في سجن كفرسوسة بدمشق .. شهادة عن إيداع النساء قيد التحقيق


تروي سيدة دمشقية في هذه الشهادة تجربتها في سجن كفرسوسة، بعد تعرضها للاعتقال بداية العام الحالي، بتهمة ملفقة، وفقاً لها، تنشرها سوريا ما انحكت لتسلط الضوء على واقع مراكز الاحتجاز في سوريا ما بعد سقوط نظام الأسد، منوهة إلى تعذر التحقق من الكثير من البيانات الواردة فيها، لوقوعها في مركز احتجاز مغلق. 

09 تموز 2026

سليمان نبيل

اسم مستعار لكاتب صحفي سوري

عمري اثنان وأربعون عاماً، وأنا من دمشق. أراد أحد أقربائي إجباري على التنازل عن منزلي له، من خلال  إلصاق تهمة "السحر والشعوذة" بي، وإدخالي بحجتها إلى السجن. قضيت ستة أيام في السجن، أربعة في قسم النساء في سجن كفرسوسة، واثنان في سجن محكمة القصر العدلي في دمشق.

لا زيارات

جاءت سيارة الشرطة. كبلوا يديّ، واقتادوني إلى سجن كفرسوسة، وهو سجن تودع فيه النساء قيد التحقيق، قبل نقلهن إلى المحكمة. هناك، أخذوا مني كل شيء: حقيبتي وأوراقي ومفاتيح بيتي وهاتفي؛ لم أستطع استرداد تلك الأشياء  لأكثر من شهر، رغم المتابعة ودفع أولادي المصاريف. أُدخلت السجن بالثياب التي كنت أرتديها فقط.

الزيارة كانت ممنوعة. كل من حاول الوصول إليّ كان يُعاد عند الباب، رغم توسلهم لزيارتي والاطمئنان علي. معظم النساء هناك لم يستطعن التواصل مع أهلهن منذ أشهر. لا زيارات، ولا طعام، ولا ملابس تصل إليهن. كثيرات لا يحفظن أرقام هواتف أهلهن، وأملهن الوحيد معلق بخروج إحداهن من السجن لتنقل رسالة شفهية إلى العائلة، وهو أمر نادر وصعب.

عند مدخل السجن يقف ثلاثة مسلحين: أبو ربيع وأبو مجد ورئيس القسم أبو فيصل. في أحد الأيام، عند الساعة الرابعة عصراً، جاء محقق يُدعى أبو أمجد أو أبو مجد، حنطي البشرة، ملتحٍ، بوجه متجهم، توسلت إليه أن ينقلني إلى مكان أكثر أماناً، لتعرضي للضرب من قبل سجينات أخريات. كنت قد نشرت ملابسي على حبل غسيل مخصص لزعيمة القاووش المقربة من إدارة السجن دون أن أعلم أنه يخصها، فاعتدت علي بالضرب دون أي تدخل من العناصر.

لم يجبني. أمسك كرسياً كان أمامه، أرجله من المعدن، ومقعده من بلاستيك قوي، رفعه، وبضربة واحدة على الأرض، حطّم الكرسي إلى قطع متناثرة. من هول ما رأيت… أو مما تخيلت أنه قد يفعله بي باستخدام ذلك الكرسي… فقدت توازني، وترنحت، وكدت أفقد الوعي.

وُضعت في واحدة من ست غرف مكتظة، وامتلأت الممرات بسجينات في أوضاع مزرية، بعضهن يعانين من أعراض نفسية قاسية. تحكم المكان نساء ذوات سلطة وقوة مرتبطات بشكل مباشر بإدارة السجن، يصدرن الأوامر داخل هذا الظلام، ويحصلن مقابله على فتات يسمونه امتيازات، كشأن حبل غسيل مخصص لنشر ملابسهن وحدها فقط.

إحدى السجينات، المعروفة باسم "أم عبد الله"، تقوم بتأمين المواد الأساسية للسجينات بأسعار مضاعفة، وسط شبهات بتواطؤ إداري، نظراً لتمتعها بسلطة واعتبارات خاصة داخل السجن. هناك سوق داخلية غير قانونية لبيع السجائر، يصل فيها سعر سيجارتين إلى خمسة آلاف ليرة سورية، تبيعها السجينات المتنفذات.

في السجن غرفتان تسميان بغرف VIP، يُمنع التحدث عنهما أو طلب الانتقال إليهما. إحداهما على اليسار، تحتوي على حمام خاص، والأخرى فيها سخانة ليزرية. لا يُسمح بلمس أي شيء فيهما إلا لمن يرضون عنها، من تدفع المال لهنّ وتخضع لأوامرهن وتضحك للسجانين وربما تخرج معهم إلى المكتب مقابل إجراء مكالمة!

لم يجبني. أمسك كرسياً كان أمامه، أرجله من المعدن، ومقعده من بلاستيك قوي، رفعه، وبضربة واحدة على الأرض، حطّم الكرسي إلى قطع متناثرة. من هول ما رأيت… أو مما تخيلت أنه قد يفعله بي باستخدام ذلك الكرسي… فقدت توازني، وترنحت، وكدت أفقد الوعي.

في الطرف الآخر من السجن، كنا نسمع أصوات رجال وشباب يُعذبون أثناء التحقيق، لا يمكن احتمالها. بعض السجينات كنَّ يصرخن عندها. مرةً، تدخلت إحدى السجينات دفاعاً عن شاب كان يُعذَّب، رفع المحقق المسدس في وجهها، فسقطت أرضاً. ومنذ ذلك الوقت، وهي تتحدث بصعوبة شديدة. عندما دخلت سجن المحكمة في الأسفل رأيتهم يُعرُّون الشباب بالملابس الداخلية ويجلدونهم في "حفلة استقبال" كما كانوا يسمونها في عهد النظام السابق.. رأيت شاباً "مشبوحاً" من يديه، ولم أستطع أن أفعل شيئاً إلا الدعاء والتعاطف معه بعيني.

حوامل وقاصرات

كان معنا خمس عشرة امرأة حاملاً داخل مكان الاحتجاز، من بينهن قاصر تعرَّضت لاعتداء جنسي، اُحتجزت وهي حامل، عندما قدَّمت شكوى، ووُضعت مع سجينات بجرائم مختلفة. إحدى النساء كانت تُدعى سيبان، أذكر جيداً كيف أجهضت أمام عينيَّ بعد أن كانت حاملاً بتوأم في الشهر الخامس، وكانت قد تعرَّضت للكثير من الضرب والتعذيب في مخفر جرمانا. كانت سيبان، امرأة جميلة شعرها ناعم، جميلة الطلة حنونة، محبوبة من قبل الجميع، رغم ذلك كان زوجها قد تخلى عنها في محنتها، بعد دخولها السجن بتهمة تعاطي المخدرات، وقد كانت صدمة نفسية قوية أثرت عليها، أتذكر كيف أعارتني بنطالها حين كنت مضطرة للاستحمام وليس لدي ملابس، ولم يُسمح لأهلي بإدخال ملابس إلى السجن.

رحلتي القصيرة في فروع أمن سوريا (الجديدة).. إعادة معايشة التراوما أم تراوما جديدة؟

27 آب 2025
بعد سنواتٍ من عيشها في المنفى، تعود ناشطةٌ حقوقية إلى سوريا، لتُستدعى إلى مقرٍّ أمنيّ للإدلاء بشهادتها حول أحد مرتكبي جرائم النظام السابق. أهي تراوما سابقة، ظنّتْ أنها باتت من...

بطن إحدى السجينات كان كبيراً، ولكن حين دعوتُ لها بأن ينتهي حملها بالسلامة، أجابت بامتعاض وإنكار حاد وكأني أوجه لها تهمة: "لأ ماني حامل! معي سرطان"، وكنت أعرف كيف يكون شكل جسد المرأة الحامل بعد أن حملت سابقاً بدوري. علمت بعد ذلك من السجينات اللواتي كانت قد فضفضت لهنَّ عند دخولها السجن منذ بضعة أشهر، أنها حامل جراء تعرضها للاغتصاب من قبل أحد العناصر المنتسبين للأمن العام، لكنها تحاول إخفاء هذا.

التقيتُ في السجن نساءً احتُجِزْنَ بتهم تتعلق بالدعارة، بسبب عودتهنَّ إلى منازلهنَّ في وقت متأخر. كانت هيام أماً لطفل يبلغ من العمر عامين، كان زوجها في السجن وبحاجة للمال، فأخبرها أن تأخذ خمسين ألف ليرة من صديقه. وبينما تقف معه في الشارع لأخذ المال وتبادل الحديث حول زوجها مرت دورية شرطة تحمل معها متعاطياً للمخدرات، أخذوها في طريقهم واعتبروا الواقعة "شبهة دعارة".

كانت هذه تهمة أكثر من عشر فتيات التقيتهنّ في السجن. يرون المرأة في الشارع ليلاً أو مع شاب قد يكون قريبها أو صديقها، فتُعتقل وتُتَّهم بالدعارة أو شبهة الدعارة حتى يثبت العكس عند الطبيب الشرعي. قالت لي خمس فتيات إنهنّ نجون من تهمة الدعارة لأن تقرير الطب الشرعي صرح بأنهن في فترة الدورة الشهرية! حكت لي هيام عن تعرضها لعقوبة "الشبح" لمدة اثنتي عشرة ساعة داخل محكمة القصر العدلي بدمشق، والضرب من قبل أربعة عناصر.

دخلت السجن قاصر عمرها ستة عشر عاماً لا تعرف القراءة والكتابة وتتكلم بلهجة بدوية، قالت لي "مسكوني أنا وزوجي وطفلي عمره أربعون يوماً لأن زواجي لم يثبت في المحكمة"، حبسوها مدة يومين وصدرها متحجر بسبب الحليب، وابنها عند جارتها. كان لا يزال في جعبتها مرهم لعلاج طفح الحفاضات (السماط) عند الأطفال، إلى أن يثبت العقد في المحكمة.

التقيتُ في السجن نساءً احتُجِزْنَ بتهم تتعلق بالدعارة، بسبب عودتهنَّ إلى منازلهنَّ في وقت متأخر. كانت هيام أماً لطفل يبلغ من العمر عامين، كان زوجها في السجن وبحاجة للمال، فأخبرها أن تأخذ خمسين ألف ليرة من صديقه. وبينما تقف معه في الشارع لأخذ المال وتبادل الحديث حول زوجها مرت دورية شرطة تحمل معها متعاطياً للمخدرات، أخذوها في طريقهم واعتبروا الواقعة "شبهة دعارة".

كان من بين المحتجزات، امرأةٌ عراقيةٌ اسمها أسامة، كانت مصابة بالتهاب الكبد الوبائي، وقد تعرضت لاغتصاب من قبل طبيب في الكسوة. حكت لي قصتها الطويلة بمرارة، وكيف هددها بالقتل وأخبرها أنه قتل اثنتين قبلها وأراها القبور، استطاعت الهروب منه، واشتكت للأمن العام، الذي ألقى القبض على الجاني، لكنه سجنها، وكانت قد أمضت أكثر من ثلاثة أشهر في السجن، بعد تعرضها للضرب والاغتصاب والسجن في منزل مغتصبها في الكسوة ومرضها. كانت حالتها مزرية "جلدة وعضمة".. يساورني الشك اليوم أن تكون ما زالت على قيد الحياة، نظراً إلى مرضها وعدم تلقيها لأي أدوية أو رعاية.

بعض الفتيات يعانين من أمراض نفسية، أُدخلن السجن بتهمة التعاطي، دون رعاية صحية، ودون أن نعرف إن كانت تلك الأعراض النفسية بسبب التعاطي أم بسبب ظروف السجن المزرية.

خرجت من السجن بعد ستة أيام بدت لي كست سنوات، لم يتم فيها التحقيق معي أبداً، فلا دليل على عملي بالسحر، وقد توسل أصدقائي وأولادي للمحامي العام، وتدخل معارفي ومعارفهم لدى القضاء وتوسطوا لي ليفك أسري ويخلى سبيلي.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد