إلامَ يمكننا إحالة طقس السليقة أو تحضير مؤونة القمح والبرغل في سوريا، وفي بلاد الشام عموماً؟ أهو مجرد ذاكرة اجتماعية، وموعد سنوي للفرح، بتحضير وتجهيز أهم موارد الطعام لسنة كاملة، أم أنه مؤشر يغذي الإحساس بالأمان في مجتمعات غير قادرة على توفير هذه المتطلبات طيلة العام؟ أم عادة ارتبطت بذاك الشعور العميق بالوفرة والبركة، تجعلنا راضين عن أنفسنا، ومتجذرين في أرض تمدنا بالكرامة قبل الطعام؟ أم أننا نتمسك بهذا الطقس، على الرغم مما يتطلبه من مجهود، كي نرشو القدر والحياة والزمن ونقول لهم: "لقد جهزنا مؤونتنا لعام كامل، لقد جهزنا كل شيء من أجل أن نحيا نحن وأطفالنا طيلة هذا العام. نعم جهزنا وتعبنا طيلة الصيف، لقد كنّا جدّ مجتهدين، فكونوا لنا جدّ أوفياء".
ولكن هل كانت رشوتنا كافية فعلاً، لتبقى السنابل والصوامع وسقائف البيوت وبيوت مؤنتها بخير؟ هل كانت الأهازيج التي ترافق طقس السليقة، ذا رائحة الخير والحب القادمة من بين حبات القمح الذهبية، قادرة على حماية الحناجر والبيوت من القنابل والموت والنزوح والشتات والاعتقال والمجازر؟، وكيف يمكن للعالم أن يخذل بلداً كان أول من زرع السنابل وطحنها وعجنها وسلقها وحولها برغلاً وطبخها، ويتركه لمصيره، لتجوع فيه السنابل، وتعلن العصيان على المنجل والأيدي التي زرعتها، ويسكن الوطن اليباس؟
مهرجان السليقة وصناعة البرغل قبل 2011
كرائحة الأرض بعد أول مطر، كزائرة بحلة العيد، كانت تأتي الحلة (وعاء السلق) أو الخلقينة إلى حارتنا، تسبقها رائحة السنابل في شوالات القمح القادمة من البيادر إلى بيوت الفلاحين، وعرق الحصادين وتعبهم، وفرح الأمهات وأوجاعهن، التي تكبر كأعمارهن كل عام، وبهجة الأطفال ولمعات عيون المراهقين والمراهقات.
تأتي الخلقينة بموكب من رجال يحاولون إنزالها عن المركبة التي حملتها، لتستقر في أول البيوت، على مكان خُصِّص مسبقاً لاستقبالها، أمام باب البيت الخارجي عادة، في فسحة صغيرة أمام البوابة، مجهزة بعدد من الحجارة التي تشكل دائرة بداخلها أعواد الحطب.
تجلس السيدة الخلقينة على هذا الموقد المعد لها سريعاً كملكة متوجة بتاج البركة، ليبدأ طقس صويل القمح أولاً؛ أي تنظيفه تماماً مما علق به من تراب وغبار وبحص، فتمتلئ أرض باحة بيتنا الواقع في قرية القريا جنوب مدينة السويداء، بعدد كبير من الأواني البلاستيكية أو الدائرية المصنوعة من الألمنيوم، والتي تسمى حالياً "جاط" أو"لكن". تجلس كل واحدة منا، نحن البنات، أمام أحد هذه الجاطات، وتبدأ أمي بجاطها الأول والأكبر الذي تملؤه بالماء، ثم يملؤه لها والدي قمحاً من أول (شوال) كيس قمح، تحرك أمي القمح في الماء جيداً، ثم وبكلتا يديها تبدأ بأخذ القمح من جاطها إلى جاطي المليء بالماء بجانبها، حيث سأقوم أنا بنفس الحركات ثم أنقل القمح بيدي الاثنتين معاً إلى جاط أختي الأصغر مني، وهي ستقوم بنفس العملية وتأخذ القمح إلى جاط أختي الصغرى، ثم يأتي والدي ويأخذ القمح الذي أنهى مرحلة "الصويل" إلى الخلقينة المعبأة ماءً بدأ يسخن.
وهكذا تتكرر العملية حتى تفرغ شوالات القمح، وتمتلئ الخلقينة بما يزيد أحياناً عن مئة كيلو من القمح، ويقضي والدي أكثر من ساعة وهو يطعم النار تحت الخلقينة بالحطب ويحرك القمح إلى أن تبدأ الحبات بالاستواء، بعد أكثر من ساعتين، عندها تبدأ أمي بطلب الصحون من المطبخ كي تسكب عشرات الصحون لجيراننا وأصدقائنا، مرددة: "الرزق يجب أن يذوقه كل من يحبوننا قبل أن نذوقه نحن".
بعدها يبدأ مهرجان حمل القمح المسلوق المصفى إلى سطح بيتنا، الذي افترشته الشراشف، كي تستقبل القمح المسلوق وتقدمه إلى الشمس التي ستجففه كما تفعل الحرب ونارها في القلوب. تتجمع نساء وصبايا الحي منذ بدأ وضع النار تحت الخلقينة، ويتكاثرن عند استواء القمح، وتنده الجارات على أولادهن وبناتهن كي يجلبوا معهم السطول النظيفة، ويأتوا لمساعدة جيرانهم في حمل القمح إلى السطح. كانت هذه أجمل فقرة عندي، إذ كانت تعني الاقتراب الحقيقي بين كل الجيران، نتبادل نحن الصبايا الضحكات، فيما نفرش القمح على الشراشف. سترسلنا أمي كل صباح إلى سطح المنزل كي نحرك ذاك القمح قليلاً.
بعد ثلاثة أو خمسة أيام ستجمعه من السطح وتعيده إلى "شوالاته" وتمضي به إلى المطحنة لتعود بعد ساعات ومعها شوالات من البرغل الخشن أو ما يعرف ببرغل الطبيخ، وعدد أقل من البرغل الناعم أو ما يعرف ببرغل الكبة، وسنمضي سهرتنا في تلك الليلة ونحن نغربل النوعين من البرغل ونتأكد من نظافة كل كمشة منهما قبل أن نضعهما في الشوالات ونحملها إلى السقيفة أو إلى تلك الغرفة التي كنا نسميها بيت المونة، حينها فقط يمتلئ قلبا أمي وأبي بالطمأنينة والحبور بتلك البركة التي أصبحت الآن جالسة في مكانها.
لطالما ذكرني طقس السليقة هذا بآخر مصغر عنه، تقيمه الأم عند ظهور أول سن لطفلها الرضيع، وهو ما يسمى سليقة السنونية، وفيه تسلق الأم في بيتها كمية كبيرة من القمح قد تصل إلى خمسة كيلوغرامات في دست كبير، وتضيف له اليانسون ليعطي السليقة طعماً مميزاً، وما أن تنضج، حتى تدعو الجيران والأقارب والأصدقاء إلى بيتها لتقديم القمح المسلوق وفوقه جوز الهند والسكر وقطع الشوكولاتة الصغيرة الملونة، أو تقوم بسكب صحون لكل هؤلاء وتزينها بجوز الهند والسكر والحلويات، وترسلها إلى بيوتهم، وعادة ما تعود هذه الصحون مليئة بالسكر أو بالحلوى.
ومن الجدير بالذكر، أن العائلات في السويداء تعد مؤنة من البرغل، أكثر بكثير من باقي المناطق السورية، فطبقها المحلي التقليدي الأساسي هو المنسف أو (الملحيّه)، يعتمد على كميات كبيرة من نوعي البرغل: البرغل الخشن أو برغل الطبيخ، الذي يُطبخ عوضاً عن الرز، والبرغل الناعم أو ما يُسمى برغل الكبة، نسبة إلى الكبة التي يجب أن توضع على وجه المنسف.
ولم تكن أية عائلة في السويداء تمضي عامها دون أن تعد المنسف على الأقل عشرين مرة، كما أن هذا الطبق الكبير يشكل الطعام الأساسي في كل حفلات الأعراس والأفراح وحفلات استقبال الضيوف من مدن أخرى أو قرى بعيدة وحفلات "العزائم" ونجاح الأبناء وتخرجهم.
قبل أن أعيش تجربة الانتقال والسكن في المدينة الجامعية في دمشق لخمس سنوات، لإكمال دراستي في كلية الصيدلة في جامعة دمشق بين عامي 1987 و1992، كنت أعتقد أن طقس السليقة مقتصر على قريتي الصغيرة القريا التابعة لمحافظة السويداء، لأن أهلها يزرعون القمح ويعتبرون البرغل من أهم دعائم غذائهم، معتبراً أن ذلك يعود أيضاً لبعض عادات البداوة في المنطقة.
نظرتي البدائية تلك تغيرت تماماً بسرعة، إذ كانت أول صديقة لي في السكن الجامعي، والمتحدرة من الساحل السوري، قد جلبت معها برغل الساحل الأحمر المميز، وفاجأتني بأن هذا البرغل قد "أكل من يدي ويدي أمي شقفة، طلعت عيوننا ونحنا نصوّل ونسلق وننشف ونجرش"، لأدرك أن كل مناطق الساحل السوري تسلق القمح مثلنا وأنهم أيضاً يسمون الطقس بالسليقة، لكن الوعاء المستخدم يسمى بالحلة، وفي بعض القرى بالجعيلة، وينبغي له أن يكون مصنوعاً من النحاس أو الحديد، بالإضافة إلى (القصة) التي تعتبر أكبر هذه الأوعية وقد يعادل حجمها نحو ثلث برميل. ويُوقد الحطب تحتها، ويستمر التحريك بواسطة كبجاية كبيرة خشبية أو معدنية حتى لا تلتصق حبات القمح ببعضها، ولعل أكثر ما كان يميز طقس السليقة في الساحل السوري، هو سلق عرانيس الذرة إلى جانب القمح في بعض القرى، وهو ما لم أعرفه البتة في منطقتي التي لا تزرع الذرة كثيراً، بسبب قلة هطولاتها المطرية.
بالإضافة إلى أغاني شفان التي ملأت جلساتنا معاً، سألتها عن السليقة وعرفت منها أنهم في عفرين يسمون القمح المسلوق اسماً كردياً، لم أكن قد سمعته في حياتي، دانوك (Danûk)، وأنهم يقومون بنفس تفاصيل طقس السليقة الذي تربيت عليه، ويسري ذلك على الحسكة وعين عرب/كوباني والقامشلي وغيرها من مناطق الجزيرة التي يسكنها الأكراد السوريون، وقد يطلق على الوعاء اسم الحلّة، وأحياناً يطلق عليه أيضاً وعاء الدانوك.
حديثي مع صديقتي الأقرب لروحي، ابنة الساحل السوري، ولّد لديّ فضولاً دفعني للبحث عن هذا الطقس في مختلف محافظات سوريا. وبالنظر إلى كون كلية الصيدلة في جامعة دمشق، الوحيدة في سوريا حينذاك، كانت تجمع طلاباً وطالبات من مختلف المحافظات، ما جعلها مكاناً غنياً ثقافياً ومعرفياً، وجعلنا كلنا نعيد التعرف على بعضنا بعضاً من جديد. كانت زميلتي في مجموعة القسم العملي قادمة من عفرين، وعبرها تعرفت على الأكراد في سوريا، ولم أكن أعرف عنهم إلا القليل والسطحي. بالإضافة إلى أغاني شفان التي ملأت جلساتنا معاً، سألتها عن السليقة وعرفت منها أنهم في عفرين يسمون القمح المسلوق اسماً كردياً، لم أكن قد سمعته في حياتي، دانوك (Danûk)، وأنهم يقومون بنفس تفاصيل طقس السليقة الذي تربيت عليه، ويسري ذلك على الحسكة وعين عرب/كوباني والقامشلي وغيرها من مناطق الجزيرة التي يسكنها الأكراد السوريون، وقد يطلق على الوعاء اسم الحلّة، وأحياناً يطلق عليه أيضاً وعاء الدانوك.
علمت منها أيضاً أن المنطقة تقوم أيضاً بسليقة أو سليجة أخرى، تقوم على سلق القمح مع البقوليات، وعمل أكلة خاصة، غنية جداً غذائياً، مشابهة لتلك التي نسميها في منطقتنا بالمخلوطة، التي يضاف لها البصل المبروش والكمون.
بمواصلة البحث، عرفت أيضاً أن سكان دمشق، وعلى نطاق أوسع في ريفها، يسلقون القمح، ويطلق على الوعاء المستخدم لذلك تسمية الجعيلة في منطقة دير عطية، وأيضاً يسمونه الخلقينة أو الخلقين، ويُصنع عادة من النحاس، ويتسع لأكثر من 500 كيلوغرام من القمح، ويمر طقس السليقة بنفس المراحل وتصاحبه الأهازيج الجميلة التي تضيف لروح هذا الطقس طعماً صوتياً روحياً لا ينسى.
أما في حمص وحماة، فقد عرفت من زميلي في الكلية، أن العائلة تقوم بعد الحصاد بتصويل القمح وغمره بالماء ثم سلقه في الحلّة، حيث تُخفف النار تحته ويُغطى بأكياس الخيش لإتمام النضج بالبخار، ثم يُجفف لمدة 3–5 أيام، في طقس جماعي يجتمع فيه الأهل والجيران. ويتناول الأطفال السليقة الساخنة مع السكر والسمنة، وهذه إضافة لا نقوم بها في السويداء.
وكان طقس السليقة لدى جارتنا درعا، الأقرب إلينا في السويداء، يستمر جماعياً لعدة أيام، شأنه شأن الحصاد، ترافقه الأغاني الشعبية الخاصة بها، وتُوزع خلاله صحون السليقة مع القليل من السكر، على الجيران وعلى كل الأطفال المشاركين، ويسمون الوعاء الكبير بالحلة، لكنها أصغر من خلقينة السويداء.
أعوام الثورة والحرب والموت
لكن كل تلك الطقوس المليئة بالحب والخير والدعوات، لم تستطع حماية الأرواح والقرى والأرض والقمح والسليقة من نار الحرب وشبح الجوع وجحيم التشرد والنزوح في عقد ونصف مضى. معظم الأراضي السورية التي كانت تُزرع قمحاً، زرعتها الحرب قنابلَ وحرائقَ وألغاماً تنفجر في وجه أهلها، ومعظم الأيادي التي كانت تزرع وتحصد القمح، حصدتها الحرب وطحنها الموت تحت سقوف البيوت التي كانت تحتوي مؤونة القمح المسلوق، ومعظم النساء اللواتي كن يقمن بتصويل القمح وسلقه وتوزيعه، توزعن بين المخيمات وقوارب الموت المطاطية التي حملت بعضهن إلى أوروبا. غرق أطفال بعضهن، قبل أن يطبخن لهم السنونية.
لقد حولت الحرب سوريا من بلد يحقق الاكتفاء الذاتي، مع فائض للتصدير، بإنتاج كان يزيد عن أربعة ملايين طن سنوياً قبل 2011، إلى بلد فقير في إنتاج القمح، يقارب إنتاجه 1.2 مليون طن، حيث خرّبت العمليات العسكرية صوامع تخزين الحبوب، ومحطات تصفية وغربلة البذور، وشبكات الري الحكومية الضخمة مثل شبكات ري الفرات، وتسبّب العجز في إنتاج الطحين باستيراد ملايين الأطنان من القمح سنوياً معظمها من روسيا، المساهمة بدورها في تدمير البلد وتدمير إنتاج القمح فيها، الأمر الذي شكّل استنزافاً هائلاً للقطع الأجنبي، وجعل البلاد تعتمد أكثر على المساعدات والواردات الخارجية.
ربما تكون الرقة من أكثر المحافظات التي شهدت تراجعاً كبيراً في المساحات المزروعة بالقمح على ضفاف نهر الفرات، خاصة بين عامي 2014 و2015، وذلك بسبب العمليات العسكرية التي بدأت بقصف النظام لها ثم تسليمها لداعش، وأيضاً بسبب غلاء وقود الديزل اللازم لتشغيل مضخات الري وارتفاع أسعار الأسمدة. كما تعرضت صوامع شركراك شمال الرقة، قرب عين عيسى، للقصف والتخريب، حين تحولت إلى خط تماس عسكري مباشر، الأمر الذي أخرجها عن الخدمة. كما تضررت مشروعات ري الرقة (حوض الفرات الأوسط)، فقد دُمرت كل قنوات الري المفتوحة نتيجة التفجيرات وتراكم الأنقاض، إضافة إلى انقطاع التيار الكهربائي المغذي لمضخات الرفع الحكومية.
وانخفض الإنتاج في دير الزور إلى مستويات شبه معدومة في العديد من الأراضي الزراعية القريبة من نهر الفرات نتيجة المعارك الشديدة وسيطرة التنظيمات المتشددة وتدمير شبكات الري وخاصة مشروع ري القطاع السابع (ريف دير الزور الشرقي - البوكمال)، حيث تعرضت محطات الضخ العملاقة وقنوات الري الإسمنتية الممتدة فيه للتدمير المباشر وسرقة المحركات والمضخات خلال معارك السيطرة بين الأطراف المتنازعة.
هجرت الحرب وقتلت آلاف الفلاحين في ريف حلب الشمالي والشرقي وأبعدتهم عن أراضيهم، كما تضررت قنوات الري وشبكات الإمداد بالبذور والأسمدة، الأمر الذي أخرج مساحات واسعة من الدورة الإنتاجية لفترات طويلة. وتعرضت صوامع منبج في ريف حلب الشرقي لدمار كبير وقصف جوي مركز نتيجة تحصن مسلحي تنظيم داعش داخلها وفي الأنفاق المحيطة بها، وتعرض مقر مركز إيكاردا الرئيسي (تل حديا - ريف حلب الجنوبي، الذي كان يضم بنك الجينات والأنظمة الحيوية للبذور في الشرق الأوسط، للتخريب والنهب وخروج الكوادر الفنية بالكامل عام 2015، نتيجة وقوعه على خطوط المواجهة. كما تضررت شبكات ري مسكنة وغرب مسكنة (ريف حلب الشرقي)، وتدمرت قنوات الجر الرئيسية ومحطات الضخ المغذية لها، والتي تستجر المياه من بحيرة الأسد سابقاً، مما أدى إلى جفاف آلاف الهكتارات المخصصة لزراعة القمح.
وتأثرت زراعة القمح البعلي (المعتمد على مياه الأمطار) في إدلب وحماة وحمص بسبب موجات الجفاف، إلا أن العمليات العسكرية وارتفاع أسعار الوقود جعل الفلاحين عاجزين عن تعويض النقص بالمياه الجوفية، كما تضررت محطات تصفية البذور في ريف حلب الشمالي وريف إدلب نتيجة القصف، مما أفقد المزارعين القدرة على استلام بذور معقمة ونقية محلياً لسنوات طويلة.
قبل عام 2011، كانت زراعة القمح في الساحل السوري شبه منسية، حية فقط في ذكريات الأهالي، نظراً لتوجه المنطقة تاريخياً نحو المحاصيل الأكثر ربحية كالحمضيات، والزيتون، والتبغ، والزراعات المحمية (البيوت البلاستيكية)، لكن الأزمات الاقتصادية الخانقة، وغلاء الطحين والخبز، وارتفاع أسعار الأعلاف لتربية المواشي، خلال سنوات الحرب، دفعت مئات العائلات في ريف جبلة وبانياس والدريكيش إلى العودة لفلاحة أراضيهم وزراعتها قمحاً، لتأمين قوتهم اليومي، إلا أن طبيعة الأراضي الزراعية في الساحل جبلية وضيقة، الأمر الذي جعل الزراعة محدودة، مخصصة للعائلة وللاستهلاك المنزلي، لا التسويق التجاري.
من جانب آخر، لعب الساحل السوري دور الشريان والمخزن البديل لبقية المناطق، لكونه الأكثر استقراراً وأماناً جغرافياً. بقيت صوامع الحبوب العملاقة في مرفأ اللاذقية ومرفأ طرطوس تعمل بكامل طاقتها الاستيعابية، ولم تكن تُخزن الإنتاج المحلي فحسب، بل كانت الركيزة الأساسية لاستقبال بواخر القمح القادم من روسيا.
وعلى الرغم من اختلاف وضع الجنوب السوري قليلاً في فترة الحرب عن باقي المحافظات السورية، إلا أنه عانى أيضاً من صعوبات بالغة، فيما يتعلق بصوامع التخزين الأساسية، وعجزاً في تأمين موارد الطاقة للمضخات الجوفية. ونالت البنية التحتية في محافظة درعا، التي تعد سلة خبز الجنوب وأهم مناطق إنتاج القمح القاسي في سوريا، نصيباً كبيراً من الضرر، حيث تعرضت صوامع نوى (ريف درعا الغربي) التي كانت تُعد من المراكز الاستراتيجية لتخزين قمح الجنوب، لأضرار فادحة وتفجيرات خلال سنوات المعارك. كما خرجت صوامع اليادودة وغرز عن الخدمة لسنوات طويلة نتيجة وقوعها في مناطق الاشتباكات، الأمر الذي أجبر الفلاحين على تخزين القمح في مستودعات مكشوفة أو تكبد تكاليف نقل باهظة لتهريبه أو شحنه إلى المحافظات المجاورة. كما تسببت الحرب في تدمير شبكات خطوط نقل الكهرباء المغذية للمضخات الزراعية وسرقة محولات الطاقة.
سلام (أم أمير)، سيدة كانت تعيش مع زوجها في قرية الدور في الريف الغربي لمحافظة السويداء تقول: "دخل علينا ما يقارب الثمانية مسلحين، بدأوا بنقل ألف كيلو من القمح إلى سيارتهم، وكرروا ذلك في كلّ منازل القرية، أخذوا القمح من المستودعات، ورأيتهم بعد ذلك يحرقون الحصاد الذي ما زال على البيادر".
كانت زراعة القمح في السويداء بعلية كلياً تقريباً، تعتمد فقط على مياه الأمطار. وتمثلت الأضرار طيلة فترة الحرب وقبل سقوط الأسد، في غياب المراكز اللوجستية وتأخر الدعم، حيث تفتقر المحافظة تاريخياً لصوامع تخزين خرسانية عملاقة. ومع غياب الدعم الحكومي خلال سنوات الحرب وخاصة بين عامي 2022 و2024، عندما عاقب الأسد المحافظة بسبب الحراك الذي قام فيها في ساحة الكرامة، ارتفعت أسعار بذار الإكثار المحسنة وأسعار المازوت، وعزف آلاف الفلاحين عن المغامرة بالزراعة خوفاً من الخسائر المالية، كما أدت الظروف الأمنية في أطراف المحافظة، إلى تحول مساحات واسعة إلى أراضٍ بور.
أما القنيطرة والتي تعتبر المحافظة الأصغر مساحة، ذات الخصوصية الأمنية المعقدة، فقد تأثرت زراعتها بشكل كبير، خاصة وأنها لا تمتلك صوامع كبرى لتخزين الحبوب، كما تعطّلت السدود فيها (مثل سد المنطرة وسد كودنة) بسبب استهداف الأراضي.
قمحنا بعد السقوط
على نحو بدا إعجازياً، سقط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/كانون الأول عام 2024 سقط نظام الأسد، واستيقظت معه الآمال والأحلام، ومنها عودة القمح إلى ما كان عليه يوماً، وعودة العائلات للاجتماع، لتصوله، وتسلقه وتوزعه صحون حب من جديد. لكن مجازر طائفية، بلغ ضحاياها الآلاف، ارتكبتها قوات تابعة للحكومة الانتقالية الجديدة أو متعاطفة معها في الساحل السوري ولاحقاً في السويداء، أحالت تلك الأحلام سراباً.
أكثر من 1600 شخص من العلويين، أُزهقت أرواحهم خلال أيام في ربيع 2025، أناس كانوا يسلقون القمح كل عام كنذر، كي يعيشوا مع أولادهم للعام القادم، لكن النذور لا تفهم لغة الرصاص. هجر الفلاحون أراضيهم وصاروا يخافون الابتعاد عن منازلهم والذهاب بعيداً في الأرض. بعد آذار سقط الفرح السوري العظيم في حفرة المخيم ذاتها، ليكتمل المشهد في مجزرة تموز الأسود في مدينتي السويداء، وليحترق الأمل كاملاً، وليغطي رماده كل حلم بالنجاة.
هكذا وبعد دخول قوات الحكومة الانتقالية ومجموعات مسلحة من العشائر إلى الريفين الغربي والشمالي من محافظة السويداء كانت الحصيلة حسب ما وثقته الأمم المتحدة تمثل أكثر من 1800 شهيد مدني خلال يومين من المجزرة.
ذاكرة الأرض والسيادة الغذائية
لكن ما وثقه عويل الأمهات كان أكثر من ذلك، 34 قرية نُهبت وقُتل وهُجر كل من كان يسكنها، حُرقت كل بيوتها مع كل ديارات العنب التي كانت تستقبل كل زائر بحلاوة لا تضاهى. سُرق كل القمح الذي كان مخزناً فيها، وكان ينتظر أن يُصوّل ويُسلق ويُجفف ويصير برغلاً لأطيب المناسف والكبة التي تستقبل السويداء بها كل زائريها، وذُبحت الأيادي التي كانت تفلح الأرض وتزرع القمح وتحصده وتسلقه وتطبخه منسفاً مليئاً بالكبرياء والكرم.
وكذلك حُرم أكثر من 200 ألف شخص من أراضيهم وبيوتهم وقمحهم ومن طقس السليقة الجميل، وصاروا في مراكز إيواء مكتظة بالوجع والخذلان والجوع والقهر على أرض يستطيعون أن يشاهدوها بالعين المجردة لكنهم لا يستطيعون الوصول إليها.
سلام (أم أمير)، سيدة كانت تعيش مع زوجها في قرية الدور في الريف الغربي لمحافظة السويداء تقول: "دخل علينا ما يقارب الثمانية مسلحين، بدأوا بنقل ألف كيلو من القمح إلى سيارتهم، وكرروا ذلك في كلّ منازل القرية، أخذوا القمح من المستودعات، ورأيتهم بعد ذلك يحرقون الحصاد الذي ما زال على البيادر". أما رئيس الجمعية الفلاحية في قرية الصورة الكبرى، خالد عليوي فيقول: "إن إجمالي أراضي القرية يبلغ نحو 28 ألف دونم، كلها لم تُزرع من قبل أصحابها هذا العام، فيما سُرق أو حُرق نتاجها في 2025".
وعلى الرغم من اعتبار اتفاقيات جنيف حرق المحاصيل أو الأراضي الزراعية دون ضرورة عسكرية، انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، ومن حظر المادة 46 من لوائح لاهاي مصادرة الملكية الخاصة أثناء النزاع، وتأكيد نظام روما الأساسي أن نهب المحاصيل والمعدات الزراعية من الأفعال التي قد ترقى لجريمة حرب، إلا أن القسم المحصود من قمح قرى السويداء الأربع والثلاثين قد سُرق بالكامل، وحُرق ما تبقى من المحاصيل، ولم يعد هناك مكان فيها ليضع الأب الحطب ويجهز مكاناً لتجلس الخلقينة، فالحطب الوحيد الآن هو بيته الذي احترق أمام عينيه، وذكرياته التي تفحمت، وكرامته التي اغتيلت وهو يجلس في مركز للإيواء، ولم تعد الصبايا تصول القمح وتغني بل أصبحن منزويات في المركز كأرامل هذا الوطن الكثيرات اللواتي يصولون كل يوم حزنهن من الغبار ثم يسلقنه في خلقينة الخذلان، ولا أطفال يتسابقون بحمل القمح المسلوق إلى السطوح بل صاروا يتسابقون بالوصول للمعونات الشحيحة.
وعلى الرغم من رفع زيادة الأمطار في الموسم الماضي إنتاج باقي الأراضي غير المحتلة في المحافظة بشكل لافت، لكن هذا التحسن الزراعي اصطدم بارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج والحصاد وبمشكلة السيولة وتأخير تسديد مستحقات الفلاحين، فبعد أن بدأت مديرية المطاحن في السويداء، بالتنسيق مع المؤسسة السورية للحبوب في الرابع من يوليو/تموز 2026 ، لأجل استلام القمح من المزارعين في مركز مطحنة أم الزيتون، أعلن اتحاد فلاحي السويداء في العاشر منه، أن الدفع سيتم وفق الإمكانات المالية المتاحة، عبر "شام كاش" عند توفرها، أو عبر المصرف الزراعي في السويداء أو دمشق بحسب توفر السيولة.
وحتى تاريخ كتابة هذه الأسطر، لم تُدفع للفلاحين في السويداء (أمرٌ يسري على باقي المحافظات) أية مبالغ عوضاً عن محصولهم السنوي، ولا يزال أهل محافظة السويداء، وعلى الرغم من بلوغ إنتاجها هذا الموسم قرابة 15 ألف طن، يعانون من حصار خانق يُمنع عنهم الطحين لفترات طويلة.
وهكذا لم تركب الخلقينة هذا العام في حارتي هناك في بلدتي القريا، وأنا لا أزال أسأل أمي كل صباح فيما إذا كان لديهم ما يكفيهم من الخبز والبرغل، ثم أسلق أحلامي وأوزعها على الجيران هناك طازجة وشهية. حين يجوع الخبز ستنهض السنابل، ستفتش عن حبها، وحين لا تجده ستقتل نفسها، وسيسكن الوطن اليباس.







