ربما لا يبدو اسم فتون فاخورجي مألوفاً لدى كثير من السوريين والسوريات، غير أن جمهور محافظة إدلب، التي اتجهت إليها قوافل الباصات الخضراء، محمّلة بالمهجّرين من مختلف المناطق السورية قبل أعوام، يعرف اسمها جيداً. الصحفية والممثلة الشابة فاخورجي، وقفت قبل أشهر، على خشبة المسرح في مدينتها، مُشارِكةً في مسرحية "العودة" ، لتسجّل وفقاً لمخرج المسرحية ومدير مهرجان إدلب المسرحي مصطفى الشحود، أول ظهور نسائي على خشبة المسرح في إدلب منذ خمسة عشر عاماً.
شكّلت تلك لحظة فارقة في مشوار الشابة، وفاصلة في المرحلة التي تمر بها المنطقة منذ أن حولّها النظام السابق إلى نقطة تجميع ومواجهة للقوات العسكرية المعارضة. تبدو هذه الخطوة اليوم إحدى المحاولات الحقيقية لاستعادة شكل حياة اعتيادي في محافظة تُتهم بالانغلاق، ممهدة الطريق أمام أسئلة أوسع حول مستقبل الحركة المسرحية الإدلبية، وفي صميمها الحضور النسائي؛ لا سيما مع العروض التي استضافها مهرجان إدلب الفرعي ضمن المهرجان المركزي في حلب لعام 2026.
عودة الحضور النسائي
تدرك فاخورجي في تجربتها المسرحية الأولى "العودة"، التي كتبها وأخرجها مصطفى الشحود، أن مواجهتها للجمهور خطوة لا تعنيها وحدها، بل تفتح الباب أمام أخريات يمتلكن الموهبة والشغف.
تستحضر لحظات صعودها إلى الخشبة، التي تبدو كمن يُثبت لنفسه قبل الآخرين، أن الفن قادر على العودة مهما طال الغياب، وأن المرأة شريك أساسي في المشهد الثقافي رغم كل شيء: "كانت لحظة مليئة بالمشاعر بين الحماس والرهبة والفخر. في البداية كان هناك شعور طبيعي بالخجل والتردد، خاصة أنني أخوض التجربة للمرة الأولى في مجتمع لم يشهد وجود المرأة الإدلبية على المسرح منذ سنوات طويلة. لكن مع تكثيف البروفات والدعم الذي تلقيته من المخرج وفريق العمل، تحول الخجل إلى ثقة ومسؤولية؛ كان هدفي تقديم عمل محترم يعكس قيمة المسرح ورسالة الفن".
إلا أن محاولة فاخورجي كسر الحواجز التي كثرت أمام النساء خلال الأعوام الأخيرة، لم تنتقل حتى الآن إلى نظيراتها من الكاتبات والمخرجات والممثلات، وهو ما يظهر جلياً في النصوص التي قُدِّمت إلى إدارة المهرجان الفرعي في إدلب حسبما يقول مدير المهرجان مصطفى الشحود: "المشاركَات في مهرجان إدلب المسرحي لم تشهد حضوراً لكاتبات أو مخرجات. لا يعني هذا عدم وجود كاتبات لدينا، لكن الجرأة تنقصهن للولوج إلى عالم المسرح. هناك عوائق اجتماعية وثقافية تحد من انخراط المرأة في العمل المسرحي مع صعوبة توفير بيئة تدريب وبروفات مناسبة وآمنة".
ويضيف الشحود: "في الآونة الأخيرة تحدينا العوائق فنجحنا في تقديم عدد من الممثلات، اللواتي شاركن أيضاً لأول مرة في عروض أقيمت في دمشق، لكن تنقصهن الخبرة، لذلك نحن نسعى لإنشاء ورشات تدريبية في التمثيل والكتابة وحتى في مجال الإخراج".
العرض على مسارح دمشق؛ خطوة يراها محمود زكور، المسرحي الإدلبي ومدير مهرجان سوريا المسرحي لعام 2026، نافذة أمل حقيقية لكسر النظرة النمطية عن المنطقة، مضيفاً: "مشاركة فتيات من إدلب في دمشق أو أي مدينة أخرى ستُعطي انطباعاً إيجابياً بأن المحافظة ليست كما يراها البعض مجرد بؤرة للتشدد، بل هي مدينة لطالما كان أهلها رمزاً للانفتاح والاشتغال في الثقافة والفن، وستعود كما كانت"، على حد توصيفه.
ويستشهد زكور بتجربته قائلاً: "قبل أكثر من سنة عرضتُ مسرحية "ذاكرة اعتقال" في إدلب، وشاركت فيها ممثلات من حلب. لم نجد أي رد فعل سلبي من الناس، بل لمسنا ترحيباً كبيراً وحماساً واضحاً، حد تأثر كثيرين بما شاهدوه على الخشبة".
متطلبات العمل عائق
إلى جانب التحديات الاجتماعية، تُواجه الحركة المسرحية في إدلب، صعوبات لوجستية تضاعف من معاناة العاملين فيها "كانت الصعوبات كثيرة، بدءاً من غياب قاعات مجهزة للتدريبات، إذ اضطررنا أحياناً للتدريب في غرف صغيرة لا تشبه خشبة المسرح. كنا نحاول في كل بروفة أن نستفيد من المساحة المتاحة، ونركز على تطوير الأداء والتفاهم بين فريق العمل"، تقول فاخورجي.
ويتفق الشحود معها، مشيراً إلى أن إدلب لا تملك سوى خشبة المركز الثقافي، وهي مشغولة دائماً بالاجتماعات واللقاءات الرسمية، ما يضطر المسرحيين للتدرب في غرف ضيقة لا تفي بالغرض، ويرى أن المسرح في إدلب بحاجة ماسة لبنية تحتية، تشمل فضاءات بديلة للتدريب والعروض، إلى جانب تمويل مستقر وورشات تدريبية متواصلة تُخرّج جيلاً جديداً من المسرحيين والمسرحيات.
من جهته، يُؤكد زكور المعضلة التي خلفتها سنوات الحرب والإهمال، موضحاً أن خشبة المركز الثقافي، أُعيد ترميمها أواخر عام 2024، كما شهدت الفترات الماضية بعض التجاذبات بين المسرحيين وإدارة المركز قبل أن تُحل بشكل كامل، ويقول: "نحن بحاجة ماسة لإنشاء منصات تدريبية صغيرة مخصصة للفرق المسرحية والموسيقية على حد سواء، وقد وضعنا الاحتياجات والمشكلات كاملة بين يدي وزير الثقافة".
شغف العودة
في ظل هذه المبادرات والمحاولات المتشعبة لدعم المسرح في إدلب، حمل إعلان عودة المهرجان الفرعي دلالات تجاوزت فكرة الفعالية بحد ذاتها، ليغدو، كما يصفه الشحود "استعادة جزء من العافية الثقافية والهوية الوطنية التي غابت بفعل الحرب والتشريد. رغبة الجمهور لمتابعة العروض المسرحية كبيرة وملموسة، فالجمهور في إدلب اليوم لا يأتي للتسلية فقط، بل ليستعيد جزءاً من إنسانيته المسلوبة".
ويتابع: "القاعات تمتلئ قبل بدء العرض، والانتظار على الأبواب صار مشهداً معتاداً. هذا الإقبال دليل واضح على أن الناس شعروا بغياب المسرح فعلاً، كما حدث في مسرحية "تحت الصفر" و"المهاجران" و"سيد الخشبة"؛ فقد سرقت سنوات الحرب منهم الفرح الجماعي والحوار والتنفيس، فكان حضورهم للمسرح بمثابة عودة للنَفَس، وبحثاً عن لحظة إنسانية تجمعهم بعيداً عن أخبار الخوف والموت".
يظهر الشغف أيضاً في حجم الإقبال على المشاركة في المهرجان؛ فبحسب الشحود، فاق عدد النصوص المُقدّمة إلى إدارة المهرجان التوقعات، حيث استقبلت الإدارة عدداً كبيراً من النصوص، ليس فقط من كتّاب لديهم خبرة سابقة في المسرح، بل أيضاً من شباب يخوضون تجربتهم الأولى، وهذا بحد ذاته مؤشر مهم برأيه "على أن المسرح ما زال يحتفظ بجاذبيته كمساحة للتعبير، رغم كل الظروف الصعبة التي تعيشها إدلب".
تنوعت النصوص المُقدّمة بين ما ينغمس في هموم الشارع اليومية، وإعداد حديث لنصوص عالمية منها "الحضيض" لمكسيم غوركي، ونصوص سورية مثل "الملك هو الملك" لسعدالله ونوس. وقد كشفت النصوص المؤلفة محلياً من قبل مسرحيي إدلب عن حساسية ورغبة صادقة لدى الكتّاب في أن يكون المسرح مرآة للمجتمع، وقُدِّمت نصوص تتجه نحو الكوميديا السوداء.
بالعودة إلى ما قبل عام 2011، يستذكر الشحود كيف عرفت المحافظة أشكالاً مسرحية متنوعة كالتجريبي والعبثي والاجتماعي، وكان لمخرجيها حضور بارز في المهرجانات السورية والعربية. لكن الثورة غيرت كل شيء "فتحول المسرح من ترف إلى وثيقة ومقاومة. ومع انهيار المؤسسات ظهر ما يُدعى مسرح الثورة ليعالج قضايا الاعتقال والانتهاكات، وازدهر مسرح المخيمات عبر منظمات مثل "بنفسج" التي وظفت مسرح الدمى والعرائس لدعم الأطفال ونزع آثار الصدمات". أما اليوم "فيبدو المسرح الكلاسيكي الطويل نادراً لصعوبة الإنتاج، في حين يميل الجمهور للأعمال القصيرة والتفاعلية، مع محاولات خجولة لإعادة إطلاق المسرح المدرسي المتوقف منذ سنوات".
ما عاشته إدلب على وجه الخصوص، أحدث ما يصفه زكور بالقطيعة المعرفية بين الجمهور والممثلين، وبين الممثلين والمسرح أساساً، ولا سيما خلال سبع سنوات "عاشت فيها المدينة عزلة تامة عن الفنون والمسرح والتمثيل ووسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن تبدأ بالانفتاح التدريجي خلال العامين الأخيرين".
سؤال الاستدامة
احتضن مهرجان إدلب خمسة عروض "الرصاصة الأخيرة" و"الحضيض" و"الملك هو الملك" و"البروفة الأخيرة" و"الطاولة رقم صفر"، لكنه لم يقدم مؤشراً واضحاً عن مستقبل وواقع المسرح في إدلب ومستقبل الحياة الثقافية في سوريا. "مسألة المسرح لا تتعلق بالمال فقط، فالجميع يعلم أننا نعمل في مسرح خاسر دائماً، وغالباً ما ندفع من جيوبنا. لكن الضمانة الحقيقية هي تأهيل الكوادر والبنية التحتية. نحن اليوم لا نملك فني إضاءة أو صوت محترف في إدلب، ومتى ما أُعيد تأهيل الممثلين والمخرجين والفنيين، ستُخلق الحالة المسرحية تلقائياً وستستمر العروض طوال العام دون انتظار مهرجان" يقول زكوّر.
ويضيف: "بصراحة، وإلى الآن، لم نشهد بعد التحرير عرضاً مسرحياً متكامل الأركان من داخل إدلب؛ فمعظم ما قُدّم كان أعمالاً معادة أو عروضاً موجهة من منظمات لتوعية الأطفال أو التوعية بعدم تعاطي المخدرات، لكن الشغف الكبير الذي لمسته عند مسرحيي إدلب في اجتماعنا الأخير بحلب، يؤكد أن محبة المسرح لن تذهب هباءً، وستؤتي ثمارها قريباً".
الأمل بمستقبل مسرحي مُختلف، هو تماماً ما تراهن عليه فاخورجي اليوم، إذ تُنهي حديثها برؤية تتجاوز تجربتها الأولى: "أتمنى أن أستمر في تقديم أعمال تحمل قيمة فنية وإنسانية، وأطمح للمشاركة في عروض داخل إدلب وخارجها لتمثيل مدينتي، لأكون جزءاً من إعادة إحياء الحركة المسرحية وتشجيع مزيد من النساء على دخول هذا المجال بثقة".









