هذه المقالة هي الثّانية من سلسلة من أربعة مقالات تتناول بعثات الكوادر النّازية السّابقة في سوريا، وتستند إلى أطروحة الماجستر الّتي أعدّتها الكاتبة تورا بيندوس،اّلتي تتضمن توثيقاً كاملاً للمصادر والمراجع.
إشراف تحريري وترجمة إلى العربية: سليمان عبدالله. كلّ الحقوق محفوظة. يُحظر أيّ شكل من أشكال نسخ النّص أو إعادة إنتاجه أو إعادة نشره.
***
أدى توقيع سوريا على اتفاقية الهدنة مع إسرائيل في 20 تموز/يوليو 1949 إلى إنهاء الحرب العربية-الإسرائيلية الأولى رسمياً. غير أنّ الاتفاقية أكدت أيضاً هزيمة مُذلة للدّولة السّورية النّاشئة، وكشفت عن نقاط ضعفها المؤسسية، فلم يمضِ على استقلال سوريا عن الحكم الفرنسي سوى ثلاث سنوات، وكانت الحكومة لا تزال تكافح من أجل بناء مؤسسات قادرة على ترسيخ سيادتها، ناهيك عن الدّفاع عن فلسطين. وأظهر الجنود السّوريون شجاعة كبيرة على المستوى الفردي، لكن القوات المسلحة عانت من سوء التّنسيق وضعف الهياكل الاستخباراتية. إسرائيل خرجت من الحرب مسيطرة على 78% من أراضي الانتداب السّابقة، بدلاً من الـ55% المخصّصة لها بموجب خطة التّقسيم الّتي وضعتها الأمم المتحدة (1).
لقد أصبح التّحديث السّريع للقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات أولوية مُلحّة للرّئيس حسني الزّعيم، الّذي كان قد استولى على السّلطة من شكري القوتلي في أول انقلاب عسكري في سوريا في آذار/مارس 1949. وواصلت حكومته البحث عن خبراء عسكريين أجانب يمكنهم المساعدة في إعداد سوريا لمواجهة مستقبلية مع إسرائيل. قاد هذا البحث سوريا إلى التّجنيد المُمنهج لأعضاء سابقين في الفيرماخت ووحدات "إس إس" النّازية، في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وتباينت دوافعهم؛ فقد سعى البعض إلى حماية أنفسهم من الملاحقة القضائية الدولية، بينما بحث آخرون عن فرص لمواصلة مسيرتهم العسكرية، في حين كان الدّافع لدى آخرين المكسب المالي أو التّطلع إلى المغامرة.
فالتر راوف وإعادة تنظيم المخابرات السّورية
كان فالتر راوف من بين أكثر الشّخصيات الواصلة إلى سوريا، إثارة للجدل، وهو ضابط سابق برتبة "ستاندارتنفوهرر" في قوات الأمن الخاصة "إس إس"، كان قد خدم في المكتب الرّئيسي للأمن في الرّايخ (RSHA) كرئيس للشؤون الفنية. وصفه ملفه الشّخصي بأنّه "ثابت تماماً" (2). في التزامه بالإيديولوجية النّازية، التزام استمر حتّى بعد انهيار الرّايخ الثّالث. لعبَ راوف دوراً محورياً في تطوير شاحنات الغاز المتنقلة المزودة بـ"أجهزة الإطلاق السّريع" (3). الّتي استُخدمت في الإبادة الجماعية لليهود خلال المحرقة. وابتداءً من أواخر عام 1942، خدم في جهاز الأمن "إس دي"، أولاً رئيساً لفرقة "إينزاتسكوماندو" تابعة لـ"إس إس" في شمال إفريقيا، ثمّ لاحقاً في إيطاليا. وهناك، شملت مسؤولياته جمع المعلومات الاستخباراتية، وتسجيل اليهود وترحيلهم وإعدامهم، فضلاً عن الاضطهاد والقمع الوحشي لمقاتلي المقاومة.
بحلول عام 1949، كان راوف قد انخرط في العمل في أول بعثة استشارية عسكرية ألمانية لدى الحكومة السّورية، برئاسة هيازينث غراف شتراشفيتز. وأدى انقلاب "الزّعيم" إلى تغيّر وضع المستشارين الألمان. تولى راوف قيادة البعثة، ممّا شكّل بداية لمرحلتها الثّانية، وعُيّن ضابطاً استخباراتياً مسؤولاً عن إعادة تنظيم وتدريب "المكتب الثّاني"، جهاز الاستخبارات العسكرية السّوري، ومنحته هذه الوظيفة نفوذاً كبيراً، ولم يكن "المكتب الثّاني" مسؤولاً عن جمع المعلومات الاستخباراتية فحسب، بل أيضاً عن مراقبة المعارضين السّياسيين، والقيام باعتقالات، وتقديم الأفراد إلى المحاكم العسكرية، وعلى مدار المراحل الأربع للدور الألماني في سوريا، كان راوف الشّخصية الوحيدة الّتي لعبت دوراً مهماً في كلٍّ من نقل الخبرة العسكرية وتطوير هياكل الأمن الدّاخلي في سوريا.
كما أقام راوف علاقة وثيقة مع رئيسه ممدوح الميداني، الّذي وصفهما في إحدى رسائله بأنَّهما "صديقان حميمان" (4). الميداني كان قد توسّط خلال الحرب العالمية الثّانية بين الفاشيين الألمان والعرب، ثمَّ أدار لاحقاً معسكراً تدريبياً في سوريا للمتطوعين الَّذين يقاتلون ضد القوات الصّهيونية، كما أفادت صحيفة "سيدني جويش نيوز" في عام 1946. وبحلول عام 1949، كان الميداني مسؤولاً عن جهاز المخابرات العسكرية في البلاد.
المقارنة بـ"الغستابو": المراقبة والاستجواب والقمع
سعى حُسني الزّعيم إلى توسيع نطاق رقابة الدّولة، وقمع المعارضة السّياسية. في حزيران/يونيو 1949، أفاد مصدر صحفي بأنَّ الزَّعيم كان يحاول تنظيم أجهزته الاستخباراتية وفقاً لمبادئ الغستابو:
”ولهذا السَّبب يحيط به ألمان وشباب سوريون عاشوا يوماً في ألمانيا، مثل أكرم طبارة، وممدوح الميداني، وهشام المهايني، وغيرهم ممن كان يثق بهم“ (5).
إنَّ الدعوة إلى إنشاء ”غستابو“ سوري، أو شرطة سرية تابعة للدَّولة، تكتسب أهمية خاصّة بالنَّظر إلى الدّور الّذي لعبته تلك المنظّمة في إطار نظام القمع النازي، فقد كانت ”الغستابو“ تُراقب المجتمع، وتلاحق المعارضين السّياسيين، وتعتمد على المبلغين والوشاة، وتحتفظ بسجلات شخصية شاملة، وتفرض الاحتجاز الوقائي والعقاب الجماعي، وتستخدم التعذيب، كما كانت متورطة بشكل عميق في اضطهاد يهود أوروبا وقتلهم .
وكانت خبرة راوف المهنية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بآلية القمع والعنف الجماعي هذه، ووفقاً لعدة روايات، فقد نقل عناصر من هذه الخبرة إلى سوريا، حيث يُقال إنَّه كان يعمل على تطوير ممارسات الاستجواب وأساليب التّعذيب وتقديم المشورة بشأنها، بما في ذلك استجواب وتعذيب اليهود السّوريين الَّذين "كانوا يُعتقلون في كثير من الأحيان دون سبب ويُحتجزون لعدة أيام" (6).
تَدهوَر وضع السّكان اليهود في سوريا تدهوراً حاداً في أعقاب خطة تقسيم فلسطين الّتي وضعتها الأمم المتحدة والنّكبة الّتي تلت ذلك، وتصاعد العداء المناهض للصّهيونية، ووقعت هجمات على المجتمعات اليهودية في عدة مناطق من البلاد، وكانت المذبحة المدبرة، عام 1947، في حلب هي الأكثر عنفاً، حيث قُتل العشرات وأصيب المئات (7). وفرضت الحكومة الأحكام العرفية، في حين واجه اليهود السّوريون بشكل متزايد أشكالاً مباشرة من التّمييز من قبل الدولة، وشملت هذه القيود تقييد حرية التّنقل، وتجميد الحسابات المصرفية، وفصل اليهود من الخدمة العامة، تلاه استبعادهم من شغل مثل هذه المناصب.
في نظر الحكومتين السّورية والمصرية، بدا أنَّ النَّازيين السّابقين هم حلفاء طبيعيون في الصّراع ضد إسرائيل بسبب معاداتهم للسّامية (8). كما لفت وجودهم انتباه عامة النّاس، فقد أشار الصّحفي المذكور أعلاه إلى أنّ الألمان الّذين يعملون لصالح جهاز المخابرات السّوري بعبارة "أولئك الّذين يُطلق عليهم النّاس اسم الغستابو" (9). لذلك، كان السّوريون يدركون ليس فقط أنّ الألمان موجودون في البلاد، بل يشاركون في بناء جهازها الأمني الناشئ.
شبكات الولاء والشّك
امتدَ الوجود الألماني في محيط "الزّعيم" إلى ما هو أبعد بكثير من أجهزة الاستخبارات نفسها، فقد ورد أنّ راوف ساعد في إحاطة الرّئيس بـ”سحابة من المخبرين ورجال الشرطة“ (10). وعُيّن ألماني يُدعى فون ليبكاو رئيساً لحرس الزعيم الشخصي، وكان يرافقه في رحلاته الرسمية، وهكذا أصبحت البعثة الألمانية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بكل من الأمن الشخصي للزّعيم السّوري والتّطور المؤسسي لجهاز الدولة الأمني. ومع ذلك، كانت العلاقة بين الزّعيم ومستشاريه الألمان غير مستقرة، فقد بدأ الرئيس في النّهاية يشك في فون ليبكاو بسبب صلاته المزعومة بالحركة الشّيوعية السورية، وامتدت هذه الشّكوك أيضاً إلى راوف، الّذي أثار ارتباطه الوثيق بفون ليبكاو تساؤلات حول ولائه، ولم تكن هذه المخاوف بلا أساس تماماً، فقد عمل راوف لصالح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ويبدو أنّه عمل أيضاً لصالح الأجهزة البريطانية، إذ كان يزودها بمعلومات عن الجيش والمخابرات السورية (11).
بالنسبة لبعض الألمان الذين وصلوا إلى سوريا، لم يكن هذا البلد سوى ”فرصة مرحب بها لإعادة توطين مواطنيهم الواقعين في مأزق سياسي في الخارج“(12). وكانت النتيجة تشكيل مجموعة غير متجانسة بشكل لافت: إذ اجتمع الانتهازيون والطامحون إلى الترقي الوظيفي جنباً إلى جنب مع رجال وُصفوا بأنهم ”أشخاص فاشلون ذوو ماضٍ غامض“(13). وكانت الخصومات الشخصية شائعة، وكان أعضاء البعثة يسعون أحياناً إلى تشويه سمعة بعضهم في أعين زملائهم السوريين ورؤسائهم. كما أدت أوجه القصور العملية والمؤسسية إلى تقويض فعالية البعثة بشكل أكبر. فقد كان المستشارون الألمان غير راضين عن رواتبهم، وشكوا من التفاوت في الأجور، وكثيراً ما واجهوا تأخيرات في استلام رواتبهم. كما شعروا بالإحباط إزاء مناصبهم داخل الجيش السوري، التي كانوا يتوقعون أن تمنحهم سلطة ونفوذاً أكبر. ووفقاً لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي إيه)، لم تترك هذه الظروف للأفراد الأكثر كفاءة سوى فرص ضئيلة لإثبات قدراتهم، في حين سرعان ما لفت أولئك ذوو الخلفيات المشكوك فيها الانتباه من خلال سلوكهم(14).
ولم تكن هذه الصعوبات مقتصرة على السياق السوري. فالخلافات بين الألمان العاملين في مناطق أخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تكشف عن نمط أوسع نطاقاً من التنافس وانعدام الثقة والتشرذم. فعلى سبيل المثال، وصف مقال نشره الصحفي ليو هايمان عام 1953 التوترات المتزايدة بين شبكات التجنيد الألمانية المتنافسة في بيروت وعمان والقاهرة ودمشق (15).
استولى ”نازيو دمشق“ على لجنة السجناء الألمان السرية في بيروت، التي كانت تيسر تجنيد الموظفين النازيين السابقين للجيوش العربية، مما أجبر رئيسها السابق، الكونت فون هاردنبرغ، على مغادرة بيروت وتأسيس لجنة منافسة في عمّان عام 1949، بهدف التجنيد لصالح شرق الأردن والعراق.
ثم طالبت منظمة أخرى، هي اللجنة المركزية للألمان في الشرق الأوسط، التي كانت مقرها القاهرة ويرأسها أوتو ريمر، بحل لجنة فون هاردنبرغ. وعندما رفض ذلك، سافر فالتر راوف وراينر كريبل، بحسب التقارير، إلى عمّان، واختطفا فون هاردنبرغ، ونقلوه إلى الإسكندرية، حيث يُزعم أنه قُتل. وكما خلص هايمان إلى أن "[…] الانقسام بين الألمان في الشرق الأوسط أخذ أبعاداً خطيرة الآن"(16). كما نأى الألمان الذين يخدمون في قوات شرق الأردن والعراق بأنفسهم عن "البعثات الألمانية التي تديرها الغستابو في القاهرة ودمشق، التي يقودها مجرمو حرب مشهورون مثل ريمر وسكورزيني في مصر، وراوف وساوفانت في سوريا" (17).
سقوط ”الزعيم“ وإنتهاء المهمة الثانية
أدت الأحداث السياسية التي وقعت في آب/أغسطس 1949 إلى نهاية مفاجئة لهذه المرحلة من التدخل الألماني في سوريا. في 14 آب/أغسطس، وبعد أشهر قليلة فقط من استيلاء الزعيم على السلطة، أطاح به سامي الحناوي في انقلاب عسكري آخر. أُعدم الزعيم لاحقاً، وفُصل عدد كبير من الألمان الذين كانوا يعملون لحكومته. وبحلول عام 1951، خلصت دائرة الاستخبارات التابعة لوزارة الخارجية إلى أن البعثة الألمانية المرتبطة بالزعيم قد فشلت.
وفي اليوم نفسه، اُعتقل راوف، الذي كان منصبه مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بالسلطة السياسية للزعيم، وعدد من أعضاء ”المكتب الثاني“ الآخرين بتهمة الإرهاب. وقد بدت هذه الاتهامات سياسية إلى حد كبير. فقد أصبح الضباط السوريون يستاؤون من راوف بسبب النفوذ الذي كسبه في عهد الزعيم (18). أُطلق سراحه بعد بضعة أيام فقط، لكن شغله لمنصبه في سوريا أصبح غير قابل للاستمرار. دفعت له السلطات السورية راتبه المتأخر وزودته بتذاكر طيران له ولزوجته. وفي سيرة ذاتية أعدها عام 1961، اختصر راوف رحيله في سرد موجز ومُجمّل: "بعد اغتيال الرئيس السوري حسني الزعيم، أُلغي العقد وهاجرت مع عائلتي عبر إيطاليا إلى الإكوادور" (19).
شكل رحيل راوف نهاية أقصر مرحلة من مراحل الانخراط الألماني في سوريا، وهو ما يفسر أيضاً قلة المعلومات التي نُقلت عنها. إلا أن ذلك لم يضع حداً للوجود الألماني. فقد غادر سوريا أيضاً شريكه أوتو غروبر، وهو ضابط سابق برتبة "أونترفوهرر" في قوات الأمن الخاصة (إس إس)، كان قد عمل بمرتبة ملازم أول في "المكتب الثاني" وكخبير في شؤون الشيوعية، ذلك لأن الحكومة الجديدة لم تعد ترى حاجة إلى خبرته. ومن بين الذين بقوا في سوريا فيرنر نايسر، رئيس الغستابو السابق في ميلانو، الذي كان يحمل رتبة ”أوبيرستورمفوهرر“ في قوات ”إس إس“، وقيل إنه سافر إلى دمشق مستخدماً وثائق سورية رسمية، وعُيّن لاحقاً رئيساً للحرس الشخصي لسامي الحناوي (20).
وبحلول أيلول/سبتمبر 1949، كان هناك، بحسب التقديرات، ما لا يقل عن ستة عشر ضابطاً ألمانياً في سوريا، ستة منهم طيارون. وفي الوقت نفسه، كان فرانز روستل، الرئيس الجديد لمجموعة البعثة الثالثة، قد وصل إلى البلاد. وكان روستل ضابطاً سابقاً برتبة ”ستاندارتنفوهرر“ في قوات ”إس إس“ ومتخصصاً في البنادق الهجومية.
لا تثبت الأدلة المتوفرة وجود انتقال خبرات مؤسسي مباشر من جهاز الأمن النازي إلى سوريا، إلا أنها تشير إلى أن وجود عناصر الأمن النازي السابقين، كان جزءاً من البيئة المؤسسية التي أُعيد في ظلها تنظيم هياكل المخابرات السورية. لم تكن حكومة الزعيم مهتمة فقط بتجنيد أفراد ألمان، بل أيضاً بكيفية عمل المؤسسات الأمنية لـ”الرايخ الثالث“ وبالخبرات التي اكتسبها من عملوا فيها. وكما عبّر عن ذلك الباحث السوري جابر بكر، مؤلف كتاب "الغولاغ السوري: سجون الأسد، 1970-2020":
"لقد تعلموا أسوأ ما لدى النازيين. كيف يحولون السجن إلى مكان يُعدم فيه الناس ببطء وفي صمت. أعتقد أنهم لم يتعلموا في المقام الأول أساليب النازيين، بل نظريتهم: كيفية تطهير المجتمع من الأفراد غير المرغوب فيهم. تماماً كما هو الحال في سوريا، على سبيل المثال، حيث نتحدث دائماً عن جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها شريحة من المجتمع لا تعجبنا" (21).
المسيرة المهنية لراوف في مراحلها اللاحقة: الإكوادور، وتشيلي، وجهاز الاستخبارات الفيدرالي الألماني
بالنسبة إلى فالتر راوف، كما هو الحال بالنسبة للعديد من أعضاء البعثات الألمانية الأخرى، لم تكن سوريا سوى حلقة قصيرة في مسيرة مهنية أطول بكثير بعد الحرب. وعندما نظر إلى الوراء، وصف تلك الفترة بأنها "فترة رائعة وجامحة“(22)، على الرغم من أنه كان قد تحدث مراراً وتكراراً بشكل سلبي عن الألمان الذين خدموا إلى جانبه. في رسالة إلى أوتو فيشتر، وهو مسؤول شرطي رفيع المستوى في بولندا المحتلة كان متورطاً في ترحيل مئات الآلاف من اليهود وقتلهم، كتب راوف أن معظم الألمان في سوريا، الذين كانت فرصهم هناك محدودة على أي حال، كانوا ”مغامرين، وطريدين، وعناصر غير مرغوب فيها” (23). وفي رأيه، فإن سلوكهم قد أضر بسمعة الألمان عبر العالم العربي.
بعد مغادرته سوريا، استقر في البداية في الإكوادور قبل أن ينتقل في نهاية المطاف إلى تشيلي. وهناك، ورد أنه عمل قائداً وعضواً في وحدة ”الحل النهائي/Solución final“ في ظل دكتاتورية بينوشيه. كما ظهرت أدلة على وجود منشأتين صناعيتين تم فيهما حرق جثث مئات السجناء السياسيين، تحت إشراف راوف، كما زُعم (24).
منذ عام 1958 وحتى عام 1962، عمل راوف ضابط اتصال استخباراتي لصالح جهاز الاستخبارات الفيدرالي الألماني (BND) في أمريكا الجنوبية. وكلفه الجهاز بإقامة علاقات مع أشخاص يمكن تجنيدهم عملاء، وبجمع معلومات استخباراتية سياسية واقتصادية من المنطقة. وفي إطار هذا العمل، اعتمد راوف أيضاً على شبكة "رفاقه القدامى"، ومن بينهم "إس-إس، أوبيرستورمفوهرر" فيلي ليهمان، الذي كان يعرفه خلال الفترة التي قضاها في سوريا (25).
في عام 1962، بدأت ألمانيا إجراءات تسليم راوف بتهمة التورط في مقتل ما لا يقل عن 97000 شخص. وقد رفضت المحكمة العليا في تشيلي ذلك في عام 1963 لأسباب إجرائية. ومع ذلك، أدت هذه القضية إلى إنهاء عمل راوف لصالح جهاز الاستخبارات الألماني (BND). وتوفي إثر نوبة قلبية في عام 1984 دون أن يُحاسب على أفعاله قط.
المصادر:












