"اللحظة التي عرفت فيها أني داخل مجزرة، كنت أقف عند الشباك. شفت المسلحين الذين كانوا في منزلنا كيف قتلوا ثلاثة شبان خرجوا من بيتهم. في تلك اللحظة خطر لي أنّ والدي مات". تقول جنا علي مصطفى (25 عاماً)، مهندسة زراعية وطالبة في كلية الإعلام والاتصال، وهي تتذكّر اللحظة التي استوعبت فيها أنّها داخل مجزرة حي القصور في بانياس آذار/ مارس 2025: "شعور الخوف ما وصلني. حسّيت موضوع الخوف انتهى".
محمد يحيى (25 عاماً)، صيدلاني وطالب ماستر في الصحة العامة، شهد مجزرة رأس النبع أيار/ مايو 2013، في المدينة ذاتها قبل أحد عشر عاماً: "كان واحد من أكثر الأيام المرعبة بحياتي، لأن ما كنّا نعرف إذا كانت حتوقف ووين حتوقف". صديقته سماح اسمندر، تدرس في كلية الصيدلة والإعلام معاً، ويبعد منزلها شارعين فقط عن منزل جنا في حي القصور "يمكن أنا يلي روح" تتذكر شعورها بغربة فادحة عن الغد، الذي قد لا يأتي أبداً.
قبل سنوات، لم يعتقد أحد منهم أن تكون المجازر نقطة تقاطع إضافية في حيواتهم، هم الذين تقاطعت دروبهم في العمل المدني والمجتمعي والشأن العام، ولامست خطواتهم الدروب نفسها في المدينة التي ولدوا وعاشوا ونشطوا فيها، أملاً بمستقبل، لا يشبه ما حصل.
قبل أن تحصل المجزرة.. وقع خطى الموت
يوم السادس من آذار/ مارس 2025، كانت جنا تقف خلف منضدة متجر صغير لبيع الأدوات المنزلية في حي القصور، تعمل فيه وتحبّه حدّ أنها لم تكن تفكّر بتركه مهما زاد دخلها من أعمال جانبية تقوم بها مثل "التدقيق اللغوي وتنسيق الملفات وكتابة المحتوى التسويقي" كما تقول لسوريا ما انحكت. كانت جنا أيضاً تنشط تطوعياً في مختلف المجالات منذ عام 2019.
تصف الليلة التي سبقت المجزرة بالقول إنّ النهار كان عادياً إلى حدّ لا يُثير انتباه أحد؛ ترتّب الصحون، تُعيد الباقي للزبائن، تمسح الغبار عن رفوف تحفظ أماكنها عن ظهر قلب. لا شيء مختلف. حتى حين وصل صوت القصف من جهة بلدة الدالية في جبلة، بدا صوتاً بعيداً. "داومت متل كلّ الأيام تماماً. ما كان في بوادر إنو ممكن يصير شي".
ذنب أن تنجو بعد أن تفقد رضيعك في مجزرة
تنتهي من دوامها، تعود إلى المنزل في حي القصور. تفطر مع العائلة الصائمة في شهر رمضان. وبعد انتهاء الفطور يسمعون الصوت ثمّ "ضلّ الرصاص يزيد حتى الفجر". فُرِض حظر التجول ذاك اليوم، السابع من آذار/ مارس 2025، و"هو يوم جمعة بالأصل. فالتزمنا بيوتنا" كما تقول جنا لسوريا ما انحكت قبل أن تضيف: "طلع الوالد عالبرندا، هو وأختي. جاء أشخاص من الأمن وطلبوا منهم الدخول، مشان إذا صار رصاص ما ينصابوا". هزّ رأسه، عاد إلى الداخل، وأغلق الباب خلفه. لم تدرك جنا لحظتها أنّ هذه آخر لحظات لها مع أبيها، وهي لحظات عاش يحيى ما يوازيها في المدينة نفسها، لكن قبل إحدى عشر عاماً (2013).
في منتصف نهار الأوّل من أيار/ مايو 2013، كانت الشمس في ذروة سطوتها على سهل بانياس. رائحة الرطوبة تختلط بعبق غبار الطلع وملح البحر القريب كما يصف يحيى لسوريا ما انحكت. تحت شجرة برتقال بانياسية لا يملكها أحد في حي رأس النبع، جلس يحيى، ذو الأحد عشر عاماً آنذاك، وفكّر بما يمكن أن يقدّمه لمدينته حين يكبر، كي تصبح أجمل ممّا هي عليه. التقط برتقالة من الأرض، أدارها بين يديه، وبدأ بالتخيّل؛ ربّما يبني ملعباً كبيراً.. أويُصلح الشوارع... سمع أنّ هناك مظاهرات تخرج في مدينته والمدن الأخرى؛ هل يمكن أن تُغيّر شيئاً؟ لا يعرف، لكنه يتمنى. يشعر بالملل. ينهض فجأة. يحمل البرتقالة ويركض نحو المنزل. يريد أن يصل إلى المنزل قبل أخيه ليكسب وقتاً أطول أمام الكمبيوتر بلعبة "النمر الوردي". اليوم خميس 1 أيار/ مايو 2013، غداً عطلة، ولا استيقاظ مبكّر. لم يعرف أنّ ما سيوقظه في الصباح التالي لن يكون المنبّه، بل الرصاص، وأنّ الروتين الذي كان يتذمّر منه، سيصبح بعد ساعات فقط، الشيء الوحيد الذي يتمنى استعادته.
بعد سنوات سيتعرّف يحيى على سماح إسمندر التي كانت تعمل في بدايات آذار/ مارس 2025 على تجهيز قائمة بأسماء شهداء مجزرة البيضا ورأس النبع/ بانياس، لتُحيي ذكراهم الأولى بعد سقوط نظام الأسد بالتعاون مع ناشطي مجتمع مدني. لقد انتظرت هذه اللحظة طويلاً، لأنّها كانت على ثقة أنّه "يجب أن يسمع أهل الجبل أصوات ضحايا البيضا ورأس النبع كما هي، دون وساطة، دون أفكار مسبقة. وربما، في المقابل، يجب أن يحدث العكس أيضاً" كما تقول لسوريا ما انحكت.
كانت سماح مقتنعة بما تقوم به، لأنها وعت منذ سنٍّ مبكرة، ما يجري في البلد: "من طفولتي كنت مهتمة بالقضايا السياسية ما بعرف ليش بالصف الخامس كنت أترك حصة الرياضة لشوف إذا حسني مبارك سقط أو لا". وثمّة لحظة فاصلة في حياتها، تقول عنها: "عندما كنت في الصف الثامن كنت أبحث عن مجزرة قام بها فصيل إسلامي مُتشدّد، وكتبت في محرّك البحث (مجازر سوريا)، وهنا عرفت كلّ ما ارتكبه النظام السابق من مجازر، فبدأت أحضر الكثير من الوثائقيات وقرأت كتب ممدوح عدوان، ومعه أحسست أنني لا أنتمي للمعارضة ولا الموالاة، وأنّ عليّ أن أعمل شيئاً أؤمن به، وهو ما كان وما زال"، حيث تعمل كناشطة مجتمعية منذ عام 2016 مع الشباب والأطفال، ما قادها لاحقاً لتعميق علاقتها مع يحيى الذي التقته في الجامعة وشاركته في أنشطة مدنية مختلفة، وخاصة في الاستجابة لمساعدة ضحايا زلزال السادس من شباط/ فبراير 2023.
الوعي الذي تكون لدى سماح جعلها، ربما، تشعر بخوف، لم يبارحها منذ فجر سقوط النظام: "كتير كنت خايفة، رغم إني كنت ضدّ الأسد كلّ عمري مع عقدة ذنب، بس كنت بعرف مين جايينا كمان" قبل أن تضيف: "بالشهر الأول والتاني 2025، ما كان في فكرة برأسي غير الموت. كنت شوف الموت جاي جاي".
تغلّبت سماح على خوفها بالعودة إلى الدراسة. ثم في ذلك اليوم، السادس من آذار/ مارس 2025، وضعت قائمة ضحايا مجزرة رأس النبع على الطاولة وغادرت من حي القصور إلى الضيعة (قرية في ريف بانياس) كما تفعل كلّ أسبوع، من دون أن تدرك أنها تغادر المكان الذي ستحصل فيه المجزرة بعد أيّام.
لحظة المجزرة.. "أن يدفن الأولاد آباءهم"
تقف جنا في الغرفة المُظلمة وقلبها مقبوض مذ غادر المسلّحان منزلهم مُقتادين أباها معهم. إنه يوم السابع من أذار/ مارس. تحاول الاختباء خلف الستارة ثم تمدّ رأسها قليلاً لتراقب الساحة من خلف زجاج النافذة. رأتهما يعبران الساحة من دون أن يكون والدها برفقتهما. لم يكد قلبها يغصّ ويُعصر، حتى فُتح باب المبنى المقابل فجأة، واندفع منه ثلاثة شبان يركضون بسرعة. حتى اللحظة لا تعرف سبب خروجهم. توقّف المسلّحان، وبحركة ميكانيكية خالية من أيّ تردّد، رفعا سلاحيهما، وأطلقا النار نحو الشبان الثلاثة ثم تابعا السير، وكأنّ شيئاً لم يكن. في تلك اللحظة خطر لها أنّ أباها قُتِل وأنها "داخل مجزرة، لأن نفس المسلحين يلي كانوا عنا، قتلوا الشباب بأرضن" كما تقول لسوريا ما انحكت، قبل أن تتابع "نزلنا على درج البناية. كان أبي مرمياً في الطابق الثاني. رصاصتان. واحدة برأسه والثانية بيده اليسرى، على الوريد. ما قدرنا نسحبه في مجموعة هدّدتنا".
كانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد نقلت في تقرير لها "بين 7 و10 مارس/آذار على الأقل، شنّت القوات الحكومية والجماعات المسلحة المتحالفة معها هجمات منسّقة على أكثر من 30 بلدة وقرية وحي تقطنها غالبية علوية، تحت ذريعة ملاحقة الموالين للنظام السابق والكشف عن مخازن الأسلحة. أسفرت هذه العمليات عن مقتل ما لا يقل عن 1400 شخص. نفّذت القوات مداهمات منزلية منهجية، متنقّلة من بيت إلى آخر، ومطالِبة السكان بالكشف عن انتمائهم الطائفي، قبل أن تُقدِم على نهب ممتلكاتهم، وإحراق منازلهم، وتنفيذ إعدامات تعسفية بحق الأطفال والنساء والرجال، بمن فيهم كبار السن"، كان منهم والد جنا التي عادت مع عائلتها إلى المنزل بعد رؤية جثمان والدهم. تبادلوا كلاماً سريعاً مع جارهم المقابل، ودخلوا بهدوء وصمت. انتظروا حتى الفجر "بس هدي إطلاق النار رجعنا نسحب الجثة". ساعدهم الجار في حملها، ثم بدّلوا ملابس الأب المُتوفى ومسحوا الدم عنه، وباشروا محاولات التواصل عبر الهاتف الأرضي مع من في الخارج. "بقينا بالبيت يوم الجمعة والسبت. عالصامت بهدوء، كنا نحاول نبيّن إنو البيت مهجور، خفنا يرجعوا ويقتلوا أخي".
حصاد الدم: عن مجزرة مشقيتا
07 تموز 2025
وهو نفس ما فعلته عائلة يحيى في المدينة نفسها في الأول من أيار/ مايو عام 2013. فتَحت كنبة في غرفة المعيشة، حيث عشعش العتم، استلقى يحيى وأخوه على بطنيهما، محشورين بين السجادة والخشب السفلي للكنبة. وفي الزوايا الأخرى من الغرفة المُظلمة، تحت كلّ قطعة أثاث، كان هناك فرد من العائلة يلتصق بالأرض، يكتم أنفاسه وحركته ليُوهم من هم في الخارج أنّ البيت مهجور تماماً. وهو البيت الذي كانوا قد هجروه منذ عامين هرباً بعد اقتحام حي رأس النبع في مدينة بانياس، 7 أيار/ مايو 2011، من قبل الجيش السوري والميليشيات الرديفة له آنذاك، قبل أن يعودوا في زيارة ليشهدوا المجزرة الثانية، كما لو أنّ القدر يلاحقهم.
نقل تقرير لبي بي سي حينها: "شنت السلطات السورية حملة دهم واسعة في مدينة بانياس الساحلية بعد أن اقتحمت وحدات مدرعة تابعة للجيش السوري وقوات أمنية المدينة ليل الجمعة وفجر السبت، وأسفرت، حسب ناشطين في مجال حقوق الإنسان، عن مقتل 6 أشخاص بينهم أربع نساء في المدينة وضواحيها".
"كنت مفكّرها نهاية الدنيا". هذا ما يقوله يحيى عن الاقتحام الأوّل للمدينة 2011 قبل أن يتابع "كان ضالل عنا ثلاثة أرغفة خبز تقاسمناهن نحنا السبعة". لم يتوقّف صوت الرصاص، وحينها "بلشت أعرف شو يعني حرب". استمرّ الاقتحام أيّاماً، وفي اليوم الثالث دخل الجيش منزلهم. "وقت أجي أتذكر، عيوني ما بتشوف غير العتم، عتمة، رجال غريبين مسلحين، أصوات غريبة مع مسبات وبهادل".
بعد الاقتحام قرّر والد يحيى الانتقال إلى مدينة طرطوس والاستقرار فيها نهائياً، من دون أن يدرك أنّ القدر يتربّص بهم. فبعد عامين من الاستقرار في طرطوس عادوا في زيارة إلى المدينة عام 2013، ليواجهوا ما هربوا منه؛ المجزرة.
يحيى وأخوه تحت الكنبة. مرّت اثنتا عشرة ساعة مُتواصلة. كان خلالها شريط الضوء الوحيد هو ذاك الذي يتسلّل من أسفل الكنبة، والذي تبدّل ببطء من نهار ساطع، إلى رمادي باهت، ثم ظلام دامس. مال يحيى نحو أخيه وكسر السكون بهمس خافت ومتردّد: "بدي أدرس. شو بدي أعمل بالامتحان؟". التفت إليه أخوه في العتمة، وركله: "الناس عم تموت برا، ومو هامك غير امتحانك؟!". في هذا الوقت، سمعا صوت سيارة، أعقبه صوت أمهم تقول "اشهدوا اشهدوا" من دون أن يعرف أحد منهم، إن كانت السيارة مدنية أو عسكرية.
يعود يحيى إلى الحاضر، ليخبر سوريا ما انحكت بصوت الشاب الذي نجا، لكنه ما زال عالقاً هناك تحت الكنبة: "حسيت بالذنب مع الركلة وقتها. بس لليوم ما بعرف ليش ما كنت عم فكر غير بامتحاني".
وكانت منظمة العفو الدولية قد ذكرت في تقرير لها: "وقعت أعمال قتل جماعية في البيضا في 2 مايو/أيار وفي بانياس في 3 مايو/أيار. وبينت أبحاث قامت بها منظمة العفو الدولية بشأن الحادثتين أن القوات الموالية للحكومة كانت وراء وفاة ما لا يقل عن 130 شخصاً في البيضا، ومقتل 138 في بانياس".
خلال أيّام المجزرة، كان والده يحاول إخراج العائلة بأي طريقة كانت. يقول يحيى "كلنا لابسين، جاهزين وبدنا نطلع بأي ثمن وأي طريقة، كنا خايفين نكون الضحايا التانيين". نجحت محاولات أبيه بعد دفع مبلغ مالي ضخم "بس الشخص خبر أبي أنه بس أنت وولادك، الباقي لأ. بعد بيوم لطلعوا باقي بيت جدي".
تصل السيارة وتصعد العائلة، ينظر يحيى من زجاج السيارة، في طريق يُفترض أنّه سيعبر بهم نحو الأمان. كانت عيناه تسجّلان تفاصيل الطريق؛ أعمدة الدخان تتصاعد من الحارات والأحياء المألوفة، الشوارع فارغة من البشر، مُمتلئة بالسيارات؛ بعضها متوقّف بعشوائية وسط الطريق، أبوابها مشرّعة على مصراعيها، وصناديقها الخلفية مفتوحة ومنهوبة بالكامل. وهو المشهد الذي يصفه يحيى، بأنه "تكرّر بآذار السنة الماضية 2025. مبين إنها مدينة طالعة من الموت، متل أفلام نهاية العالم".
وفعلاً، هكذا كان المشهد بالنسبة لصديقته سماح التي تحكي لنا عن كيفية تلقيها بدء المجزرة في السادس من آذار/مارس 2025 "بلشت تجي الأخبار، كلّ يلي بتعرفين عم ينقتلوا. ما عاد تتذكّري مين بتعرفي ومين ما بتعرفي. بس عم يجوكي الأسماء، بتحسّي في حدا عم يذكّرك برفقاتك، بس هنن ميتين كلياتن".
بألم تقول انتشرت آنذاك نكتة تروي "الفصيل الفلتان طالع وما منعرف لوين بدو يروح". وهو فصيل خرج من بانياس وبدأ يجوب القرى، دون أن يعرف أحد كيف يختار القرية التي يمرّ فيها. كلّ سكان القرى كانوا يتَتَبّعون موقع الفصيل الفلتان، ويضحكون على المُسمّى والحالة. ولذلك بدأت العائلة تناقش الخيارات التي يجب أن يأخذوها كي ينجوا: يغادرون أم يبقون؟ من نترك في المنزل ومن نأخذ؟ هناك من يقول: النسوان بضلّوا بالبيت والرجال بيطلعوا، كلنا منطلع عالحرش، لا لا، كلنا مننزل للسهل.
تقص سماح تلك الخيارات وتضحك: "يعني كل ما يتصل فيني حدا ويقلي إجوا، بسألو: منطلع ولا منزل؟". في تلك اللحظات، كان تركيز سماح مُنصبّاً على اليافعين الذين عملت وتعمل وتتفاعل معهم ضمن أنشطة مدنية (متعلقة بالتماسك المجتمعي، ومواجهة العنف القائم على النوع الاجتماعي، والصحة النفسية). إذ لأوّل مرّة تشعر أنها لا تستطيع حمايتهم، وهي تسمع استغاثاتهم وأخبارهم المُفجعة التي تصلها عبر واتسآب: "أخذوا أبي"، "لقينا أبي مقتول"..
شعرت في تلك اللحظات أنّ كلّ ما علّمتهم إياه عن السلم الأهلي وخطاب الكراهية، ينهار أمامها. وفي تلك اللحظات المشحونة بالخوف، تتصل بها صديقتها لتخبرها أنها أنجبت طفلة صغيرة. تقول لها "يلا إن شاء الله بجي ومنشوفك". تردّ صديقتها: "ليش، لوين أنا رايحة؟" تجيب سماح بتلقائية من يتوقّع الموت: "يمكن أنا يلي روح". فكرت أنها لم تعد تريد شيئاً من هذه الحياة، سوى أن ترى تلك الرضيعة القادمة إلى الحياة في وقت المجزرة، قائلة لنفسها: "هل سأبقى لأرى ما كان من المفترض أن أراه؟".
بعد المجزرة.. لا شيء يبقى على حاله
يصل يحيى مع عائلته إلى البيت في طرطوس: "كنت مفكر أنو رح نبكي ونصرخ، بس أوّل شيء عملناه أنه دخلنا على غرفنا ونمنا". إلا أنّ نومهم لم يكتمل، إذ استيقظ وإخوته على صوت والدته تصرخ باكية بعد أن أخبروها أنّ كلّ من في حارة أختها مات، من دون وجود أيّة وسيلة اتصال معها. يقول يحيى "كنت خايف على خالتي كتير. حماها وحماتها ماتوا، قديش في احتمال تطلع عايشة؟".
بعد هذه الأخبار، امتلأ البيت الآمن في طرطوس بوجوه خائفة، ينام أصحابها أنّى تسنى لهم، وكلّ يحمل مصابه ويخشى من سماع الأسوأ. في تلك اللحظات، كان يحيى يمشي خلف أخته، لا يريد أن يبتعد عنها، يتبعها من غرفة إلى أخرى، من المطبخ إلى الشرفة، من الممرّ إلى الدرج.
كان يحيى مُصرّاً على متابعة الدراسة. ذهب مع إخوته إلى المدرسة من أجل تقديم الامتحان، لكن "شعرت أنّ شخصيتي رح تنفصم، بالمدرسة ما كان في شي وما حدا بيعرف شي". وعند عودته من الامتحان، كانت خالته التي توقّعوا أنها ماتت قد عادت. يقول يحيى "ركضت ع خالتي وحشتها (حضنتها) كتير حتى بنت خالتي يلي كنت غار منها حشتها وقلتلا الحمدلله إنك طلعتي عايشة".
كانت الخالة وأولادها، قد نجوا من الموت بأعجوبة، بعد أن نزلوا إلى السهل وقطعوا النهر مشياً حتى وصلوا الأوتوستراد الدولي ثم هربوا بسيارة تبيع المازوت. وهو ما سيفعله عدد كبير من أهالي حي القصور بعد أحد عشر عاماً، بعضهم نجا وبعضهم لا، مثل والد جنا الذي كان جثمانه يرقد في سيارة الإسعاف فيما تجلس بجانبه، تراقب المدينة وتراها كما رآها يحيى في رحلة هروبه، وكما شهدتها سماح وهي عائدة من الضيعة إلى حي القصور.
المشهد يعيد نفسه بتفاصيله القاسية: مدينة محروقة، شوارع منهوبة، وهدوء ثقيل يبتلع المكان. أعمدة الدخان تتصاعد ببطء، والسيارات متروكة بعشوائية في منتصف الطريق وأبوابها مشرعة بعد أن سُلبت.. وصلت جنا إلى المقبرة التي كانت مُمتلئة بضحايا وناجين. "كان في طرف بالمقبرة لضحايا هاليومين بس. هنيك خبرونا شو صار بباقي المناطق. وقتها فهمنا مو بس أنو في مجزرة، بل إنو المجزرة كبيرة".
وفيما كان الناس يهربون من حي القصور في بانياس، سلكت سماح الطريق المعاكس، إذ عادت من القرية لتساعد من تبقى، ولتساعد يحيى الذي هبّ في قلب الخطر لإنقاذ الضحايا. تقول :"ما صدقت تأمن الطريق لنزلت، كنت عم موت أنه في عالم جوعانة وما عم أقدر ساعدها، بالفترة يلي ماكنت قدرانة اشتغل كنت عم دق لرفقاتي يساعدوا، ومنن يحيى".
تقول عن عودتها تلك: "رجعت لقيت نص حارتي ميتين، فما استوعبت. صوتي راح وكنت عرفانة إنه في شي انفقد مني للأبد".
سماح، يحيى، وجنا... اليوم
"بعد مجازر الساحل، انهارت كلّ الأحلام والآمال وشعرنا جميعنا بخذلان لم ينتهِ حتى الآن، ومو بس من الدولة الحالية، بل من شركاء كانوا معنا بالعمل الإنساني، أصدقاء على امتداد البلد طلعوا بعيدين كل البعد عن كل كلمة خير نطقوها بحياتهم وعن مفهوم الإنسانية الي طالبوا فيه لسنين". هذا ما تقوله جنا اليوم، من دون أن تركن لليأس، "المجزرة وجهت حياتي بشكل ما وخلت عندي قضية إنسانية بالدرجة الأولى؛ إنو ما تنعاد المأساة لهيك بدي كون ع قد ما بقدر جزء من الحل".
راتب شعبو: مجازر الساحل أحدثت صدعاً مبكّراً في أسس بناء دولةٍ وطنية بعد نظام الأسد
02 نيسان 2025
بعد المجزرة، تركت مدينتها وعملها فيها، وانتقلت إلى مكان جديد، فضّلت عدم ذكره، تقل فيه الفرص ووسائل المواصلات، ما جعلها تعمل حالياً ككاتبة محتوى ومقالات بشكل حر عبر الإنترنت، مستغلة دراستها في الإعلام. كما تابعت نشاطها المدني والمجتمعي، المتعلق بمحاربة خطاب الكراهية، والسلم الأهلي، والتوثيق، إضافة إلى كتابتها الشعر المحكي، تلك المساحة "الأكثر اتصالاً بجنا، الصفة النقية التي لا تجرؤ الأيام على تشويهها أو تحييدها جانباً"، كما تقول لنا.
أما يحيى، فيحتله شعور بالعجز؛ كونه يعتقد أنّه لم يفعل شيئاً حين حدثت مجازر الساحل: "يلي صار معي تكرّر بالقصور. كانت خيبة أمل كبيرة، ما توقعت يلي صار يتكرّر. انفتح عندي جرح جديد". يتوقّف قليلاً، كما لو أنه يخشى ما يريد قوله: "ما حدث مرّتين، يمكن أن يحدث ثالثة. هناك خلل لم يصلح". تقاطعه سماح: "بس أنت عملت". ثم تروي لنا كيف عرّض نفسه للخطر، وكيف حاول إنقاذ من استطاع.
يهزّ رأسه غير مقتنع تماماً بجدوى ما فعله، أو لضعفه أمام هول ما حصل: "يمكن ساعدت عائلة أو تنين. بس شو بتعمل مع الباقي؟ شعور العجز بيجي من الناس يلي ما قدرت توصلن".
وهو ما تشعر به سماح أيضاً. فرغم ما قدّمته من مساعدات وورشات عمل، وحضور جلسات لمنظمات مدنية، تجد نفسها اليوم تائهة: "بتفرج ع حالي بالمراية بحس حالي ضايعة، مو لأني طلعت من مجزرة، ولا لأني ناجية، بس لأن كل البلد مدري كيف، إذ يتم التعامل معي وفق خلفيتي الطائفية بس". ومن ثم تكمل: "بانياس كانت بتعنيلي يحيى وإياد (صديقها وصديق يحيى)، صارت المجزرة، سافر يحيى ومات إياد قبل شهر، بانياس صارت باهتة أكتر من قبل".
تغرق سماح في أفكارها للحظة، ثم تضحك وتكمل أن يحيى سألها في إحدى المرات: "شو ممكن أعمل لتصير بانياس أحلى؟" بوقتها أجابت مطولاً، لكنها ترى الآن أن يحيى أخذ معه السؤال وسافر به، ليدرس الماستر في إيطاليا، وعلى أمل أن يجد حلّاً لتبرأ جروح بانياس التي ينتمي إليها.
سماح تفكر، ثم تقول "يمكن ما بدها غير يوقفوا أهلها يقتلوا بعض". يرد يحيى: "أو نبطل استثناء، أي أن يكون في بانياس مستقبلاً كثير من الصداقات التي تشبه صداقتنا".










