارق "نوعية" في رواتب موظفي نفس الفئة بين الوزارات المختلفة.

مآسي عاملات الريجي في الساحل السوري

22 تشرين الثاني 2025
"الراتب كان يردنا عن الشحادة، يعني بالكاد يكفي. السؤال الأهم: شو بدنا نعمل هلا؟" هذا ما تقوله إحدى العاملات اللواتي قضين أكثر من عقدٍ من الزمن بين جدران المعمل، يعالجن...

يشرح المهندس مروان الكاجو (35 عاماً) من مديرية صحة حلب الوضع: "نال المهندسون العاملون في الجامعات والمعاهد التقانية تعويضات أعلى تصل إلى 48,000 ليرة مقارنة بـ 35,700 ليرة لمهندسي وزارة الصحة، أي أنّ الفرق يصل إلى قرابة مئة دولار لأعمال متشابهة غالباً".

يظهر الأمر بشكل أوضح إذا قارنا نسب الزيادة لموظفي الفئة الثانية (حملة المعاهد والشهادات الثانوية) في وزارتي التربية والصحة، وكلاهما نالا حصة الزيادة النوعية، بينما كشفت المقارنة عن فروق ملحوظة بين قطاعي الصحة والتربية عقب تطبيق الزيادة المقطوعة أولاً ثم الزيادة النوعية ثانياً.

منح المرسوم 67 زيادة عامة موحّدة بنسبة 50% على الرواتب المقطوعة الأساسية للجميع، مما أدى إلى تطابق الأرقام الاسمية المبدئية للفئة الثانية في الوزارتين: راتب بدء التعيين (الأساسي): ارتفع إلى 13,400 ليرة سورية جديدة، وسقف الفئة الثانية: تم توحيده عند 31,200 ليرة سورية جديدة قبل حساب التعويضات الخاصة.

عند تطبيق جداول المرسوم 68 في مايو/أيار 2026، برزت فجوة واضحة لصالح وزارة التربية والتعليم على حساب الكادر التمريضي والفني في وزارة الصحة للفئة الثانية: يتقاضى ممرض/ة 26,000 ليرة جديدة (إجمالي الراتب الممنوح) ويتقاضى معلّم معهد 34,000 ليرة جديدة (إجمالي الراتب الممنوح)،  وبالتالي هناك فرق 8,000 ليرة عن الممرض أو الفني المقابل له بالصحة، أما الكادر الإداري (الإداريون والمستخدمون) في الوزارتين فقد عانوا ويعانون من التهميش بسبب حصر الزيادة النوعية بالكوادر المهنية التخصصية.

احتجاجات عمالية ولا استجابة حكومية

لكن التمييز لم يتوقف عند حدود الوزارات، ففي وزارة التعليم العالي نفسها، أثارت الجداول الملحقة بالمرسوم 68 موجة من الاعتراضات والاحتجاجات في يونيو/حزيران الماضي، إذ اقتصرت الزيادة النوعية على الهيئة التدريسية والكوادر الطبية في المشافي الجامعية، بينما استُبعد الجهاز الإداري والفني بالكامل.

تركزت المطالب على توحيد نسبة تعويض "طبيعة العمل والاختصاص" لجميع المهندسين في شتى القطاعات الخدمية، ورفع أجورهم أسوةً بنظرائهم في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الذين وصلت أجورهم إلى 48000 ليرة جديدة، تزامناً مع رفع مجلس الخزانة المركزي، التابع لنقابة المهندسين الزراعيين، رواتب المتقاعدين بنسبة 50٪ للمهندسين المتقاعدين والورثة، كدعم مالي لمواجهة التضخم.

وحتى المقترحات البديلة، كمنح تعويض إضافي بنسبة 25% مع الإبقاء على زيادة الأجر بنسبة 50% وفق المرسوم 67، لم ترقَ إلى مستوى تطلعات الموظفين، معتبرين أنها لا تعالج الفجوة الأساسية. ووصل الأمر إلى حد تنظيم اعتصام سلمي داخل مبنى وزارة التعليم العالي وفق ما نقلت وسائل إعلام محلية، لكن الأنباء أشارت إلى توجه الإدارة لاتخاذ عقوبات مسلكية بحق المشاركين، مما أثار مخاوف نقابية حول آليات التعبير عن المطالب العمالية في المرحلة الانتقالية.

الباحثة الاقتصادية الدكتورة رشا سيروب قالت لسوريا ما انحكت:"جعلت وزارة الصحة الفرق بين الممرضين والفنيين والطبيب المقيم للاختصاص (مرحلة دراسية) أكثر من مليوني ليرة، فيما كانت الفروق مع باقي الأطباء تصل حتى عشرة أضعاف الأجر، هذا يظهر الفجوة الكبيرة والتمييز والانحياز من قبل الوزير، كونه طبيباً، تجاه الأطباء، حد تجاوز راتب الطبيب، راتب عميد في الجامعة، وفق القوائم التي نشرتها وزارة التعليم العالي". وأكملت، معلقة على نشر وزارة التربية قوائم الزيادة النوعية للمعلمين، دون أن تقدم وزارة الصحة على ذلك: "لم تظهر فروق كبيرة بين طبقات وزارة التربية، حيث لم يتجاوز الفرق بين معلم الابتدائي ومدير التربية مبلغاً أقل من مليوني ليرة (140 دولاراً)، هذا ليس ظلماً وإنما فشل إداري وتفريغ لمحتوى المرسوم 68 من مضمونه".

جفاء في العلاقات بين القدامى والجدد يخلقه تباين الرواتب

في الممرات الضيقة لمديرية الشؤون الاجتماعية، تلتقي رنا بزميلها الجديد "أبو فلان" الذي حلّ مكان مدير قسم قُتِل في مارس/آذار الماضي، خلال مجازر الساحل. لا تتبادل رنا معه كلاماً أبعد من "صباح الخير" الجافة، كما تقول لنا. "نحن لا نعرفه، وهو لا يعرفنا. لا يجلس معنا في الغرفة نفسها، ولا يشاركنا الحديث عن العمل أو أحوال العائلة. هو في منصبه، ونحن في مناصبنا، وهذا كل شيء". يغادر أبو فلان مكان عمله مبكراً قبل الجميع. "مدعوم" تقول رنا وهي تنتظر مجيء دفتر الدوام كي توقع عليه.

في وزارات ومؤسسات أخرى، تتخذ العلاقة بين "القدامى" و"الجدد" أشكالاً مختلفة. ففي المستشفى الوطني في اللاذقية يروي لنا ممرض (فضل عدم كشف هويته) كيف أن الأطباء والممرضين الجدد القادمين من خارج الملاك يتعاملون معنا وكأننا موظفون في نظام سابق، يجب إعادة تأهيلهم قبل أن نُعتبر شركاء في العمل". يضيف: "هناك نظرة مش ولا بد، وكأن من بقي في وظيفته طيلة سنوات الحرب كان متواطئاً، بينما من غادر إلى الشمال كان بطلاً".

وتظهر الصورة الأكثر تعقيداً في الأحاديث الجانبية اليومية، فبعض الموظفين القدامى يلجأون إلى ما يشبه المقاطعة الصامتة: يحاولون تجنب مشاركة الموظفين الجدد معلومات عن سير العمل، وعدم توجيههم في حال ارتكابهم أخطاء. يقول موظف قديم في الشؤون الاجتماعية، طالباً عدم كشف هويته: "لماذا عليّ مساعدة شخص يتقاضى ضعف راتبي ويجلس في مكتب أفضل من مكتبي؟ دعه يتعلم بمفرده، فهذا أقل ما يمكنني فعله".

في المقابل، يرى أحد الموظفين الجدد (يعمل في مديرية الشؤون الاجتماعية في اللاذقية) أنّ العلاقة متوترة لكنها ليست عدائية: "نحن نعلم أن رواتبنا والفروق مع الموظفين القدامى تثير الاستياء، لكننا لم نأخذ هذه الوظائف بأنفسنا، نحن هنا بتكليف. لا نريد أن نكون سبباً في خلق عداوات، لكننا أيضاً لا نستطيع الاعتذار عن راتبنا، لدينا أيضاً عوائل والتزامات. العدالة هنا مشكلة الدولة وليست مشكلتنا".

وتظهر الصورة الأكثر تعقيداً في الأحاديث الجانبية اليومية، فبعض الموظفين القدامى يلجأون إلى ما يشبه المقاطعة الصامتة: يحاولون تجنب مشاركة الموظفين الجدد معلومات عن سير العمل، وعدم توجيههم في حال ارتكابهم أخطاء. يقول موظف قديم في الشؤون الاجتماعية، طالباً عدم كشف هويته: "لماذا عليّ مساعدة شخص يتقاضى ضعف راتبي ويجلس في مكتب أفضل من مكتبي؟ دعه يتعلم بمفرده، فهذا أقل ما يمكنني فعله".

هذه الديناميكيات اليومية، التي لا تظهر في التقارير الرسمية، ولا في جداول الرواتب، تتسبب بعدم انتظام في نسيج العمل المؤسسي كما يقول الخبير الاقتصادي زياد عربش في تصريح لسوريا ما انحكت، كما أنها "تخلق بيئة تسودها الريبة، وغياب الثقة، وانخفاض الإنتاجية". ويرى عربش أنّ "الفجوة المالية تخلق فجوة نفسية واجتماعية، وتتحول المؤسسة من مكان للتعاون إلى ساحة للصراع الصامت".

على جانب الخبراء… احتجاجات ضمنية

في الجانب الآخر من المعادلة، يقف سوريون استجابوا لدعوات الحكومة الانتقالية للعودة من الخارج، بعد سنوات من الغربة أمام معادلة شائكة تتطلب منهم اتخاذ قرار صعب. يصف أحد الخبراء الذي عاد من الغرب قبل عدة أشهر، ليعمل مستشاراً في وزارة الإعلام، تجربته لسوريا ما انحكت (مفضلاً عدم كشف هويته): "عدت لأشارك في بناء شيء جديد، لكني فوجئت بأن راتبي الشهري، الذي يبلغ نحو 10000 ليرة جديدة (ما يعادل 700- 800 دولار)، لا يكاد يغطي إيجار شقة لائقة في دمشق، ناهيك عن تكاليف المعيشة اليومية".

ويضيف: "ما يزيد الطين بلة، أن العقود التي توقعها الحكومة مع الخبراء العائدين مؤقتة، ولا تمنحنا أي تأمين صحي أو تقاعدي. نحن نعيش على وعد، وليس على مؤسسة. هذا يجعل البقاء في سوريا قراراً صعباً، خصوصاً لمن لديه عائلة".

ليست حالة الخبير استثنائية؛ فهناك عشرات ممن تواصلت الحكومة الانتقالية معهم في أوروبا والخليج ودعتهم للعودة إلى البلاد، لكن معظمهم رفض بسبب تدني الرواتب المعروضة مقارنة بما يتقاضونه في الخارج، وعدم وجود ضمانات استقرار وظيفي. أما الذين عادوا، كشأن الخبير الإعلامي المذكور أعلاه، فإن منهم من بات يفكر مجدداً في المغادرة، لا بسبب الأوضاع الأمنية، بل الفجوة بين الراتب الذي وُعدوا به وتكاليف المعيشة الفعلية في سوريا.

لكن الحكاية لا تقف هنا فقط، إذ يتقاضى بعض الخبراء العائدين أضعاف ما ذكره الخبير السابق. وحسب قول علبي، فإنّ "هناك من يتقاضى في سوريا عشرة آلاف دولار راتباً شهرياً، هذا لا يحصل حتى في ألمانيا في مؤسسة قطاع عام! هؤلاء يُمَّوَلون من جيب المواطن، وعلى حساب زملائهم، الذين يفوقونهم كفاءةً وخبرة في معظم الحالات".

رفاهية استقدام موظفين برواتب خيالية لا تبدو مقدورةً عليها في سوريا. يشير جوزيف ضاهر في مقال له على سوريا ما انحكت إلى أنّ تحصيل الإيرادات في الغالب يتركز على الضرائب غير المباشرة والرسوم الجمركية المرتبطة بالاستهلاك والتجارة.

وفيما شكلت الرسوم الجمركية المصدر الأكبر لإيرادات الدولة بقيمة 1.079 مليار دولار أمريكي، أي ما يعادل 40% من إجمالي الإيرادات، ولم تتجاوز الإيرادات من الضرائب والرسوم غير الجمركية 252 مليون دولار أمريكي، أي 9% فقط من إجمالي الإيرادات، أشار تقرير الأداء المالي للنصف الأول من 2026 الصادر عن وزارة المالية، إلى صرف الدولة حوالي 3.7 مليار دولار، خلال الأشهر الستة الأولى من العام، على الشكل التالي: 36% رواتب وأجور و28% نفقات إدارية و 28% نفقات استثمارية و 9% دعم وضمان اجتماعي، مما يعني أنّ أكثر من مليار دولار صُرفت كرواتب وأجور، وهي نسبة عالية جداً مقارنة بألمانيا حيث تشكل كتلة الرواتب حوالي 9%، وتركيا 25%، والأردن 17%.

وفي ظل غياب بيانات عن عدد موظفي الدولة ومتوسط رواتبهم وتوزيعهم، يصبح تحليل حقيقة استهلاك هذا الرقم غير ممكن؛ أي أن تمويل الوظائف عالية الرواتب، يأتي من مطارح ضريبية غير إنتاجية، ومن جيب المواطن الذي يعيش حياته اليومية على راتب لا يتجاوز 114 دولاراً.

تبقى الأسئلة مفتوحة، وليس أمام الموظفين ولا الخبراء ولا حتى صانعي القرار إجابات واضحة عنها: هل ستظل الفجوة في الرواتب عنواناً لسوريا الجديدة، كما كان الفساد عنواناً لسوريا القديمة؟ أم أن الدولة في لحظة تأسيسها الجديدة، قادرة على إعادة النظر في كل ما أنتجته من مراسيم وجداول، قبل أن يصبح التمييز الوظيفي نظاماً جديداً؟

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد