حرب الغاز وعلاقتها بالأزمة السورية

منافسة بين خطين لنقل الغاز لم يتم تنفيذهما بعد


كتب الكثير عن العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والداخلية المتعلقة بالأزمة السورية، إلا أن جانبا من جوانب هذه المواجهة لم ينل القدر ذاته من الاهتمام، على الأقل حتى الأزمة الأخيرة بين قطر وباقي دول الخليج العربي، ألا وهو الحرب الباردة حول الغاز الطبيعي بين عدد من القوى الإقليمية والدولية المرتبطة بالأزمة السورية، وبشكل خاص فرنسا، روسيا، إيران، قطر وتركيا. هنا مقال يناقش إثر "معارك الغاز" على ما يجري في سورية

02 تشرين الثاني 2019

(رسم مأخوذ من موقع المنصة، وهو ينشر بموجب الاستخدام العادل والحقوق محفوظة لإصحابها)
بشار يوسف

كاتب وصحفي سوري، حائز على ماجستير في العلوم السياسية من فرنسا

اتخذت المواجهة بين كل من روسيا وإيران والنظام السوري من جهة، والاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا من جهة أخرى، أشكالاً عدة، كالمواجهة السياسية، والقضايا المتعلقة بالهجرة والإرهاب، والتي تم تناولها بشكل موسّع، سواء على المستوى السياسي أو في وسائل الإعلام، لكن واحداً من جوانب هذه المواجهة لم ينل القدر ذاته من الاهتمام، على الأقل حتى الأزمة الأخيرة بين قطر وباقي دول الخليج العربي، ألا وهو الحرب الباردة حول الغاز الطبيعي بين عدد من القوى الإقليمية والدولية المرتبطة بالأزمة السورية، وبشكل خاص فرنسا، روسيا، إيران، قطر وتركيا، وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن التقليل من أهمية هذا الافتراض، أو تجاهل حقيقة أنه يمكن أن يكون احتمالاً لتغيير خارطة القوى في العالم.

خط أول

المشكلة تتعلق بالمنافسة بين خطين لنقل الغاز لم يتم تنفيذهما بعد: الأول تم دفعه من قبل دول الخليج، وبالأخص قطر، وبدعم غربي، لكنه يتطلب إسقاط النظام السوري، وتقليص قوة روسيا، فيما يتطلب الآخر استمرار نظام الأسد بدعم من حلفائه، الحكومتين الإيرانية والعراقية، وحزب الله اللبناني المدعوم من طهران.

(خط الغاز المقترح من قطر إلى تركيا ليخدم أوروبا. الصورة: موقع إي نيوز)

المشروع الأول تم اقتراحه من قبل قطر عام 2009، وكان يهدف إلى بناء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي، والذي سيعرف بخط قطر–تركيا، عبر الأراضي السعودية، الأردنية، السورية والتركية. الخط الجديد كان من شأنه أن يغذي السوق التركية أيضاً، وهو ما قد يفسر مطالبة تركيا بإقامة منطقة حظر جوي بإشرف تركي-أمريكي في شمالي سوريا، إلى جانب منع إقامة أي كيان كوردي مستقل، وبالتأكيد لم يكن ذلك لمحاربة تنظيم داعش.

خط ثاني

بعد نحو سنتين، خلال عام 2011، عندما بدأ الحرس الثوري الإيراني بتوفير الدعم العسكري والاقتصادي للنظام السوري، وتدريب وتمويل الميليشيات الطائفية التي تحوّلت إلى جزء من الحرب في سوريا، اقترحت إيران إنشاء خط أنابيب بديل، لضخ الغاز الطبيعي من أراضيها عبر العراق وسوريا.

منذ عام 1989، بدأت كل من إيران وقطر بتطوير حقل للغاز الطبيعي، يُعرف بحقل "جنوب فارس–شمال القبة"، حيث يقع ثلث احتياطي الحقل في الجزء الإيراني، فيما يقع الباقي في الجزء القطري منه، وتشير التقديرات إلى أن الجزء الإيراني يضم نحو 325 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي، وهو ما يكفي لسد احتياجات القارة الأوروبية كلها لمدة 16 سنة، فيما يُتوقع أن الجزء القطري من الحقل يضم أكثر من 900 تريليون قدم مكعب. هذه الأرقام تعني أن قطر وإيران تمتلكان ثاني وثالث أكبر احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم بعد روسيا.

عقوبات إيرانية ومحاولات قطرية

في الوقت الذي أعاقت فيه العقوبات الدولية رغبة إيران في تطوير حقل جنوب فارس، فإن قطر  بدأت تحاول لتصبح أحد أكبر مصدّري الغاز الطبيعي السائل في العالم من خلال استقطاب شركات النفط والغاز العالمية، مثل "شيل" و"توتال" و"إيكسون موبيل".

لا شكّ أن تنفيذ خط أنابيب قطر-تركيا من شأنه أن يساهم بشكل كبير في تعزيز اقتصاد قطر، الدولة الصغيرة نسبياً، والتي تسعى إلى لعب دور قيادي في المنطقة العربية، وبشكل خاص بين المجتمعات السنية، كذلك سوف يقلل من اعتمادها على الجارة إيران، المعادية للغرب ولدول الخليج العربي الأخرى، ولا سيما السعودية، التي ستمرّ الأنابيب عبر أراضيها.

حرب بالوكالة

في حزيران 2015، اندلعت حرب بالوكالة في ريف دمشق الشرقي بين فصائل مسلحة مدعومة من قطر والسعودية، ومن ثم حرب إعلامية بينهما، سرعان ما وصلت إلى نقطة أعلنت فيها السعودية، مع دول عربية أخرى، مقاطعة قطر دبلوماسياً وفرض حصارٍ عليها، لتأتي بعدها خطوة فاجأت كثيراً من المتابعين، عندما أعلنت تركيا وإيران عن دعمهما لقطر في أزمتها، وأرسلتا لها عن طريق البحر شحنات من المساعدات.

أما بالنسبة لإيران، فإن تنفيذ مشروعها، والذي يعرف في بعض المصادر باسم خط الأنابيب الإسلامي، من شأنه أن يجلب لها منافع اقتصادية كبيرة من خلال تحويلها إلى ثاني أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي في العالم، وتعزيز علاقاتها مع الغرب بعد سنوات من العقوبات الاقتصادية، إضافةً إلى زيادة تأثيرها في العالم العربي عبر سوريا والعراق ولبنان.

الوجهة: أوروبا

بالتأكيد فإن وجهة التصدير الرئيسية لهذين المشروعين هي القارة الأوروبية، ويمكن مناقشة أهميتهما بالنسبة للاتحاد الأوروبي من جانبين: الاستثمارات المباشرة وورادات الغاز من روسيا. لكن يبقى مشروع خط أنابيب قطر-تركيا مفضلاً للاتحاد الأوروبي بالنظر إلى التوتر المستمر بين الغرب وإيران.

أولاً، وبالحديث عن الاستثمارات المباشرة، فإن الشركات الأوروبية هي أكبر شركاء قطر وإيران في حقلهما المشترك، فكما تم التنويه سابقاً فإن قطر استقطبت "توتال" الفرنسية و"شيل" الألمانية لتطوير الجزء الخاص بها، وفي المقابل، وبعد رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، قامت "توتال" بتوقيع عقود استثمار مع طهران في أعقاب زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى باريس مطلع عام 2016 ولقائه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند. في تشرين الثاني من العام ذاته وقعت "توتال" اتفاقاً قيمته 4.8 مليار دولار (أو ما يعادل4.3 مليار يورو) لتطوير حقل جنوب فارس بالشراكة مع شركة صينية وأخرى إيرانية، مع الاحتفاظ بما نسبته 50.1% من المشروع.

ثانياً، وربما هو الأهم، فيتعلق بكون فرنسا، وباعتبارها الدولة الأوروبية الأكثر انخراطاً في الأزمة السورية، قادت الاتحاد الأوروبي في حرب باردة حول الغاز الطبيعي ضد روسيا، الداعم الرئيس للنظام السوري، والمصدّر الأكبر للغاز إلى أوروبا.

التحرر من "الغاز الروسي"

إذا ما تم تنفيذ أحد المشروعين السابقين، وخط أنبيب قطر-تركيا على وجه التحديد، فسيكون بمقدور أوروبا استيراد الغاز من قطر، والذي هو أرخص بنحو ثلاث مرات من ذاك الذي تصدّره روسيا، كما أن مثل هذه التغييرات ستحرّر القارة العجوز من اعتمادها على الغاز الروسي. بالإضافة إلى ما سبق، فإن زيادة صادرات الغاز من إيران وقطر سوف تؤدي حتماً إلى تخفيض الأسعار، وهو ما سيؤثر سلباً على الاقتصاد الروسي، الذي يعتمد جزء كبير من إيراداته على تصدير الغاز، لذلك نلحظ أن كل العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على روسيا لم تشمل قطاع الغاز بسبب احتياج أوروبا له، فبقدر ما تحتاج روسيا إلى تصديره، فإن الدول الأوروبية تحتاج إلى استيراده، فروسيا تصدّر سنوياً نحو 150 مليار متر مكعب من الغاز إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما يمثّل ثلث احتياجات القارة بقيمة تصل إلى 50 مليار يورو.

هنا تجدر الإشارة إلى أن صادرات النفط والغاز تشكّل ثلثي إيرادات روسيا من صادراتها، وفقاً لما أظهرته البيانات التي نشرتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. على الجانب الآخر، تعتبر ألمانيا من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي من روسيا.

خيارات متاحة

بعد كل ذلك، لا بد من التساؤل عن الخيارات المتاحة أمام روسيا للحفاظ على إحدى أهم أوراقها ضد أوروبا بعدما رمت بكامل ثقلها في الأزمة السورية؟

في الواقع، يمكن لروسيا أن تمنع تنفيذ أي من المشروعين من خلال وجودها العسكري على الأراضي السورية ورعايتها لنظام الأسد، ما سمح لها بالتحول إلى اللاعب الرئيس في المعادلة السورية بعد تراجع الدور الأميركي خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، واستمرّ ذلك خلال الفترة الرئاسية لدونالد ترامب، الذي اتهمته بعض التقارير بالقرب من روسيا.

هناك سيناريو آخر يمكن أن يسمح لروسيا بزيادة نفوذها في الشرق الأوسط من خلال سياسة خطوط الأنابيب، إذ يمكنها رعاية تنفيذ خط الأنابيب الإسلامي (إيران – العراق – سوريا)، وتصدير الغاز من الموانئ السورية، اللاذقية أو طرطوس، حيث تمتلك بالفعل قواعد عسكرية كبيرة هناك.

 المراجع:

  • BJORN Falcon, Syria And Russia’s War for the Gas Influence in Europe, Inform Napalm, September 19, 2015.
  • CHANDRAN Nyshka, Middle East rift could push Qatar closer to Turkey, Iran, CNBC, 5 Jun 2017.
  • CRITCHLOW Andrew, Iran to trigger natural gas race with Qatar in Persian Gulf, The Telegraph, 08 Oct 2015.
  • Daily Mail, Iran signs major gas deal with France's Total, 8 November 2016.
  • DOHERTY Regan E., Factbox: Qatar, Iran share world's biggest gas field, Reuters, Jul 26, 2010.
  • Energy Post, Europe increasingly dependent on oil imports, above all from Russia, July 15, 2016.
  • ENGIN Yigit, Alvaro ORTIZ and Tomasa RODRIGO, Syria: Pipeline wars, BBVA Research, Global Hot Topics, 23 October 2015.
  • France Diplomatie, La France et l’Iran, 23 Sep. 2016.
  • LIN Christina, Syrian Buffer Zone – Turkey-Qatar Pipeline, ISPSW Strategy Series: Focus on Defense and International Security, No. 367, Aug 2015.
  • SREEKUMAR Arjun, Which country relies most heavily on Russian gas? , Aug. 31, 2014.
  • S. Energy Information Administration, Oil and natural gas sales accounted for 68% of Russia’s total export revenues in 2013, JULY 23, 2014
  • WAGNER Daniel and Giorgio CAFIERO, The Simmering Rivalry Between Qatar and Saudi Arabia, 13 JUL 2013.
  • WINTOUR Patrick, Gulf plunged into diplomatic crisis as countries cut ties with Qatar, The Guardian, 5 June 2017.
  • WITHNALL Adam, Putin's gas threat: What happens if Russia cuts the gas to Europe?, Independent, 27 February 2015.
  • YOUSSEF Bashar, French role in the Syrian crisis: Escalation of the conflict with Russia, 2017.
  • YOUSSEF Shiar, Iran In Syria: From an Ally of the Regime to an Occupying Force, Naame Shaam’s report, 2nd edition, April 2016.

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد