لو سألت أي سيدة أو رجل في شوارع القامشلي عن رأيه، سيأتي الجواب غالباً بأنه لا وجود للحضور الحكومي، وما زالت قسد تسيطر على المدينة التابعة لمحافظة الحسكة، شأنها شأن بقية المدن والمناطق ذات الكثافة السكانية الكردية في شمال شرقي البلاد، بما فيها مدينة كوباني/عين العرب، الواقعة في ريف حلب الشرقي، على الرغم من مرور أشهر على بدء دمج هذه القوات ومؤسساتها المدنية في دوائر الدولة المركزية.
ولا يحتاج المرء بذل أي مجهود في البحث، فكل الجداريات والأعلام وصور المقاتلين الأكراد الذين قضوا في معارك تنظيم داعش الإرهابي وتلك التي خاضوها ضد القوات الحكومية لاحقاً في معركتي حلب والحسكة، إلى جانب أسماء الساحات العامة تشير إلى استمرار سيطرة هذه القوات على المنطقة مقابل حضور شكلي للحكومة المركزية. لا يمضي يوم، لا تشيع فيه جنازة مقاتل أو تجوب الشوارع مسيرات احتجاجية رافضة للتطورات الدراماتيكية المتسارعة. يترقب الجميع بحذر يشوبه الخوف ما ستؤول إليه التفاهمات المحلية برعاية وضمانة قوى دولية وإقليمية.
تتباين آراء سكانها الأكراد حول عملية الدمج؛ البعض لا يخفي خشيته من عودة سياسات التهميش والإقصاء، والبعض الآخر يحذر من هشاشة السلم الأهلي والعودة إلى مربع الحرب، ناهيك عن حالة الاحتقان الشعبي بعد التآكل التدريجي لمشروع الأمة الديمقراطية والحكم الذاتي، الذي سوقت له قوات قسد لسنوات مضت.
خيبة أمل ..
يعتبر بعض أكراد القامشلي أن صيغة عملية الاندماج الحالية ستؤدي إلى إقصاء وتهميش قضيتهم القومية وخصوصيتها الثقافية، بعد اثني عشر عاماً تمتعت فيها المنطقة بحكم ذاتي وإدارة مستقلة عن السلطة المركزية، أما اليوم وبعد مرور قرابة عام على عملية الاندماج، تتجاهل السلطة السورية الانتقالية تضحياتهم، بحسب سراج الذي عاش كل التطورات التي شهدتها القامشلي، من مكتبته الواقعة قرب جامع قاسمو، في الجهة الغربية من المدينة. ويقول في حديثه إلى سوريا ما انحكت: "ثمة خيبة أمل كبيرة، لكن ينبغي الانتقال إلى النضال سياسياً، لتثبيت حقوق الكرد في الدستور الدائم للبلاد. هناك فرصة ليشارك الكرد في رسم سياسات الدولة، وأن تكون لنا كلمة في سوريا الجديدة"، على حد توصيفه.
والقامشلي، مدينة حديثة التأسيس، احتفلت هذا العام بمئويتها، وتضم اليوم خليطاً متنوعاً من السكان، بينهم الأكراد والسريان والآشوريون والعرب والأرمن، وكانت تضم جالية يهودية صغيرة، هاجرت إلى إسرائيل، بعد تعرض أفرادها لمضايقات النظام البعثي السابق في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. وبلغ عدد سكانها، وفق الإحصاءات الحكومية الرسمية في عام 2004، 232,095 نسمة، رقم لا يمكن الجزم بصحته الآن، نظراً لحركة النزوح الداخلي خلال أعوام الحرب السورية.
لم تحدث عملية الدمج تغييراً ملحوظاً على الصعيد الإداري والأمني، غير أن حالة الاستقطاب المجتمعي وتصاعد خطاب الكراهية اللذين شهدتهما القامشلي وباقي مدن الجزيرة مؤخراً؛ وضعا الجميع أمام كابوس تكرار سيناريوهات العنف والحرب الداخلية. تقول الشابة زينة، التي فضلت البقاء في مسقط رأسها وإكمال تحصيلها الجامعي على الهجرة كحال قسم من السوريين، وتعمل الآن في شركة إعلامية، لسوريا ما انحكت: "إن كل هذا التصعيد يهدد السلم الأهلي، مع غياب مسارات الحوار ومحاولة فرض الشروط من قبل طرف على حساب الآخر".
وأوضحت هذه الشابة الكردية (30 سنة)، وهي منشغلة أثناء حديثها بمتابعة آخر الأخبار العاجلة المنشورة على منصات التواصل الاجتماعي، أن تدهور الأوضاع مردّه إلى "الرجوع إلى المظالم التاريخية التي تعرض لها الجميع واستغلالها في سياقات لا تخدم أحداً".
حديث الساعة ..
في "السوق التركي"، الذي يتوسط سوق القامشلي المركزي، باتت عملية الدمج حديث الساعة بين الزبائن والتجار وحتى المارة على مختلف مشاربهم، في ظل ارتفاع أسعار البضائع بنسب تتراوح بين 500٪ و700٪؛ بعد تسلم إدارة المنافذ الحدودية في الحكومة المركزية، المعابر وتعميمها لوائح الضرائب على الواردات القادمة من إقليم كردستان العراق عبر بوابة سيمالكا، التي تعتمد المنطقة عليها، لقربها جغرافياً وتشكيلها منفذاً خلال الحصار الذي عاشته خلال سنوات سيطرة تنظيم داعش على مدينتي الرقة ودير الزور.
تاجر الأقمشة باور (42 عاماً) يمضي خلال حديثه معنا شارحاً، أن الإدارة الذاتية كانت تفرض رسوم ضرائب تبلغ 250 دولاراً أمريكياً على كل طن أقمشة، مضيفاً "تلك الضريبة كانت بدون تصنيف، أما اليوم فالأسعار شهدت زيادة كبيرة، تصل رسوم طن الأقمشة العرائسي إلى 1300 دولار، وإلى ألف دولار على باقي الأصناف".
ومن متجره لبيع الأقمشة، حيث تطغى الألوان الزاهية والنقشات الفلكلورية التي تميز الزي الكردي، يشير باور إلى أن زيادة الأسعار انعكست على الخدمات وباقي نواحي الحياة منوهاً: "سابقاً، كان سعر أمبير الكهرباء في الاشتراك الخاص، نظام 8 ساعات خدمي، يبلغ دولاراً فقط، أما التجاري فكان 14 دولاراً والمنزلي 12 دولاراً"، ومنذ عملية الدمج، لم يعد اشتراك الأمبيرات الخدمي متوفراً في أغلب مناطق الجزيرة، "إذ وصل سعر الأمبير المنزلي منه إلى 35 دولاراً مقابل تشغيل 15 ساعة فقط في اليوم، مقابل 9 ساعات في العتمة، ناهيك عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية وأجور النقل بعد ارتفاع أسعار المحروقات بنسبة 300 ٪".
كانت المدينة قد باتت بين عامي 2013 و2025 العاصمة الإدارية والسياسية لقوات قسد وإدارتها الذاتية، الأمر الذي انتهى بعد اتفاق الدمج بداية العام الحالي وضم المنطقة مؤسسياً وعسكرياً إلى هياكل الدولة المركزية، لحقها إعلان قائد "قسد" مظلوم عبدي حل قواته منتصف أغسطس/ آب الماضي وانضمامها للجيش السوري، ما أعاد صياغة المشهد الإداري والسياسي بالكامل، رغم حالة من الضبابية تشوب سير الاتفاقيات بين الطرفين.
وبحسب بعض من سكان القامشلي ممن التقيناهم، أُهملت شوارع المدينة خلال سيطرة قسد وتهالكت بنيتها التحتية، ويرى ريزان (56 عاماً)، الذي يمتلك ورشة في المنطقة الصناعية، أن عملية الدمج أسهمت في إهمال المدينة أكثر من جميع النواحي: "الأطراف الحاكمة انشغلت بالمكاسب العسكرية والسياسية، وتركت الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه وفرص العمل والاستقرار المعيشي مهملة، حتى تأمين رغيف الخبز أصبح يشغل الناس أكثر من اسم مسؤول ومنصبه"، على حد توصيفه.
وخلال السنوات الماضية؛ تغيرت ساحات القامشلي جذرياً في الشكل والاسم، لعل أبرزها ساحة السبع بحرات، التي تغير اسمها إلى دوار شهداء قامشلو، حيث رُفعت عليها صور لمجموعة من مقاتلي قسد الأكراد الذين قضوا في معركة حيي الشيخ مقصود والأشرفية في حلب نهاية العام الماضي. وكانت الساحة تضم أكبر مجسم للديكتاتور حافظ الأسد في المدينة، أسقطه أبناؤها وأزالوه لحظة سقوط نظام الأسد الابن. أما ساحة القرموطي فتحول اسمها إلى دوار أوصمان صبري، القيادي اليساري الكردي الذي أفنى حياته مطالباً بالحقوق القومية والثقافية لأكراد سوريا.
محاصصة وتقاسم المناصب ..
شارع القوتلي، المعروف لدى شريحة واسعة من أبناء القامشلي في الداخل والمهجر، الذي عاصر الاحتلال الفرنسي وحقبة الانقلابات وحكم الأسدين الأب والابن، يضم اليوم مبنى إدارة المنطقة، وقد عُلِّقت على مدخله الرئيسي شاخصة كبيرة، كُتب عليها باللغتين الكردية والعربية، بعد أن كانت اللغة الكردية ممنوعة من التداول في مثل هذه المؤسسات الحكومية. وترأس الإدارة جيهان هسام، قيادية كردية نسوية في قسد، في سابقة في تاريخ المنطقة والبلاد.
كما عينت قسد نورالدين عيسى خانكيا، القيادي السابق لديها، والمتحدر من القامشلي، محافظاً للحسكة، وأيضاً مدير منطقة ديريك وقيادات عسكرية وأمنية، بينهم نائب وزير الدفاع للمنطقة الشرقية سيبان حمو، والعميد سيامند عفرين نائباً لقائد قوى الأمن الداخلي، و"دجوار عامودا دمهات"، الذي أُسندت إليه مؤخراً مسؤولية رئيس شعبة مكافحة الإرهاب في جهاز الاستخبارات العامة.
بالمقابل؛ عينت الحكومة نائبين اثنين للمحافظ وهما أحمد الهلالي نائباً أول، ويشغل منصب المتحدث باسم الفريق الرئاسي لعملية الدمج، وعباس حسين نائباً ثانياً وثلاثة مدراء موالين للسلطة، ولفت الكاتب والمحلل السياسي خورشيد دلي وهو من أكراد القامشلي ويقيم في العاصمة دمشق، إلى أن مسار عملية التفاوض شابها اصطدام تمسك الحكومة بـمركزية القرار والسلطات، "مقابل مطالبة قسد ومكونات سياسية بنظام إداري لا مركزي يحفظ الشراكة السياسية والدستورية للجميع".
وشهدت الحسكة في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول والجمعة التالية أيضاً، تظاهرات ووقفات في الأحياء العربية وساحة المحافظة، تحت شعار جمعة العلم السوري وفرض سيادة الدولة، طالب فيها المشاركون بفرض سلطة الحكومة وبسط الدولة على كامل حدود المحافظة، واعتبر المحلل السياسي خورشيد دلي أن "الحل العسكري لا يحسم جميع الملفات بشكل نهائي، حيث تبقى هناك قضايا شائكة وحيوية تحتاج إلى معالجة سياسية، مثل ملف التعليم ومصير بعض الوحدات العسكرية وقوى مكافحة الإرهاب".
أما الناشطة المدنية بيريفان والتي تعمل في منظمة محلية تنظم ورشات في بناء القدرات ونشر مفاهيم السلام والديمقراطية، رأت خلال حديثها إلى سوريا ما انحكت، أن شعورهم بفقدان الأمان وغياب سيادة القانون، "خلق حالة من عدم الثقة. قد تكون الموارد محدودة والظروف الاقتصادية والسياسية صعبة، لكن ضعف خدمات المياه والكهرباء والنظافة يضيف عبئاً آخر إلى أعباء السكان"، وترجع حالة الاستياء والتذمر بين الأوساط الشعبية إلى بطء عملية الدمج وغياب الشفافية وتصاعد التوترات.
كما خرجت وقفات احتجاجية وتظاهرات في القامشلي ومدن ذات كثافة سكانية كردية، نهاية شهر سبتمبر/أيلول وبداية شهر أكتوبر، مطالبة بالإقرار الدستوري لحق التعلم باللغة الكردية.
مرتدية زياً فلكلورياً كردياً، بألوان زاهية، أثناء دوامها الرسمي، في ثانوية "جير قامشلو" للبنات (ساطع الحصري سابقاً)، رأت المعلمة روجين محمد موسى، أن ما يحرك هذه الوقفات "المطالبة بقرار، وحق دستوري في تعلم وتدريس اللغة الكردية كمنهج كامل متكامل، على أن يُدرّس في جميع المراحل التعليمية حتى الجامعية… لن نعود لعقود الحرمان والمنع".
وباتت روجين، مُدرّسةً لمادة اللغة الكردية بعد أن ازدهرت خلال سيطرة قسد على المنطقة، وباتت تُدرس في المدارس والمعاهد والجامعات الخاصة على مدار عقد. تقول هذه المُدرّسةً، وهي تحمل في يدها كتاباً باللغة الكردية: "ينبغي تحويل النضال إلى سياسي، لتثبيت مضمون المرسوم 13 في الدستور الدائم للبلاد".
وتكشف هذه التوجهات اختلافاً في بواعث القلق لدى سكان القامشلي من عملية الدمج، فهناك من يقلق على حقوقه الثقافية وعودة سياسة الإنكار والتهميش، وهناك من يخشى أن تتحول هذه الهواجس نفسها إلى صراع قومي وتسبب انهيار العملية برمتها والعودة إلى مربع الحرب.
وترى الدكتورة ميديا أن هذا الاتفاق كان مقبولاً في بداياته لدى الشارع الكردي، وتعزو ذلك إلى "التعطش للسلام الداخلي بعد سنوات عجاف من حرب مريرة، لكن التراجع في الواقع الخدمي وتردي الأحوال المعيشية جعل الشارع يمتعض من نتائجه مؤخراً". وقالت لسوريا ما انحكت إن هذا الاتفاق مرحلي: "الغاية منه إرساء السلام والاستقرار، فالجميع ينشد الأمن والأمان في نهاية المطاف، لأننا حُرمنا منها طوال سنوات الحرب"، على حد تعبيرها.
هذه الأسئلة وغيرها عند عامة الناس تبدو مشروعة في محافظة تعاني أصلاً من البطالة وتراجع فرص العمل، ويشكو سكانها من نقص كبير في خدمات الكهرباء والمياه، وهكذا لا يمكن حصر مطالب المشاركين في حركة الاحتجاجات الأخيرة، باللغة الكردية، التي يمكن الإقرار بها لغة قومية بقرار دستوري، بمآلات عملية الدمج على حياتهم عموماً.

















