صفحات من حياة نشطاء المعركة الرقمية خلال الثورة السورية

ما مر يوماً عبر "تور" وبعيداً عن أعين الجيش السوري الإلكتروني


في ربيع عام 2011، وفي الوقت الذي كان نشطاء الثورة السورية منشغلين بتنظيم زخم الاحتجاجات في الشوارع، بدأت قصة جيل جديد من الخبراء الرقميين، خاض معركة غير مرئية لحماية الناشطين والناشطات وفهم تكتيكات النظام السوري السابق، الذي كان يطوّر أدواته الرقمية القمعية بسرعة.

03 تشرين الثاني 2026

رولا أسد

صحفية وباحثة نسوية، مؤسسة شريكة والمديرة التنفيذية السابقة لشبكة الصحفيات السوريات.

"كانت الساعة الواحدة ليلاً. كنت أسكن في جرمانا عندها. كسرت السيم (بطاقة الجوال) وذهبت إلى المركز عند مازن.. دخلت ونمت على الأريكة ليلتها وقلت له ماذا حدث. قال لي: اخرج من سوريا، لأنهم سيأتون بك لو بقيت. العاملون في هذا المجال قلة، وأنا كنت أشارك في المظاهرات وأنشط مع عدة جهات، بالإضافة لكوني معتقلاً سابقاً. لم أكن أريد أن أُعتقل مرة أخرى. عندها، انهارت دائرة الثقة لدي كلياً. لم أعد أستطيع الثقة بأي كان. وثقت بأني أستطيع النوم في المكتب فحسب. تكلمت مع أخي، وجد لي مكاناً للاختباء، بينما استطاع استخراج جواز سفر لي ليخرجني إلى لبنان. شخص من الجيش برتبة رائد على الحدود سمح لي بالمرور.. سمعت لاحقاً أن النظام اعتقله وقتله". تلك كانت آخر أيام الخبير التقني دلشاد عثمان قبل هروبه من دمشق، إثر انكشاف انخراطه بالحراك السلمي ودعمه تقنياً.

لسنوات، هيمن نظام الأسد على قطاع الاتصالات، لكن ذلك لم يمنع كثيرين من الاستفادة من الإنترنت كفضاء متاح للتواصل والتعبير عن المعارضة ونقد النظام. كان دور شبكات التواصل الاجتماعي يتصاعد كمنصات لتنظيم التحركات الشعبية وتغطيتها، وكان لابد من تشابك الخبرات والتحرك بسرعة، إذ ظهرت الحاجة لتأمين السلامة الرقمية إثر استهداف النشطاء الممنهج. كُثر من الخبراء الرقميين بَقوا في الظل، يعملون من وراء الكواليس، لإدارة الأزمات والمخاطر. لم يكن الانخراط معهم سياسياً بل تقنياً بحتاً، على الأقل في البدايات. نعود اليوم  لنروي قصصاً لم ترو بعد لثلاثة منهم، عن انخراطهم الثوري وحياتهم في سنوات الثورة الأولى، ولنتذكر من رحل منهم قبل أن يروي قصته،  منهم باسل الصفدي المبدع الرقمي ومطور البرمجيات الذي أعدمه النظام السوري لنشاطه الثوري عام 2015.

في الوقت الذي كان فيه دلشاد عثمان ينهي إجراءات خدمته العسكرية الإلزامية في دمشق، تعرف على  رزان زيتونة ومازن درويش، المدافعين عن حقوق الإنسان، ولكونه كان ممنوعاً من السفر هو وأخوه، قررت هذه المجموعة إنشاء قاعدة بيانات بأسماء الأشخاص الممنوعين والممنوعات من السفر وتأسيس مركز توثيق الانتهاكات (VDC). عمل المركز منذ تأسيسه على توثيق انتهاكات النظام السابق والجماعات المسلحة، واعتمد على جمع الوثائق والأدلة لدعم مسار العدالة والمحاكمات لاحقاً.

بدأ دلشاد، الخبير الرقمي القادم من القامشلي، رحلته السياسية قبل الثورة بسنوات، مُتحدِّراً من عائلة كردية نشطة سياسياً. اُعتقل في عام 2008 لمشاركته في الاحتجاجات الكردية ضد المرسوم الرئاسي 49. لم يكن الوعي الرقمي حينها على نفس السوية بين جميع فئات المجتمع السوري، "أتذكر أني كنت أجري تدريبات في القامشلي لكتاب وصحفيين أكراد بين عامي 2005–2006.. ليحموا أنفسهم"، يقول دلشاد لسوريا ما انحكت. ساهم حظر المواقع الكردية في زيادة سعي النشطاء الأكراد لتعلم أدواتٍ لفك حظرها، وكانت تلك خطوة مبكرة من خطوات التعلم لمجابهة القمع الرقمي وحماية الخصوصية. في بداية الثورة وجد دلشاد نفسه يعيد ما كان يفعله سابقاً.

خارج سوريا، كان أسامة جروس يعيش في ألمانيا، ويعمل على إنهاء أطروحة الدكتوراة في الهندسة الطبية، عندما تابع عبر منصة فيسبوك المظاهرات والاحتجاجات في تونس ومصر، وبعدها دعوات الاعتصام والتظاهر في سوريا. مع مظاهرة 15 آذار في سوق الحميدية في دمشق، والتي يعتبرها كثيرون بداية الثورة حسب قوله، بدأ أسامة يتابع الأحداث بشكل أقرب ويومي. في اليوم التالي اعتصمت مجموعة أمام وزارة الداخلية للمطالبة بإطلاق المعتقلين السياسيين، وقرأ أسامة عبر الإنترنت خبر فضّ الاعتصام واعتقال بعض المشاركات والمشاركين. بعدها بأيام قليلة، اتصل به صحفي صديق ليخبره بأن "لدي مشكلة كبيرة! لدينا فيديو لفض الاعتصام ونريد نشره، كيف يمكنك مساعدتنا؟"، هذه المكالمة  كانت السبب في انخراطه الرقمي السياسي.

كان أسامة شغوفاً بالكمبيوتر والرياضيات، وبدأ تعلّم البرمجة في العاشرة من عمره. لاحقاً، درس هندسة الإلكترون في جامعة دمشق، ثم نال دبلوماً في هندسة الاتصالات، ما منحه كل الأدوات لفهم كيفية عمل الإنترنت والشبكات من المستوى الإلكتروني وصولاً إلى التطبيقات على الشاشة. هذا الجمع بين الإلكترونيات والاتصالات، جعله معروفاً في الأوساط الناشطية بـ "يلي بيعرف بالإنترنت"، فكانوا يطلبون مساعدته في نشر فيديوهات المظاهرات بطريقة آمنة وتأمين الاتصالات من التنصت  والاختراق.

وفي ذات الفترة في دمشق، كان علاء غزال  متهرباً من خدمة الجيش الإلزامية، يتنقل بحذر شديد. درس علاء هندسة الإلكتروميكانيك (نتاج دمج بين الهندسة الميكانيكية والكهربائية والإلكترونية في سوريا)  في العاصمة، لكن اهتمامه الحقيقي اتجه نحو الكمبيوتر والشبكات، فالتحق بدورات متخصصة مع شركات خاصة مثل مايكروسوفت. بعد التخرج، دخل مباشرة مجال التقنيات وعمل  في القطاع  الخاص في تصميم الشبكات وكاميرات المراقبة. "كنت في مكان آخر كلياً.. لم يكن لدي علاقة بالأوساط الحقوقية"، يقول علاء لسوريا ما انحكت، لكن صدمته الأولى أتت عندما شاهد روّاد مقاهي الإنترنت من النشطاء، يرتادون المقاهي ظنّاً منهم أن تغيير مكان الدخول لحسابات المواقع الاجتماعية الخاصة بهم سيحميهم من الرقابة و يمكنهم من التعبير عن آرائهم. كانت تلك اللحظة التي دفعته لنشر أولى النصائح عبر صفحته على موقع فيسبوك عن حماية الخصوصية وضرورة استخدام تطبيقات الشبكة الخاصة الافتراضية VPN.

الخطر مولداً للوعي

أصبح دلشاد، ذو الخبرة المتراكمة في السلامة الرقمية قبل الثورة، المرجع التقني للجان التنسيق المحلية وعدد من المجموعات الحقوقية الكردية، بعيد اندلاع الثورة. كان يتنقّل بين دمشق وحلب وحماة لفحص أجهزة النشطاء، وإزالة الفيروسات، وتثبيت أدوات التشفير وتعليم المجموعات أدوات وتقنيات لحماية أنفسهم، وتشجيعهم على نشرها، "فيسبوك كان أداة رئيسية للتواصل، وكنا سنتعرض لمتاعب جمة إن لم نعمل بوعي .. عندها بدأنا بعمل دورات تدريبية للنشطاء في كل سوريا".

يتذكر خلال حديثه معنا، لحظة التحوّل التي جعلته يدرك أن النظام انتقل من مجرد حجب مواقع، إلى تطوير قدرات تجسسية متقدمة تستهدف النشطاء مباشرة، عندما نشر موظف في وزارة الاتصالات السورية "سكرين شوت (لقطة شاشة)" تُظهر أنهم نجحوا في تنفيذ هجوم لاعتراض الاتصال المشفّر بين المستخدمين وفيسبوك، كان الاتصال عادةً يتم عبر قناة HTTPS آمنة، حيث يتبادل المتصفح/ة وفيسبوك مفاتيح التشفير، ويظهر رمز القفل الأخضر للدلالة على الأمان، لكن جهة من مؤسسة الاتصالات في سوريا اعترضت هذا الاتصال، وفكّت التشفير، وقرأت البيانات، ثم أعادت تشفيرها قبل إرسالها إلى فيسبوك. الموظف نشر لقطة الشاشة بفخر، معلناً قدرة النظام على التجسس على كلمات السر والرسائل لمستخدمي ومستخدمات فيسبوك. يقول دلشاد ساخراً: "تخيلي كم كانوا أغبياء.. نشروا سكرين شوت لأنهم نجحوا في (هجوم / اختراق)".

حماية الأدلة من فيديوهات توثق عنف النظام في قمع المظاهرات، كان المدخل الذي بدأ أسامة من خلاله علاقته بالدوائر الحقوقية والناشطة سياسياً. مع مرور الوقت زاد اهتمامه بأنماط التقنيات المستخدمة لقمع الحراك السلمي، وعمل بشكل شخصي على تطوير خارطة لفهم تشابك المجموعات النشطة في فيسبوك، "كان لدي خارطة لكل الأشخاص الذين يستخدمون فيسبوك ليعبروا عن رأيهم المعارض.. عندها استنتجت أن النظام أيضاً يستطيع إنشاءها، وأننا في خطر  شديد.. بدأت بالعمل على تخفيف هذا الخطر".

كان واضحاً لعلاء ودلشاد وأسامة في أوقات متفاوتة لكنها متقاربة، بأن النظام ليس بدائياً رقمياً كما كان شائعاً، خاصة عندما غير تكتيك الرقابة من حجب مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وسكايب إلى إتاحتها، مستغلاً حاجة الحراك في سوريا لتلك المنصات لتنظيم المظاهرات وغيرها. تم تداول خبر "سوريا تُعيد الوصول المباشر إلى فيسبوك ويوتيوب" لأول مرة في عام 2007، دون الحاجة إلى المرور عبر خوادم وسيطة في الخارج. حينها نقلت صحيفة "الوطن"، المقربة من النظام السابق، أن رفع الحظر يُظهر "ثقة الحكومة في أدائها، وأن الدولة لا تخشى أي تهديد من هذين الموقعين أو غيرهما". يقول أسامة: "كان بإمكان الحكومة الاستمرار في الحظر أو قطع الإنترنت، ولكنها كانت تريد تسهيل عملية اعتقال الناشطين والناشطات. هكذا أصبح الإنترنت سلاحاً بيد النظام وتحت رقابته المباشرة".

وبالفعل قرأت الكثير من المجموعات الناشطة في المجال الرقمي أن النظام السابق قد أتاح الوصول إلى فيسبوك بهدف الإيقاع بالنشطاء. يتذكر علاء الفترة التي تم تصميم صفحة مزيفة لفيسبوك تشبه الموقع الأصلي تماماً، بهدف اختراق حسابات المعارضين والمعارضات، حينها نشرت مؤسسة الحدود الإلكترونية ( Electronic Frontier Foundation)  في مارس/ آذار عام 2012 تحليلاً تفصيلياً  لحملة التصيد من قبل قراصنة رقميّين موالين للنظام السوري السابق. الرسائل كانت تبدو وكأنها من أصدقاء أو صفحات موثوقة، والروابط المرسلة كانت تنقل المستخدم/ة إلى صفحة تسجيل دخول مزيفة تشبه فيسبوك تماماً. كان الهدف قراءة الرسائل الخاصة وانتحال شخصية الناشط/ة واختراق صفحات الثورة وشبكات الإعلام البديل ومجموعات التنسيق المحلية ومراقبة نشاطهم عبر الإنترنت.

أسلوب التصيد كان عبر التسجيل على صفحة تشبه فيسبوك. نشرت مؤسسة الحدود الإلكترونية النصيحة التالية: "ينبغي على مستخدمي فيسبوك توخي الحذر الشديد عند النقر على الروابط في أقسام التعليقات في المنتديات المؤيدة للثورة السورية، خاصةً إذا كانت مصحوبة بهذا النص، والذي احتوى على عناوين لافتة، كانتهاكات جنسية ضد نساء من مناطق معارضة، كما يجب عليهم الحذر من الصفحات المزيفة التي تُشبه صفحة تسجيل الدخول إلى فيسبوك. التأكد دائماً من أن شريط عنوان التصفح في أعلى المتصفح يُظهر https://www.facebook.com. في حال الشك، اكتب https://www.facebook.com يدوياً للوصول إلى فيسبوك".

ساهمت حملة التصيد تلك بتعميم إجراءات سلامة رقمية محددة، مثل تفعيل التحقق بخطوتين واستخدام كلمات مرور قوية وتجنّب الروابط المشبوهة والتأكد من رابط الموقع (URL)، وكانت هذه بعضاً من النصائح التي نشرتها المؤسسة السابقة وتخصصت تدريبات السلامة الرقمية حينها بتقديمها لأكبر عدد ممكن من النشطاء.

"النظام لم يكن غبياً، لم يكن يخترق الحساب ويكتب عليه (تم الدعس).. بالعكس كانوا يخترقون الحسابات ويبقون أشهراً فيها دون أن يكون صاحب الحساب على دراية، وللأسف لم يكن يعرف إلا بعد اعتقاله أو سفره، حين نكتشف أن الشخص أونلاين رغم أنه على طريق السفر مثلاً"، يقول علاء.

الهندسة الاجتماعية (خداع مستخدم/ة الإنترنت لحمله/ا على القيام بأمر خطير عبر الإنترنت)، كانت تكتيك النظام التالي لاستهداف الحراك النشط في الفضاء الرقمي بشكل ممنهج، وبدأت بالاستهداف عبر تطبيق سكايب، الذي كان واحداً من أهم وأكثر التطبيقات استخداماً، بعد فيسبوك، من قبل النشطاء للتواصل وتنظيم المظاهرات. الرسائل التي كانت تُرسل إلى مجموعات نشطة قد تبدو موثوقة أو تحتوي على أخبار مهمة، من نمط "(النظام المجوسي الصفوي استقدم معدات من إيران لاختراق المعارضة..ولتحموا أنفسكم، نزلوا هذه النسخة من كذا) …. لاحقاً فهمنا أنها كانت نسخة سكايب مزيفة، والنظام من صنعها"، لاختراق حسابات النشطاء من خلال الإيحاء بتقديم دعم تقني، أمر كان عدد كبير من المعارضين والمعارضات يحتاجونه وقتها، يضيف علاء.

وثق أرشيف مؤسسة الحدود الإلكترونية (EFF) عدداً من الأمثلة الأخرى للهندسة الاجتماعية في تقرير "كمّ المراقبة: جهات فاعلة مألوفة وعمليات تضليل محتملة في حملات البرمجيات الخبيثة السورية" في 2013.

لتواجه جيشاً

الحادث الذي لا ينساه دلشاد ارتبط بالناشط سنان آل رشي الذي اعتقل في دمشق صيف 2011. كانا يتواصلان عبر السكايب، يوماً، عندما وصلته رسالة من سنان: "خذ حمل هذا البرنامج .. سيساعدك في تغيير الآي بي أدرس (IP address) خاصتك لتحمي نفسك من مراقبة النظام"، تشكك دلشاد في الرسالة، حاول الاتصال بشخص يعرفه من تنسيقية حي ركن الدين في دمشق، فأكد له اعتقال سنان. في تلك اللحظة كان دلشاد قد اُستهدف عبر حساب شخص مخترق في قائمة الاتصالات لديه. لم ينظر دلشاد للموضوع كمأزق، وإنما "كان هذا الشيء كنزاً .. لأنه من الصعب جداً أن تجد الفيروسات بشكل مباشر، كنت أسمع من فلان أنهم استهدفوه بالفيروس وأخذوه… وكان اللابتوب أيضاً يؤخذ مع الشخص".

حول دلشاد المأزق إلى فرصة وعمل مع شركة أمريكية على تحليل الهجوم وتتبعه  للخروج بأول تقرير في 2012، يكشف أن الجيش السوري الإلكتروني يقوم بهجمات سيبرانية، "بالنسبة لي، كانت هذه المرة الأولى التي يصبح فيها الجيش السوري الإلكتروني معروفاً، بما يسمح  للشركات بمراقبتهم والإضرار ببنيتهم التحتية".

عن الماراثون الرقمي في سوريا

25 تموز 2025
بعد سقوط نظام الأسد تكاثرت الفعاليات الخاصة بالاستثمار وسوق العمل، ضمن سعي سوريين وسوريات في الخارج إلى نقل خبراتهم وتوطين معرفتهم التقنية داخل سوريا. ووسط التحديات الكثيرة التي تعاني منها...

شعر علاء وقتها بالسذاجة التي كانت لدى الحراك المعارض: "كان الناس يثقون بأي شخص لمجرد أنه ضد النظام.. واكتشفنا لاحقاً وجود عشرات الحسابات التي كانت فعلياً تخدع الناشطين، ومعظمها كانت حسابات بأسماء نساء". الخبراء التقنيون السوريون داخل وخارج سوريا كانوا يتابعون بحذر تحركات النظام رقمياً.

يعود علاء بالذاكرة لتلك المرحلة، الجيش السوري الإلكتروني كان أخطر ما فيها،  يقول إنه لم ينتبه لوجوده المنظّم إلا عندما سمع بشار الأسد يذكره ويشكره علناً لأول مرة، ليدرك أن ما يحصل في الفضاء الرقمي تجاوز الرقابة والاختراقات، لتأسيس جهاز كامل يعمل باستراتيجية واضحة "كانوا منظمين جداً"، ما فرض على النشطاء البدء ببناء وتعلم طرق جديدة وغير معلنة للتعامل مع هذا الجيش.

وفيما كنا في سوريا ما انحكت نعمل على نشر هذا النص، أعلن قسم الأمن القومي في وزارة العدل الأمريكية في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026 عن الحكم بالسجن 42 شهراً على السوري أحمد عمر أغا، بتهمة التآمر في عمليات قرصنة واسعة النطاق، نظمها وقادها أفراد من الدائرة المقربة للرئيس السوري السابق بشار الأسد، بمن فيهم قائد إدارة المخابرات العامة السورية، في الفترة الممتدة من 24 أغسطس 2011 وحتى 31 يناير 2024. وأدت إحدى هجماته إلى خسارة 136 مليار دولار مؤقتاً من أموال المستثمرين الأمريكيين في بورصة داو جونز، عملية كان قد تفاخر بها في وقت سابق.

وبعد أن توقف نشاطه منذ نهاية العام 2015، عاد حساب "الجيش السوري الإلكتروني" للنشر بعد الإعلان عن الحكم على أغا، ليقدم "كل الشكر والتقدير للولايات المتحدة الأمريكية على تعاملها الإنساني والراقي في قضية الهاكر المحترف أحمد عمر أغا بعد تسليم نفسه بملء إرادته وحريته للسلطات الأمريكية. والشكر موصول لحضرة القاضي، والمحامي، وإدارة السجن، ولكل من أشرف على القضية وتعامل معها بمهنية وإنسانية". وتشير تقارير إلى أن شريك أغا، فراس دردر، الذي يواجه اتهامات مماثلة، ما زال فاراً.

أخطاء وعثرات الحراك

كان علاء يتنقل بحذر شديد داخل دمشق بين 2007 و2010 لكونه متخلّفاً عن الخدمة الإلزامية، ولا يريد الالتحاق بالجيش. في آخر 2010 أصدر بشار الأسد عفواً عاماً عن المتخلفين، ليلتحقوا بالجيش دون تبعات أو يسافروا، "السفر إلى لبنان كان الحل المؤقت. كنت متفائلاً ككثير من الناس أني سأعود قريباً". في بيروت أصبح علاء أكثر انخراطاً في تنظيم مظاهرات مع مجموعات لبنانية والغرافيتي (فن البخ على الحيطان)، فيما كان الحراك في سوريا يكبر أمامه على الشاشة، ويتابع ما يحدث في تونس وليبيا واليمن: "أتذكر تماماً اللحظة التي أحسست فيها أن الثورة قريبة مني، عندما اُعتقل صديقي الصحفي".

علاء التقني المراقب لتحركات الحراك كان يرى الأخطاء التي يرتكبها النشطاء، خاصة لدى إرسال أقراص التخزين (الهاردات) من سوريا إلى لبنان ليتم مشاركتها مع قنوات التلفزة الإقليمية. هذا كان بحد ذاته سبباً كافياً للاعتقال والتعذيب ولربما الاختفاء في سجون النظام، ما دفعه لمشاركة معارفه التقنية بتشفير الأقراص العابرة للحدود مع سائقي سيارات الأجرة، الذين لم يكونوا يعرفون محتوى الفلاشات أو الهاردات، حتى لا يقع أحدهم في خطر.

بعضنا كان يقوم بحركات لا يمكن وصفها إلا بأنها (هبلة) كأن يخبئوا الهارد في صندوق السيارة، تحت الدولاب الإضافي، ويتركوا السيارة تمشي وحدها، كالتهريب باستخدام الحمير منذ زمن. وبما أن أغلب سيارات التاكسي بين بيروت والشام كانت شفروليه أمريكية قديمة وكبيرة، كانوا يرفعون قطعة البلاستيك في الصندوق ويحشرون الهارد داخلها. في بيروت، ينتظر أحدهم، يمثل أنه يساعد السائق، ويخرج الهارد من بين الأغراض

"بعضنا كان يقوم بحركات لا يمكن وصفها إلا بأنها (هبلة) كأن يخبئوا الهارد في صندوق السيارة، تحت الدولاب الإضافي، ويتركوا السيارة تمشي وحدها، كالتهريب باستخدام الحمير منذ زمن. وبما أن أغلب سيارات التاكسي بين بيروت والشام كانت شفروليه أمريكية قديمة وكبيرة، كانوا يرفعون قطعة البلاستيك في الصندوق ويحشرون الهارد داخلها. في بيروت، ينتظر أحدهم، يمثل أنه يساعد السائق، ويخرج الهارد من بين الأغراض".

حينها كان لا بد من تعميم تقنيات آمنة، كاستخدام تقنية  تروكربت للتشفير (TrueCrypt) قبل إيقافها، يوضح: "إذا تم الإمساك بالهارد نخسر القيمة المادية فقط وليس المحتوى. في تلك الفترة كان كل هارد يخرج من سوريا يعني حياة كاملة نهرّبها… ذاكرة، دليلاً، صوت ناس ليس لديها سوى هذا الطريق لتصل للعالم".

نشر المعرفة الرقمية 

في أوقات متفاوتة انتهج أسامة ودلشاد منهجاً متقارباً في نشر المعلومات التقنية، وبجهد شخصي بدأ كل منهما بشكل منفصل تخصيص وقت لتقديم تدريبات وتعميم المعرفة الرقمية، أسامة كان يقدمها من خلال السكايب من ألمانيا، "الناس التي تعرف عن توفر تدريب تخبر آخرين.. نحاول إيجاد حلول لمشاكل كل فترة.. كنت حريصاً ألا أوهم الناس أن ما يقومون به يجعلهم آمنين. كان التركيز في أغلب الوقت أن نخفف الخطورة، لأنه ما من طريقة لإلغائها بالكامل".

قدم دلشاد الدعم بشكل ميداني من خلال اتحاد تنسيقيات الثورة ولجان التنسيق والتنسيقيات المحلية، مثل تنسيقية أحياء دمشق ومجموعات طلابية في حلب. "في أكتوبر 2011 قمت بتدريب طلاب أغلبهم من كلية الاقتصاد ليحموا أنفسهم، ثم التقيت بنشطاء من حماة ودربتهم ليرفعوا فيديوهات المظاهرات". في إحدى جولاته المتكررة إلى مخيم اليرموك والحجر الأسود والقدم، التي كانت تضم تجمعاً كبيراً للنشطاء، "كنت أذهب لبيت أحدهم حيث يكون خمسة أو ستة أشخاص موجودين، أقضي معهم ثلاث إلى أربع ساعات، أولاً أفحص أجهزتهم وإذا ما كانت مخترقة. وقتها، كان الجيش السوري الإلكتروني في بداياته يصنع فيروسات، فكان جزء من الروتين لدينا أن نفحص الأجهزة، ثم نبدأ بتحميل تور في بي ان (TOR VPN) والتدريب على حماية أنفسنا رقمياً".

في البداية كان العمل على نشر المعرفة الرقمية مبنياً على مبادرات فردية، ثم بدأ نشطاء سوريون في الخارج بالاهتمام بالسلامة الرقمية. في تلك الفترة، بين 2011 و2012، تعارفت المجموعات وعملت مع بعضها، لكن بدء التسليح ومضي بعض المجموعات الرقمية في العمل مع فصائل مسلّحة، "كانت لحظة انشقاق الخط بيننا، نحن المجموعات السلمية والآخرون، المجموعات الداعمة للتسليح.. وتركنا بعضنا.. نحن صرنا نركز على النشطاء والصحفيين".

لاحقاً بدأت منظمات دولية مثل "سلامتك" ومعهد "صحافة الحرب والسلم" (IWPR) في تقديم تدريبات في السلامة الرقمية. عمل أسامة لسنوات مع "سلامتك" في تدريب النشطاء، بينما كان دلشاد قد انخرط في العمل مع المعهد منذ بداية الثورة، وتمكن من الحصول على دعم مالي ساعده على شراء أجهزة وخوادم VPN وغيرها من الأدوات التي كانت جديدة تماماً في ذلك الوقت. في وقت لاحق أصبح السفر ممكناً و"أصبحنا نستضيف ناشطين وناشطات من سوريا ندربهم على السلامة الرقمية، ونركز على أعضاء من لجان التنسيق أو اتحاد تنسيقيات الثورة أو مؤسسات إعلامية نشطة، ليدربوا شبكاتهم. كان تواصلنا يبقى مع من دربناهم لنعطيهم تحديثات كل فترة".

كانت الناشطة رباب البوطي منخرطة في المظاهرات والنشاطات الميدانية، غير مهتمة بالنشاط الرقمي ككُثر من النشطاء، عندما التقت دلشاد في أحد الاجتماعات السرية لتنظيم مظاهرة في دمشق، ورغم محاولة دلشاد إثارة اهتمام المجموعة، والتأكيد على ضرورة "الأمن السيبراني"، كما كان يُسمى حينها، إلا أنه لم يكن بذات أهمية الخروج للشوارع والنشاط الميداني.

في محاولتي الوصول إلى خبيرات في الأمن السيبراني ناشطات في تلك الفترة، بدا واضحاً التنميط الجندري في هذا المجال، إذ كان يُنظر له كمجال تقني بامتياز، ومن المفترض ضمنياً، أن يكون حكراً على الرجال. لكنني وصلت لناشطات تلقين تدريبات في الأمن السيبراني، إحداهن رباب. وعن تجربتها تقول: "عندها، كان من المهم أن نعرف أساسيات الأمن الرقمي على الأقل، وألا نبقى نعمل اعتباطياً ونكتب بشكل مفتوح على الماسنجر والسكايب. كان تعلم تشفير المعلومات والبريد الإلكتروني من الأدوات المهمة في تلك المرحلة". حاولت رباب بعد التدريب تمرير ما تعلمته لغيرها من الناشطات، واستفادت من التقنيات التي تعلمتها في مواقف حرجة من نشاطها لاحقاً.

هل عملنا بطريقة صحيحة؟

عندما تتحوّل الحرب إلى منتجٍ تقنيّ

11 تموز 2025
إنّ الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعيّ المبنيّة على منطق رأس المال الاستثماريّ تعتبر الحرب مرحلةً تجريبيّة والفشل تقدّماً.

يتحسر دلشاد على ضياع فرصة فهم النظام السابق تقنياً، الذي يعتبره "صندوقاً أسود"، ويتساءل إن كانت المبالغة في إجراءات الحماية في ذلك الوقت مبرَّرة فعلاً، لكون الرقابة تستدعي ذاك الحرص، أم إن الخوف من القمع الشديد كان الدافع إلى هذا المستوى من الاحتياط. "ضياع الوثائق الموجودة في السجون لحظة هروب بشار الأسد يماثل ضياع مثيلاتها من وزارة الاتصالات" حدث الأمر نفسه على الصعيد التقني. ويضيف "كنت أتمنى لو أن أحدهم استثمر في البحث عما كان يحدث داخل النظام في تلك الفترة. ما هي الأجهزة التي كانوا يستخدمونها، وكيف؟ ماذا كان دور وزارة الاتصالات؟.. بما أن بشار سقط، أريد أن أعرف! من المهم أن نعرف لندرك هل عملنا بطريقة صحيحة؟ أم إن عملنا كان خطأ من الناحية الحقوقية".

لا يزال القمع الرقمي اليوم مستمراً ضد حرية التعبير والنقد، بطرق قانونية وعبر رقابة رقمية من الحكومة المؤقتة. يصف علاء الرقابة والاستهداف وغيرها من الممارسات التي تقوم بها الحكومة الحالية، بأنها ليست في أفضل الأحوال سوى "فصائل إلكترونية"، حسب تعبيره، مقارنةً بالجيش الإلكتروني السوري الذي كان يمتلك بنية تنظيمية معقدة، لكنه لا يقلل من خطورتها في قمع الحريات وإسكات الأصوات الناقدة.

لاستعادة مستقبل سوريا الرقمي لا بد من الاعتراف بأن الوصول إلى الإنترنت ليس رفاهية، بل هو ركيزة للتعافي ورسم ملامح المرحلة المقبلة في سوريا، وأن ضمان بيئة رقمية حرة ومفتوحة وآمنة، سيفتح الباب أمام فرص جديدة لبنائها كما نحلم.

لا بدّ لنا من الحفاظ على تاريخ المعارك الرقمية خلال الثورة عبر سردها وأرشفتها، والتعمق في فهمها وتفكيكها وإجراء الأبحاث حولها. فإذا أردنا أن نتعلم من الماضي، بأخطائه، ولكن أيضاً بالدروس التي خرجنا بها كحراك ثوري، فعلينا ألا نترك هذه التجارب عرضة للنسيان. لقد مكّنت معارك الكرّ والفرّ هذا الجيل من التقنيين من النجاة من ماكينة الأسد الرقابية، واليوم، ومع التطور المستمر والمتسارع لأدوات الرقابة الرقمية، لا بد أن تكون معارك الخصوصية والأمن الرقمي أكثر شراسة.

مقالات متعلقة

ذاكرة الأرض والسيادة الغذائية

28 نيسان 2026
"لفّيت على سبع محلات بمناطق مختلفة من ريف إدلب، ريف السويداء للساحل السوري.. كان بدي اشتري أي بذور أصيلة، ما حدا كان عنده بذور أصيلة، غير الفلاحين والفلاحات نفسهم .....
سليقة القمح في سوريا .. حكاية احتفالية ترشو القدر

28 تشرين الأول 2026
تُلخِّص التحولات التي طرأت على طقس السليقة، أي تحويل القمح إلى برغل في سوريا، عقوداً من تاريخ سوريا الحديث، من احتفالية تراثية تتوارثها الأجيال في الأرياف، معبرة عن البركة والوفرة،...
استطيقا الخرائب: تأمّلات في خرائب المدن المُدمّرة بفعل الحروب المعاصرة

26 حزيران 2026
أمام أطلال بصرى نتأمّل الحجارة ونحن آمنون. أمام خرائب جوبر والموصل نتأمّل ونحن مجروحون. وفي الحالتين يبقى التأمل فعلاً إنسانياً ضرورياً، لكنه في الحالة الثانية أقرب إلى الفريضة الأخلاقية منه...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد