"بروسيا العربية" والبعثة العسكرية الألمانية الثالثة في سوريا، 1949-1950


07 تشرين الأول 2026

تورا بيندوس

طالبة دكتوراه في جامعة فيليبس في ماربورغ في ألمانيا، وحاصلة على منحة دراسية من مؤسسة غيردا هينكل. حاصلة على درجة الماجستير في العدالة الجنائية الدولية. تركز أبحاثها على تاريخ وتطور الجهاز الأمني السوري، مع التركيز بشكل خاص على دور وتأثير المستشارين العسكريين الألمان والنازيين المنفيين في الفترة ما بين عامي 1945 و1990.

هذه المقالة هي الثالثة من سلسلة من أربع مقالات تتناول بعثات الكوادر النّازية السّابقة في سوريا، وتستند إلى أطروحة الماجستير الّتي أعدّتها الكاتبة تورا بيندوس، التي تتضمن توثيقاً كاملاً للمصادر والمراجع.

إشراف تحريري وترجمة إلى العربية: سليمان عبدالله. كلّ الحقوق محفوظة. يُحظّر أيّ شكل من أشكال نسخ النّص أو إعادة إنتاجه أو إعادة نشره.

***

وصل فرانز رودولف روستل إلى دمشق في آب/أغسطس 1949، في وقت كانت سوريا تنزلق فيه إلى مرحلة جديدة من الاضطرابات السياسية. وبعد ساعات قليلة فقط من دخوله البلاد، أطاح سامي الحناوي بالرئيس حسني الزعيم. وكان روستل، وهو ضابط سابق برتبة ”ستاندارتنفوهرر“ في قوات ”إس إس“ ومتخصص في المدافع الهجومية، قد وصل عبر شبكات مرتبطة بـ”منظمة غيلن“، وهي المنظمة التي سبقت إنشاء جهاز الاستخبارات الفيدرالي الألماني، والتي كان يرأسها راينهارد غيلن. ولم يكن وصوله مجرد تعيين لمستشار أجنبي آخر، بل كان بمثابة محاولة من سوريا لتحويل صلاتها المتفرقة التي نشأت بعد الحرب إلى برنامج أكثر منهجية للتحديث العسكري.

كانت البعثتان السابقتان تحت قيادة هيازينث غراف شتراشفيتز وفالتر راوف قد خيبتا آمال دمشق. وما أراده الضباط السوريون الآن هو كادر من المتخصصين قادرين على تدريب القوات المسلحة وإعادة تنظيمها وجعلها أكثر احترافية. وقد جذبت الشبكة التي نشأت ضباطاً سابقين من الفيرماخت والقوات الجوية الألمانية (لوفتفافه)، بالإضافة إلى أفراد من قوات ”فافن إس إس“. وعمل أعضاؤها في دمشق وحمص وحلب وقطنة، بينما امتد التجنيد ليشمل ألمانيا والنمسا وسويسرا.

من بعثات فاشلة إلى خبراء عسكريين بأدوار سرية

كان روستل يقيم في الجسر الأبيض (في محافظة دمشق). بعد بضعة أسابيع من وصوله، استدعاه رئيس الأركان العامة السورية أنور بنود. ووفقاً للتقارير، أخبره بنود أن سوريا قد سئمت من المستشارين غير الموثوق بهم وتحتاج إلى محترفين. ولذلك طُلب من روستل تجنيد خبراء عسكريين وأفراد مساعدين لدعمهم، إذ تم تسريح معظم المستشارين السابقين 1.

قبل روستل العرض وأصبح رئيساً للبعثة الاستشارية العسكرية الألمانية الثالثة. وعُيّن عقيداً في هيئة الأركان العامة السورية، وكُلف أيضاً بتجنيد الأفراد في النمسا وألمانيا 2. غير أنه وضع شروطاً، فقد أراد رواتب أعلى لأعضاء البعثة وضم ضابط فرنسي يُعرف باسم هولم.

كان هولم، المعروف أيضاً بالعديد من الأسماء الأخرى، ولكن لم يتم تأكيد هويته الحقيقية بعد، أكبر بكثير من مجرد مترجم فوري تم توظيفه؛ فهو مواطن فرنسي، ومتعاون سابق مع نظام فيشي وعضو في قوات الأمن الخاصة (SS)، وقد تم تكريمه بصفته جندياً في قوات المظليين، وأُدين لاحقاً باعتباره مجرم حرب، لكن السلطات الفرنسية حمته من الملاحقة القضائية مقابل قيامه بأعمال استخباراتية في دمشق 3.

ولم يكن هو الوحيد الذي لعب دوراً مزدوجاً. فمعظم تقارير الاستخبارات الألمانية الصادرة عن مختلف الوكالات في ذلك الوقت استندت إلى معلومات قدمها أعضاء البعثة (رغم أن بعضهم كان من العائدين). وظلت هذه المقاربة سارية، حتى أن المجموعة المحيطة بألويس برونر وفرانز راديماخر — التي لم تبدأ العمل داخل المخابرات السورية إلا بعد انتهاء أنشطة المجموعة الأخيرة من البعثة — حافظت على ”صلات جامعة، مباشرة أو غير مباشرة، مع أكثر من ستة أجهزة استخبارات“ 4. وفي هذا الصدد، يجب دائماً النظر إلى الاستنتاجات بقدر معين من الحذر عندما يقدم ضابط سابق في قوات الأمن الخاصة (SS)، أو مغامر، أو عائد محبط، تقريراً عن عمله، أو زملائه، أو وجهة نظره بشأن التطورات في سوريا.

على أي حال، كان هولم معيّناً رسمياً لدى روستل بصفته مسؤول اتصال لغوي، لكن نفوذه سرعان ما تزايد. فقد رافق جولات التفتيش، وصاغ خططاً لإعادة تنظيم الجيش السوري، وساهم في صياغة الوثائق التي وقّعها روستل لاحقاً على أنها من إعداده.

وركّز هولم على تجنيد خبراء ألمان للعمل في سوريا، حيث استدعى غيرهارد شاخت مجدداً لتنظيم عملية التجنيد في ألمانيا، وهي المهمة التي قام بها في الفترة من عام 1948 إلى عام 1951. كان شاخت جندياً سابقاً في القوات المظلية برتبة رائد وعضواً في منظمة غيلن منذ عام 1947، وانضم لاحقاً أيضاً إلى الجيش الألماني الجديد، البوندسفير. ووفقاً لتقرير صادر عن جهاز الاستخبارات الألماني (BND)، قام شاخت بتجنيد 44 ضابطاً سابقاً من الجيش والقوات الجوية ووحدات "فافن-إس إس" 5. وفي الوقت نفسه، أنشأ هولم شبكة استخباراتية فعالة للغاية في زيورخ. وقد وفرت سويسرا علاقات مفيدة: فقد عيّن روستل الرائد السابق في القوات الجوية الألمانية (لوفتفافه) هارتمان غراسر، الحائز على صليب الفارس من الصليب الحديدي مع أوراق البلوط، في مجموعة القوات الجوية، وهي إحدى المجموعات العاملة المتخصصة العديدة ضمن البعثة، حيث كان مسؤولاً عن تكتيكات المطاردة. ويُذكر أن غراسر كان يعرف أيضاً رئيس الشرطة السياسية السويسرية.

التدريب وتقديم المشورة وبناء الهياكل العسكرية

تُجسِّد مجموعة القوات الجوية نطاق المهمة. فقد أصبح فالتر شوك، وهو طيار مقاتل حائز على أوسمة، مدرب طيران. أما غوستاف لودفيغ كورف، وهو مهندس سابق في القوات الجوية الألمانية "لوفتواف" ومتخصص في الإلكترونيات، فقد عمل في مقر القيادة العامة للقوات الجوية السورية، حيث اختبر معدات الاتصالات اللاسلكية وساعد في تصميم شبكة رادار تهدف إلى رصد الطائرات المعادية، لا سيما القادمة من إسرائيل، مع نقل معرفته كضابط استخبارات في الوقت نفسه 6. وتم تعيين آخرين في أنحاء البلاد. قام الرائد روبرت أوليجنيك بتدريب العناصر في حلب؛ وقدم المقدم ستامس المشورة بشأن التنظيم الميداني؛ وأشرف النقيب ديستلماير على صيانة الطائرات؛ وقام العقيد هاردت بتدريب سرب النقل؛ وعمل الرائد شنيتز في شؤون الصيانة والمسائل المختبرية 7.

غطت مجموعة الجيش مجالات الحرب المدرعة والتدريب والهندسة. وقام فولفغانغ أوتو، وهو ضابط سابق برتبة ”هاوبستورمفوهرر“ في قوات ”إس إس“، بتدريب وحدات الاستطلاع الآلية، وقدم المشورة بشأن القتال المضاد للدبابات، وساعد في إنشاء مدرسة مدرعة في الفترة ما بين مايو/أيار 1950 ويوليو/تموز 1952. وساعدت ”منظمة غيلن“ في حصوله على التأشيرة ومغادرته لاحقاً؛ وعمل بعد ذلك لصالح جهاز الاستخبارات الألماني 8. أما هانز-غيورغ فون تيمبلهوف، وهو لواء سابق وقائد سلاح المدفعية تحت قيادة إرفين روميل المتخصص في الحرب الكيميائية، فقد تم توظيفه رسمياً كموظف تجاري ومستشار تقني. لكنه في الواقع كان يدرب الضباط السوريين في الأكاديمية العسكرية في حمص 9.

وتولى مستشارون آخرون مناصب أكثر تخصصاً: أشرف المقدم فاليسر على تدريب المشاة؛ وعمل غرايلينغر، الذي كان يحمل رتبة ”هاوبستورمفوهرر“ في قوات ”إس إس“، في المدرسة الرياضية العسكرية في قطنة؛ وتولى الرائد كلاوس ميسيرر تدريب المهندسين؛ بينما كُلف الملازم هيفيلاين والـ ”أوبيرستورمفوهرر“ فرانك من قوات ”إس إس“ بمهام تقنية ومتعلقة بالمركبات 10. وكان راينر كريبل، وهو ضابط سابق برتبة ”أوبرستورمبانفوهرر“ في قوات "فافن إس إس" وعقيد في الفيرماخت، من بين أهم الشخصيات في هذه الكوكبة.

وأضافت المجموعة الفنية طبقة أخرى: فقد قدم الدكتور شورنبرغ المشورة بصفته عالم معادن وجيولوجياً؛ وعمل المهندس فايتزنبك في مجال التشغيل الآلي؛ وأصبح أدولف شرايبر، الذي كان يعمل سابقاً في وزارة الطيران في الرايخ الألماني، المستشار الشخصي لشيشكلي والمهندس الرئيسي لشؤون الأسلحة والمعدات الحربية. كما أشرف على ورش الجيش التي كشفت عن قدر كبير من التباين في المعدات (التقنية) للقوات المسلحة ونقص في الإمدادات العسكرية 11.

"أريد أن أحول سوريا إلى بروسيا العربية"

لم يدم حكم الحناوي طويلاً. فبعد بضعة أشهر فقط من استيلائه على السلطة، قاد أديب الشيشكلي الانقلاب الثالث في ذلك العام. ومع ذلك، بقي في السلطة لعدة سنوات وواصل توظيف النازيين السابقين والمتخصصين العسكريين الألمان والعمل معهم. وكان من الصعب تجاهل الرمزية الكامنة في ذلك: فقد ورد أنه كان يتجول في شوارع دمشق بسيارة مرسيدس يُقال إنها كانت يوماً ملكاً لأدولف هتلر، ووصف طموحه بأنه جعل سوريا "بروسيا العربية" 12.

كان التحديث العسكري أولويته، وذلك لأن إسرائيل لم تكن التهديد الوحيد في ”الحرب الباردة العربية“ خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي؛ فقد كانت الدول العربية المنافسة تبدو بنفس القدر من الخطورة. وعكست المهام المبكرة التي كُلف بها كريبل هذا المنطق الإقليمي. وكانت إحدى مهامه الأولى صياغة مخطط دفاعي ضد الأردن، وقّعه روستل لاحقاً. وبحلول تشرين الأول/أكتوبر 1950، كان كريبل قد أعدّ أيضاً دورة تدريبية في التكتيكات للضباط السوريين، وألقى عدة محاضرات.

تزامن هذا العمل مع التخطيط العسكري الرسمي لسوريا. في آذار/مارس 1950، جمعت هيئة الأركان العامة السورية روستل وهولم وخمسة ألمان آخرين (”القوى البناءة للبعثة“، الذين عاشوا، باستثناء التخطيط، في عزلة تامة) في لجنة فنية وكلفتهم بوضع خطة عسكرية مدتها ثلاث سنوات. وقد ”لبت الخطة في النهاية متطلبات وزارة الدفاع“ 13، حيث كُلفت المجموعة بالبحث عن ضباط وفنيين ومساعدين إضافيين من الجيش والقوات الجوية الألمانية ليحلوا محل الفرنسيين الذين كانوا يواصلون تدريب القوات السورية. وجعلت الشروط المالية العرض مغرياً، حيث كان من المقرر أن يتقاضى العقيد 1200 ليرة سورية شهرياً، والنقيب 800 ليرة — أي ما يقارب ضعف راتب الضباط السوريين من نفس الرتبة 14.

كريبل ضد روستل

كانت النزاعات الداخلية بين أعضاء البعثة شائعة خلال البعثة الثالثة بقدر ما كانت في البعثات السابقة. إلا أن الأكثر حسماً كان الصراع بين روستل وكريبل.

فبينما كان محيط روستل يضم بشكل أساسي أعضاء سابقين في قوات ”إس إس“، وكان لدى بعضهم أسباب وجيهة لتجنب الملاحقة القضائية في أوروبا،  على النقيض من ذلك، كان ضباط ”فيرماخت“ السابقون الأكثر بروزاً في محيط كريبل. فبينما سعى أفراد قوات الأمن الخاصة (إس إس) إلى بناء شبكات عابرة للحدود مع رفاقهم السابقين، كان دافع ضباط الفيرماخت السابقين مالياً في المقام الأول، وكانوا موالين لكل من سوريا وألمانيا، على أمل العودة يوماً ما إلى وطنهم. ولذلك، يصف تيلمان لودكه، الباحث البارز في معهد أرنولد-بيرغستريسر، هذه المجموعة بأنها "العمود الفقري المهني" للبعثة.

بعد الانقلاب، سافر روستل وهولم إلى سويسرا لتجنيد عناصر إضافية وقضاء إجازة. واستغل كريبل غياب روستل لتعزيز مكانته. ووفقاً لـ”فريدريش-فيلهلم-هاينز-دينست“ ( إحدى أجهزة الاستخبارات الألمانية في ذلك الوقت)، أثار كريبل خلافاً خطيراً بين روستل ووزير الدفاع السوري، مما أدى إلى الإضرار بمكانة روستل لدى الحكومة على نحو لا يمكن إصلاحه. ظل موقف كريبل نفسه غامضاً. ففي رسالة إلى وزارة الخارجية الألمانية، طرح فكرة أن روستل قد يصبح يوماً ما سفيراً لألمانيا في سوريا. وفي السياق نفسه، كتب: ”سواء وافق المرء على ذلك أم لا، فإن العرب، وخاصة السوريين، ما زالوا حتى اليوم معجبين بهتلر ومخلصين له“ 15.

بحلول تشرين الأول/أكتوبر 1950، كان روستل قد خسر. وحل كريبل محله كرئيس للبعثة. وكانت وكالة المخابرات المركزية (CIA) تشتبه في أن السلطات السورية أرادت إقالة روستل لاعتبارها إياه عميلاً أمريكياً. في المقابل، شددت تقارير ”فريدريش-فيلهلم-هاينز-دينست“ (FWHD) على المناورات التي قام بها كريبل وجهوده لإقصاء روستل 16.

في نهاية تشرين الأول/أكتوبر، أمرت سوريا روستل وموظفيه بالمغادرة. واعتقلت الشرطة العسكرية السورية عدة رجال، وفتشت منازلهم، وصادرت أوراقاً رسمية وخاصة، وسلمتها إلى "المكتب الثاني". وأظهر ذلك أن روستل كان قد أخفى عدداً كبيراً من وثائق البعثة عن الأنظار، بما في ذلك الأوراق التي أعدها أعضاء آخرون في الفريق. وكانت تلك الوثائق تقدم دليلاً واضحاً على خبرتهم المهنية — وربما شكلت تهديداً لمكانة روستل نفسه. وقد منحه إخفاء هذه الوثائق ميزة أخرى: كما في حالة هولم وكريبل، كان بإمكانه تقديم عمل الآخرين على أنه عمله الخاص ونسب الفضل لنفسه فيما أنجزوه.

أُطلق سراح المعتقلين لاحقاً، وأُعيدت ممتلكاتهم إليهم، ووفت سوريا بالالتزامات التعاقدية المتبقية. لكن عمليات الإبعاد لم تمر مرور الكرام. ففي البرلمان السوري، انتقد النواب التغييرات في الكادر الوظيفي ووصفوها بأنها "غير ضرورية وتضر بمصالح سوريا" 17.

انقلاب آخر، بعثة أخرى، فشل آخر

لم تكن المهمة الألمانية بأي حال من الأحوال مجرد حالة بسيطة يقوم فيها خبراء أجانب بتشكيل دولة سورية غير فاعلة، فقد كان للضباط السوريين مصالحهم وحساباتهم الخاصة، كانوا هم من يقررون من يتم تعيينه أو ترقيته أو فصله، أو اعتقاله عند الضرورة. ولم تكن الخبرة الألمانية مفيدة إلا بقدر ما ساعدت في تقوية الجيش، أو توطيد السلطة السياسية، أو التعامل مع منطقة تتسم بالانقلابات والتنافسات وعدم اليقين. وبدلاً من الاكتفاء باتباع التعليمات الألمانية، كان السوريون ينشرون المستشارين متى وكيفما كان ذلك يخدم أغراضهم الخاصة — في حساب براغماتي للتكاليف والمنافع.

ومع ذلك، لم يكن هذا يعني أن الجيش السوري كان مؤسسة مستقرة ومحترفة يقودها تفكير استراتيجي واضح. فقد أرادت الحكومات المتعاقبة قوات مسلحة حديثة وجهاز استخبارات فعالاً. وفي الوقت نفسه، سعى الضباط إلى الحفاظ على الهياكل الراسخة، والتي كانت في الغالب فرنسية، التي تلقوا تدريبهم فيها، حتى مع تزايد عدم الاستقرار في السياسة الداخلية والإقليمية. منذ حرب فلسطين عام 1948 وحتى السبعينيات، كان للجيش السوري أكثر من اثني عشر رئيساً لأركان الحرب. كانت الانقلابات تعني أن التغييرات في القمة تحدث غالباً من خلال إقالات مفاجئة بدلاً من عمليات تسليم سلطة منظمة. وفي بعض الأحيان، كانت هذه العمليات الانتقالية عنيفة. كما أنها عرقلت عمل المستشارين الألمان، مما أجبرهم مراراً وتكراراً على العودة إلى نقطة البداية 18.

بالإضافة إلى ذلك، أفادت التقارير أن وكالات الاستخبارات الغربية المعارضة للوجود العسكري الألماني في سوريا حاولت تشويه سمعة المستشارين من خلال التشكيك في ولائهم السياسي. وأُبلغت السلطات السورية بأن بعض الضباط الألمان كانوا في الواقع عملاء شيوعيين تسللوا عمداً إلى القوات المسلحة السورية للقيام بأعمال تجسس. ولهذا الغرض، قاموا برشوة مسؤولين في الحزب الشيوعي الألماني لإنتاج وثائق مزورة تزعم انتماء مزعوماً لضباط ألمان محددين للحزب. وكان لهذه الاتهامات عواقب خطيرة محتملة، كما أنها قوضت سمعة ومصداقية البعثة العسكرية الألمانية في سوريا 19.

لم تكن الضغوط السياسية من خارج البعثة سوى واحدة من الصعوبات التي واجهها المستشارون. فقد تأثر عملهم أيضاً بالتوترات بين أعضاء البعثة نفسها، والتوقعات التي ثبتت صعوبة تلبيتها في كثير من الأحيان. وأعاقت الحواجز اللغوية عملية التدريب، حتى في وجود المترجمين الفوريين. فقد كانوا يتحدثون الفرنسية أو العربية، لكنهم كانوا يفتقرون إلى المفردات العسكرية اللازمة سواء في لغتهم الأم أو في اللغة التي تعلموها. وزادت من حدة التوتر الخلافات حول الأجور، والافتقار إلى سلطة اتخاذ القرار، ومحدودية النفوذ، والتوتر مع الزملاء السوريين، والبيئة الاجتماعية والثقافية غير المألوفة.

وذهبت التقارير الواردة من دوائر روستل إلى أبعد من ذلك، زاعمةً أنه ”كانت هناك أحياناً جرائم قتل يأمر بها ضباط سوريون، لأن السوريين شعروا أن مكانتهم المهيمنة مهددة من قبل الضباط الألمان“ 20. وأوردت إحدى الروايات اسم رجل يُدعى "فاسر" أو "ناصر"، قيل إنه شغل منصباً رفيعاً في قيادة القوات الجوية السورية، وأُفيد أنه قُتل خلال رحلة جوية ليلية. ووصف التقرير وفاته بأنها جريمة قتل، ربما نُفذت عن طريق التخريب.

وبحلول نهاية عام 1950، كان الخلاف قد نشب أيضاً بين هولم وج. شاخت. ويُزعم أن هولم دفع نحو اعتقال شاخت ثم قتله. وانقطعت الاتصالات بينهما، ثم أنهى شاخت عمله كخبير توظيف.

بدأت طبيعة البعثة تتغير مع وصول راينر كريبل. وقد تولى قيادتها لأكثر من خمس سنوات، وهي أطول مدة شغل فيها أي رئيس بعثة هذا المنصب، وأشرف على ما تبين أنها آخر بعثة من بين أربع بعثات عسكرية ألمانية في سوريا.

المصادر:

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد