مستقبل التعليم في الشمال السوري

في ظل انخفاض الرواتب وتسرب الطلاب


"بتنا نفضّل البحث عن عمل من أجل مساعدة أهلنا بدل الذهاب إلى المدرسة التي لم يعد فيها التزام بسبب تسرب الطلاب والمدرسين، وعدم وجود أعداد كافية من الكتب واللوازم المدرسية". هذا ما يقوله لحكاية ما انحكت، الطالب محمد الحسن (17 عام) من منطقة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي، والذي نزح إلى مخيمات أطمه بسبب القصف، الأمر الذي يشير إلي بعض مشاكل التعليم في الشمال السوري، والتي يسلّط هذا التحقيق، الضوء عليها.

26 تشرين الثاني 2019

(أطفال في مدرستهم بعد تجهيزها في البارة في جبل الزاوية بريف إدلب، ا بتاريخ ١ اكتوبر ٢٠١٩/ تصوير آحمد السليم)
أحمد السليم (اسم مستعار)

صحفي مقيم في محافظة إدلب

(ريف إدلب)، "بتنا نفضّل البحث عن عمل من أجل مساعدة أهلنا بدل الذهاب إلى المدرسة التي لم يعد فيها التزام بسبب تسرب الطلاب والمدرسين، وعدم وجود أعداد كافية من الكتب واللوازم المدرسية".

هذا ما يقوله لحكاية ما انحكت، الطالب محمد الحسن (17 عام) من منطقة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي، والذي نزح إلى مخيمات أطمه بسبب القصف.

ومن جهة أخرى، يشكو مدرس الرياضيات حازم الفرحات (35 عام) من البطالة في الصيف بسبب انتهاء عقده الدراسي التعليمي مع مديرية التربية والتعليم، خصوصاً مع موجة النزوح التي اضطرته لترك منزله الواقع في بلدة حاس بريف إدلب الجنوبي إلى منطقة كبتا بريف إدلب الشمالي، الأمر الذي يشير إلى بعض مشاكل التعليم في محافظة إدلب وحماة وريفهما.

الواقع التعليمي الآن

وبعد سيطرة الفصائل المقاتلة على مناطق الشمال السوري، قام النظام السوري بفصل آلاف المعلمين الذين لا يذهبون لاستلام رواتبهم من مناطق سيطرته؛ مما دعا حكومة الإنقاذ التي تسيطر على  مناطق إدلب على استلام ملف التعليم وتجهيز المدارس وتأمين رواتب المعلمين عن طريق المنظمات الإنسانية التي تدعم ملف التعليم، وخصوصاً منظمة كومنكس التي تكفل رواتب آلاف المعلمين في إدلب. ومنظمة كومنكس، هي المنظمة التي تستلم منحة المفوضية الأوروبية المقدمة لمديريات التربية في المناطق الخارجة عن سيطرة نظام الأسد، في شمال غرب سوريا.

وقد كانت منظمة كومنكس توقع عقودا سنوية لمدة تسعة أشهر لتلبية حاجات المدراس، ودفع رواتب المدرسين، لكنها أبلغتهم هذا العام بتوقف الدعم وعدم تجديد العقود دون إبداء الأسباب.

يقول سمير العمر (اسم مستعار) وهو مسؤول في المجمع التربوي في إدلب وينحدر من ريف إدلب الجنوبي، وقد تواصلنا معه عن طريق الهاتف إن "منظمة كومنكس توقع عقوداً للمعلمين في الأشهر التي يقومون بالعمل فيها، وهي 9 أشهر للفصل الأول والثاني. أما في أشهر الصيف الثلاثة فهم غير ملزمين بالدفع للمعلمين، بسبب عدم وجود عمل لهم خلال هذه الأشهر".

وأضاف "السبب الرئيسي لانقطاع الدعم هو إيقاف منحة المفوضية الأوروبية التي تستلمها المنظمة، وذلك بحجة وجود هيئة تحرير الشام في إدلب وازدياد نفوذها، والتي تعتبر منظمة إرهابية بنظر الدول الغربية، في حين أن التربية هي من تستلم الدعم التعليمي من المنظمة، وهي مستقلة بشكل تام عن الفصائل والحكومات".

(أطفال في مدرستهم بعد تجهيزها في البارة بجبل الزاوية في محافظة إدلب، بتاريخ ١ اكتوبر ٢٠١٩/ تصوير آحمد السليم)

ويشكو المعلمين من انخفاض الراتب مما يضطرهم للبحث عن عمل آخر من أجل الحصول على لقمة العيش وعدم تفرغهم للمدرسة؛ في حين بقي المئات من المعلمين دون وظيفة بسبب عدم استعابهم ضمن البرنامج التعليمي.

يقول المعلم حازم الفرحات لموقع حكاية ما انحكت وقد التقينا معه بشكل شخصي: "رغم قلة الأجر الشهري الذي نتقاضاه، والذي لا يتجاوز 120$ شهرياً، والذي لا يكاد يكفي لنصف الشهر، ولكن الانقطاع الصيفي أصبح يؤثر على الحالة المعيشية للمعلمين حيث أن المعلم بات يعاني من الانقطاع عن العمل وقلة الأجور".

مضيفاً "يجب أن يكون هناك علاوات سنوية في أجور المدرسين، وكذلك دعمهم بالتأمينات الصحية والاجتماعية والأدوات التعليمية، وذلك بهدف رفع مستوى التعليم وعدم حاجة المعلم لعمل آخر، وتفرغه لتعليم الطلاب وإنقاذهم من حالة الجهل التي يعانون منها بسبب انقطاعهم لسنوات عن الدراسة".

الطالب محمد حسن الشرتح (14 عام) وهو نازح إلى منطقة كفرلوسين بريف إدلب الشمالي، وقد التقيناه  بشكل شخصي ويقول لموقع حكاية ما انحكت: "كان تعداد الطلاب في مدرسة الكرامة في العام الماضي 370، حيث كانوا يتلقون تعليمهم بشكل مكثف حتى كانت هناك دورات صيفية لتعويض النقص في السنوات الماضية".

وأضاف "مع بداية العام أخبرتنا إدارة المدرسة بانقطاع الدعم عن المدرسة وعدم وجود منظمة تكفلها لذلك قرر أغلب المعلمين البحث عن عمل من أجل جلب قوت العيش، فيما قرر ثلاثة منهم تدريس الطلاب بشكل تطوعي حيث بقي 40 طالباً فقط هذا العام والباقي أصبحوا من المتسربين".

من يشرف على التعليم في إدلب وريفها؟

وبالنسبة للتعليم في إدلب، فإن مديرية التربية والتعليم في إدلب هي المسؤول الأول عن ملف التعليم في المحافظة من ناحية رفد المدارس بمستلزمات التعليم وتسليم المعلمين لرواتبهم بشكل شهري، بالإضافة إلى بعض المنظمات التي تقوم ببناء مدارس خاصة بها وتقوم بتشكيل كوادر دراسية ودعم هذه المدارس ولكن يكون الأمر بالتنسيق مع مديرية التربية والتعليم.

ويكون التنسيق عن "طريق تسليم المنظمات المدارس التي لم تتمكن مديرية التربية من كفالتها أو المدارس التي هي بحاجة إلى ترميم، وتقوم المنظمات برفع مشاريع لترميمها، وذلك من خلال إرسال مديرية التربية مراقبين إلى المدارس التي تشرف عليها المنظمات من ناحية مراقبة العملية التعليمية أو حتى جودة ترميم المدارس"، بحسب مصطفى حاج علي مدير المكتب الإعلامي في مديرية التربية.

سعد اليحيى (40 عام) وهو من بلدة حاس في ريف إدلب الجنوبي ويعمل مسؤولاً عن عدة مدارس مدعومة من قبل رجل أعمال سوري يعيش في الولايات المتحدة ويقول لحكاية ما انحكت: "بسبب عدم قدرة مديرية التربية على فتح جميع المدارس، تم تبني مدارس في منطقة كفرومة من قبل أحد الرجال الأعمال الأمريكيين وهو من أصل سوري حيث يقوم بجمع التبرعات، وذلك بهدف دعم المدارس بكافة مستلزماتها لمدة 9 أشهر خلال العام الدراسي".

وأضاف "رواتب المعلمين في المدرسة تعتبر أفضل من رواتب المعلمين الذين يعملون ضمن ملاك التربية حيث يصل راتب المعلم في مدرستنا ما بين 150 حتى 200 دولاراً، بالإضافة إلى أن التجهيزات التي تملكها المدرسة تعتبر ذات قيمة عالية".

(صورة تظهر نزوح الأطفال وعدم تمكنهم من متابعة الدراسة في جبل الزاوية في محافظة إدلب. تصوير أحمد السليم بتاريخ يناير ٢٠١٩)

وبالنسبة لمديرية التربية والتعليم في محافظة إدلب، كانت تسمّى مديرية المعارف، لتسمّى بعدها مديرية التربية الحرة في إدلب في منتصف 2013. ومنذ ذاك اليوم تقوم مديرية التربية والتعليم بإنشاء امتحانات لطلاب الشهادتين الثانوية والتاسع. وهذا العام بلغ عدد الطلاب 26700 طالب لمراحل الثانوية المختلفة.

والمديرية أسسها عدد من المعلمين الذين تم فصلهم بقرار وزاري نهاية عام 2012، وكانت تتبع للحكومة المؤقتة، وهي غير ممولة من أي جهة أممية رغم هيمنتها على منطقة إدلب وأصبحت إدارتها مستقلة بعد سيطرة حكومة الإنقاذ على إدلب.

مصطفى حاج علي (34 عام)، وهو مدير المكتب الإعلامي في مديرية التربية والتعليم في إدلب، وهو من منطقة إدلب. التقينا معه عن طريق الهاتف، يقول لموقع حكاية ما انحكت: "يوجد في مديرية التربية والتعليم 1167 مدرسة حيث يتم التغطية الإدارية لجميع هذه المدارس. هناك مدارس تتبع للنظام تقوم المديرية بالهيمنة عليها، لذلك بلغ عدد المدارس التي خسرتها مديرية التربية بعد الهجوم الروسي وسيطرة النظام عليها 49 مدرسة".

مضيفا "عدد المعلمين القائمين، والذين يتلقوا الرواتب من مديرية التربية والتعليم 7200 أستاذ في مختلف الاختصاصات ومختلف المشاريع، حيث أن العقود التي يتم إبرامها لمدة 9 أشهر تنتهي في شهر 8، في حين أن الامتحانات لم يتم تبنيها، أي أنه لم يتم تخصيص مبالغ مالية من أجل صرف نفقاتها، من قبل أي منظمة داعمة، والتي شارك فيها 6000 معلم بين مراقبة وتصحيح".

الامتحانات جرت بشكل طبيعي ولكنها كانت دون أجور للمعلمين هذا العام، حيث كانوا يعملون مراقبين ومصححين في الأعوام السابقة مقابل 100 دولار لكل معلم يشارك في العملية الامتحانية، والامتحانات معترف فيها من قبل مديرية التربية التي تشرف على العملية التعليمية في إدلب.

ويشير حاج علي إلى أن "عدد الإداريين في المجمعات التربوية يقدرون ب 320 مدرس حيث لم يستلموا رواتبهم من بداية 2018 بحجة تبعية المديرية لحكومة الإنقاذ في حين أن المديرية أعلنت بشكل رسمي عدم تبعيتها لحكومة الإنقاذ حيث أنها ذات سيادة مستقلة، ولها مجلس إدارة يقوم بالإشراف على التعليم بشكل مستقل دون التبعية لأحد".

الجهات الممولة

من المنظمات التي تدعم قطاع التعليم في إدلب، منظمة وطن وهيئة ساعد الخيرية وأف جي دي حيث تصل رواتب المعلمين إلى ما يقارب 200 دولارا بشكل وسطي، ولكن المدارس المدعومة من هذه المنظمات تعتبر قليلة ولا تتجاوز 10 بالمائة من المدارس المدعومة بريف إدلب، والتي تدعمها منظمة كومنكس التي تتعاون مع مديرية التربية في إدلب.

ويعتبر مصدر التمويل هو مشروع إدارة أو منظمة كومنكس سابقاً حيث تشرف المديرية بشكل إداري على فحص المعلمين والإشراف عليهم في أي عملية تقديم على المدارس التابعة للمديرية وتعيين وفق المعايير الدولية والمطلوبة، علما أن منظمة كومنكس كانت تمول ملف التعليم بشكل كامل ولكنها مع بداية العام أوقفت القسم الأكبر من الدعم وأبقت على قسم قليل بحجة سيطرة تحرير الشام على إدلب.

وقد حاولت المديرية التواصل مع الأمم المتحدة واليونيسف، عن طريق المؤسسات السورية التي تتعامل مع المؤسسات الدولية كالشبكة السورية لحقوق الإنسان والدفاع المدني، من أجل دعم التعليم في إدلب. ولكنها أدارت ظهرها من 2013 وقامت بدعم التعليم في مناطق النظام، حيث تقوم وزارة التعليم التابعة للنظام بإرسال منحة التعليم في إدلب إلى مديرية تربية حماة، والتي تقوم بدورها بدعم مليشيات النظام التي تقتل المدنيين، وفق ما يقول مصطفى حاج علي لحكاية ما انحكت.

بالإضافة إلى مديرية التربية، فإن المنظمات الإنسانية والجمعيات الخيرية لها شق تعليمي، حيث تقوم برفع مشاريع تعليمية تتضمن بناء مدارس وترميمها وكفالة كوادر تعليمية وروضات للأطفال وتنشط مدارس التي تشرف عليها المنظمات بشكل كبير في المخيمات الحدودية، خصوصاً في مناطق أطمه وقاح وعقربات بريف إدلب الشمالي.

ومن العوائق التي تواجه موضوع التمويل بالنسبة للمنظمات ومديرية التربية هو عدم استمرار التمويل وانقطاعه بشكل مفاجئ، حيث أن المنظمات الدولية تقوم بتوقيع عقود شهرية لدعم ملف التعليم حيث أن قسم منها انقطع عن مواصلة الدعم لأسباب مجهولة، ومنها معروفة، وهو وجود منظمات إرهابية مما يؤدي إلى تسرب آلاف الطلاب قبل نهاية العام الدراسي.

عبيدة الشيخ نجيب (28 عام)، هو مسؤول في منظمة نماء التي تدعم المشاريع التعليمية في الشمال السوري وينحدر من منطقة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي وقد التقيناه عن طريق الهاتف، يقول لحكاية ما انحكت: "نقوم بشكل سنوي بكفالة عدد من المدرسين برواتب شهرية تتراوح بين 175 إلى 250 دولاراً، حيث تم بناء مدارس نموذجية تحت الأرض وتجهيزها بشكل جيد، وذلك بهدف استقبال مئات الطلاب من أجل أن يحصلوا على تعليمهم على أعلى مستوى".

وأضاف: "أحد أهم العوائق التي نواجهها هو وجود عدد ضخم من الكوادر التعليمية التي تقدم على المسابقات ولا يوجد شواغر من أجل استيعابهم، بالإضافة إلى عدم وجود دعم مستمر للمشاريع التعليمية حيث أن المنظمات الداعمة توقع عقوداً تعليمية لعام واحد".

مناهج متعددة ومتغيرة

في العام الماضي كانت تنشط مدارس للنظام السوري في ريف إدلب حيث تدرس مناهج النظام مع حذف كتاب القومية، وذلك بطلب من التربية الحرة، في حين يتم تدريس مناهج موحدة في مناطق درع الفرات وإدلب، والتي تخلو من الشعارات المؤيدة للنظام السوري حيث كانت المدارس تستلم مصاريفها من تربية النظام في حماة، ويستلم المدرسون رواتبهم من مديرية النظام، وتدرس الكتب التي يرسلها النظام، ولكنها تتعرض لتدقيق من قبل التربية الحرة مع مسح الشعارات الموالية للنظام، في حين أن المناهج في إدلب وريف حلب الشمالي هي المقصودة بدرع الفرات، فهي موحدة ويتم طباعة الكتب في تركيا.

وبالنسبة لهذا العام، فقد قررت مديرية التربية والتعليم في إدلب إلغاء التدريس بمناهج النظام في المدارس التي تتبع لمديرية التربية في حماة، والمدارس التي يدرّس فيها المعلمون الذين يستلمون رواتبهم من قبل مديرية التربية التابعة للنظام في حماة، وذلك بسبب وجود شعارات تمجد النظام السوري على الكتب وصور لرئيس النظام بشار الأسد حيث أصبحت المناهج هذا العام موحدة في محافظة إدلب، ولكنه بنفس الوقت لا زال قسم من المعلمين يستلمون رواتبهم الشهرية هذا العام من مديرية تربية النظام في حماة.

برنامج طوارئ للتعليم

ويرى باحثون اجتماعيون بأن رواتب المعلمين بالمقارنة مع رواتب موظفي المنظمات الأخرى متدني جداً وهو يعتبر محاربة علنية لملف التعليم والمساهمة في تسرب الطلاب من قبل القائمين على المنظمات الإنسانية، حيث أن الجهد يجب أن يصب على دعم التعليم ورفع رواتب الأساتذة من أجل الارتقاء بالعملية التعليمية.

علي الفرحات (40 عام) وهو مسؤول تربوي في مجمع منطقة معرة النعمان التابع لمديرية التربية، من منطقة حاس ويحمل شهادة في كلية الشريعة، التقينا به بشكل شخصي ويقول لموقع حكاية ما انحكت: "العام الدراسي الماضي  بدأ على الوجه الأمثل المطلوب من المديرية والمعلمين، حيث توافد عدد كبير من الكوادر التدريسية إلى المدارس، منهم من يعمل متطوعاً وآخرين تم تكليفهم من قبل المديرية، ولكن المشكلات التي واجهتهم هي إيقاف الجهة الداعمة لطباعة الكتب المدرسية التابعة للحكومة المؤقتة مما تسبب في نقص الكتب بشكل كبير".

مضيفاً بأن "هناك نقص في تمويل الكوادر التدريسية نسبة لهذا العدد الكبير الذي يتوافد من المحافظات الأخرى من الطلاب والمعلمين، في حين أن المديرية تتابع عن كثب عبر غرف تواصل عاجلة جميع الأوضاع الأمنية في المناطق الساخنة، ولا سيما ريف إدلب الجنوبي والغربي، حيث تقوم بالإيعاز إلى جميع المجمعات التي تكون في منطقة الخطر بإغلاق المدارس حيث تم إغلاق مجمع معرة النعمان ومحمبل وأريحا بسبب تعرض المنطقة للقصف".

مشيراً إلى أن "المديرية تقوم بمشروع يسمى طوارئ التعليم حيث سيكون هناك كادر متمرس لتدريب الطلاب في حالة الطوارئ، حيث سيقوم هذا المشروع على ضرورة إيصال الطلاب إلى مقاعد الدراسة ومتابعة تعليمهم حتى في حالات القصف، أو وقوع معارك عسكرية، وذلك من خلال طرق متعددة سيتم الإعلان عنها لاحقاً".

المدارس المتضررة

ويوجد في مديرية التربية والتعليم بإدلب وريفها 1426 مدرسة كاملة، وعدد المدارس المتضررة جزئياً نتيجة القصف 600 مدرسة في حين أن عدد المدارس المدمرة والخارجة عن الخدمة 246 مدرسة، وهذا العدد الأخير يزداد بشكل مستمر نتيجة الغارات الغير منقطعة، في حين أن هناك بعض المنظمات تقوم بترميم المدارس المتضررة جزئيا، لذا فإن العدد يتزايد ويتناقص بشكل مستمر.

ويقول خالد السالم (37 عام) وهو مسؤول في المجمع التربوي في مدينة إدلب ويحمل شهادة في كلية التجارة والاقتصاد، التقينا فيه عن طريق الهاتف. ويقول لحكاية ما انحكت: "بأن أحد المنظمات الإنسانية قامت بترميم ما يقارب 12 مدرسة في مناطق ريف إدلب الغربي والجنوبي والشمالي، فيما قام معبر باب الهوى بترميم عدد آخر من المدارس، بعضها تم تدميره بشكل كلي والبعض الأخر بشكل جزئي، حيث تراوح أسعار الترميم ما بين 20 إلى 55 ألف دولار للمدرسة الواحدة".

مضيفاً بأن "هناك عدد كبير آخر من المدارس ما زال مدمراً وغير صالح للاستعمال، لذا فإن ترميم هذه المدارس أتاح عودة آلاف الطلاب إلى مقاعد دراستهم، فيما أن طرح مشاريع جديدة للترميم سيساعد على تخفيف الازدحام الطلابي هذا العام وتوزيع الطلاب على المدارس بشكل متساوي لأن قصف المدارس أجبر التربية على نقلهم لمدارس أخرى".

(صور تظهر الدمار الذي تعرضت له المدارس في الشمال السوري بسبب القصف في البارة في جبل الزاوية في محافظة إدلب. تصوير أحمد السليم، بتاريخ ٣ أذار ٢٠١٩)

موضحاً بأنه "في ظل عدم وجود دعم كاف لاستيعاب جميع المدرسين برواتب شهرية. ويؤثر هذا الأمر على جودة التعليم في المدارس التي يدرس فيها هؤلاء المعلمين، لأن العمل بشكل مجاني في هذه الظروف الصعبة شبه مستحيل. لذلك، فإن هذا الأمر يؤدي إلى تسرب عشرات الطلاب بسبب غياب المعلمين والتحاقهم بعمل يؤمنون به لقمة عيشهم".

مدارس مغلقة وأخرى على وشك

ومع انقطاع الدعم من قبل بعض المنظمات الداعمة للتعليم، تم إغلاق عدد من المدارس في إدلب، حيث أضحى أكثر من 7000 طالب وطالبة (وفق معلومات قدمها عبد الرحمن حمادة من مديرية التربية في حماة) مهددون بالتسرب والتشرد والجهل، بسبب انقطاع كافة أشكال الدعم عنهم وعن مدارسهم وعدم استلام المعلمين لرواتبهم في العام الماضي، وخصوصاً بعض المدارس التابعة لمديرية التربية والتعليم بريف حماة، والتي تعمل في مناطق إدلب.

ويقول الأستاذ عبد الله الضعيف (42 عام) وهو مدرس في مادة الشريعة الإسلامية ومدير مدرسة بريف إدلب ويعيش في منطقة المخيمات الحدودية وقد التقينا فيه بشكل شخصي: "أن المدرسين خلال العام الماضي وقعوا عقداً مع أحد المنظمات الداعمة للتعليم (fjd), يشمل كفالتهم لمدة 9 شهور مع أجور وكلف تشغيل المدرسة، ولكن لم يتم تسليم رواتبهم طيلة فترة التعليم، وذلك بسبب صعوبة التحويلات البنكية التي تعاني منها المنظمات الخيرية".

(صور تظهر ترميم المدارس من قبل مديرية التربية والتعليم في البارة في جبل الزاوية في محافظة إدلب. تصوير آحمد السليم بتاريخ ١٧ أذار ٢٠١٩)

مضيفاً بأنه: "تم تسليم رواتب 3 شهور للمدرسين بعد عام من الدراسة وعدم تسديد رواتب 4 شهور مما أدى إلى ذهاب المعلمين للبحث عن عمل أخر، حيث بات أكثر من 300 طالب في مدرستهم مهدودون بالتسرب من مدرستهم، وخصوصاً أنهم في المرحلة الثانوية، وتعتبر هذه المرحلة حساسة للغاية وخصوصا طلاب البكالوريا الذين يعتبر انقطاعهم عن الدراسة أمراً خطيراً على مستقبلهم".

مشيراً إلى أنه: "يجب أن تتولى تركيا ملف التعليم في إدلب كما ريف حلب الشمالي من أجل تنظيمه وضبطه، وتأمين وسائل التعليم للمدارس، وذلك عبر دعم الجهات التعليمية في المناطق المحررة، في حين أن مواصلة غياب الدعم عن بعض المدارس سيعزز حالة التسرب والجهل بعد مرور 7 أعوام على طلاب لم يتلقوا خلالها سوى جزءاً قليلاً جداً من المناهج التعليمية".

ويقول الأستاذ عبد الرحمن حمادة (39 عام) من منطقة ريف حماة الشمالي وهو نائب سابق في مديرية التربية والتعليم في حماة بأن "هناك 85 مدرسة تتبع للمديرية، بينها 34 مدرسة في منطقة المخيمات، وخصوصاً منطقة أطمه، فيما تقبع 51 مدرسة في منطقة الداخل السوري في أرياف حماة وأرياف إدلب، والتي تشمل معها التجمعات التربوية.. يعانون في تربية حماة من نقص كبير في دعم التعليم، حيث يوجد أكثر من 50 مدرسة غير مدعومة، بعضها توقف عن العمل والبعض يعمل بشكل تطوعي دون رواتب، بالإضافة إلى أنه هناك مدارس توقف عليها الدعم منذ العام الماضي"..

وأضاف الحماده بأن "منظمة أف جي دي كانت تدعم 15 عشرة مدرسة تابعة لتربية حماة, بالإضافة إلى كفالة الكوادر الإدارية في التربية بكلفة تشغيلية ورواتب، ولكن هذه الدعم توقف بشكل مفاجئ عن هذه المدارس مما أدى إلى زيادة المعاناة عند المديرية والمعلمين".

من جهته، يقول حسان سعيد من منطقة حلب (36 عام) وهو مسؤول ملف التعليم في منظمة أف جي دي، والتي تعمل في ريف إدلب، وقد التقينا معه عن طريق الهاتف، ويقول لحكاية ما انحكت: "كنا ندعم 15 مدرسة تابعة لتربية حماة موزعة بين الريف الغربي والشمالي ومنطقة الغاب وبين الريف والمخيمات، بالإضافة لدعم الكادر الإداري في مديرية التربية والبالغ عددهم 25 موظف بين المديرية والمجمعات التربوية بالإضافة إلى كتلة تشغيلية للمديرية".

ويضيف بأن "المخطط كان هو الاستمرار بالمشروع من أجل دعم العملية التعليمية. ولكن من المؤسف ومع بداية العام الدراسي واجهتهم مشكلة في التحويل البنكي، وهي مشكلة تواجه جميع المؤسسات وتوقف البنك الأميركي عن التحويل دون إبداء سبب، لذلك علقنا مشاريعنا لحين تجاوز هذه المشكلة".

زهير الحلاق (38 عام)، هو أستاذ من منطقة كفرنبودة بريف حماة ويعيش في منطقة المخيمات الحدودية وهو خريج من كلية العلوم ويعمل في إحدى المدارس الذي توقف عنها الدعم، ويقول لحكاية ما انحكت: "بأن المعلمين يعدون من الطبقة الفقيرة في المجتمع، فالمعلم الذي درس طوال هذه السنين من أجل أن يحصل على وظيفة يتقاضى من خلالها راتباً يمكنه من كسب لقمة العيش لا يمكنه أن يجد عملاً أخر بشكل فوري".

وأضاف الحلاق "أناشد جميع المهتمين بالعملية التعليمية والحريصين على مستقبل الطلاب من التسرب بأنه إذا لم يتدارك مستقبل المدارس، فإننا أمام كارثة ستصيب التعليم وستؤدي إلى تسرب أكثر من 13 ألف طالب من مدارسهم بشكل مبدئي وربما تتطور إلى تسرب آلاف آخرين".

مناطق النفوذ التركي

وتقوم وزارة التعليم التركية بدعم قطاع التعليم في منطقة درع الفرات وغصن الزيتون حيث يتم تسليم المعلمين رواتب تصل إلى حد ما يقارب 120 دولارا أي تساوي الرواتب التي يتم تسليمها من قبل المنظمات الإنسانية في ريف إدلب.

الدكتور عبد القادر رشواني (44 عام) ويحمل دكتوراه في الهندسة ويعمل في منطقة اعزاز بريف حلب الشمالي، يتحدث عن وضع التعليم بريف حلب الشمالي حيث التقينا معه عن طريق الهاتف: "ملف التعليم في مناطق درع الفرات وغصن الزيتون، أصبح بشكل كامل بيد الأتراك حيث يتم تسليم المعلمين رواتباً شهرية تقدر بين 700 إلى 800 ليرة تركية، بالإضافة إلى التكفل بكافة مستلزمات المدارس وتوزيع المناهج".

وأضاف أنه "بالنسبة للتعليم في مناطق ريف حلب الشمالي، فهي أكثر استقرار من مناطق ريف إدلب بسبب عدم انقطاع الدعم في فترات معينة وعدم تعرض المدارس للقصف والحالة الأمنية التي تعيشها مناطق ريف حلب الشمالي بالمقارنة مع سوء الأوضاع الأمنية التي تمنع مئات الطلاب من الذهاب إلى مدارسهم".

ويقول الطالب محمد الحسن من كفر نبل خلال لقاء شخصي معه أنه" هناك ظلم كبير بالنسبة للطلاب من حيث الفوارق بين الطلاب الذين يتلقون تعليمهم بانتظام دون توقف بسبب استمرار الدعم على المدارس في حين أن هناك طلاب آخرون في نفس المنطقة منقطعون عن التعليم بسبب انقطاع الدعم عن هذه المدارس"، كأن حتى هنا، يوجد خيار وفقوس!

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد