نوبةُ هلعٍ تبحثُ عن طبيب في حمص


في هذه الحكاية الرقيقة، يفتح الكاتب الباب موارباً لنشاهد عن قرب معاناته مع نوبات الهلع، التي أسماها طفلاً "العاصفة"، ويأخذنا معه في رحلته الطويلة بحثاً عن حل. هذه الحكاية تكشف عن النقص الفادح في عدد الأطباء النفسيين والمعالجين النفسيين، في بلد ما زال سكانه يجدون صعوبة في معالجة صدمة جماعية أصابتهم خلال الحرب، إلى جانب صدماتهم الشخصية، ويفتقر للمعرفة المرتبطة بالصحة النفسية.

05 تشرين الثاني 2026

حازم عيسى

كاتب سوري، يكتب قصص أطفال ومقالات لمواقع صحفية سورية

أذكرُ السرفيس، وأذكرُ ما انتابني فيه. في بداية عام 1999، فيما كنّا عائدين من منزل خالي القريب من بيتنا في حمص. ضاقَ نَفَسي فجأة. كنتُ في السابعة. نهضتُ من مكاني وصرختُ في الرُّكابِ أطالبهم بالنزول كي أتنفّس.

ما لا أذكرهُ يرويهِ والدايَ: أنّ الصمتَ عمّ، وأنّ رجلين نزلا من السرفيس حينها، ومن بقي فتحوا النوافذ لهذا الطفل، فأخرجتُ رأسي من الشبّاك وجلستُ في مقعدٍ وحدي. نزلنا ومشينا حتى وصلنا إلى باب بيتنا الحديديّ الأزرق، ارتحتُ أمامهُ وسألتهما: ما الذي حدثَ لي؟

قال والدي بعدَ صمتٍ قصير، وتربيتةٍ على رأسي من والدتي: "مغصٌ في البطن رُبما". أمّا أنا، فقد أسميتُ ما حدث لي في سرّي: العاصفة. أما الطبّ النفسي فيسميه: نوبةُ هلع. لم يكن أحدٌ حولي يعرفُ الاسم، ولم أعرفهُ إلّا بعدَ سنواتٍ طويلة، ومن مكانٍ لا علاقةَ لهُ بالطبّ.

عددُ الأطباءِ النفسيين في سوريا غيرُ معروفٍ على وجهِ اليقين؛ تراوحت التقديرات الرسمية على مدى عقدٍ، بين خمسةٍ وأربعين طبيباً وخمسةٍ وسبعين، لكنّ ما تبيّن لي في رحلةٍ طويلة أنَّ الأمر يتجاوزُ غياب الشاخصة؛ الاسم نَفسُه هو الذي غاب أولاً، وغيابُه جعلَ نوبة الهلع تأخذُ كل تلك السنوات حتى تُعرّف.

عادت النوباتُ متقطّعة، ثمّ غابت سنوات، حتى صيفِ 2008. كنتُ أريدُ أن أصبحَ ممثلاً، وبمجرّدِ الصعود على الخشبة خفقَ قلبي وحدثَ ما حدثَ لطفلِ السابعة. رافقتني عواصفُ كثيرة، أجبرتني على أن أُصبِحَ من روّاد عيادة طبيب القلبية في حمص، الذي أجرى فحوصهُ وقال لي: "شي نَفسي".

مع كلمة "شي نَفسي" أصبحَ الهواءُ أخفّ، وبدأتُ أمشي وأنا مطمئنٌ أنّ جسدي سليم، والضررُ نَفسي. رُبما أتت الراحةُ من المعرفة. عدتُ يومها للبيت بعدَ تعبٍ مُنهك، ونمتُ.

ثمّ انتهى مفعولُ الكلمة، فعدتُ إليه سائلاً: هل لهذا الأمرِ النفسي طبيب؟ قال: "نعم، الطبيبُ النفسي". ولم يُعطني اسمَ أحد.

كانت تلكَ الكلماتُ، مع المشي تأخذُ مفعولَ المهدّئ؛ كلّ خطوةٍ تُعيدُ القلبَ إلى وضعهِ الطبيعي، والنَفَسَ إلى تدرّجهِ المعتاد. اعتمدتُ عليهما في كلّ أموري إلى أن دخلنا عام 2011.

أصبحَ فيسبوك حينها يعملُ دون بروكسي في سوريا، والجميعُ أمام نشرات الأخبار يترقّب ويرى الربيع العربي. وكنتُ أمشي في شوارعِ حمص، أنظرُ نحو الشاخصات وآكلُ الفلافل وأشربُ لبن العيران، ولا أعود إلى المنزل إلّا وقد خارت قواي.

كنتُ أشعرُ بالخجل من العودة إلى طبيب القلبية، ومردُّ الخجل أنّه لم يعد يأخذ منّي مالاً للمراجعة؛ كان يستمعُ إلي قليلاً ويقول: "لسّاتك شباب"، ويضحك. ومع ذلك أقولُ في نفسي: هذا خطؤه، كان عليه منذ البداية أن يخبرني بأنّ الأمر النفسي يحتاجُ طبيباً نفسياً، وأن يعطيني اسمَ واحدٍ أو مكانه.

ثمّ بدأت الاحتجاجات في حمص: حناجرُ ورصاصٌ وهدوءٌ نسبيّ، شبه يوميّ.

عادت نوباتُ الهلع، وما عاد العلاجُ الذي اكتشفتهُ بنفسي ينفع. توقّفتُ عن المشي والخروج، وصار المشيُ دوراناً حول نفسي. وكلمةُ "أمر نفسي" لم تعد تعني لي شيئاً.

أريدُ علاجاً

كان المشي في البيت أمراً في غاية الصعوبة، منزلٌ صغير لا تتعدّى مساحته التسعين متراً. بدأ صوتي يمشي عوضاً عن جسدي، فصرتُ أتكلّمُ كثيراً كي لا أفكّر، والمشيُ صار يحتاج حيلةً حتى لا يشعرَ أحدٌ بغرابةِ ما أفعله. مرّاتٍ كثيرة قرأتُ النصوصَ المسرحية وأنا أمشي، وأحياناً لاعبت أخي الصغير ألعاباً تحتاجُ حركة. كنتُ أضبطُ النوبة كمن يضغطُ على بابِ قفصٍ ووحشٌ يدفعهُ برأسه من الداخل.

أنهكتني تلك المعركة، فبدأتُ أفتّشُ في جرائد والدي ومجلّاته عن عنوانٍ أو رقمٍ لطبيبٍ نفسي. قلّبتُ صفحاتِ الإعلانات سطراً سطراً: جراحة، وعينية، وأسنان، وجلدية، ونسائية… كلّ الاختصاصات، إلّا واحداً.

هذه المعاركُ التي لا تظهرُ في نشراتِ الأخبار، كانت الحدثَ الرئيسيّ في داخلي.

تسعةُ أشهرٍ مُجهدة مضت حتى اهتديتُ إلى مكتبةٍ مدرسيةٍ قريبةٍ من المنزل تبيعُ القرطاسية والدفاتر، تضم كتبٌ تجارية عن قوّة العقل الباطن وبرمجته. اشتريتُ كتابين، وعدتُ منهمكاً في القراءة، وصارت جملٌ قصيرةٌ فيهما كأنّها حبّةٌ مهدّئة، وفيها راحةٌ قصيرة بين شوطَي الهلع. من "قوّة عقلك الباطن" لجوزيف ميرفي، أحد كتب التنمية الذاتية الشائعة في سوريا، أذكرُ جملةً أحفظها: "تذكّر، لديكَ القدرةُ على الاختيار. اختر الحياة، اختر الحُبّ، اختر الصحة".

لمن كُتبت هذه الكلمات؟ أنا في بلدٍ لا يملكُ أحدٌ فيه خياراً. كتبٌ تصلحُ لبلادٍ تكون فيها المشكلةُ خوفاً من التقدّم لوظيفة، أو من السفر في طائرةٍ أو باخرة، لا لبلادٍ لا تجدُ فيها عملاً أصلاً، ويهاجرُ فيها الناسُ عبر البلم. مع ذلك تعاملتُ معها، فلا بديلَ سواها.

أصبحتُ أستخدمُ تلك العبارات وأردّدها: "أنا قويّ، وأفكاري إيجابية". وصوتُ الرصاص واضح، ولكنّني في عالمٍ آخر بِحسب تلك الكتب، في بلدٍ أوروبيّ، أقرأُ وأطبّقُ ما يفيدهم ولا يفيدني.

ازدادت أزمتي، وأكادُ أجزمُ أنّ السببَ هو تلك التوكيداتُ الكاذبة التي رافقتني أربعةَ أشهر، فسبّبت لي نوباتِ هلعٍ تزيدُ على سابقتها قسوة، وتفكيراً زائداً يوازي الهلعَ في الشدّة.

ضِقتُ ذرعاً بها. عدتُ إلى المكتبة لأعيد الكتابين وأستردّ نصفَ ثمنهما، فلم يقبل صاحبها، وقال لي: "بإمكانك إعادتهما وأخذُ هذا الكتاب عوضاً عنهما". كتابٌ بغلافٍ أخضر اسمه "قوّة الآن" لإيكارت تول.

منه بقي معي شيءٌ واحد: الانتباهُ إلى التنفّس. فالتنفّسُ المتقطّع ينقلُ إلى الدماغ إشاراتِ خطر، أمّا العميقُ فيريحُ الدماغ والجسد. كان ترويضاً مُضنياً، أستغرقُ ساعةً أو دونها لإيقاف النوبة، ثمّ أسقطُ خائرَ القوى في نومٍ عميق. ورغمَ الإنهاك، لم أتوقّف عن المحاولة.

اكتشفتُ مع الوقت أنّ لنوبة الهلع مُرادفاً: الإشاعة. تفعلُ بالأصحّاء ما تفعلهُ النوبةُ بي، تُعطّلُ التفكيرَ المنطقيّ وتجعلُ العقلَ الخائف يصدّقُ أولَ ما يُقال. الحقيقةُ بطيئة، وليست جذابة تحت القصف، أمّا الإشاعةُ فسريعةٌ حاسمة، ترفعُ الأدرينالين وتسيطرُ على حيّز التفكير.

دون قصدٍ منّي، بدأتُ أنظرُ إلى ما يحدثُ مع الآخرين. لم أكن وحدي من يشعرُ بهذا. انتباهي لذاتي، في لحظةِ ألمٍ نفسيٍّ لا يُطاق، انقلبَ انتباهاً لحالةٍ مجتمعيةٍ كاملة.

أسقطتُ نوبتي على الجغرافيا كُلّها.

يوماً بعد يوم، أصبحت سوريا نوبةَ هلعٍ كبيرة. تأخذني أفكاري نحو مريضٍ في دير الزور أو الرقة لا يستطيعُ الوصولَ إلى دمشق: ألن يكونَ في أسرتهِ من "يهلع"؟

الخوف والمدينة

في منتصفِ 2012 سافرتُ إلى دمشق، أتابعُ البحثَ عن طبيبٍ نفسي. اختلطت البلادُ عليّ: في حمص يدخلُ الجميعُ منازلهم منذ السادسة مساءً، وفي دمشق الناسُ في الشوارع. هناك بدأت النوباتُ بالتلاشي، أمامَ وهمٍ حصّنتهُ كذبةُ أنّ العاصمة تُخالفُ حمص. نسيتُ هدفي في تتبّع الشاخصات، رغم أنّني كنتُ أنظرُ نحوها أحياناً دون معرفةِ السبب.

عشتُ الكذبة، كذبةَ أنّني حرٌّ ممّا كنتُ أعانيه. تصنّعتُ القوة، وكنتُ سعيداً بتخلّصي من النوبات، بينما كنتُ في الحقيقة على وشكِ استقبالِ كل تلك المشكلاتِ التي وضعتها تحت السجادة.

كنتُ في سرفيسٍ يتّجهُ نحو المنزل، أضعُ السماعات، والمطرُ يتساقطُ بغزارة. شعرتُ بضيقٍ في صدري. كلُّ ما أردتهُ أن أبقى في السرفيس وحدي، وأفتحَ الشبابيكَ كلّها. لم أعد أشعرُ أنّ الهواءَ يدخل. أردتُ أن أصرخَ في الجميع: انزلوا الآن، لكنّ هذا ينفعُ لابن السابعة، ولا ينفعُ لابن العشرين.

لذلك طلبتُ بصوتٍ مختنقٍ من السائق أن يُنزلني. وبينما المطرُ يهطل، مشيتُ نحو المنزلِ، مستعيداً كلّ لحظات المشي التي قمتُ بها في حمص.

يوماً بعد يوم، أصبحت سوريا نوبةَ هلعٍ كبيرة. تأخذني أفكاري نحو مريضٍ في دير الزور أو الرقة لا يستطيعُ الوصولَ إلى دمشق: ألن يكونَ في أسرتهِ من "يهلع"؟

منذ ذلك اليوم، توقفت عن ركوب السرفيس، أو حتى الباص. ربطتُ ما حدثَ معي بوسائل النقل العامة، وصار كلّ مقعدٍ بين الناس تهديداً، وهكذا بات المشي الحلّ الوحيد. وبين خطوةٍ وأخرى تشكّلَ عندي هدفٌ مركّب: أن أجدَ طبيباً نفسياً، وأن أعودَ بعد رؤيتهِ إلى حمص. لم أجد شاخصةً واحدةً طوال فترة بحثي.

في دمشق تعرفت على رهف (اسم مستعار). سيدة في الحادية والأربعين من العمر، درست الهندسة، وكانت تكتبُ نصوصاً على صورٍ من الطبيعة في فيسبوك، لفتتني حينها بعضُ الصور، وتحدثنا، واكتشفنا أننا نتشاركُ حُبَّ الطبيعة، وهذا ما جعلَ اللقاء أسهل فيما بيننا. كانت رهف ترى الشاخصات ولا تجد تشخيصاً.

رحلتها بدأت في 2012، حين صارت تغضب وتحزن ولا تعرف كيف تتعامل مع ما يجري لها. حين بدأ ذلك يؤثّر فيمن حولها، قرّرت أن تطلب المساعدة كي تتعافى، وكي لا تؤذي نفسها ولا من تحبّهم، ولم يصل إليها الاسمُ من طبيب. صارت تقرأ نصائح على فيسبوك، ثمّ قرأت كتباً، ثمّ سمعت أنّ ناساً يذهبون إلى أطباء نفسيين، فقالت: "بجرّب حظّي".

وما وجدت في شوارع دمشق، لم أجدهُ أنا: لافتات. صارت تقرأ اللافتات أينما مشت، وكلّما وقعت عينها على لافتة طبيبٍ نفسي دخلت. انتظرت في العيادات بين عشر دقائق وثلث الساعة، ورأت نحو عشرة أطباء، ولم تعد إلى تسعةٍ منهم: "لم يعرفوا كيف يتحدثون معي، ولم يعطوني تشخيصاً واضح". وأطولُ ما مكثت مع طبيب: جلستان. والتسمية الوحيدة التي خرجت بها من العيادات العشر قالها لها أحدهم: "أنتِ يبدو أنّك فاقدة للشغف".

أنا لم أصل إلى العشرة في رحلتي، كنتُ أبحثُ فقط عن طبيبٍ واحد.

لم ينتهِ طريق رهف عند الأطباء. في دورة دعمٍ نفسيّ تعرّفت على محلّلٍ نفسي يتكلّم مع الناس دون أن يعطيهم حلولاً، يتركُهم يفككون مشكلاتهم وهو يساعدهم بطريقة منهجية وعلمية، ومنذ ذاك اليوم عرفت أنّ في الإمكان ألّا تذهب إلى طبيبٍ وتتحسّن. وفي 2023 ذهبت رهف إلى معالج، وتابعت معه سنةً ونصفاً، ولم تتوقف سوى لعدم قدرتها على الدفع: "كنت أقبض 300 ألف ليرة قديمة وأدفع 60 ألفاً للمعالج على أربع جلسات، دون حساب المواصلات، كنت أدفع نحو 40 ألفاً، يعني ثلث الراتب، والحمل صار كبيراً".

بينما كانت رهف محظوظة في دمشق رُبما بإيجاد اللافتات والأطباء، لم يرافقني هذا الحظ بسهولة في حمص، حيث بدأتُ البحث..

لم أعد أنامُ جيداً. فتحتُ فيسبوك وبدأتُ البحثَ عبر الصفحات، فعرفتُ أنّني لستُ الوحيدَ. تصفّحتُ صفحاتِ بعض الأطباء، ولم تكن كتاباتُهم مشجّعة، فالكلماتُ في هذا النوع من الاختصاصات مسؤولية.

وجدتُ طبيباً بعد بحثٍ متعبٍ وشاقّ، أجمعَ عليه عددٌ من الرفاق "الفيسبوكيين". كتبتُ أسئلةً كثيرة أردتُ طرحها عليه، منها: لماذا يصعبُ إيجادُكم؟

كانت عيادتهُ مزدحمةً حتى إنّ بعضَ الناس كانوا في الخارج مع مرضاهم. بقيتُ ساعتين منتظراً دوري، وأنا أرى أناساً يتحدّثون بكلّ لهجات سورية، فعرفتُ أنّهم مرّوا بعملية البحث نفسها.

صفحات من حياة نشطاء المعركة الرقمية خلال الثورة السورية

03 تشرين الثاني 2026
في ربيع عام 2011، وفي الوقت الذي كان نشطاء الثورة السورية منشغلين بتنظيم زخم الاحتجاجات في الشوارع، بدأت قصة جيل جديد من الخبراء الرقميين، خاض معركة غير مرئية لحماية الناشطين...

أذكرُ رجلاً كبيراً وزوجتهُ، يجلسان وبينهما شابٌّ صغيرُ في مُقتبل العُمر، ينظرُ في أنحاءِ الغُرفةِ ووالدتهُ تُمسكُ بيده، ويتحدثان عن الفندق في ساحة المرجة، وبدا  وأنهم قد أتوا لأولِ مرةٍ إلى دمشق ويبيتون فيها.

أتى دوري. دَخلتُ وعرفتُ أنَّ ما يحدثُ لي الآن هو الفوبيا، واستمعت لما عليّ فعله، وعرفت أنّها تُعالج، ومن المهمّ أن أفهمَ هذا. وصفَ لي الدواء وطمأنني، لكن الكهرباء انقطعت، وبدأت الأصواتُ تتعالى من الخارج، كثيرون تأخروا على منازلهم، وغرفهم المُستأجرة ليومٍ واحد، فلم نتابع الجلسة بشكلٍ كامل.

حزنتُ علينا جميعاً، كان الطبيبُ يحاولُ إعطاء الجميع وقته، ولكنَّ الكهرباء وصوت المولّدة، والازدحام، جعلتني أفكر وأنا أمشي نحو البيت. فكّرتُ في الضغطِ الواقع على هذا الطبيب، والكمِّ الهائل من التعرّض، لأمورٍ قد تؤذي أيضاً نفسيتهُ، وهو يتعامل مع قصصٌ إنسانيّة.

كيفَ يحتملُ قلبهُ كلّ هذا الألم، ومن يُخفّفُ عنه؟

اشتريتُ الدواء وتناولتُ حبّةً منه، فلم أشعر بالفائدة المرجوّة. في ذلك اليوم صادفتُ صديقاً يعملُ معالجاً فيزيائياً، فأخبرني أنّ هذا النوع من الأدوية يحتاجُ وقتاً حتى تظهر نتائجه. وحين أخبرتهُ عن وضعي، أخبرني أنّه وزوجتهُ سيسافران غداً إلى حمص، وعرضَ عليّ أن أذهبَ معهما.

سافرنا في سيّارةٍ خاصة. قال لي إنّنا نستطيعُ التوقّف متى أردت، وأعطاني تطميناتٍ طوال الطريق، وحاولَ صرفَ تركيزي عن القلق، وأنا أشعرُ بالعاصفة تتمكّنُ منّي.

وصلنا إلى حمص. لم أُخبر أحداً من العائلة بما يحدثُ معي. من سيستوعبُ أنّني، أنا الذي كنتُ أسافرُ وأركبُ السيارات دون مشكلةٍ تُذكر، عدتُ إليهم في سيارة، ولا أستطيعُ بعدَ وصولي أن أركبَ السيارة؟

من بين الكتبِ التي اشتريتها وأنا أبحثُ عن شاخصة، من تلك البسطات المتوزّعة على حائط التكيّة السليمانية، كان كتابُ فرويد: "أفكارٌ لأزمنة الحرب والموت".

بدأتُ أقرؤهُ مراراً وتكراراً، كما لو أنّه فرضٌ عليّ، وفهمتُ منهُ أنّني لستُ مميزاً؛ ما يحدثُ لي ليس اضطراباً فردياً وحسب، إنّه أمرٌ يتجاوزني. وفهمتُ لماذا لم تنفعني تلك التوكيدات، ولماذا زادتني هلعاً: الحربُ، كما يقولُ فرويد، تجرّدنا من الأوهام التي كنّا نعيشُ بها. عمليةٌ مؤلمة، لكنّها ضرورية لمواجهة الواقع كما هو، لا كما نتمنّاه.

ومع فرويد فهمتُ شيئاً أوسعَ عن نفسي: مع المرض غابت الحرب. لم تختفِ، هي موجودة، لكنّ المرض كان يغلبها. صوتُ نوباتي كانَ يعلو صوتَ الرصاص. بدأتُ أسألُ نفسي: كيفَ يتعاملُ الآخرون مع الحرب؟ كيف يبدو الناسُ طبيعيين، في وقتٍ ليسَ طبيعياً إطلاقاً؟

محاولاً النوم وإيقافَ نهر الأسئلة، كنتُ أشغل أفلاماً كي أنام. ومهما كان الفيلمُ حماسياً وملهماً، كان النومُ سبّاقاً إلى قطعه. وبينما كنتُ أضعُ فيلم (Matchstick Men) لريدلي سكوت، مرّت كلمةُ "نوبة هلع" أمامي، ورأيتُ على الشاشة مشهداً يشبهُ ما يصيبني، بينما أنا أغفو.

عندما استيقظت، أدركتُ أنّ الاسم الذي بحثتُ عنه، وغطّت الفوبيا عليه، كان "نوبة الهلع". أربعةَ عشرَ عاماً، ووصلني الاسمُ من شاشة.

أسماء، أفلام وكتب

حالةُ النوم بعد تشغيل الأفلام لم تقتصر عليّ وحدي. "رام" (اسم مستعار) صديقي منذ أواخر 2013، تعرّفتُ عليه في دمشق، وجمعنا المشي، كنّا نفرّغ فيه ما يثقلنا. نمشي ساعات طويلة، ونحاول كثيراً أن نقايض القلق بالحديث عن الهجرة. رام في الحادية والأربعين، درس الترجمة ولم يكمل، ثم الحقوق ولم يكمل، لكنّه ظلّ مترجماً في قراءاته وحياته، يتنقّل بين ترجمة المسلسلات الهندية وأيّام بلا عمل. يعشق إيطاليا، منتخبها ولغتها وأمكنتها، ولا يشبع من الحديث عنها، ويعدّني من محبّي المنتخب الإيطالي، أنا الذي لم أشجّعه إلّا في كأس العالم 2006. زار مصر ليلتئم شمل العائلة، فرأى أمّه وأخاه بعد غياب طويل، ثم عاد إلى دمشق.

لم نتحدّث يوماً بوضوح عن نوبات الهلع والإنهاك النفسي، حتى بدأتُ كتابة هذه المقالة. وحين سألتُه، تحدّث كثيراً، وضحكنا حين قلتُ له: أريد تجربتك، لا أن أحلّل لك شخصيتك.

بدأتُ أقرؤهُ مراراً وتكراراً، كما لو أنّه فرضٌ عليّ، وفهمتُ منهُ أنّني لستُ مميزاً؛ ما يحدثُ لي ليس اضطراباً فردياً وحسب، إنّه أمرٌ يتجاوزني. وفهمتُ لماذا لم تنفعني تلك التوكيدات، ولماذا زادتني هلعاً: الحربُ، كما يقولُ فرويد، تجرّدنا من الأوهام التي كنّا نعيشُ بها. عمليةٌ مؤلمة، لكنّها ضرورية لمواجهة الواقع كما هو، لا كما نتمنّاه.

كان أول ما حكاهُ لي عن سنوات القلق، أنهُ كان ينامُ على وثائقيّ عن الحرب الأهلية اللبنانية، ولسببٍ وجيه: أنّ ذلك ما يذكّرهُ بطفولته حين كان في السعودية. قال لي: "أنا على الكنبة، وأمي على يميني على الأرض جالسة، وأبي على يساري وبجانبه جهاز التحكم".

لا يقرأ رام في الأمور النفسية ولا الفلسفية، ويقول: "أحسّ أن هذا الكلام غاية في الحساسية وقد يؤثر علي. مرّة كنت اقرأ لسارتر وتكلم عن الوجود والماهية. عندما قرأت أكثر عن الموضوع وفهمت، خفت أكثر، وخفت من فقدان المعنى".

يرى رام أنّ الأمر تراكميّ. الرصاصُ والموت والكهرباء والزلزال، كان الزلزالُ علامةً فارقةً في حياتهِ وحياة من حوله: "كل شيء فيي صار يهزّ، طوال الوقت، صرت أحس أي حركة زلزالاً".

طوال السنوات الماضية  افتقد رام رفاقه ممّن هاجروا أو ماتوا، ويقول: "كنت إذا قلت أني مسافر إلى اللاذقية، لا يهدأ هاتفي من الاتصالات. الآن أفكر في الذهاب إلى هناك في الخريف، ولا أحد لألتقيه سوى شاب تعرفت إليه عبر فيسبوك".

أصاب رام جفافٌ في عينيه، فظنّ أنّه سيصبح أعمى، وقال لي: "أفكار كثيرة مرت في رأسي، وأحسست بألم كبير في عيني، وخوف غير طبيعي ولا مبرّر. كلّ شيء فعلته إنّي اتصلت بأمي، لأنّي كنت أريد لقاءها لآخر مرّة".

يوم ذهب إلى طبيبة العيون ووصفت له قطرة دواء، شعر بالقلق وحاول التواصل مع أيّ طبيبٍ ليعرف ما يحدثُ له، من خلال رفاقه القلائل.

في تلك الفترة سمّى حالتهُ بالكلمة التي نستعملها جميعاً: مكتئب. وحين استدلّ على طبيبٍ جيّد في دمشق، أخبرهُ الطبيبُ أنّ عليه مقابلة معالجٍ نفسي، وأنّه سيحيله إليه. وهذا ما لم يفعلهُ رام.

أنا عرفتُ الاسمَ من شاشة، وهو وصلَ إليه ببحثه. ولا واحدٌ منّا سمعهُ ممّن يملكه.

ومن أتعبهُ البحثُ عن طبيبٍ نفسي، لن يخطرَ على باله إطلاقاً وجودُ معالج. كنتُ أشاهد مسلسل "الفصول الأربعة"، وهناك علمتُ بوجود هذه المهنة، ولم أرَها في سوريا. وبعدما استقرّ وضعي النفسي، واصلت البحث عمّا أرّقني وأرهقني سنواتٍ طوالاً، وتعرّفتُ عبر صديقةٍ لي تعملُ في مجال الإرشاد النفسي على معالجٍ نفسي.

بدأنا كمعالجٍ ومريضٍ مُنهك، وانتهينا أصدقاءَ نتحدّثُ بشكلٍ دوري ونطمئنّ على بعضنا، سألته مرة عن علاقتنا التي جمعت الصداقة والعلاج النفسي، قال: "بالإطار العام الناظم للعلاقة المهنية بين المريض والمعالج يُوصى دائماً بالحدود وعدم الدخول في العلاقات الشخصية، لأنّ تلك الحدود عامل مساعد في العملية العلاجية، وغيابها يشتّت البوصلة. لكنّ ذلك يختلف بعد انتهاء العمل العلاجي، عندها لا توجد موانع مهنية لعلاقة مختلفة".

هذه المهنة تختلفُ عن الطبّ النفسي، فهي تعتبرُ الكلامَ حلاً، وتحاولُ نقلَ الوعي، وتغييرَ القصة التي نعلقُ فيها عبر تفكيكها، وإن احتاج الأمرُ تحويلاً إلى طبيبٍ نفسي.

تحدّثنا كثيراً عن أعراضِ نوبات الهلع وعن الخوف الذي يرافقها. قال لي في البداية إنّ النوبات لا تُميت، لكن الشعور فيها قاسٍ ويُعطي إحساساً وهمياً بالموت. وحين بدأت أتكلم دون توقّف، قال لي جملة كانت عظيمة بالنسبة إليّ: إنهُ يفهمني، وإنَّ لي الحق في هذا الألم وفي هذه المشاعر.

فكّكنا معاً الأعراضَ من ضيق النَفَس إلى الأفكار، أعطاني ورقتين عليهما رسمٌ توضيحي لدورة الهلع والقلق. كنت أراهُ مرتين في الشهر، وتتعبني محاولاتي في الالتزام بما تحدثنا عنه، فقال لي إنّ هذا ليس التزاماً: قد يفشل مرّات وينجح مرّات أُخرى، وما عاش معكَ وقتاً طويلاً يحتاجُ إلى وقتٍ أيضاً. بقينا على هذا المنوالِ سنةً كاملة، حتى صرتُ أتمكّنُ من التعامل معها.

لم ينتهِ الأمر. ما زالت النوبات تأتي أحياناً في أوقاتٍ لا أتوقعها، إمّا أمام حوادث تستحقُ ذلكَ، وإمّا أمام أُخرى لا تستحقُ هذه النوبات، وفي أماكن مختلفة. لكنني صرتُ أعرفُ كيف أستقبلها، وأعتني بنفسي خلالها. ألغيت حسابات التواصل الاجتماعي خاصتي منذ حوالي خمس سنوات، وهذا جعل الهدوء يكبر والمُسببات تقلُّ كثيراً، قلّلتُ من المنبهات، وعاد إليَّ المشي فأفادني كثيراً، وصرتُ أقرأ لأتعلم المنطق، لأن الهلع يتخذُ من اللامنطق والتفكير الزائد بوابة للدخول والأذى: تأتي أفكار عن أشياء لا تحدث، فتشعرني أنها ستحدث. ومع انتباهي لتلك الأفكار ومراجعتها وتذكير نفسي بأنها لم تحدث، ضعفَ وجودها، فقلّت المنافذ التي تدخلُ منها النوبات الشديدة.

سألتهُ: بأيّ كلماتٍ يأتيك الناسُ أوّل مرّة، قبل أن يعرفوا الاسم؟ فعدّد لي: "اجتني الحالة"، "دقّتني البردية". وعند والدي كان "مغصاً في البطن رُبما"، وعند رام "مكتئب"، وعندي - وأنا في السابعة - كان عاصفة.

كلٌّ منّا استعارَ كلمةً من حيث استطاع: من البطن، ومن الطقس، ومن معجمٍ شائع، ومن خيالِ طفل، لكننا لم نعرف الكلمة الحقيقية بسهولة.

لا أنسى تلكَ اللحظة: البردُ قارسٌ للغاية، ونحنُ كما في روايةٍ روسيّةٍ قديمة، مجتمعون في باحةٍ ونظراتنا تُحاولُ إحاطة المكان، حتى نستخرجَ دفتر الخدمةِ العسكرية، أمام غُرفٍ بعيدةٍ عنّا عدّة خطوات، ورائحةُ الرطوبةِ ونحنُ في الساحة خانقة، اعتقدتُ أنني سأحصلُ على إعفاءٍ إن أخبرتهم بحالتي، سذاجتي فاقت التصورات حينها، كان شابٌ أمامي يضحكُ على كلماتي وقتها، وقفتُ أمامَ بابِ قسمِ الصحةِ النفسية المُقفل، وكان مجندٌ يجلسُ أمام الباب على كُرسي مُهترئ، وأمامهُ طاولةٌ خشبية، كتبَ على دفتري: مُعافى نفسياً.

كتابةُ جملةِ "معافى نفسياً" لم تستغرق ثانية. وشرحُ نوبة الهلع وتفكيكها أخذَ عاماً كاملاً مع معالجٍ نفسي.

أخبرتني رهف أنّها لم تختبر نوبات الهلع، لكنّها كانت تسمعُ عنها فتصيبها بالقلق، إلى أن رأتها قبل أسابيع أمام مشفى المواساة. كانت في السرفيس، واختلفَ السائقُ مع راكب، فصرخت فتاةٌ بأعلى صوتها: "أرجوكم وقّفوا، بدأت تأتيني نوبة هلع".

عمّ الصمتُ لثوانٍ، ثمّ خرجت أصواتٌ خفيفة تربّتُ عليها: "الله يشفيك"، "طوّلي بالك"، "الله يصبّرك يا بنتي"، "يجب أن تتحكّمي بنفسك".

وقالت لي رهف: "كنت أعرف الاسم، وأسمعه منّك مرّات. لكن عندما رأيت ما يحدث، أحسست أني فهمت".

أقتبسُ من معالجي حينَ قالَ لي: "ركّز على ما في يدكَ وتعامل معه، ولا عيب في ألا تقدر على حل ما هو أكبرُ منكَ، هذا ليس ذنبك، أعلمُ أنني لا أستطيعُ افتتاحَ عيادةٍ في كلّ محافظةٍ سوريّة، لكنني أستطيع أن أحكي".

أتابعُ بعضَ المقاطع، على يوتيوب، يقفُ رجالٌ ونساء في شوارعِ المُدنِ السورية، يُسألونَ عن غلاءِ المعيشةِ والمحروقات والقراراتِ الرسمية. ما أراهُ موجودٌ في الخلفية، أطفالٌ يتجمعون ويحاولون الظهور وهُم يضعون أصابعهم في أفواههم، أو يمطّون أرجلهم حتى تلتقطهم العدسة، وأسألُ: "لو أصاب أحدهُم نوبةُ هلعٍ، كم من الوقتِ سيستغرقُ حتى يعرفَ اسمها ويجدَ الطبيب المُناسب"؟.

مقالات متعلقة

سليقة القمح في سوريا .. حكاية احتفالية ترشو القدر

28 تشرين الأول 2026
تُلخِّص التحولات التي طرأت على طقس السليقة، أي تحويل القمح إلى برغل في سوريا، عقوداً من تاريخ سوريا الحديث، من احتفالية تراثية تتوارثها الأجيال في الأرياف، معبرة عن البركة والوفرة،...
دراجات نارية وإشاعات .. حوامل الخوف اليومي في بانياس

11 آب 2026
"الدور جايي". في المدن التي شهدت مجازر متكررة، يبدو الخوف والتوتر الأمني قدراً وإن أُخفيا في مشاغل يومية. وما بينَ الثلاثين من نيسان/أبريل والثاني من أيار/مايو من هذا العام، شهد...

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد