كي لا تتكرر المأساة.. جهود فردية للتوثيق

حكاية محمد عبد الباقي


وثقت كل ما يخص الإنسان في قريتي". بهذه العبارة اختصر ابن قرية معرشمشة التابعة لمدينة معرة النعمان، محمد عبد الباقي، عمله بتوثيق أعداد الشهداء والمعتقلين والمصابين في قريته. وإذا كان التوثيق تقوم به مؤسسات كبرى أو منظمات حقوقية عادة، فإننا هنا أمام حالة فريدة، حيث يصرّ محمد على القيام بعملية التوثيق وحده، ومن تلقاء نفسه، فما الهدف؟

16 أيار 2019

(جانب من العمل الذي يقوم به محمد عبد الباقي بشكل فردي، حيث يظهر الدفتر والأوراق التي يستخدمها محمد في عمله/ تصوير محمد عبد الباقي/ خاص حكاية ما انحكت)
ميس الحاج

اسم مستعار لصحفية من ريف اللاذقية تقيم في إدلب

(إدلب)، "وثقت كل ما يخص الإنسان في قريتي".

بهذه العبارة اختصر ابن قرية معرشمشة التابعة لمدينة معرة النعمان، محمد عبد الباقي، عمله بتوثيق أعداد الشهداء والمعتقلين والمصابين في قريته. وإذا كان التوثيق تقوم به مؤسسات كبرى أو منظمات حقوقية عادة، فإننا هنا أمام حالة فريدة، حيث يصرّ محمد على القيام بعملية التوثيق وحده، ومن تلقاء نفسه، فما الهدف؟

محمد (43 عاما)، تخرّج من معهد متوسط فندقي سياحي من جامعة تشرين في مدينة اللاذقية عام 1996، بقي أربعة أعوام دون عمل ليلتحق بمهنة التدريس في عام 2000 من خلال قيامه بتدريس مادة اللغة الإنكليزية لصفوف المرحلة الإبتدائية والإعدادية في إحدى مدارس محافظة إدلب، وما زال يدرس حتى الآن.

يأخذ نفسا عميقا، مستعيدا ذكرياته الأولى في الجامعة ومراحل الدراسة، وهو يتحدث لحكاية ما انحكت؛ مؤكدا أنه كان يحب مادة اللغة الإنكليزية، وقد حصل على علامة عالية بها في الثانوية، وأثبت تفوقه في هذه اللغة خلال مراحل دراسته التي كانت تعتمد بشكل كبير عليها.

(جانب من العمل الذي يقوم به محمد بشكل فردي، حيث تظهر بعض أسماء الشهداء من أبناء قريته (معرشمشة)/ تصوير محمد عبد الباقي/ خاص حكاية ما انحكت)

يستدرك بحزن أن عدم وجود أي واسطة له وانتشار المحسوبيات، وكونه ابن أحد قرى الريف، وكونه ابن أسرة بسيطة ليس لها نفوذ في الدولة.. هو ما منعه من أن يؤمن فرصة عمل في مجال تخصّصه، فـ"الفرصة هنا بحسب الواسطة وبحسب الرشوة التي تدفع كما تعرفين، ولا تأخد بحسب جهد الأشخاص أو دراستهم أو معدلهم. ورغم حسرتي هذه، أحببت مهنة التدريس التي انقطعت عنها لمدة ثلاثة سنوات من عام ٢٠١٢ حتى بداية ٢٠١٥ خلال فترة سيطرة العصابة الأسدية على إدلب، وعلى تخوم قريتنا في وادي الضيف".

النظام عمل سابقا على طمس كافة معالم جرائمه، لذلك قام محمد عبد الباقي بالتوثيق خوفا من ضياع حقوق الناس ونسيان مأساتهم

بعد خروج قوات النظام من قريته ومن وادي الضيف في ١٥كانون الثاني ٢٠١٤، عاد عبد الباقي مجددا ليعمل كمدرس ومعاون مدير في إعدادية نزار اليونس للبنين كمتطوع، وهي مدرسة مستقلة تتلّقى بعض الدعم أحيانا من بعض المنظمات المهتمة في التعليم في المنطقة، وهي تقع في الحي الجنوبي من قريته معرشمشة حيث بدأ التدريس فيها بداية ٢٠١٥، ولا يزال حتى الآن، ويعمل نائبا للمدير أيضا.

كي لا تتكرر المأساة

بدأت رحلته في التوثيق مع أول يوم في المظاهرات، فـ "مع انطلاق الثورة كان لديّ الكثير من التساؤلات حول أحداث الثمانينات، وغياب كامل لكافة المجريات التي حدثت. ولذا مع أول أيام الحراك الثوري خشيت أن تتكرّر المأساة ذاتها، أن لا يعرف أطفالي والجيل القادم من بعدي ماذا جرى على الأقل على مستوى قريتي. كل هذا يضاف إلى حبي الشديد وشغفي بالتوثيق".

(جانب من العمل الذي يقوم به محمد عبد الباقي بشكل فردي، حيث تظهر بعض أسماء الجرحى من أبناء قريته (معرشمشة) تصوير محمد عبد الباقي/ خاص حكاية ما انحكت)

شغف قديم

شغف محمد بالتوثيق يعود إلى زمن سابق للثورة، حيث كان يقوم بتوثيق كافة أحداث حياته، وعلى مدار ثلاثين عام، بدءا من "ذكريات الطفولة، الدراسة، سنوات خدمة العلم وأهم المحطات في حياتي. ومن هذا المبدأ عزمت على توثيق كل الانتهاكات ضد الإنسان في الثورة ضمن قريتي من موت واعتقال وإصابة. فالنظام عمل سابقا على طمس كافة معالم جرائمه، لذلك قمت بهذا العمل خوفا من ضياع حقوق الناس ونسيان مأساتهم، فضلا عن سعيّ الدائم لعرض هذه الوثائق على المنظمات الحقوقية والجهات الإعلامية، بهدف كشف النظام وظلمه وفضح أفعاله وجرائمه" وفق ما يقول لحكاية ما انحكت.

توثيق يدوي

محمد الذي يتحدث اللغة العربية الفصحى بشكل جيد ولا يستعمل غيرها خلال أي نقاش معه، يتميز بثقة عالية بالنفس وبملامح صلبة تدل على قوة شخصيته وإيمانه وإصراره على كل ما يقوم به.

يشرح لحكاية ما انحكت، كيف انطلق بالتوثيق، وكيف كانت أولى خطواته، "اعتمدت في البداية على بضعة استبيانات ونماذج كانت توّزع لنا من قبل تنسيقيات الثورة، وهي مجموعات منظمة من الشباب، تأسست مع بداية الثورة في مختلف المناطق كشبكة منظمة لنقل وتوثيق الأحداث في كل منطقة، وكنا نعمل بها لتوثيق الآني، أي خلال لحظات القصف ورفع الأسماء مباشرة، ولم يكن الهدف هو التوثيق لفترة طويلة. استفدت منهم وقمت بإضافة الكثير من النقاط عليهم، أكتب الاسم الثلاثي للشخص، اسم الأم، مكان وتاريخ الولادة، الحالة الإجتماعية، عدد الأطفال في حال كان الشخص متزوجا، تاريخ وقوع الحالة، سواء كانت اعتقال أو إصابة أو استشهاد، مع شرح طبي كافي عن وضعه في حال كان مصابا، إضافة لشرح مكان وكيفية الإستشهاد أو الإعتقال، من ثم تأتي الملاحظات التي أضع فيها تاريخ الشفاء أو إطلاق السراح بحالة الإعتقال. كلّ ملاحظة تأتي بحسب الحالة التي أقوم بتوثيقها. أخيراً، أضع لمحة عن الشخص وعن حياته، وهي توجد تحت بند السيرة الذاتية مع إرفاق صورة شخصية في حال استطعت توفيرها".

(جانب من العمل الذي يقوم به محمد عبد الباقي بشكل فردي، حيث تظهر بعض أسماء المهجرين من أبناء قريته (معرشمشة) في القرى الأخرى/ تصوير محمد عبد الباقي/ خاص حكاية ما انحكت)

هربا من الأمن

يتابع بعد دقائق من الصمت، يتذكر خلالها فيها الكثير من الصعوبات والمشاكل التي واجهته منذ أن بدأ العمل على تنفيذ فكرته، والتي كان أصعبها هربه الدائم من الأمن، "كنت أحمل أوراقي وأهرب بها في كل مرة ينفذ بها الأمن حملة مداهمة على القرية قبل تحرير وادي الضيف، أضع هذه الوثائق على دراجتي النارية وأخرج خارج القرية ريثما تنتهي الحملة الأمنية لأعود مجددا إلى منزلي".

ابتسامة عريضة ترتسم على وجهه. وحين نسأله عن سرها، يجيب: "ذات مرة في الشهر الأول من عام ٢٠١٢ كنت محظوظا جدا، وكان للقدرة الإلهية دور في حمايتي، فعناصر الأمن وصلوا إلى باب منزلي. حينها لم أهرب بأوراقي كما هي العادة، لأنني لم أسمع بهذه الحملة إلا بعد أن أصبحوا يحيطون بمنزلنا من كافة الجهات، لكنهم لم يدخلوا، ولم يفتشوا منزلي رغم أنّ الأوراق كانت مبعثرة على مكتبي، وكان هناك لافتات كتبتها أيضا ضد النظام".

جهد شخصي

لا يتبع عمله لأي جهة أو منظمة، فهو جهد شخصي منه وعمل تطوعي ما يزال مستمرا حتى الآن. يشجعه عليه الثناء والمديح والترحيب الذي يحصل عليه من أبناء قريته خلال سعيه الدائم وتحديه الصعوبات لإحياء قصص أبنائهم وعدم تحويلها لأرقام وأعداد تحصى في نشرات الأخبار فقط، إذ "عانيت كثيرا، فأنا لم أستخدم الحاسب، فعملي كله يدوي، لعدم امتلاكي للحاسب ولا يوجد كهرباء في حال استطعت تأمينه، فضلا عن سهولة استخدام الورقة والقلم في هذه الحالات. أحيانا أمضي وقتا طويلا وأبذل جهدا كبيرا للحصول على معلومات دقيقة، وعلى صور للحالات التي أوثقها، ولا يقتصر عملي على أبناء قريتي المقيمين فيها، فأنا أوثق حالات كل أبنائها في كافة أرجاء سوريا بحال تم اعتقال أحدهم في دمشق أو استشهاد آخر في حلب، فأقوم فورا بتوثيق الأمر. وثقت حتى الآن أسماء ٧٠ شهيد و٥٠ معتقل و٦٠ مصاب مع متابعة كاملة لكافة حالاتهم وأوضاعه".

(جانب من العمل الذي يقوم به محمد عبد الباقي بشكل فردي، حيث يظهر الدفتر والأوراق التي يستخدمها محمد في عمله/ تصوير محمد عبد الباقي/ خاص حكاية ما انحكت)

يوضح المحامي ورئيس المركز السوري للأبحاث والدراسات القانوينة، أنور البني، في حديث مع حكاية ما انحكت: "أن التوثيق أمر مهم جدا فيما يخص الجرائم التي حدثت في سوريا". ويؤكد أن هناك نوعان، الأول، وهو  ما تم في بعض مناطق سوريا من تسجيل أسماء الشهداء والقصف والإعتقال ومكان وقوع الجرائم، المكان، الزمان. وضمن هذا الإطار يأتي ما عمل عليه محمد، وهو أمر مهم جدا للذاكرة ولطريقة تعاطي الدول عبر المنظمات الدولية في الأمم المتحدة، وهو ما تحتاجه في حال كان هناك محاسبة للمجرم، رغم أنها غير فعالة ولم تقدّم أي إنجاز في المحاكمة على الجرائم، ولم تقدم هذه الأدلة أو تحدث تطوراً  لمحاسبة النظام. مشيرا إلى أن هناك نشطاء دفعوا حياتهم وحريتهم كثمن لتوثيق هذه الجرائم والوصول إليها، والمنظمات الدولية وقفت عاجزة أمام المحاكم، مؤكدا خذلان العالم والمجتمع الدولي لهذه التضحيات.

(المحامي والناشط الحقوقي أنور البني في مكتبه في برلين/ تصوير: حكاية ما انحكت)

أما النوع الثاني (والكلام للبني)، هو ما يعملون عليه للتوثيق من أجل المحاكمات والوصول إلى نتائج، وهو مختلف عن عمل وتوثيق محمد، لأنهم يقومون بتقديمه للمحاكم، ومن يعمل به يجب أن يكون محاميا لكي يستطيع أن يقدم دعاوى، وتختلف دقة التوثيق فيه ونوعه ومعاييره، حيث تم تدريب القائمين عليه، ويجب أن يكون ضمن المعايير التي يتخذها القضاء الأوروبي وهم يستخدمونه في ألمانيا والسويد والنمسا.

وفيما يخص عمل محمد، يؤكد البني لنا أن عمله "لديه فوائد كبيرة في مستقبل سوريا، فهو يخدم العدالة بشقها غير القانوني من باب التعويض والسلم الأهلي ومعرفة الحقيقة وتخليد الذكرى. فبالتالي، هذا العمل له أثر كبير مستقبلا، لأن العدالة الانتقالية لا تعتمد على الاقتصاص من المجرمين أمام  المحاكم بل على بناء السلم الأهلي بين الناس".

أعمال آخرى

يعتقد عبد الباقي أنّه ليس من المعيب أن يعمل الإنسان، لكن هناك أشياء تحز في نفسه، فهو رغم اجتهاده الدراسي ومثابرته لم يستطع أن يؤمن عيشة كريمة لأسرته الإ من خلال ممارسة أكثر من عمل في آن واحد، لأننا أمام "دولة فاسدة ونظام مستبد عمل على ظلم الشعب وقهره وإشغاله بتأمين لقمة عيشه". حيث يتابع قائلا: "كنت أعمل بعد عودتي من المدرسة (بما أني ابن إحدى قرى الريف) بالزراعة، كذلك أتقنت مهنة الديكور وأعمال الجبصين وكنت أعمال أحيانا بصنع المطابخ وهذه الأمور. يؤسفني أن تكون حياتنا بهذا القدر من التعب. لكن الثورة هي الحلم المتبقي لنا، الوضع الحالي ليس بأفضل لكننا في مرحلة انتقالية من الطبيعي أن نصبر حتى النصر".

ثناء ومحبة

محمد ابراهيم، صحفي يبلغ من العمر ٣٢ عاما، وهو أحد سكان قرية معرشمشة يشيد بشكل كبير بما يقوم عبد الباقي، إذ يقول لحكاية ما انحكت أن "الناس اعتادت على عمله وجهده بشكل كبير، وهناك قسم من أهالي القرية، يتوجهون إليه ويطلبون منه توثيق الحالة التي حدثت. كذلك فكرته هي الوحيدة في المنطقة، فهو شخص خلوق يعتبر بنكا من المعلومات، وهذه الوثائق التي عمل عليها خلال الثمانية أعوام الماضية، هي في غاية الأهمية للجهات والمنظمات الحقوقية التي تعمل على توثيق الإنتهاكات بحق كافة الناس في كل سوريا، وهذا العمل الذي يقوم به إنما هو جزء من الوعي الذي يتمتع به، وهو الذي دفعه لشعوره بالمسؤولية تجاه توثيق شهداء بلدته".

(جانب من العمل الذي يقوم به محمد عبد الباقي بشكل فردي، حيث تظهر بعض أسماءالمعتقلين من أبناء قريته (معرشمشة)/ تصوير محمد عبد الباقي/ خاص حكاية ما انحكت)

من جانبها، تحدثت "أم حسين" ٥٦ عاما، وهي سيدة من القرية أيضا، أن "محمد يتميز بالكثير من المواهب والمصداقية، فهو لديه خط جميل ومدرس خلوق، وعند عمله بالتوثيق كان لنا جميعا ثقة به ونعطيه المعلومات بكل ود ومحبة لأننا نثق أنه يعمل لصالح القرية وأبنائها، إضافة إلى أنه لا يمكن لأحد غيره أن يقوم بمثل هذا العمل"، مشيرة إلى أن نسبة المتعلمين في القرية ليست كبيرة، وهو أمر يجعلهم يفتقدون لأشخاص مثل محمد، إذ تصل نسبة المتعلمين فيها ل ٣٠ بالمئة وتتنوع الشهادات والإختصاصات المتواجدة بين أبنائها وهناك الكثير من الأميين بنسبة ٥٠ بالمئة، خصوصا بين الكبار في السن والأطفال الذين يعيشون في الحرب.

لا يتبع عمله لأي جهة أو منظمة، فهو جهد شخصي منه وعمل تطوعي ما يزال مستمرا حتى الآن. يشجعه عليه الثناء والمديح والترحيب الذي يحصل عليه من أبناء قريته خلال سعيه الدائم وتحديه الصعوبات لإحياء قصص أبنائهم وعدم تحويلها لأرقام وأعداد تحصى في نشرات الأخبار فقط

أضافت أنه "يتعب كثيرا ولا يحصل على أي مردود مادي، فهو مجتهد ويخدم القرية بالكثير من الأعمال الأخرى من مطالبة بالحقوق وتوعية للشباب والسعي الدائم وراء تعليم الأطفال والحث على ضرورة العلم، وهو قدوى حسنة للكثير منه".

يذكر أن قرية معرشمشة تقع في الريف الشرقي لبلدة معرة النعمان، وتبعد عنها حوالي ثلاثة كيلو متر وتتبع لها إداريا، يبلغ عدد سكانها حوالي ٥٥٠٠ نسمة حاليا بحسب إحصائيات المجلس المحلي، إضافة إلى ٢٠٠٠ نازح. يعمل سكانها بالزراعة وتربية الحيوانات بشكل أساسي، إضافة إلى بعض الأعمال الأخرى. وهي تخضع لسيطرة فصائل المعارضة، ويوجد فيها نقطة طبية ومجلس محلي ومحطة مياه، ويعتبر عبد الباقي  هو الوحيد الذي اتخذ عمل التوثيق على عاتقه ضمن القرية في ظل غياب كامل لعمل المنظمات، ولم يتعاون مع أي منظمة بسبب رغبته ببقاء عمله مستقلا ولخدمة الأهالي.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد