الصحافة في روجافا: الإعلام في الرقة (٤)

الحرب، إعادة الإعمار وصراع القوى


يسلّط الباحثان والأكاديميان، الإيطالي أنريكو دي إنجليس، والسوري يزن بدران، في الجزء الرابع والأخير من هذه السلسلة على بيئة العمل الصحفي في الرقة ومحيطها، وتطورات هذا الحقل منذ أن دحرت داعش إلى خارج المدينة منتصف العام ٢٠١٧.

27 نيسان 2019

(لوحة بعنوان "طوابق" للفنان السوري تمام عزام (2015)، وهي تنشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة للفنان)
انريكو دي انجيليس

باحث مستقل متخصص بالاعلام في العالم العربي. يحمل شهادة الدكتوراه من جامعة سالرنو، ايطاليا. لديه العديد من المقالات في مجال الاعلام والتواصل في الشرق الاوسط وشمال أفريقيا بالاضافة إلى كتاب عن الاعلام والنزاعات. هو أحد مؤسسي حكاية ما انحكت وعمل كباحث مستقل مع عدد من المنظمات غير الحكومية. يعمل حاليا كباحث مع مؤسسة Free Press Unlimited ويقيم في برلين.

يزن بدران

باحث دكتوراه في جامعة بروكسل الحرة في بلجيكا وزميل في المجلس البحثي الفلمنكي (فلاندرز). بحثه يتمحور حول المؤسسات الاعلامية الجديدة في العالم العربي بعد ثورات ٢٠١١.

(ينشر هذا المقال بالتعاون والشراكة مع موقع نوى على أوبن ديموكراسي)

 سوف نستعرض في المقال الأخير من هذه السلسلة العمل الصحفي في الرقة ومحيطها، وتطورات هذا الحقل منذ أن دحرت ما سمّي بدولة الإسلام في العراق والشام (داعش) خارج المدينة في منتصف العام ٢٠١٧.

منطقة الرقة لها تاريخها الخاص في سياق الحرب السورية، وقعت المدينة تحت احتلال جبهة النصرة بعد أن غادرتها قوات النظام السوري في أذار من العام ٢٠١٣. يرى أحد النشطاء أن "انسحاب النظام من المدينة يشبه انسحاب الإسرائيليين من غزة، كان النظام يريد للمدينة أن تشكل مثالا سيئا"[1]. احتدم صراع بين جبهة النصرة وداعش بهدف السيطرة على المدينة على امتداد ذلك العام، وحسم بسيطرة داعش المطلقة على المدينة بحلول كانون الثاني من العام ٢٠١٤. اتخذت داعش من المدينة عاصمة لها بعد ذلك.

تميّزت السنوات التي تلت بفرض الأحكام الإسلامية من قبل داعش وقمعت أي محاولات للاعتراض. كانت الرقة أيضا هي الموقع الأساسي الذي صوّرت فيه فيديوهات البروباغندا الترويجية لداعش . وبرغم كلّ هذا، فإنّ شبكات من النشطاء الإعلاميين مثل الرقة تذبح بصمت عملت بشكل سري في المدينة لتنقل للعالم صورة الحياة في ظل سيطرة التنظيم. دفع عشرة نشطاء من هذه الشبكة حياتهم ثمنا لعملهم في فضح ممارسات داعش، بعد أن لاحقهم التنظيم في كل من سوريا وتركيا.

تمكنت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من السيطرة على المدينة بتاريخ السادس من حزيران ٢٠١٧، جاء ذلك بعد حملة عسكرية طويلة خاضتها قسد بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني (PYD) وبدعم مادي وإسناد جوي من قوى التحالف التي ترأستها الولايات المتحدة الأمريكية. كانت ضريبة هذا "التحرير" كبيرة جدا، أجزاء كبيرة من مباني المدينة وبناها التحتية مدمّر بفعل القصف الجوي، وقد فقد الآلاف من المدنيين حياتهم. المدينة اليوم تتعافى ببطء، وعملية إعادة الإعمار بدأت، ولكن العديد من الخدمات الأساسية لم تصلح أو تستعاد بشكل كامل.

بدأ العديد من السكان بالعودة مباشرة بعد دحر داعش وأسّس مجلس الرقة المدني في نيسان ٢٠١٧ بهدف إدارة المدينة. يتألف المجلس بأغلبه من العرب، ويضم أيضا أكرادا وتركمانا وممثلين عن المجموعات الإثنية والعرقية المختلفة التي تسكن المنطقة. يعتقد بعض الصحفيين الذين أجرينا مقابلات معهم، أنّ المركز هو بشكل أساسي تحت سيطرة قوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، بينما رأى آخرون أنّ المجلس هو اليد الضاربة التي يستخدمها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني بهدف تعزيز نفوذه في الرقة.

في الوقت ذاته، لا يملك مجلس الرقة المدني بنية تنظيمية واضحة ولا تغطي صلاحيات سلطته كامل الإقليم. أسّس مجلس سوريا الديمقراطية، الفرع السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، مجالس محلية أخرى تحت إشرافه المباشر كمجلس الطبقة. بالإضافة إلى كل ما سبق، يعاني مجلس الرقة المدني من نقص في التمويل لأنّ مموليه المباشرين، وبخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، ما زالو يتردّدون في تقديم الأموال اللازمة لعملية إعادة الإعمار إلى حين أن يتضح بشكل أكبر مستقبل سوريا والمنطقة عموما. يؤثر هذا الأمر بشكل سلبي على شرعية ومصداقية عمل مجلس الرقة المدني.

شكّل المجلس العام من قبل مجلس سوريا الديمقراطية في شهر أيلول ٢٠١٨. مهمة هذا المجلس، هي التنسيق بين المناطق ذات الأغلبية الكردية والمناطق ذات الأغلبية العربية، ويتضمن ممثلين عن مجالس الجزيرة وكوباني ومنبج والرقة والطبقة. يقول فريد عطي، أحد رئيسي المجلس العام "إنّ إدارات مدنية شكلت في المناطق التي حرّرت من قبضة الدولة الإسلامية، ولكن هذه الإدارات المؤقتة شكلت بناء على قوانين تختلف من منطقة إلى أخرى. إنّ تشكيل المجلس العام اليوم سيسمح بتوحيد هذه القوانين والتشريعات".

سياق غير مستقر

هذا هو السياق العام الذي بدأت بعض المنظمات الإعلامية بالعودة إلى العمل ضمنه. لا يمكن قراءة وضع وبيئة الإعلام في الرقة، كما هو الحال في روجافا كلها، من منظور أبيض آو أسود. تعمل المؤسسات الإعلامية في بيئة معقدة ومتغيرة، وتؤثر عوامل وأطراف عدّة في دور هذا الإعلام.

ما زالت المنطقة تعيش في ظرف الحرب، وما زالت خلايا لداعش تنشط في المنطقة، الأمر الذي يؤثر على عمل الصحفيين ومجال حركتهم، وعلى هامش الحرية المتاح لحرية التعبير.

وتركز الجهات السياسية التي تسيطر في روجافا حاليا على قضيتين: "إعادة الإعمار" و"الاستقرار". إعادة الإعمار هنا لا تعني فقط إعادة إعمار البنى التحتية والخدمات والأبنية، وإنما تشمل التعافي من الإرث الثقافي الذي تركته سنوات من حكم جبهة النصرة وداعش، والذي أورث المنطقة مجتمعاً مفككاً وهوية ممزقة بحسب رؤية هذه الجهات. الاستقرار تعني إعادة الأمن للمنطقة، بينما تقارب الحرب على داعش نهاياتها، والتصدي للتوترات العرقية والمجتمعية التي تتصاعد الآن. يشكّل الخوف من الوقوع تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية أساساً للتوتر المستمر في المدينة. كذلك فإنّ بطء سير عملية إعادة الإعمار وتأمين الخدمات الأساسية يشكل سبباً رئيسياً للاستياء.

إنّ آلية عمل الإعلام في الرقة تحمل الكثير من التشابه مع منظومة عمل الإعلام في روجافا. وبسبب تواجد قوات سوريا الديمقراطية في المدينة، فإنّ للمؤسسات الإعلامية العاملة في روجافا حضور في الرقة أيضاَ، و يبدو أنّ تنظيم حقل الإعلام يتبع نفس المنطق والآليات. إنّ دور الإعلام في الرقة اليوم مقيّد بشدة بسبب من الظروف الحالية، فالكثير من الصحفيين الذين تكلمنا معهم أقرّوا بأهمية المسؤولية المجتمعية التي تقع على عاتقهم اليوم، وقالوا إنّ إحساسهم بالمسؤولية هذه ينظم سلوكهم. وفي حال لم يلتزم بعض الصحفيين بالمسؤولية المجتمعية هذه، فإنّ ضغط الأطراف السياسية، يمكن له أن يجبر هؤلاء على تغيير سلوكهم، تماماً كما هو الحال في روجافا. وفي الوقت ذاته توجد بعض المساحة للنقد، وتحاول بعض المؤسسات الإعلامية أن تستغل الأمر وتعطي مجالا للأصوات الناقدة حين ترى الفرصة سانحة.

إنّ عدم استقرار الوضع الأمني يفرض تعقيدات لا مفر منها على عمل الصحفيين في المنطقة. يزداد الخطر بشكل كبير كلّما ابتعدنا عن مركز المدن، وبالتالي فإنّ حركة الصحفيين وتغطيتهم الإعلامية تتعرّض للقيود التي تفرض عادة في ساحات الحروب. أثناء كتابة هذا التقرير، كان ما زال ممنوعاً، وبشدّة، استخدام الهواتف النقالة لأخذ صور في أيّ مكان عام، حتى لو كان الصحفي يحمل ترخيصاً يسمح له بالتصوير.

إنّ نقص الخدمات هو عامل آخر يسبّب بطء نمو قطاع الإعلام. تتوفر الكهرباء لعشر ساعات يوميا، فقط في مدينة الرقة، مما يحدّ من استخدام أجهزة التلفاز والكمبيوتر. لم يستعاد عمل اتصالات الهاتف الخلوي عبر شبكتي سيرياتل وإم تي إن، التابعتين لمناطق سيطرة النظام، حتى شهر تشرين الثاني الماضي، بينما يتوفر الأنترنت عبر تغطية خلوية اعتماداً على شبكة كابلات من كردستان العراق وتغطي كل روجافا.

خريطة بيئة الإعلام

لم ينظّم عمل الإعلام بعد، ويسود آلية عمل هذا الإعلام الكثير من الفوضى. نظرياً، يحق لكل من مجلس الرقة المدني ومكتب الإعلام التابع لقوات سوريا الديمقراطية منح رخص عمل للمؤسسات الإعلامية أو للمراسلين. ولكن سرعان ما اكتشف الصحفيين أنهم بحاجة إلى رخص أخرى للعمل خارج الرقة. على سبيل المثال، تمنح الرخص للعمل في عين عيسى، والتي تبعد كيلومترات قليلة فقط عن الرقة، في المكتب الإعلامي في تل أبيض. وللعمل في الشدادي، تحتاج رخصة تصدر عن مكتب الإعلام في القامشلي. بينما الطبقة لها مجلسها المدني الخاص، والذي يصدر الرخص.

فيما يتعلّق بالإعلام، نجد أنّ المشهد يسيطر عليه جيل جديد من الوسائل الإعلامية التي تموّلها الخارجية الأميركية والخارجية البريطانية والجيش الأمريكي. بعض هذه الوسائل الإعلامية تنشر بشكل أساسي كصفحات على الفيسبوك متل الرقة بين الجسرين والرقة أهلنا.  تبقى محطات الإف إم الإذاعية هي الأكثر أهمية بسبب انقطاع الكهرباء، ومنها ماري إف إم و أمل إف إم و بيسان إف إم و شوفي مافي وصوت الرقة. أسّست كل هذه الجهات الإعلامية بعد أن طردت قوات سوريا الديمقراطية داعش من المنطقة بمساعدة من الولايات المتحدة الأمريكية.

عدم استقرار الوضع الأمني يفرض تعقيدات لا مفر منها على عمل الصحفيين في المنطقة

تتواجد بعض المؤسسات الإعلامية الأخرى التي تقدم تغطية موسعة عن المنطقة، ولكنها لا تعدّ وسائل إعلام محلية مثل الجرف نيوز، والتي أسست عندما كانت داعش ما تزال تسيطر على المنطقة وشبكة آسو الإخبارية. مقر عمل طواقم هاتين المؤسستين الاعلاميتين هو خارج البلاد، ويعتمدان على شبكة من المراسلين على الأرض، وكلاهما يقولان أنّهم لا يتلقون تمويلا مباشرا من الولايات المتحدة الأمريكية أو أحد حلفائها.

في الختام، يوجد العديد من الوسائل التي تعمل تحت الإشراف المباشر للإدارة الذاتية، مثل الطبقة إف إم وصوت الدير. وتحضر في الرقة أيضا وكالة أنباء هاوار وهي وكالة الأنباء الرسمية في روجافا، وقناة روناهي وهي التلفزيون الرسمي التابع لقوات سوريا الديمقراطية.

وبحسب أحمد الحسين من مكتب الإعلام في قوات سوريا الديمقراطية، فإنه يوجد منظمتين رسميتين مهمتهما الإشراف على الإعلام في الرقة: مركز الإعلام التابع لقوات سوريا الديمقراطية، والذي ينشر أخبارا دورية عن المنطقة بما فيها دير الزور، ويمنح رخص عمل للصحفيين في المنطقة كلها. يتشارك المركز هذه المهام مع اتحاد الإعلام الحرUFM  والمجلس الأعلى للإعلام HCM .[2]

يتولى مجلس الرقة المدني أيضا منح الرخص للصحفيين الذين يريدون تغطية قضايا تتعلق بعمل المجلس أو بالمدينة بشكل عام والحياة المدنية فيها.

يقول الحسين أنّ هناك تنسيق كبير بين عمل هذه الجهات الرسمية والإعلام الرسمي في روجافا متمثلاً بقناة روناهي ووكالة هاوار، وأنّ غاية هذا التنسيق هو ضمان توحيد الرسالة الإعلامية. وهناك محادثات لتوحيد نظم وآليات منح التراخيص للمؤسسات الإعلامية والصحفيين، وتشكيل جهة واحدة تختص بهذه المهام وتجمع المكتب الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية ومكتب الإعلام التابع لمجلس الرقة المدني.

إعلام إعادة الإعمار

في سياق ظروف الرقة، ينتظر من كل من الإعلام "المستقل" الخاص والإعلام الرسمي، أنّ يلعب دوراً في البروباغندا المضادة للتطرف الديني. الدور الثاني المنتظر من الإعلام، هو أن يقدّم تغطية تشجّع على تجديد وإعادة بناء نسيج المجتمع المحلي، وتركز الضوء على عملية إعادة إعمار البنى التحتية المحلية.

يمكننا ملاحظة هذا على سبيل المثال في تعريف صوت الرقة عن مؤسستهم: "إن مهمتنا الأساسية هي تقديم أخبار ومعلومات دقيقة وموثوقة عما يجري في منطقة الرقة، وعن المساعدات الإنسانية وجهود إعادة الاستقرار التي تقدم هناك. نهدف أيضا لإيصال صوت الناس العاديين ونركز على احتياجاتهم ومشاكلهم اليومية، وخاصة قضايا المهجرين قسرا في الداخل والمشاكل الناجمة عن الصراع (سواء كانت اجتماعية أو نفسية أو تتعلق بقضايا الأمن... الخ)[3].

في سياق ظروف الرقة، ينتظر من كل من الإعلام "المستقل" الخاص والإعلام الرسمي، أنّ يلعب دوراً في البروباغندا المضادة للتطرف الديني

وكذلك تؤكد إذاعة أمل إف إم في ورقة التعريف بعملهم أنّ هدفهم هو "تسليط الضوء على ممارسات داعش والتعدّيات ضد حقوق الإنسان التي مارسوها بحق أهلنا في الرقة والمناطق الأخرى التي خضعت لسيطرتهم".[4]  ويقول ميزر مطر مؤسس صفحة الرقة بين الجسرين، أنهم يهدفون بشكل أساسي "لتذكير أهالي الرقة بقيمهم الثقافية وأسلوب حياتهم قبل أن تبدأ الحرب"[5].

وبهذا نرى أنّ الصحفيين المحليين يعطون تفضيلا في عملهم لعامل مسؤوليتهم المجتمعية، ويقولون أنّ الأولوية، لهم وللسكان عموما، هي العودة إلى الحياة الطبيعية وإيجاد هوية جامعة من جديد.

وبحسب سردار ملا درويش، مؤسس شبكة آسو، فإنّ الوضع في الرقة بالعام هو أكثر انفتاحا من الوضع في روجافا، حتى وإن لم يكن مسموحا انتقاد السلطات أو القوات المسلحة بشكل مباشر. ويضيف درويش، أنّ هذا الأمر مفهوم في ظلّ الظروف الراهنة، فالقضايا السياسية ليست من أولويات الناس العاديين اليوم، إنهم يريدون العودة إلى حياة طبيعية. ولذلك فإنّ إعطاء مساحة للناس من أجل انتقاد نقص الخدمات الحالي، يجب أن يكون أحد الأهداف الرئيسية لوسائل الإعلام المحلي في الوقت الراهن. وبالإضافة، فإنّ الانتقاد الحاد للإدارة الحالية سوف يصبّ بصالح أطراف سياسية أخرى، مثل تركيا أو داعش، وتعارض هذه الأطراف حكم قوات سوريا الديمقراطية بسبب من مصالحها السياسية الخاصة.[6]

ويرى الكثير من الصحفيين الذين أجرينا مقابلات معهم، أن مواجهة السلطات بشكل مباشر هو أمر غير مسؤول ولا واقعي. كثيرا ما تنتقد جهات إعلامية مثل، الرقة تذبح بصمت، لأنها، بحسب ما يراه النقاد، تقريبا تصوّر قوات سوريا الديمقراطية على أنّها بذات درجة سوء داعش.  وبالطبع، فإنّ تبنّي الإعلام الخاص مقاربة مطواعة أكثر، ستسّهل على هذا الإعلام التعامل مع قوات سوريا الديمقراطية ومع حزب الاتحاد الديمقراطي الذين يسيطران على العملية السياسية، وتضمن له الاستمرارية.

القيود المفروضة على الإعلام

إنّ النزعة لتبني "مقاربة مسؤولة مجتمعيا"، هي ليست مسألة تعود للخيار الشخصي فحسب، هناك قيود مفروضة تتحكّم بعمل الإعلام، وهذه القيود تعمل وفق نفس الآليات المتبعة في روجافا.

يفرض على المؤسسات الإعلامية الحصول على تراخيص عمل من قبل مجلس الرقة المدني، والذي اتهمه بعض ممن أجرينا مقابلات معهم، بأنه يعمل وكأنه ذراع لقوات سوريا الديمقراطية. لا تمنح المؤسسات الإعلامية التي تعدّ معادية رخص عمل، وفي حال تجاوز أحد الصحفيين الخطوط الحمراء، فإنّ رخصة عمله تسحب منه. بدون رخصة عمل، لا يمكن الحصول على مقابلات مع جهات رسمية ولا تسجيل فيديو أو أخذ صور في الأماكن العامة. على سبيل المثال سحبت رخصة راديو أمل لمدة شهر لأنهم، بحسب شهادتهم، اعتمدوا على وكالة أنباء الاناضول (وكالة الأنباء التركية الرسمية) كمصدر للمعلومات في أحد قصصهم الإخبارية. أعيد إصدار رخصة العمل بعد أن تعهّد الراديو بعدم استخدام الأناضول كمصدر.

لا تتردّد السلطات بالاتصال بالمؤسسات الإعلامية بشكل مباشر عندما ترى حاجة لذلك. ويقول الصحفيون أنّ السلطات استخدمت الاعتقالات والترهيب كإجراءات قصوى، وإن كانت قليلا ما لجأت لها.

يضطر بعض الصحفيين والنشطاء الإعلاميين للعمل في السر وبدون تراخيص، كما هو حال العاملين في شبكة، الرقة تذبح بصمت، والتي تعرف بمواقفها المناهضة لقوات سوريا الديمقراطية. وينطبق هذا الأمر أيضا على العديد من الصحفيين المستقلين ووسائل الإعلام السورية المستقلة

ويضطر بعض الصحفيين والنشطاء الإعلاميين للعمل في السر وبدون تراخيص، كما هو حال العاملين في شبكة، الرقة تذبح بصمت، والتي تعرف بمواقفها المناهضة لقوات سوريا الديمقراطية. وينطبق هذا الأمر أيضا على العديد من الصحفيين المستقلين ووسائل الإعلام السورية المستقلة.

ويرى الصحفيون ممن أجرينا مقابلات معهم، أنّ هناك خطوط حمراء واضحة لا يمكن أبداً تجاوزها في تغطياتهم الإعلامية. لا يمكن أبداً التشكيك بمنظومة الحكم السياسي بأي شكل من الأشكال، ولا تتقبل السلطات مواقف سياسية معينة. وعلى سبيل المثال، ليس من الممكن أبداً التعبير عن مواقف داعمة للثورة السورية أو للنظام السوري. وبينما يمكن انتقاد جهات أجنبية، ومن ضمنها الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، من الاستحالة بمكان توجيه نقد لقوات سوريا الديمقراطية أو لحزب الاتحاد الديمقراطي.

ويقول بشار يوسف، مدير تحرير صوت الرقة، فيما يتعلّق بهذه القضية "يوجد حدود واضحة لما يمكن التطرّق له في تغطيتك الإعلامية. يمكنك على سبيل المثال أن تتطرّق للمشكلات الناجمة عن نقص الخدمات، يمكنك أيضا أن تنتقد مجلس الرقة المدني ومسؤوليه المحليين، والآثار الناجمة عن الحملة العسكرية التي قادها التحالف العسكري كالألغام الأرضية والضحايا التي تقع بسببها. ولكن أيّة قضايا تتعلّق بالوضع الأمني هي خط أحمر لا يمكن تجاوزه. فمثلا تعتبر الإدارة الذاتية أي تغطية لاغتيالات أو انفجارات في حال وقوعها عامل خطر يهدد عملية إعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار. يتوجب على الصحفيين في مثل هذه الحالات الانتظار حتى تصدر السلطات الأمنية بيانا قبل أن يتمكن الصحفيون من تغطية الحادثة اعتمادا على البيان. بالإضافة إلى ذلك، هناك مصطلحات معينة تفرض السلطات استخدامها في التقارير الإخبارية."[7]

وعلى أيّة حال، يصرّ الصحفيين ممن أجرينا مقابلات معهم أنّ مجلس الرقة المدني، والذي يتبع بشكل أكبر للأمريكيين أكثر مما يخضع لسلطة قوات سوريا الديمقراطية، هو أكثر تعاونا والتعاطي معه بنّاء بشكل أكبر بالمقارنة مع الهيئات التابعة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا. الأمر الذي يجعل التغطية الإعلامية داخل مدينة الرقة أسهل من العمل في المناطق المحيطة بالمدينة، حيث تشرف قوات سوريا الديمقراطية على إصدار التراخيص، وهذه المناطق هي أقرب جغرافيا إلى المجهود الحربي الذي ما زال مستمرا.

هوامش الحرية

وفي سياق الوضع القائم، تقوم وسائل الإعلام المحلية بشكل أساسي بتغطية القضايا الاجتماعية والثقافية، وتركز بشكل خاص على نشاطات المجتمع المدني المتعلقة بإعادة الإعمار. لا يمكن للإعلام أبدا تحدي الخطاب السياسي السائد، ولا تعتبر القضايا السياسية أولوية بحد ذاتها. ويشكل غياب مؤسسات المجتمع المدني التي تنشط في مجالات حقوق الإنسان والسياسة عاملا يزيد من حدة القيود المفروضة على وسائل الإعلام.[8]

يشتكي بعض الصحفيين من الوضع القائم، مقارنين إياه بغياب الحريات التي تعاني منه مناطق أخرى في سوريا

وبينما يشتكي بعض الصحفيين من الوضع القائم، مقارنين إياه بغياب الحريات التي تعاني منه مناطق أخرى في سوريا، يقدّم آخرون رؤية أكثر إيجابية للوضع. يؤكد حازم الحسين، وهو صحفي مستقل، أنّ الإعلام المحلي يمكن أن يلعب دورا إيجابيا، وإن كان هذا الدور محدوداً. يمكن للإعلام أن يظهر مستوى الدمار في المنطقة، وأن يمنح السكان المحليين مجالا للتعبير عن شكاويهم، ويمكن أيضا تغطية مشكلات نقص الخدمات بسهولة. يسمح بتغطية كل هذه القضايا، وفي الحقيقة يشجع على تغطيتها بهدف الضغط على المجتمع الدولي لتقديم المزيد من التمويل لعملية إعادة الإعمار.

بكلمات أخرى، بينما تعدّ القضايا السياسية عموماً من المحرمات، يمكن تغطية القضايا الاجتماعية والمحلية بدون قيود تذكر، حتى لو تضمنت هذه التغطية نقدا للسلطات المحلية. تمت تغطية بعض القضايا الجدلية في بعض الحالات النادرة. يقول الصحفي حازم الحسين مثلاً أنّ جرف نيوز مثلا غطّت مقتل الشيخ بشير فيصل الهويدي، أحد أبرز قادة العشائر في المنطقة، والمظاهرات التي نتجت عن مقتله.[9]

ويرى بعض الصحفيين ممن تكلمنا معهم أنه ما زال بإمكان الإعلام المحلي أن يجد لنفسه دورا يسمح لبعض الآراء الناقدة ومنظمات المجتمع المدني بالتعبير عن نفسها، بينما يبقى الأمل أنّ تطورات الوضع السياسي في المستقبل سوف تسمح بحريات أوسع في تغطية القضايا السياسية الكبرى.

المراجع:

[1] Quoted in Yassin-Kassab, R. and al-Shami, L. (2016). Burning Country. p. 130. London: Pluto Press.

[2] مقابلة مع أحمد الحسين ، المكتب الإعلامي لقوات سوريا الديمقراطية، مقابلة على السكايب بتاريخ ١٥ كانون الأول  ٢٠١٨.

[3]  انظر https://www.facebook.com/pg/sawtraqqa/about/?ref=page_internal

[4] امل آف ام  , ​http://radioamalfm.com/%D9%85%D9%86-%D9%86%D8%AD%D9%86/

[5]  مقابلة مع ميزر مطر، صفحة الرقة بين الجسرين، أجريت المقابلة بتاريخ ١١ كانون الأول ٢٠١٨

[6] سردار ملا درويش، صحفي ومؤسس شبكة آسو الإخبارية، أجريت المقابلة بتاريخ ١٧ كانون الأول ٢٠١٨

[7]  مقابلة مع بشار اليوسف، مدير تحرير صوت الرقة، أجريت المقابلة بتاريخ ١٨ كانون الأول ٢٠١٨

[8] للإطلاع على دراسة توضيحية لعمل منظمات المجتمع المدني في الرقة أعدها مركز دعم المجتمع المدني في الرقة إنظر الرابط https://www.raqqacenter.com/report/Raqqa_Civil_Society_Landscape_EN.pdf

[9] مقابلة مع حازم الحسين، صحفي مستقل، أجريت المقابلة بتاريخ ١١ كانون الإول ٢٠١٨

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد