من "الكهف السوري" إلى غابات الدانمارك

رحلة لجوء تختصر المأساة السورية


هي حكاية رحلة ابتدأت كما كل حكايا السوريين هربا من وطن الحروب، سعيا وراء حلم ما. لكنها ليست كباقي قصص الرحلات التي تنتهي بالموت في باطن البحار أو أمام الحدود المغلقة، أو بالوصول والاستقرار في أرض جديدة، هي ببساطة رحلة قصي الحناوي، التي لا تزال قائمة حتى اللحظة، أو رحلة بدأت من قرية بائسة على حدود العالم، لتصل كهفا في العالم المتحضر!

31 آب 2019

(يعيش قصي اليوم على حلم وحيد بأن يغادر الدانمارك إلى غير رجعة، فالبلد الذي حارب للوصول إليه، يحارب اليوم للخروج منه، رافضا العودة إلى سوريا كونه مطلوب لخدمة الجيش/ رسم تمثيلي رسم خصيصا لهذه الحكاية/ خاص حكاية ما انحكت)
صافي خطار

اسم مستعار لكاتب وصحفي سوري مقيم في محافظة السويداء.

(هذه الحكاية نتاج تعاون بين موقع حكاية ما انحكت وراديو سوريالي، يمكنكم سماع الحكاية صوتيا على برنامج حكاية وانحكت)

"لن أقبل"

هي جملته التي صرخ بها في وجه الحياة منذ أن بدأ يعي أن المفاهيم والقيم الكبيرة التي تربّى عليها لن تحوّل فقر أيامه إلى شيء، وأن ثياب العيد لا قيمة لها إذا أتت بعد العيد. لم يكن أمامه إلا الرفض، رفض صنع به حلما لم تتحمله حدود قريته الصغيرة (سهوة البلاطة)، وهو الآتي من ريف السويداء البعيد والفقير، متجها صوب الحدود علّه يجد خلفها حياة جديدة.

هي حكاية رحلة ابتدأت كما كل حكايا السوريين هربا من وطن الحروب، سعيا وراء حلم ما. لكنها ليست كباقي قصص الرحلات التي تنتهي بالموت في باطن البحار أو أمام الحدود المغلقة، أو بالوصول والاستقرار في أرض جديدة، هي ببساطة رحلة لا تزال قائمة حتى اللحظة، أو رحلة بدأت من قرية بائسة على حدود العالم، لتصل كهفا في العالم المتحضر!

ما قبل أوروبا  

بداية أحلامه بالسفر، كانت في سن مبكرة، فبعد أن أنهى (قصي الحناوي/ 33 سنة) دراسة المرحلة الثانوية، قرّر السفر إلى فنزويلا أسوة بأغلب أصدقاءه وشباب قريته، إلا أنه صدم بمعارضة أهله ورفضهم لسفره، خصوصا والده الذي أمضى في فنزويلا قرابة 11 عاما يعمل في تجارة الألبسة ويعرف البلد حق المعرفة، والذي كان يعي جيدا ما يعنيه السفر إلى هناك، وأنه سيخسر ابنه إلى غير رجعة، خصوصا بعد التحولات الاقتصادية والسياسية التي رافقت وصول تشافيز إلى الحكم عام 1999، والتي سعت إلى مناصرة الفقراء عبر نظام اشتراكي يسعى إلى تأميم الاقتصاد ومعاداة السياسة الأمريكية في العولمة، الأمر الذي انعكس سلبا على المهاجرين والمستثمرين في فنزويلا بشكل كبير، والذين يعتمدون على الأسواق المفتوحة وحركة البضائع والتجارة مع الخارج.

ولأنه كان شديد الإصرار على السفر، وكمحاولة من أهله لتغيير وجهته، اقترحوا عليه السفر إلى دول الخليج القريبة، بما تحمله من فرص كانت بالنسبة لهم أفضل من السفر إلى مجاهل فنزويلا. ولأنه لا يملك خيارا آخر، وخصوصا، أنّ بقاءه يعني ذهابه إلى خدمة العلم، والتي كان مستعدا للموت أو السفر إلى الجحيم بدلا من أدائها، لذا قبل بالسفر إلى قطر بعد أن حصل من أحد معارفه على فيزا كلفته وقتها ما يقارب الألف دولار، دفعها والده أملا أن يردها ابنه له أضعافا في المستقبل القريب.

وصل قطرفي 31 تموز 2006، واكتشف بعد أسبوعين أن "الفيزا ليست للعمل، وأن مدتها لا تتجاوز الإسبوعين، وهي تمنح عادة لرجال الأعمال. عرفت حينها أنّي تعرضت لعملية نصب واحتيال كانت نتائجها السجن والترحيل إلى سوريا بعد أن تمت تسوية ملفي ودفع غرامة تقدر بـ 400 دولار نتيجة بقائي في قطر بعد انتهاء مدة الإقامة المؤقتة" كما يقول لحكاية ما انحكت.

وبسبب عناده، وكمحاولة لإثبات الذات، عاود السفر مجددا. أولا إلى ليبيا في تشرين الثاني 2009، والتي لم يستطع الصمود فيها أكثر من ستة أشهر بسبب قلة فرص العمل، والتي انحصرت ببعض أعمال البناء الشاقة وذات الأجر القليل، ثم إلى مصر التي بقي فيها بين نيسان 2010 وأيلول من نفس العام، والتي لم يستطع العثور فيها على عمل، فغادرها إلى لبنان دون أن يتغير شيء في وضعه العام، إلى أن عاد إلى سوريا مع بداية 2011، وبقي فيها قرابة السنتين ونصف بين منتصف 2011 وحتى بداية 2014، قبل أن يقوده الطريق هذه المرة نحو تجربة ما زالت مستمرة حتى الآن.

في اسطنبول

بعد أن أصبحت سورية ساحة معارك مفتوحة، قرر قصي أواخر عام 2013 الذهاب إلى أوروبا وخوض تجربة اللجوء. ورغم معرفته بكل المخاطر التي سيواجهها إلا أنّ حلم الوصول إلى أرض الأحلام كان يطغى على كل شيء.

لبنان كانت المحطة الأولى، وصلها في 1 شباط 2014، بقي فيها أسبوعين ثم سافر جوا إلى اسطنبول، وفور وصوله إليها أقام في فندق لمدة ثلاثة أيام. ما يحتاجه الآن هو معرفة طريق العبور باتجاه اليونان، وهذا يتطلب التعرف على خطوط التهريب والمهربين. بدت الأمور صعبة جدا وتحتاج لوقت طويل ولن يتحمل تكاليف الإقامة في الفندق وغلاء اسطنبول، فقرر أن يبحث عن مكان رخيص للسكن وعن عمل يتدبر به أموره ريثما يخرج من تركيا.

قادته الصدف للتعرّف على بعض السوريين الموجودين هناك والقادمين من مناطق سورية مختلفة، ويسكنون معا في أحد الأحياء العشوائية والفقيرة، وافقوا على إقامته بينهم.

"لم يخطر ببالي أن يكون السكن بهذا السوء، بيت كبير مؤلف من خمسة غرف وحمام مشترك، وعدد القاطنين يقارب العشرين شخصا. سرعان ما اكتشفت أنّ الثلاثة الذين تعرفت عليهم في الشارع هم أفضل الموجودين بالسكن، والباقي كانوا من أصحاب السوابق الجنائية". يقول قصي ويتابع لحكاية ما انحكت: "لمست التشدد الديني الواضح لدى الجميع فجاهدت لإخفاء هويتي الدينية عنهم، خوفا من إثارة المشاكل معهم وادّعيت أني من ريف دمشق وساعدني إتقاني للهجة الشامية في ذلك".

كانت دهشة قصي كبيرة عندما اكتشف مصادفة أن أحد الموجودين معه واسمه رامي فايز (30 سنة)، من نفس منطقته. عرف بالأمر حين سمع قصي بالصدفة رامي وهو يتحدث إلى أخيه، وقد أفلتت منه بعض الكلمات بلهجة أهل السويداء المميزة.

كان رامي حين كان في سورية، يعمل كسائق تكسي في منطقة جرمانا بريف دمشق، سافر من سورية بسبب توقف عمله نتيجة طلبه للخدمة الاحتياطية. وكان قد وصل قبل قصي بشهرين ويعيش متخفيا أيضا بين هؤلاء المتشددين خوفا على حياته. يقول رامي لحكاية ما انحكت: "كنت أشعر بالخوف الشديد من أن يكتشفوا هويتي الدينية، فلطالما تحدثوا عن ضرورة القضاء على الأقليات التي يعتبرونها شرا مطلقا وشريكا في قتل أهل السنة على حد تعبيرهم، لذا كنت ألزم الصمت في أغلب الأحيان وأنزوي بعيدا عن أي حديث".

وما هي إلا أيام حتى عرف قصي طبيعة عمل هذه المجموعة، وهي السرقات الصغيرة والنشل وتجارة الممنوعات والوساطة مع المهربين.

أمام هذا الواقع، قرر قصي ورامي البحث عن عمل، وبالفعل استطاعا إيجاد بعض الأعمال الخفيفة كدهان البيوت وتعشيب الحدائق. وبالرغم من تعرضهما للنصب والاستغلال أكثر من مرة إلا أنه كان أفضل من البقاء بلا عمل، إذ كانا ينهيان عملهما ويعودان إلى المنزل الذي كانا يخططان للرحيل عنه.

إلا أن الأسوأ كان ينتظرهما، إذ يقول قصي لحكاية ما انحكت "عشت في مجتمعات متدينة وبين جماعات متشددة في سفراتي السابقة ( قطر، ليبيا، لبنان)، وتعرضت للكثير من المشاكل كوني لا أعتبر مسلما، إذ أنني من أقلية دينية (الدروز) علما أنني لا ديني وعلماني. ولكن ما حدث معي في اسطنبول كان شيئا لم أتخيله أبدا، فبعد حوالي الشهرين من سكني مع هذه المجموعة. وفي أحد الأيام، كنا عائدين أنا ورامي من  المدينة، فوجئنا بأحد الأشخاص ينتظرنا في مدخل الحي، وهو يحمل حقائبنا في يديه، وليخبرنا بأن الشباب في المنزل اكتشفوا أمرنا، وأنهم يبيتون الشر لنا وطلب منا أخذ حقائبنا والمغادرة فورا، فقد نقتل إذا ما رأونا".

بعد هذه الحادثة، استطاع رامي السفر إلى اليونان، وتشرّد قصي في شوارع اسطنبول، يذهب للبحث عن عمل في النهار وينام في الحدائق أو في جنبات الشوارع ليلا. عمل في دهان البيوت، وفي أعمال التحميل... وما كان يحصل عليه من أجرة كان يكفيه طعامه وأجرة سرير للنوم. ولكن الفترات التي لا يجد فيها عملا كان يضطر إلى التشرد والاكتفاء بوجبة واحدة طوال اليوم.

التخطيط للعبور إلى اليونان

ست شهور بين شباط وآخر تموز 2014، قضاها قصي في اسطنبول على هذا النحو، تعرّف خلالها على الكثير من المهربين ومن السوريين أيضا. وخلال هذه المدة زار مدينة أدرنة، وهي مدينة حدودية بين تركيا واليونان أكثر من مرة، فقد كان يخطط للعبور إلى اليونان برا، وذلك لسببين، الأول أنه يخاف كثيرا من الماء والبحر وركوب البلم، وثانيا كون العبور بالبلم يحتاج إلى 1500 يورو لم تكن بحوزته، بينما العبور برا لا يكلف شيئا يذكر. طبعا العبور البري أصعب وأخطر بكثير، وخصوصا بعد الانتشار الكبير لحرس الحدود على الجانب اليوناني.

اتفق قصي مع مجموعة شباب سوريين، كان قد تعرف إليهم على محاولة العبور برا، وهم ثلاثة شبان من مدن سورية مختلفة ( دير الزور، دمشق، حلب). وضعوا خطة للرحلة وجهزوا ما يلزم من حاجيات ضرورية وانطلقوا.

يقول قصي لحكاية ما انحكت "كنت أحمل معي حقيبة يد صغيرة فيها أوراقي وبعض النقود ليس إلا، ولا شيء آخر غير ثيابي التي أرتديها. ولذا فقد تبرعت بحمل عبوات الماء للجميع، والتي استخدموها بغباء وجهل خلال الرحلة للوضوء، ولولا حصتي من الماء التي حافظت عليها لهلكنا جميعا من العطش".

بدأت رحلتهم باتجاه اليونان في 31 تموز 2014، وكان عليهم أولا اجتياز النهر الذي يفصل بين تركيا واليونان (نهر ماريتسا أو إفروس)، وبالفعل استطاعوا الوصول إلى ضفة النهر، وبدؤوا باجتيازه. وهنا كاد قصي أن يغرق لولا مساعدة الشاب الديري له وإنقاذه في اللحظة الأخيرة. وبعدها ساروا داخل الأراضي اليونانية متفادين النقاط الخطرة والمكشوفة إلى أن سدت الطرق أمامهم، وأصبح الاستمرار مستحيلا لوجود أعداد كبيرة من الدوريات في كل مكان.

هنا اتصل قصي بإحدى عاملات الإغاثة في الجانب اليوناني، كان قد حصل على رقمها من أحد أصدقائه في اليونان. وبالفعل ساعدتهم كثيرا، وكان لها الفضل بدخولهم اليونان. نصحتهم بأن يسلموا أنفسهم للشرطة، وهي ستتكفل بالباقي. طبعا القانون كان ينص على إرجاع أي شخص إلى تركيا إذا ما تم مسكه على الحدود، عملوا بنصيحتها وسلموا أنفسهم للشرطة، فاحتجزوهم في معسكر صغير 22 يوم، حققوا معهم، وبمساعدتها أطلق سراحهم وسمح لهم دخول اليونان لتبدأ رحلة جديدة لقصي في اليونان استمرت قرابة السنة.

الوصول إلى أثينا

وصل أثينا أخيرا، وكان في انتظاره صديق مقيم هناك منذ سنوات ما قبل الحرب، إلا أنّ الأوضاع الاقتصادية السيئة التي كانت تعاني منها اليونان كانت واضحة بكل التفاصيل. ولقد فهم قصي حال صديقه سريعا، وأن وجوده معه سيسبب له الكثير من المتاعب التي لا يقدر على تحملها، فمكان سكنه صغير جدا، عبارة عن غرفة ضيقة فيها سرير وطاولة وحمام صغير، عدا عن عمله الذي كان بأسوأ حالاته، فهو بالكاد يستطيع دفع أجار الغرفة والطعام. ورغم ذلك بقي معه 3 أشهر تقريبا، يتقاسمان الغرفة والطعام إلى أن جاء اليوم الذي خرج فيه صديقه من اليونان متوجها إلى فرنسا.

عاد قصي إلى التشرد في الشوارع والحدائق، ولكن هذه المرة برفقة صديق آخر، وصل حديثا إلى اليونان. كانا يمضيان النهار متنقلين بين الجمعيات الخيرية والكنائس التي تقدم وجبات الطعام المجاني، وفي المساء يتوجهان للجمعيات التي تمنحهم مبيتا حتى الصباح.

يحكي قصي لحكاية ما انحكت ما حدث معهم في أحدى المرات: "بينما كنا في إحدى الكنائس مساء، جاءت إحدى الراهبات وطلبت من صديقي أن ينشد مع الفرقة بعض التراتيل بالعربية، وما أن بدأ حتى تعالت أصوات بعض الإسلاميين المتشددين ممن كانوا في المكان، متهمة صديقي بالردة والكفر، والتخلي عن الإسلام واعتناق المسيحية، الأمر الذي أحدث بلبلة كبيرة دفعت الرهبان إلى تهريبنا خارج الكنيسة خوفا علينا من ردات فعل عنيفة".

بحثا عن الدانمارك

كانت أبواب الدول الأوربية مغلقة في وجهه، وبدا الأمر وكأن اليونان ستكون سجنا كبيرا له، وذلك قبل أن يتم فتح الحدود في 2015. فكر بالطريقة التي سيخرج منها، وكانت وجهته الدانمارك حصرا لأسباب كثيرة، أهمها برأيه "أن عدد اللاجئين إليها قليل مقارنة بغيرها، ولأن شروط اللجوء والمساعدات فيها أفضل بكثير من باقي الدول، والسمعة الجميلة عن البلد وشعبها، وبأنها دولة قانون وعدل وحريات، والأهم أنها بعيدة كل البعد عن التعصب والعنصرية والتيارات الدينية، وبخاصة الإسلامية منها". لكن الوصول للدانمارك مكلف وصعب ويحتاج قرابة 5000 يورو تدفع للمهربين للوصول إلى هناك لطول المسافة ومرورهم بأكثر من بلد. لم يكن أمامه إلا طلب المساعدة من أهله في سوريا، كان يحتاج المبلغ في فترة الصيف حصرا وبأسرع وقت ليتمكن من الذهاب، كون طرق التهريب تتوقف بالشتاء بشكل كامل لسوء الأحوال الجوية واستحالة العبور.

وبالفعل قام أهله في سورية، ببيع قطعة أرض مشجرة بالزيتون وأرسلوا ثمنها له والبالغ 5800 يورو. رفض أهله الحديث عن الموضوع حين تواصلت معهم حكاية ما انحكت. ولكن ما أخبرنا به قصي أن بيع الأرض لم يكن بالأمر السهل على الجميع، إلا أنهم اعتبروا القصة محاولة أخيرة لمساعدته علّه يحظى بحياة جديدة في أوروبا.

ولكن ذلك الأمر استغرق وقتا طويلا، كانت خلاله طرق التهريب قد توقفت للصيف القادم، ولم يعد أمامه إلا أن يجرب السفر بأوراق مزورة عن طريق المطارات. أنفق كل المال في محاولات السفر بالطائرة ولكن دون جدوى، تم القبض عليه في كل مرة وإعادته، بينما حالف الحظ الأشخاص الآخرين الذين كانوا معه.

أكثر المواقف طرافة كانت عندما نجح أحد المرات في تجاوز التفتيش والدخول إلى الطائرة ولكن بعد انتظار ساعة، تبيّن أنّ هناك عطلا في الطائرة، فألغيت الرحلة وتحولوا إلى طائرة أخرى ليتم القبض عليه عند بابها.

الخروج من اليونان

وبعد أن خسر كل أمواله، قرر المجازفة والذهاب برا رغم كل المعوقات، بدأت رحلة الخروج من اليونان برفقة صديقين سوريين، اتجهوا بداية صوب حدود مقدونيا. كانت طرق التهريب المعروفة صعبة للغاية لكثرة دوريات الحراسة عليها، فسلكوا طريقا وعرا بين الغابات حتى وصلوا لصربيا بعد 3 أيام. طبعا كل التنقلات في طريق الرحلة كانت سيرا على الأقدام في المناطق الحرجة، وعلى الحدود وبالباصات داخل البلد وبين المدن، ولم تواجههم مشاكل تذكر في صربيا التي بقوا فيها 3 أيام أيضا. ولكن، ما أن وصلوا إلى هنغاريا، حتى اكتشفتهم الكلاب البوليسية على الحدود وأمسكتهم الشرطة، ليتم سجنهم 5 أيام وتبصيمهم على أوراق اللجوء كإجراء كانت تتبعه هنغاريا لإخلاء مسؤوليتها القانونية أمام الإتحاد الأوروبي. وبعدها أطلق سراحهم، وبقوا قرابة الأسبوع يتجولون بين مدنها حتى وصلوا إلى النمسا وبعدها أكملوا الطريق إلى ألمانيا.

وفور وصولهم هناك طلب رفاق قصي اللجوء في ألمانيا، بينما هو استقبله أولاد عم صديقه، فاستراح عندهم أسبوع، ورفض نصائح الجميع بالبقاء في ألمانيا، إذ كان مصرا على موقفه، فعبر الحدود، ووصل إلى الدانمارك أخيرا، وكان في جيبه يورو واحد، وفور وصوله سلم نفسه لأقرب مركز شرطة، وبعدها تم تحويله لمخيم للاجئين قرب العاصمة كوبنهاجن.

صدمات متلاحقة

ما حدث في الدانمارك مع قصي لم يكن ليتخيله أو يتوقعه أبدا، بدا وهو يحكي لحكاية ما انحكت، وكأن آلاف القصص والأحداث تتزاحم في رأسه.

حاول جاهدا أن يحكي كل التفاصيل، وكأنه يريد إفراغ ذاكرة لا يقوى على حملها، كانت خيباته أكبر من قدرته على الفهم والتحمل. يقول قصي "خلال السنة و10 شهور، وهي الفترة التي قضيتها في المخيم تحولت حياتي لكابوس حقيقي، كان المخيم أشبه بسجن كبير والخدمات فيه سيئة للغاية، عانيت من عنصرية وازدراء واضحين بكل التفاصيل التي مررت بها، بداية من المقابلة والتحقيق معي من قبل موظفين غاية في التعصب والعنصرية وانتهاء بتعليق ملفي كل تلك الفترة دون البت به، إضافة إلى المشاكل اليومية التي كانت تحدث مع اللاجئين، والتي كانت لا تحتمل".

يتابع قصي حديثه: "كنت أظن أن أوربا الحلم هي خارج هذا المعسكر السجن، وأنني بمجرد حصولي على الإقامة وخروجي سيتغير كل شيء، لذا ما كان أمامي سوى التحمل والصبر، ومع ذلك لم يخلو يوم من مشكلة، سواء مع المشرفين أو مع باقي سكان المخيم من السوريين وغير السوريين".

وبعد تلك الفترة حصل قصي على إقامة لمدة سنتين، منح بعدها غرفة مستقلة في سكن جماعي وراتبا من الحكومة بحدود الـ 400 يورو. ولكن كان عليه بالمقابل الذهاب للمدرسة لتعلم اللغة والعمل ستة أشهر بالسنة مجانا ضمن أعمال تحددها البلدية المسؤولة عنه.

هنا بدأت مشاكل قصي الأساسية، فعند ذهابه للمدرسة وجد الحضور كما يقول لحكاية ما انحكت "عبارة عن ثلاث رجال وسيدتين وجميعهم من المسلمين "المتعصبين جدا" (وفق رأيه)، الرجال بذقون طويلة وشوارب حليقة والنساء بخمار أسود كامل، حتى المعلمة كانت محجبة أيضا".

لم يستطع قصي تحمل ذلك، وخصوصا أن حساسيته تجاه المظاهر الدينية كانت تفقده عقله وتوازنه (وفق ما يقول لنا)، اعترض على هذه المدرسة وطلب نقله لمدرسة أخرى إلا أن طلبه رفض. بالإضافة لذلك رفض العمل المجاني الذي حددته له بلديته، وكان عبارة عن أعمال تنظيف للمرافق العامة ودور العجزة، وطالب أيضا باستبداله بعمل آخر لكن دون جدوى. ونتيجة لكل ذلك، توترت العلاقة بينه وبين مشرفته وزادت المشاكل بينهما كثيرا، والتي كان أهمها وأخطرها بالنسبة له، عندما تمت مصادرة غرفته بينما كان في زيارة لأصدقاءه، لعدم معرفته بالقوانين.

وعندما عاد فوجئ بأن غرفته قد تم فتحها من قبل المشرفين ومصادرتها منه بحجة أنّ القانون يلزمه بالبقاء فيها 5 أيام في الأسبوع على الأقل، وحرمانه من السكن ومن وجود عنوان محدد له، الأمر الذي يعد كارثة في دولة مثل الدانمارك، فعدم وجود عنوان محدد، يعني أنك متواري أو متخفي، وتصبح حينها في دائرة الشبهات والشكوك، هذا عدا عن أنّ وجود العنوان ضروري لإتمام أي معاملة قانونية.

لجأ قصي إلى القضاء ورفع دعوى بخصوص قضيته، ولكنه لم يستطع استعادة غرفته وعنوانه، لأنه ووفقا للقانون، فإن عقد السكن يعطى لمرة واحدة فقط، وقد اعتبروا أنه قد حصل على حقه وفرصته بسكن مدعوم من الحكومة لكنه أساء استخدامه.

وجد قصي نفسه مجددا مرميا في الشارع بدون سكن ولا مساعدات ولا حتى عنوان، واعتمد على المساعدات التي يقدمها له أصدقاءه، فيمضي أيامه متنقلا بين صديق وآخر، واستطاع رغم قساوة واقعه أن لا ينجرف وراء موجات الاكتئاب التي أصابته وتحمل كل الظروف القاسية التي مر بها محاولا خلق واقع جديد كل مرة دون أن ييأس.

وبعد حصوله على وثيقة سفر قرر الذهاب إلى إسبانيا عله يجد له باب حياة جديد هناك، يريحه من عذابات وبرد الشمال.

عسل إسبانيا

في بداية صيف 2018، وصل قصي إلى إسبانيا وتجوّل في أكثر من مدينة، زار اشبيلية وقرطبة واستقر أخيرا في غرناطة. منذ وصوله شعر باختلاف المكان والبشر، فهنا كل شيء مختلف عن الدانمارك: الطبيعة، طبائع الناس، أمزجتهم، لغتهم وطرق تعاملهم فيما بينهم ومع الغرباء، أحس بأن المكان يشبه بلده إلى حد كبير، وخصوصا غرناطة التي كان يقول عنها دوما أنها "دمشق الثانية".

ولكي يتجنب النوم في الشوارع والحدائق، قرر قصي التوجه إلى كهوف غرناطة الموجودة في الجبال المحيطة بالمدينة. ومع أنّ بيوت غرناطة القديمة مبنية على كهوف لا تزال موجودة وتشتهر بها المدينة إلى اليوم، إلا أن الكهوف التي تحيط بها من نوع مختلف تماما، هي كهوف المتشردين، والتي تحكمها قوانينهم الخاصة بعيدا عن قوانين المدينة الجميلة.

لتلك الكهوف حياتها المختلفة، فالمكان بكل تناقضاته له طابعه الخاص جدا، الكهوف حفرت بجانب بعضها البعض من قبل المشردين، فلكل واحد كهفه الذي حفره بيديه، مشردون بأمزجة مختلفة، فهناك من يأتي هربا من صخب الحياة ليعيش تجربة مختلفة بإرادته، وهناك من تتقطع به السبل فيجد في الجبل وكهوفه ملجأه الخاص.

يقول قصي: "أحببت المكان كثيرا رغم اختلاف ساكنيه ورغم المخاطر الموجودة فيه أيضا، فلا قانون يسري هنا وكل شيء مباح، من المخدرات إلى كل شيء، للجبل زعيمه وكبيره، رجل تعود إليه كل الأحداث في المكان، وهو المسؤول عن صكوك الموافقة للقادمين الجدد، تعرفت إليه ووافق أن يمنحني كهفا لأقيم فيه كوني لا أستطيع حفر كهفي الخاص، ولكن حذرني بأن أصحاب الكهف إن عادوا فجأة ووجدوني فيه قد أقتل".

لحسن حظه لم يتعرض لأي مضايقات خلال وجوده في الكهف بل على العكس استطاع أن يبني علاقات طيبة مع الكثيرين، وكان يخرج في الصباح إلى المدينة ليكتشفها ويبحث عن عمل فيها ويعود في المساء إلى كهفه.

لم يوفق قصي بالحصول على عمل، ولكنه تعرف على أناس تعاطفوا مع قصته وقدموا له الكثير من المساعدة، منهم سائحة بريطانية تعمل في إحدى الجمعيات الخيرية، تعرّف عليها بينما كانت تزور المكان، فأمنت له مسكنا في قلب المدينة عند إحدى صديقاتها، وسرعان ما اتسعت دائرة معارفه وأحيط بأشخاص طيبين أشعروه بالأمان والراحة، ولكن أحدا لم يستطع مساعدته في الحصول على عمل بسبب إقامته الدانماركية، إذ يعتبر زائرا في إسبانيا ولا يحق له العمل فيها.

الكثير من المغامرات والأحداث حدثت معه في المدينة. ولكن الصدفة الأهم التي حدثت معه أنه كان ذاهبا للقاء أحد الأشخاص الذين يعملون في ملفات اللجوء عله يساعده بمخرج ما، لم يجد الشخص المطلوب، كان في إجازة، ووجد في المكان ثلاث فتيات أخبروه بأن يعود غدا للقائه، وقبل مغادرته سألته إحداهن عن بلده، تململ بالإجابة لما كان يحمله هذا السؤال من عنصرية تعرّض لها فيما سبق، لكنه أجابها بصراحة أنه سوري، فما كان من الصبية إلا أن أخبرته بأن لديها صديقة حميمة جمعتهما مقاعد الدراسة في كوبا، وأخبرته عن اسم صديقتها السورية.

ضحك قصي وأجابها بأنها ابنة عمي ولم أراها منذ سنوات، فقامت الفتاة بالاتصال بابنة عمه، والمقيمة حاليا في المكسيك، وأخبرتها بأن هناك مفاجأة لها، ثم وضعت الكاميرا أمام وجه قصي لتنطلق الضحكات والدهشات بعدها، في مشهد يقول عنه قصي أنه "لا يحدث إلا في أفلام السينما".

الدانماراك مجددا

"عسل إسبانيا" كما يسميه قصي لم يدم أكثر من 6 أشهر، فقد اضطر للعودة إلى الدانمارك لتجديد أوراقه. وفي انتظار التجديد والأوراق عاد لحياة التشرد. ولكن هذه المرة قدم طلبا رسميا بمنحه الموافقة على إنشاء كهف أو كوخ في غابات الدانمارك، الطلب الذي اعتبر الأول من نوعه في الدانمارك حسب ما أخبره الموظف المسؤول، والذي أثار دهشة الجميع لغرابته. وفي النهاية حصل على موافقة لذلك، ولكن ضمن شروط تراعي المعايير البيئية والصحية، ولهذا لم يقم بتنفيذ فكرة الكهف في الدانماراك.

"بالطبع قصة الكهف في الغابة كانت للفت الانتباه لقصتي أكثر منها للاستفادة الفعلية من الكهف، لأن الموافقة بالأصل أتت مشروطة بأن يكون الكهف أشبه بعرزال صيفي حصرا، ومن الخشب والطين وبمعايير صحية وبيئية محددة، بعد أخذ الموافقات اللازمة من البلدية المسؤولة عن الموقع، ويمنع استخدامه في الشتاء بسبب البرد الشديد ومخالفة ذلك للقوانين في الدانمارك". ويضيف قصي "أمضي أغلب أوقاتي في الشتاء بضيافة أصدقائي ولكن في الصيف أتنقل بين الأصدقاء والعيش في الغابة بخيمة صغيرة منتقلة".

يعيش قصي اليوم على حلم وحيد بأن يغادر الدانمارك إلى غير رجعة، فالبلد الذي حارب للوصول إليه، يحارب اليوم للخروج منه، رافضا العودة إلى سوريا كونه مطلوب لخدمة الجيش، ومعتبرا القضية تحديا شخصيا يساوي كل حياته.

وفي كل مرة نكلمه فيها، يقول جملته المعتادة "لن أقبل"  فهل ستنصفه بلاد حقوق الإنسان والحريات أم سيحمل معوله ليحفر كهفا جديدا للتشرد؟

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد