ملف السويداء، ”ذاكرة ولا يقين“: مضى عام على اقتحام قوات من الأمن العام السوري، والقوات الرديفة من العشائر، مدينة السويداء وريفها. أُحرقت قرى ونُهبت، وقُتل أكثر من 1700 شخص، وتمزقت عرى الوطنية السورية بما لا يمكن رأبه في المستقبل القريب. لا تزال ذكرى ما حصل تثقل سوريا بالمرارة، نفوساً وأجساداً وبيوتاً وطرقات. سوريا ما انحكت تدعو في هذا الملف مجموعة من أبناء السويداء لمشاركتنا ذكرياتهم وأفكارهم، عن ماضٍ بعيدٍ جميلٍ وآخر قريبٍ مُضنٍ، وتستكشف أحوالهم في ظل حالة اللايقين السائدة.
***
يستقبلني الفنان التشكيلي السوري تمّام عزّام، في مرسمه في العاصمة برلين، ليفتح لي باباً صغيراً إلى عالمه الكبير.
يتسرب اللون الأزرق السماوي من لوحاته التي لا تزال قيد العمل، فتعود بي الخطوط إلى مدن أعرفها وتشبهني، رغم أنه لا يرسم تلك المدن ولا يربط عمله بمكان أو زمن. هو يرسم شعوره في لوحات تبدو كمشاريع يتم العمل عليها باستمرار، ومع كل منها تبدأ قصة جديدة وشعور آخر. وبين لوحاته العديدة وجدارياته وقصاصات الورق المنثورة، يبدو أن العمل لا يتوقف عند نقطة معينة يقررها هو، فالعلاقة بين الرسام واللوحة علاقة من طرفين.
أسأله: ما اللحظة التي تقرر فيها إنهاء العمل على اللوحة؟ لستُ أنا من يقرر ذلك، لكنني أتأمل العمل الفني فأضيف بعض اللمسات كل يوم، وأحياناً أغير كل شيء. لكن هناك لحظة ما، تقول لي اللوحة فيها: عليك أن تتوقف الآن.
غيّرت الثورة السورية مسار حياة الفنان تمّام عزام كلياً، واضطره التصعيد القمعي الأمني للنظام السوري للخروج من بلاده، والاستقرار في دبي، حيث اتخذ أسلوباً مختلفاً في أعماله الفنية، فكان لسوريا التي تواجه خرابها في لوحاته حضور ثابت، منتجاً مجموعة من اللوحات ضمن سلسلة "المتحف السوري" التي عمل عليها في دبي بتقنية التصميم الجرافيكي، وكانت أشهرها لوحة: "غرافيتي الحرية"، التي طبع فيها لوحة "القُبلة" الشهيرة لغوستاف كليمت بكل ألوانها التي تضج بالحياة، فوق بقايا بناء مهشّم في سوريا.
شارك الفنان تمّام عزّام على مدى السنوات الماضية في عدد كبير من المعارض والفعاليات الفنية الدولية، كشأن معرض فن الشارع في سراييفو، وبينالي فانكوفر، وبينالي مهرجان التصوير في هيوستن، كما استضافت أعماله مؤسسات وصالات عرض عديدة، من بينها متاحف جنوب تيرول في إيطاليا، وغاليري هاينس في سان فرانسيسكو، إلى جانب مشاركاته في البينالي الدولي للفن المعاصر في كاراكاس، ومنتدى الفنون في بون، ومؤسسة For-Site في سان فرانسيسكو، وفعاليات عاصمة الثقافة الأوروبية في بافوس.
مرّ العام الماضي قاسياً على تمام عزام، بعد أن قامت قوات من الأمن العام السوري والقوات الرديفة من البدو والعشائر السورية، باقتحام قريته "تعارة" غربي مدينة السويداء، فأحرقوا الأخضر واليابس، ضمن هجوم على مدينة السويداء ومحيطها. أُحرِق منزل عائلته، ومكتبة والده الكاتب ممدوح عزام، التي كانت تضم مجموعة هائلة من الكتب، والأرشيف، والذاكرة الشفوية أيضاً.
كان تمام قد زار منزل عائلته في تعارة إثر سقوط نظام الأسد الديكتاتوري، بعد أن قضى 15 عاماً منفياً خارج سوريا، وكانت لديه أحلام بسيطة، منها فتح مرسم في دمشق، والعمل هناك بشكل متقطع، لكنه لم يتمكن من الوصول إلى السكينة التي كان يبحث عنها في المدينة، حتى قبل أن تقتحم قوات من الأمن العام السوري مدينته وقريته.
إلى أي حد انعكس أثر وقوع مجازر السويداء على لوحاتك؟
ما حصل في السويداء كان صادماً، خاصة أن المجازر وقعت بعد سقوط نظام الأسد، حيث كنا ممتلئين بالأمل والأحلام البسيطة. لا أعرف كيف لم نرَ ذلك قادماً رغم كل الخراب المحيط بنا.
توقفتُ سنة كاملة عن إنجاز أعمال معقدة، ولم أعد أمارس العمل الفني بالكثافة التي كنت معتاداً عليها. لم أكن في حالة جيدة منذ ذلك الحين. لكنني أرى ما حصل في السويداء جزءاً لا ينفصل عن خراب سوريا غير المنتهي، ولا أعتقد أنه سيتوقف هنا.
رغم ذلك، أعود إلى مرسمي وأتابع العمل الآن.
قمت برسم لوحات مباشرة خلال الثورة السورية، كانت مرتبطة بشكل مباشر بالحدث السياسي على الأرض، لكنني بعد ذلك بفترة بدأت ألاحظ أن الناس يرون لوحاتي من خلال سوريا، وهذا ليس ما أريده. أريد أن يكون العمل الفني هو الحامل الأساسي، وأن يكون للجميع نافذتهم الخاصة لفَهم اللوحة، فيمكن لمن ينظر أن يرى سوريا في لوحاتي، ويمكن لشخص آخر أن يرى مكاناً وزماناً مختلفين، ولهذا ابتعدت عن الرسائل المباشرة، بعد أن أنجزت منها الكثير وضمنتها مشاعري الصادقة، واتجهت أكثر نحو الفن الذي لا تحدده رسائل مباشرة، وهذا هو ما يعطي العمل الفني وجوده الحر.
هل كانت عائلتك موجودة في السويداء عندما هوجم منزلهم؟
لحسن الحظ لم يكن والداي هناك، تمكنت أختي من تأمين سفرهما إلى بريطانيا حيث تقيم عندما بدأت التوترات في السويداء. وفي يوم 14 تموز/يوليو 2025، أحرق المقاتلون منزلنا، وقد كنت أزور العائلة في بريطانيا آنذاك.
قضينا عشرة أيام نتابع الأخبار والصور بشكل لحظي، وكنت أرى والدي ووالدتي حزينين للغاية يومياً.
لا يزالان يعيشان هذه الصدمة يومياً كأنهما كانا هناك بالفعل عند وقوع الهجوم، ويتحسران على كل التفاصيل الصغيرة؛ فنجان القهوة، الملعقة والكوب، مكتبة أبي، طاولته... وكل ذكريات العائلة.
لكن بالنسبة لي فأنا حقاً أشعر أن سوريا غادرت قلبي بعد كل ذلك. وأقصد هذا بالمعنى السياسي تحديداً، أما عن سوريا، اللغة والجغرافيا والضوء، فهي تعنيني وهي جزء من وجودي، لكنني لم أعد قادراً على متابعة الأخبار اليومية. أشعر أن عليّ أن أتابع حياتي منعزلاً عنها.
لا أعرف حقاً لماذا وصلنا إلى هذا الحال وكيف فقدنا آلاف السوريين والسوريات خلال 14 عاماً من الثورة السورية، فوصلنا إلى ما نحن فيه اليوم.
ما هو حال بيتكم في السويداء اليوم؟
احترق بيتنا، كما أن المنطقة لا تزال محتلة بالكامل. حُرقت ست وثلاثون قرية محيطة، ولا تزال قوات الأمن والعشائر تسيطر عليها حتى اليوم، وصلتنا بعض الصور مؤخراً، ولم نرَ فيها إلا رماد بيتنا. لا أعرف متى سيمكن لأهل قرية تعارة أن يعودوا إلى بيوتهم بعد كل هذه الدماء التي سُفكت.
رغم ذلك، يفكر والداي بالعودة إلى هناك كل يوم. لا أدري ماذا يمكنني أن أقول لهما بعد أن خسرا كل شيء في هذا العمر، كل ما كانا يملكانه طوال حياتهما.
لدى السوريين خسائر لا يمكن شرحها أو تعويضها.
كيف تتعامل مع هذه الخسائر؟
أعود إلى مرسمي، رغم أن ذلك كان صعباً في العام الذي مضى، لم يكن عندها المرسم كافياً لتخفيف غربتي عن الحياة نفسها. أما الآن فأشعر أنني أعود تدريجياً إلى مساحتي. عملت كثيراً باستخدام الألوان المائية هذه السنة، فهي تعبر عن الانفعال السريع، والعمل القصير اللحظي، أنجز كل عمل مائي في عشرين دقيقة، بضربات ريشة خفيفة.
كيف تصف علاقتك ببرلين؟
أحب برلين باختلافها عن بقية المدن الألمانية، أحب أن لدي أصدقاء وعائلة هنا، وأحبها بحد ذاتها بما فيها من شعور "الوَنَس" في غربتنا الطويلة.
هل تشعر بالتقدير الفني الكافي في ألمانيا؟
بالتأكيد. أحظى بالتقدير والاهتمام هنا ومن غاليري Kornfeld Gallery الذي أعمل معه منذ عام 2018، وهو يُعد من أهم صالات العرض الفني في برلين، علاقتي بهم ليست فقط علاقة مهنية، ولكنهم أيضاً أصدقاء حقيقيون لي، نشرب قهوتنا معاً ونخطط للمشاريع القادمة. كما أنهم مسؤولون عن كل ما يتعلق بتصوير الأعمال وشحنها والتواصل مع معارض عالمية.
أستمر أيضاً بالعمل مع غاليري "أيّام" في دبي، لكنني أعتبر نفسي مُقِلاً في الإنتاج الفني، فتقنية العمل التي أتبعها تحتاج وقتاً أطول، كما أن القدر يتخذ الكثير من القرارات في عملي، لأنني أحب أن أعيش مع عملي الفني مدة زمنية طويلة، فاللحظة التي تصبح فيها اللوحة كاملة، لا تعود ملكاً لي.
أعيش مع عملي الفني، منذ لحظة البداية الأولى، مشاعري وأحداث حياتي، وأحاول أن أرى من خلاله نافذة جديدة تطل على مشهد لم أكن أعرفه من قبل. ويعنيني أن تلمس هذه النوافذ من يشاهدها ويتلقاها، بالطريقة التي تعبر عنه أيضاً، فكل عمل فني يبدأ بلغز، لا يمكن أن أعرف إلى أين سيفضي، وأما نهايته فهي قرار العمل بحد ذاته. أنتظر اللحظة التي يقول لي فيها العمل الفني: لم يعد هناك ما تضيفه هنا. عندها أُطلق اللوحة إلى قدَرها المنفصل عن رحلتي.
ما هي التقنية التي تستخدمها في أعمالك؟
عندما انتقلت إلى ألمانيا عام 2019، غيرت طريقتي في العمل وبدأت بتقنية الكولاج؛ أصبح التمزيق بمعناه الحرفي والمجازي أساساً لعملي الفني، وقصاصات الورق بكل ألوانها وأحجامها وأنواعها المختلفة تجد مكانها في لوحاتي. كما أنني أصنع المعجون بنفسي وأنفذ كل تفاصيل اللوحة بيدي، وهو ما يتطلب وقتاً من الانتظار حتى تجف القطع والتفاصيل كي أتمكن من متابعة العمل على اللوحة.
وتشاركني في المرسم قطتي، رغم أنني أفضل وحدتي أثناء العمل، لكنها تفرض وجودها في مرسمي طوال ساعات عملي.
أعتقد أن هناك سطوة للون الأزرق في مرسمك...
نعم ربما...
هو ليس لوني المفضل، لكن هناك بعض الألوان التي تقرر السيطرة على المكان بين الحين والآخر، ما أعمل عليه أكثر هو استحضار الضوء من الشرق، من بلادنا، من السماوات التي اعتدنا عليها.
...رغم ذلك ستجدين سوريا في كل لوحاتي، في الضوء الذي أستجلبه من هناك، في المشاهد والمشاعر. أنا من هناك، لكنني لا أحتاج قول ذلك في كل لوحة بطريقة مباشرة.
هل كنت تعرف دوماً أنك ستصل إلى هذه المكانة العالمية التي وصلت إليها اليوم؟
لم أصل بعد، لا أحد يصِل، المشوار طويل لا ينتهي. كان يقول أستاذي الفنان مروان قصاب باشي: "لن تظهر تجربة الفنان الكلية إلا بعد موته". فليس هناك محطة أخيرة سوى الموت.
يسعى الفنان دوماً بعد الوصول إلى أي مرحلة إلى المرحلة التي تليها.
لكن حلمي الحقيقي هو أن أكون متفرغاً لأن أعيش من عملي الفني ومعه، هذا ما سعيت لإنجازه منذ عام 2013. إلا أنها مهمة صعبة ليس فقط على الصعيد الاقتصادي، ولكن أيضاً على مستوى ضبط الوقت الشخصي، فعندما نملك وقتنا كاملاً للعمل، يصعب علينا السيطرة عليه، فكل لحظة دون إنجاز يرافقها الشعور بالذنب، ولكن هناك أيضاً ساعات طويلة وأيام متصلة من العمل دون راحة.
هل يمكن أن تشرح لنا كيف تغير نمط لوحاتك مع الزمن وانتقلت من رسم الصور الواضحة والمباشرة إلى الفن التجريدي أو التجريبي أيضاً؟
قمت برسم لوحات مباشرة خلال الثورة السورية، كانت مرتبطة بشكل مباشر بالحدث السياسي على الأرض، لكنني بعد ذلك بفترة بدأت ألاحظ أن الناس يرون لوحاتي من خلال سوريا، وهذا ليس ما أريده.
أريد أن يكون العمل الفني هو الحامل الأساسي، وأن يكون للجميع نافذتهم الخاصة لفَهم اللوحة، فيمكن لمن ينظر أن يرى سوريا في لوحاتي، ويمكن لشخص آخر أن يرى مكاناً وزماناً مختلفين، ولهذا ابتعدت عن الرسائل المباشرة، بعد أن أنجزت منها الكثير وضمنتها مشاعري الصادقة، واتجهت أكثر نحو الفن الذي لا تحدده رسائل مباشرة، وهذا هو ما يعطي العمل الفني وجوده الحر. رغم ذلك ستجدين سوريا في كل لوحاتي، في الضوء الذي أستجلبه من هناك، في المشاهد والمشاعر. أنا من هناك، لكنني لا أحتاج قول ذلك في كل لوحة بطريقة مباشرة.
ينتابني شعور بالتفاؤل وأنا في مرسمك، رغم ما تتكلم عنه من ألم.
هذه حقيقة، كل عمل فني هو أمل وتفاؤل وهو وهم أيضاً.
ما هي المعارض القادمة التي تقوم بالتحضير لها؟
أقوم حالياً بالتجهيز لمعرض فردي مع مؤسسة غوته نيويورك في سبتمبر/أيلول المقبل 2026. كما سيكون لدي خلال عام 2027 معرض مع كورنفيلد غاليري برلين، وفي نهاية العام نفسه معرض مع أيّام غاليري دبي.















