دمشق – ديريك (المالكية) في قرية جمّ شرف بريف مدينة ديريك (المالكية) الواقعة أقصى شمال شرقي محافظة الحسكة، المتاخمة للحدود التركية شمالاً؛ لم يتبقّ من غابات الأشجار المثمرة والحراجية سوى بقايا مقتلعة وأغصان متيبسة وقشور جذور متناثرة على الشريط الأخضر الذي يقع على سرير نهر دجلة. مئات الأشجار الأخرى تنتظر مترقبة تعرضها للقطع الجائر، الجاري في سياق العمل العشوائي، دون رقيب، لمقالع الرمل والكسارات.
على مقربة من نهر دجلة، نشاهد جرافة وآليات ثقيلة تمضي في تجريف المكان دون اكتراث بالأشجار الباسقة، والينابيع الجارية ومصادر المياه، فتغتال خضرة الأرض والبيئة الزراعية وحكايات زمن مضى. على بعد أمتار من المكان؛ حفرت الجرافة بعمق ثلاثة أمتار بالقرب من شجرة صنوبر عالية، بحثاً عن أحجار من حصى ورمل دون جدوى، لكن الحفرة وصلت إلى جذور الشجرة وكسرت بعضاً من أغصانها، في مشهد يتكرر كثيراً في تلك المناطق.
تشويه وتدمير الطبيعة..
تعرضت أجزاء كبيرة من الغطاء النباتي في قرى عين ديوار و جّم شرف و زهيري، المطلة على نهر دجلة، وبطول يمتد لنحو خمسة وعشرين كيلو متراً لتعديات هائلة، بفعل اقتلاع آلاف أشجار الصنوبر والفاكهة خلال السنوات الأخيرة؛ بعد انتشار مشاريع مقالع الرمال وزيادة النشاط البشري على طول ضفاف النهر، وزيادة الطلب على الحصى، التي يعتمد عليه قطاع البناء المحلي، ما أدى لتشويه الغطاء النباتي وتدمير الزراعة.
تلك القرى الحدودية كانت معروفة بأشجارها المثمرة مثل العنب والتين والرمان والزيتون والتفاح والدراق والجوز وغيرها من أشجار الفواكه، إلى جانب الأشجار الحراجية والنباتات النهرية التي تنمو طبيعياً على سرير النهر، كما كانت تشكل فسحة خلابة للزائرين ومتنفساً للسياحة الداخلية لأبناء المنطقة والمغتربين، وسط تضاريس يغلب عليها الطابع الصحراوي والمناخ الجاف ودرجات الحرارة المرتفعة.
دمار الغابات في الساحل السوري
16 كانون الثاني 2025
وتعد قرى عين ديوار و جّم شرف مقصداً سياحياً وتاريخياً مهماً لاحتوائها على الجسر الروماني الأثري، وإطلالتها الحدودية الساحرة، لا سيما في فصل الربيع، لكنها تشوهت جراء أنشطة الكسارات والمقالع، والتلوث الغباري للشاحنات مما أضر بمظهرها الجمالي وأبعد عنها المتنزهين.
وبحسب الأهالي اشترت شخصيات متنفذة في الآونة الأخيرة مساحات واسعة من الأراضي من ملاكها على ضفاف نهر دجلة، قصد استثمارها، عبر تحويلها إلى مقالع للرمل والحصى. يقول "ه" المتحدر من قرية زهيري، مفضلاً عدم الكشف عن هويته، لسوريا ما انحكت إنه باع قطعة الأرض التي يمتلكها وتقدر بنحو عشرة دونمات، كحال غالبية سكان القرية: "نعم قمنا ببيع أراضينا لأصحاب المقالع وبمبالغ مالية كبيرة، فالجفاف والتغير المناخي أثرا في طبيعة المنطقة، ومواسم القمح والشعير كانت تكبدنا خسائر كبيرة".
من منطقة مرتفعة في قرية زهيري، المطلة على نهر دجلة كان بالإمكان مشاهدة عشرات المقالع والكسارات المنتشرة على سرير ضفتها، محولة أراضيها إلى أكوام من الحصى ومرتفعات من الأتربة وبرك لمياه التصفية.
وذكر "ه"، وغيره من أصحاب الأراضي أن سعر تأجير الدونم الواحد (ألف متر مربع) بين المالك وصاحب المقلع، يتراوح بين ألفي وثلاثة آلاف دولار أمريكي وسطياً، بعقد مدته عامان، يُخوّله استجرار التربة وتوسيع عمليات الحفر التي قد تصل إلى عمق خمسة أمتار للوصول للحصى والرمل، بغية تصفيتها وبيعها في الأسواق المحلية. وتابع "ه" حديثه: "يطلب العقد من صاحب المقلع أن يعيد الأرض كما كانت عليه بعد انتهاء مدة العمل، حيث يقوم بجمع التربة على جانبي الأرض، بعد سحب واستجرار الحصى والرمل، فيعيدها كما كانت".
ويشير هذا المزارع الكردي إلى أن الاتفاق يشترط "عدم قطع الأشجار" أو العبث بها موضحاً: "توجد عندي شجرة تين واحدة في أرضي، طلبت من صاحب المقلع الحفاظ عليها ولا تزال في مكانها، أما النباتات النهرية فعمرها قصير قمنا باقتلاعها على أن نزرعها لاحقاً بعد استصلاح الأرض". و يتناقض هذا مع الواقع، ومع تحول مئات الدونمات الزراعية إلى أراض خالية من الأشجار والغطاء النباتي.
خرجت هذه المناطق عن أي إشراف حكومي مع بداية الحرب سنة 2012، وكانت حتى الأمس خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية المنحلة، قبل أن تندمج مؤخراً مع مؤسساتها المدنية في الجيش السوري ودوائر الدولة. غير أن المنطقة بقيت إدارياً خارجة عن نطاق سيطرة السلطة ولا تخضع للقوانين المحلية، التي تُجرِّم التعدي على البيئة وقطع الأشجار الحراجية والمثمرة، مما سمح لأصحاب تلك المقالع والكسارات بتوسيع نشاطهم التجاري.
إنذارات تهدد أشجار البجاع
على مدى عقود تعرضت الغابات والغطاء النباتي في عموم سوريا للتدهور والقطع الجائر نتيجة الإهمال وضعف الرقابة الحكومية، مع شح مصادر الطاقة وارتفاع كلفة الوقود والكهرباء مما دفع الكثير من السكان إلى الحطب بوصفه مصدراً للطاقة البديل. وتشير البيانات الدولية إلى انخفاض المساحات الخضراء في سوريا بحدود 30% خلال العقد الماضي، أمر تؤكده أيضاً صور الأقمار الصناعية، ما يعكس حجم الكارثة البيئية التي يعاني منها الساحل السوري.
يشير الكثير من أبناء قرية البجاع التابعة لبلدية الصبورة بريف دمشق الغربي إلى أن خسارة الغطاء الشجري؛ جاءت نتيجة حتمية لاجتماع عوامل الحرب والتغير المناخي والانهيار الاقتصادي، يضاف إليها إنذارات البلدية لمئات المزارعين والفلاحين بإخلاء أراضيهم الزراعية لصالح مشاريع شركة "أبيات هيلز" العقارية التي تهدد ما تبقى من الأشجار التي يبلغ عمر بعضها أربعمائة عام.
يشكو أحد سكان المنطقة، طالباً عدم ذكر اسمه، من أن "مافيات" المقالع والكسارات لا تتوقف عن نشاطها المعتاد في أكثر من منطقة: "حيث تعمل الآليات ليلاً نهاراً منذ شهور، تدمر الأشجار والبيئة وتوسع من مشاريعها على حساب أهالي المنطقة، ولا تتوقف عمليات التشحيل والعمل عشوائي. إن بقينا هكذا فستتحول هذه المناطق لصحراء جرداء في القريب العاجل"، في إشارة لدرجة التعدي وخطورة القطع المستمر في هذه المناطق.
وتتداخل الأراضي المخصصة لبناء التجمع العمراني مباشرةً مع الأراضي والبسَاتين الزراعية المثمرة والخصبة، والتي تعود ملكيتها واستثمارها لصالح أهالي البجاع منذ عقود. اطلعت سوريا ما انحكت على أوراق "الطابو" والقيود العقارية لتلك الأراضي التي تضم آلاف أشجار الزيتون المثمرة والمعمرة توارثتها العائلات أباً عن جد، وتنفرد هذه المزارع بأشجار الزيتون من أصناف "الدان" و "القيسي" و"الجلط" التي تمتاز بأشجاره العالية وانتاجها الوفير للزيت.
وتقدر مساحة أراضي القرية الواقعة شمال غرب العاصمة على طريق بيروت، بنحو ستة آلاف دونم (6 ملايين متر مربع)، وتضم أشجار التين والرمان المرافقة للزيتون، ويغطي إنتاجها سنوياً أسواق الصبورة وقدسيا المجاورة وقسماً من حاجة العاصمة. ويستغل الفلاحون ظل الأشجار لزراعة الخضراوات الصيفية، كما تنتشر مناحل العسل الطبيعي التي تتغذى على أزهارها والبساتين. هذه الثروة الشجرية تواجه خطر زحف الكتل الخرسانية والمشاريع السكنية؛ بعد إعلان المخططات العمرانية الجديدة لشركة "أبيات هيلز" مطلع يونيو/حزيران الماضي، مهددة باقتلاع وإزالة آلاف الأشجار المثمرة، التي تشكل مصدر الرزق الوحيد لمئات العائلات من أبناء المنطقة.
واعتراضاً على قرارات الإخلاء؛ نظم أهالي قرى وبلدات البجاع والصبورة وقدسيا وقفة احتجاجية أمام مجلس الشعب في 28 من أغسطس/أب الفائت، طالبوا فيها بإعادة النظر في قوانين الاستملاك والإيجار القديم، والإنذارات الأخيرة وإنصاف المتضررين من التشريعات العقارية التي تمس ملكية وحياة أكثر من ثلاثة آلاف عائلة.
وبحسب محمد نذير الحوراني، الذي يمتلك مزرعة تبلغ مساحتها نحو 74 دونماً منذ العام 1978، فقد أبلغتهم بلدية الصبورة أن الإنذارات جاءت بناء على توجيهات رسمية من وزارة الإسكان، و أكدت الوزارة أن الملف أُحيل إلى محافظة ريف دمشق، وهذه الإشارة صادرة منذ قرار استملاكها لصالح المؤسسة العامة للإسكان، منتصف سبعينيات القرن الماضي. وقال الحوراني في حديثه لسوريا ما انحكت: "أنا والجيران نمتلك قرابة 150 ألف شجرة زيتون معمرة، و200 ألف شجرة تين ودراق وخوخ وغيرها من الأشجار المثمرة، وأكثر من 40 شجرة عمرها وسطياً حوالي 400 سنة، وكل هذه الثروة مهددة بقرارات الاستملاك الأخيرة".
فيما ذكرت ندى، وهي من العائلات المتضررة من قرارات الإخلاء الأخيرة، أن مطالبات الأهالي خلال لقائهم مع المسؤولين الرسميين، انحصرت بالنظر في بعض القوانين الصادرة خلال حقبة النظام السابق: "لأنها تهدد بمصادرة أملاكنا وأراضينا الخاصة. حتى التعويضات المالية المقدمة لنا تُحسب وفق تقديرات لا علاقة لها بأسعار العقارات حالياً. خاطبنا أعضاء البرلمان بعد أن فشلت مساعينا مع الجهات التنفيذية، في إعادة النظر بمجمل القوانين التي تنتهك صيانة حقوق الملكية الخاصة".
تهالك وتدمير شبكة الطرق
يتحدث سكان قريتي جّم شرف و زهيري بريف المالكية (ديريك) عن حركة يومية لا تهدأ لمئات الشاحنات والقاطرات الثقيلة، تنقل ليل نهار أطناناً من الرمال والحصى، متسببةً بتهالكٍ وتدميرٍ شبه كامل للطرق الحيوية مثل طريق ديريك - عين ديوار، وطريق ديريك – زهيري، أما طريق جّم شرف، فيكاد يصبح خارج الخدمة لسوء حالته الفنية. ويشتكي سكان المنطقة من استمرار هذه الحالة دون ضوابط قانونية ومراقبة للحمولة.
ويروي العم جومرد أبو مقداد (65 عاماً) لسوريا ما انحكت، وهو من سكان قرية جّم شرف، كيف قام عناصر الأمن ومخابرات النظام السابق بالتعدي على الأشجار المثمرة لأول مرة نهاية التسعينات لبيع أخشابها في الأسواق المحلية. ويذكر هذا المعمر الكردي بأن قريته اشتهرت بأشجار التين واللوز والجوز والتفاح، لكنها اليوم وبعد اقتلاعها: "بقيت مجرد ذكرى فحسب. أصبحنا نروي كيف كنا نأكل من ثمارها ونستظل تحت فيئها حكايات. خسرنا تاريخنا وماضينا بكل أسف".
يشكو أحد سكان المنطقة، طالباً عدم ذكر اسمه، من أن "مافيات" المقالع والكسارات لا تتوقف عن نشاطها المعتاد في أكثر من منطقة: "حيث تعمل الآليات ليلاً نهاراً منذ شهور، تدمر الأشجار والبيئة وتوسع من مشاريعها على حساب أهالي المنطقة، ولا تتوقف عمليات التشحيل والعمل عشوائي. إن بقينا هكذا فستتحول هذه المناطق لصحراء جرداء في القريب العاجل"، في إشارة لدرجة التعدي وخطورة القطع المستمر في هذه المناطق.
وتفرض القوانين والتشريعات السورية عقوبات صارمة تشمل السجن والغرامة المالية بحق كل من يقدم على قطع أو قلع الأشجار الحراجية أو المثمرة، وصدرت عدة مراسيم وتشريعات برلمانية تهدف لحماية الأشجار والمساحات الخضراء، ونصت على مصادرة الأخشاب والآليات المستعملة في القطع أو النقل غير المرخص.
ويحذر المهندس الزراعي دلشاد فتاح خلال حديثه مع سوريا ما انحكت من التكيف مع ظاهرة قطع الأشجار، مشدداً على "أن انتشار المقالع وتدمير الغطاء النباتي يأتي بحجة تأمين المواد الأولية للسوق المحلية"، وطالب بسن قوانين وتشريعات رادعة تدخل في نطاق التحذير والرقابة، "بدلاً من التعامل مع البيئة كملف يمكن تأجيله إلى وقت لاحق. قطع الأشجار المعمّرة جريمة فادحة، لأن الأشجار ثروة لا تُعوّض واستبدالها بشتلات جديدة مستقبلاً لا يعوّض عمرها ولا قيمتها البيئية والجمالية".
وأكد كمختص في البيئة أننا أمام كارثة جديدة في حال بقيت عمليات المقالع والكسارات مستمرة بوتيرة متزايدة، "يجب الوقوف عندها بالسرعة الممكنة وسن قوانين مباشرة لوقف أعمال القطع الجائر، وقوننة عمل المقالع وحماية الطرقات وعدم تعريض راحة وأمان الناس للقلق والخطر".






