السويداء: كيف تُنقذ الأرواح؟

قطاع صحي متهالك يتعرض للهجوم


تتوقف الكاتبة نجاة عبد الصمد في هذه المادة عند وضع الخدمات الطبية الكارثي خلال مجازر السويداء صيف العام الماضي، بينما كانت تتعرض لحملة عسكرية من السلطة، وكيف حاول المعنيون إنقاذ الوضع، في قطاع متهالك أصلاً، ينخره الفساد قبل سقوط النظام، وبعده. ثم تنتقل إلى سبر واقع الرعاية الطبية في السويداء الجريحة اليوم، لتخلص إلى أنه لا يمكن وصفه بالآمن أو حتى بالمقبول، بحسب شهادات أطباء/ات عاملين/ات في مديرية صحة السويداء. طلب بعضهم عدم ذكر أسمائهم، فيما رفض آخرون ممن يشغلون وظائف إدارية أن يُدلوا بأي تصريح، بعد أن ترك التوتر السياسي بين المركز والسويداء، الذي وصل في مراحل منه إلى شبه قطيعة، أثراً فادحاً على تسيير عمل قطاع صحي.

16 تموز 2026

نجاة عبد الصمد

طبيبة وروائية سورية

ملف “السويداء، ذاكرة ولا يقين”: مضى عام على اقتحام قوات من الأمن العام السوري، والقوات الرديفة من العشائر، مدينة السويداء وريفها. أُحرقت قرى ونُهبت، وقُتل أكثر من 1700 شخص، وتمزقت عرى الوطنية السورية بما لا يمكن رأبه في المستقبل القريب. لا تزال ذكرى ما حصل تثقل سوريا بالمرارة، نفوساً وأجساداً وبيوتاً وطرقات. سوريا ما انحكت تدعو في هذا الملف مجموعة من أبناء السويداء لمشاركتنا ذكرياتهم وأفكارهم، عن ماضٍ بعيدٍ جميلٍ وآخر قريبٍ مُضنٍ، وتستكشف أحوالهم في ظل حالة اللايقين السائدة.

***

المشهد قبل حملة تموز/يوليو 2025 

كان القائمون على إدارة الصحة في السويداء ما يزالون على رأس عملهم منذ عهد الأسد، فلم يتمّ تغيير مديرها أو رؤساء أقسامها الفرعية، ولا يخفى استشراء الفساد فيها جميعاً. استمرت عجلة الفساد بعد رحيل الأسد، بفارق أنّ مَن كانوا يسرقون بتغطيةٍ مِن، أو لمصلحة، فروع الأمن في عهد الأسد، أصبحوا هم أنفسهم يسرقون بتغطية من، أو لمصلحة، هذا الفصيل العسكري المحلي أو ذاك. وهكذا بقيت العلاقة بين وزارة الصحة ومديرية صحة السويداء بين مدٍّ وجزر، على وقع التقارب أو التباعد بين القيادة السياسية السورية والأطراف الفاعلة في السويداء، ما يمكن ترجمته على الأرض: بقدر ولاء القادة العسكريين في  السويداء لسلطة المركز؛ تستلم مديرية الصحة فيها حصتها من التوريدات الوزارية. لم يبذل القائمون على القطاع الصحي، من الجانبين، أي جهدٍ لتحييد الملفّ الصحيّ عن تجاذبات السياسة، بل وبدا أنّ كلا الطرفين مرتاحٌ لهذا الحال!

خلال الحملة

"لو أستطيع النوم"

11 تموز 2026
يعود المخرج غياث المحيثاوي في هذا النص الذاتي بنا إلى ذكرياته طفلاً ومراهقاً في قرية لبين بريف السويداء، والعلاقة الساحرة مع جده، المغدق عليهم بالعطف والدلال، كما تقتضي أصول وقيم...

يوم 16 تموز/يوليو، بعد الظهر، وفيما كانت الكهرباء والماء والاتصالات مقطوعة كلياً عن السويداء كلها، حاصرت قوات السلطة هذا المشفى بدبابتين وصعد قناصون على سطحه وسطوح مبنى المديرية ومدرسة التمريض في محيطه.

المشفى الوطني في مدينة السويداء هو المركزي والحكومي الوحيد فيها، يحوي 450 سريراً، ويقدم خدماته لمحافظة السويداء كاملةً، وكذلك لمرضى البادية وريف درعا الشرقي.

قصفت الدبابتان سيارات الإسعاف ونوافذ صالة الإسعاف وقسم العناية المشددة حتى تناثر زجاجها. ثم اندفع جنود قوات السلطة إلى قسم الإسعاف بالأسلحة الرشاشة، أغلقوا بوابته ومنعوا الدخول والخروج.

"قتلوا بعض الجرحى، سألوا طاقم العمل إن كانوا دروزاً، وشتموهم وأهانوا بعض الرجال المرضى بقص شواربهم، جمعوا الكادر الطبي وأجبروه تحت تهديد السلاح على الركوع. هددوهم بالتصفية. قتلوا المهندس المتطوع محمد بحصاص، ثم أمروا بإيقاف تشغيل كاميرات المراقبة، وقتلوا المهندس وائل عزام، رئيس القسم الفني لأنه رفض أن يدلهم إلى موقع إدارتها. توغلوا في باقي الأقسام وعزلوا العاملين فيها في غرف ومنعوهم من أداء عملهم وهددوهم بالتصفية. كذلك جمعوا مرافقي المرضى في أحد الأقسام ومنعوهم من التحرك مهددين بقتلهم، ولولا القصف الإسرائيلي على دمشق والأوامر بالانسحاب فلربما صفّوهم"، يؤكّد طبيبٌ تطوّع للعمل في المشفى خلال أيام الهجوم.

سوى غياب الماء والكهرباء ونفاد المازوت لتشغيل المولدات، كشفت هجمة تموز/ يوليو أن مستودعات مديرية الصحة فارغة، أو مُفرَغة، بينما يتوافد مئات الجرحى والمصابين إلى المشفى الوطني، ما تسبّب بضغط هائل عليه، أعلى بكثير من أن يمكن علاجه أو تدبيره حتى بوجود اللوازم الطبية الكافية. يُضاف إليه نقصٌ شديد في عناصر الكادر الصحيّ بسبب تقطّع الطرق وعدم إمكانية وصولهم لاستلام المناوبات، ما أجبر الموجودين منهم على العمل المتواصل لأيام من دون نومٍ أو طعامٍ كافٍ. ومع ذلك استطاع الأطباء العاملون والمتطوعون تسيير المشفى لأسبوعين، بمساعدة المستودعات الطبية الخاصة في المحافظة، التي منحت محتويات مستودعاتها كاملة لعلاج الجرحى والمصابين والمرضى العاديين المحتاجين إلى إسعاف.

كانت مشكلة الجثث التي تجمعت في المشفى كارثةً حقيقية. تراكمت الجثث في المشرحة أولاً حتى فاضت عنها، ثم في الساحة أمامها، وفي ممرات أقسام المشفى، وفي فسحة الأرض حوله، حتى وصلت إلى أرصفة الطريق العام خارجه. وصل عددها إلى ما يقارب 1300 جثة، وبقيت هناك حوالي عشرة أيام، من دون أن يستطيعوا دفنها بسبب الحصار وعدم قدرة الأهل على القدوم إلى المشفى وأخذ أحبابهم للدفن، وأسباب عديدة غيرها، يقول طبيب لسوريا ما انحكت.

مع مرور الوقت، وفي شدّة حرّ تموز، بدأت الجثث تنتفخ وتنتن وتتفسخ وتنزّ منها سوائل غريبة، وتفوح منها رائحةٌ لا تطاق، تُشمّ على بعد كيلو مترٍ تقريباً حول المشفى. أصبحت الجثث بحد ذاتها مصدر تهديدٍ بعدوى وإنتان جروح المصابين الراقدين في مختلف الأقسام. وانتشر الذباب وحشراتٌ غيره، ضخمة لم يُرَ مثلها من قبل، بكل ما قد تجلب من أوبئةٍ للجرحى والمصابين، وللكادر وقد تتسبّب بكارثةٍ بيئية.

"قتلوا بعض الجرحى، سألوا طاقم العمل إن كانوا دروزاً، وشتموهم وأهانوا بعض الرجال المرضى بقص شواربهم، جمعوا الكادر الطبي وأجبروه تحت تهديد السلاح على الركوع. هددوهم بالتصفية. قتلوا المهندس المتطوع محمد بحصاص، ثم أمروا بإيقاف تشغيل كاميرات المراقبة، وقتلوا المهندس وائل عزام، رئيس القسم الفني لأنه رفض أن يدلهم إلى موقع إدارتها. توغلوا في باقي الأقسام وعزلوا العاملين فيها في غرف ومنعوهم من أداء عملهم وهددوهم بالتصفية. كذلك جمعوا مرافقي المرضى في أحد الأقسام ومنعوهم من التحرك مهددين بقتلهم، ولولا القصف الإسرائيلي على دمشق والأوامر بالانسحاب فلربما صفّوهم"

تقول طبيبة: "ارتكبت الحملة العسكرية انتهاكاتٍ جسيمةً بحق السويداء عموماً، وتسبّبت بأضرار وأذى ماديّ ونفسي لا محدود على القطاع الصحيّ على وجه الخصوص. قنصوا من زملائنا طبيباً وطبيبةً وهما في طريقهما إلى المشفى، وكانا بلباس العمل، وخمسة أطباء آخرين وممرضين وممرضات وقابلات وعاملين/ات في قطاع الصحة كانوا في بيوتهم".

هكذا أصيب سطح المشفى الوطني، المتهالك منذ عهد الأسد، بقذائف الدبابات والهاون والرشاشات فتصدّع، وأصيبت مواسير المياه في الجزء الشمالي منه فانفجرت وتبدّد مخزون الماء. وأصيبت بعض جدران المشفى وكثيرٌ من أبوابه ونوافذه، وتسبّب إطلاق النار العشوائي في قسم الإسعاف والعناية الإسعافية بعطب أجهزته وأثاثه.

ولو لم تكن السويداء في حالة حصارٍ كليّ لوجب إغلاق المشفى الوطنيّ كليّاً حتى إعادة تأهيله، بتنظيفه من الدم وباقي مخلّفات الإصابات، وتدبير النفايات المتراكمة، وتطهيره لدرء الأوبئة، ثم ترميم جدرانه وزجاج النوافذ والأبواب المهشّم.

انتقل ضغط تقديم الخدمات الطبية إلى مشفى صلخد الأقل تجهيزاً من مشفى السويداء، المثقل أصلاً بضغط هائل وضعه نزوح المهجرين إلى مدينة صلخد، حتى استقبلت أربعة أضعاف عدد سكانها، بكل ما يحتاج هؤلاء من خدماتٍ إسعافية وعلاجية إضافةً إلى علاج المصابين جراء القصف.

كانت كارثةً مكتملة، ووزارة الصحة غائبة. ولولا وصول مساعدات هائلة من مغتربي السويداء ومن الهلال الأحمر ومنظمات دولية عدة خلال الأيام التالية لما كان ممكناً فعل شيء. بعدها أُطلِقت (مبادرة الشيخ طريف) الذي دفع مالاً كثيراً لتغطية علاجات جرحى ومصابي الحرب والمرضى المحتاجين إلى عمليات إسعافية في المشافي الخاصة، بينما المشفى الوطني عاجزٌ عن تقديم هذه الخدمات..

بعد انقشاع غبار الحملة العسكرية 

في ظل الغياب الكامل لدور وزارة الصحة، وبالتالي عجز مديرية الصحة، كان لا بد لجهة أخرى أن تتولى مسؤولية تأمين الحد الأدنى من العناية الطبية، فتولّت نقابة أطباء السويداء ترميم هذا الدور بقدر ما تسمح إمكاناتها.

كانت النقابة قد افتتحت مركزاً طبياً باسمها منذ شهر آذار 2025، أي قبل الحملة العسكرية، وباشرت عملها بتقديم خدمات المعاينة والفحوص المكمِّلة، كالمخبرية والشعاعية مثلاً، بأجورٍ رمزية. وارتفعت الحاجة إلى خدماتها أضعافاً بعد هجمة تموز 2025، فاستكملت تنظيم نفسها وتوسيع عياداتها وخدماتها التي سدّت عجز المشفى الوطني ودائرة الرعاية الصحية الأولية، أي المراكز الصحية، إلى حد كبير.

تكمل طبيبة عاملة في مديرية الصحة: "كانت المراكز الصحية من قبل الهجوم على المحافظة متهالكة، ولم تشهد أي ترميمٍ أو تحديث منذ سنوات. وبعد هجوم تموز قطعت وزارة الصحة تواصلها معنا، ونحن من جهتنا انتقلنا للعمل في (مراكز خدمات الاستجابة) و(العيادات الجوالة) التي أنشأتها المنظمات الدولية، لتسيير الخدمات الأساسية في مراكز الإيواء التي استضافت آلاف العائلات المهجَّرة من بيوتها، وتغطية أحياء المدينة والقرى حولها."

يؤكد الأطباء والعاملون أنَّ مديرية الصحة، والمشفى الوطني على وجه الخصوص، استمرّت في عجزها عن تقديم خدماتها الصحية الأساسية طوال الأشهر التسعة التالية للهجمة، حيث بقيت العلاقة بينها وبين الوزارة شبه منقطعة، والتوريد شبه متوقف. وخلال الأشهر الثلاثة التالية للهجمة، انقطع تسليم رواتب الموظفين بعقود عمل دائمة في مديرية صحة السويداء، ثم عاودوا تسليمها ابتداء من شهر أيلول. بينما استمر انقطاع رواتب الموظفين بعقود سنوية. كذلك بقي توريد لوازم دائرة الرعاية الصحية الأولية من الوزارة في حدوده الدنيا، فاستمرّت المنظمات الطبية الدولية والأهلية، بترميم هذه الخدمات، أقلّها أنَّ خدمة لقاحات الأطفال وأدويتهم لم تتوقف، وكذلك رعاية الحامل والمسنين.

واقع الخدمات الطبية حالياً في السويداء

عن خمسة أيام جرشت روح السويداء؛ بشراً وسكناً وزرعاً وضرعاً.. ومزقت روحي الحبيسة في برلين

04 آب 2025
بعد زيارةٍ أولى سريعة بعد سقوط نظام الأسد، كانت الروائية السورية نجاة عبد الصمد، المقيمة في برلين، تحزم حقائبها تحضيراً لعودة أطول هذه المرة إلى مسقط رأسها السويداء، لكن الاشتباكات...

منذ بدايات نيسان 2026، بدأت السلطة السورية المؤقتة بمخاطبة مديرية صحة السويداء: لكم حصص لدينا، تعالوا واستلموها! قدّموا طلباتكم إلى محافظ السويداء مصطفى البكور، وهو بنفسه سيتولى تأمينها. والمحافظ البكور، بحسب الرأي المحلي العام، واحدٌ من كبار المسؤولين عن مجازر السويداء، وهو يقيم في قرية الصَورة الكبيرة، آخر قرية في ريف السويداء الشمالي على حدود ريف دمشق، وهذا الريف واقع اليوم تحت سيطرة السلطة السورية، ولا يخلو السفر إليه من أخطار إطلاق النار أو محاولات الاختطاف، وهكذا تعددت الأسباب لعدم الاستجابة لهذه المبادرة، فلم يتغير واقع الحال كثيراً..

معلقاً على دعوات تلقوها من مسؤولي الوزارة في دمشق للانضمام إلى ورشات عمل متعلقة بالعناية بصحة المراهقين والتوعية بمخاطر التدخين، يتحدث أحد الأطباء بانفعالٍ شديد عن أحد أسباب رفضه: "نحن أيضاً لسنا أكيدين أننا لن نتعرض لتمييزٍ أو مضايقاتٍ من زملائنا في باقي المحافظات أو من إدارات الورشات فقط لأننا نختلف عنهم في الانتماء الديني، فقد حصل تمييزٌ صريحٌ ضد مرضى السويداء الذين اضطروا للعلاج في مشافي دمشق لهذا السبب".

على صعيد التوريدات التي وصلت من مغتربي السويداء والمنظمات الإنسانية ومن الهلال الأحمر وغيره، فقد كانت هائلة. وكما يحدث في كل مكان، فقد هُدِر جزءٌ كبيرٌ منها أو سُرق.

يؤكد الأطباء/ات أنّ التحديات هائلة، ومستوى الخدمات متدنٍ، وتلامس في بعض الاختصاصات حافة الانعدام، كشأن الحصول على أدوية السرطان، حيث تتلقى مديرية الصحة حصصاً وصفها الأطباء بـ (أقل ما يمكن) من وزارة الصحة، فتُلقى تكاليف علاجهم على الجمعيات الخيرية مثل جمعية "أصدقاء مرضى السرطان"، التي تطلق نداءاتٍ متكررة لتلقّي التبرعات من المغتربين من أبناء السويداء. ومثله حال مرضى التصلب اللويحي، الذين يبلغ عددهم حوالى 300 مريض، وعلاجهم مكلف ولا تصل أدويتهم من الوزارة، وكم تطول القائمة..

مقالات متعلقة

رحل "الغالي" من دون أن يودّعنا

29 أيار 2025
لم أكن أتخيّل يومًا أنّني سأبكي في يومين متتاليين قتل عدّة شبان، وأنّني سأراهم مثقوبي الصدر والعين والرأس. منهم "الغالي" الذي لم أستطع التعرّف أبدًا على ملامح وجهه الجميل والوسيم....
لن أنادي بعد اليوم على أحدٍ يا بن عمي

28 حزيران 2025
خمسة رجالٍ من عائلتنا الصغيرة، خمسة رجالٍ دفنّا معا، ومئة قلبٍ من أقاربنا ما يزال ينزف وجعاً وحسرة. لن أنادي بعد اليوم على أحد يا بن عمي، لن يفتتح صباحي...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد