ألبرتو سافيولي.. النظام السوري لا يقبل التغيير

بدأ الخطاب الديني بعد عسكرة الثورة


يروي ألبرتو من خلال كتابه "الله، سوريا، بشار وبس؟" خلاصة تجربته في سوريا لمدة تقارب ١٥ عاماً، ويعود بالقارئ إلى ما قبل فترة الانتفاضة السورية ليضعه في صورة الوضع الحياتي السياسي والاجتماعي والثقافي في البلاد وصولاً إلى لحظة اندلاع الثورة. "حكاية ما انحكت" التقت بالكاتب في منزله في مدينة أوديني الإيطالية، وكان لنا معه الحوار التالي الذي أجراه غيث الحلاق، والذي امتد لنقاش مسائل الثورة السورية والتسلح وطبيعة النظام السوري وموقف الغرب على تنوعه من سورية، إضافة إلى مسائل أخرى كثيرة.

07 تشرين الثاني 2019

(الكاتب ألبرتو سافيولي. تصوير غيث الحلاق. خاص حكاية ما انحكت)

ألبرتو سافيولي، عالم آثار وباحث إيطالي بدأ عمله في سوريا في عام ١٩٩٧ كعالم آثار ثم تخصص في حياة القبائل البدوية في منطقة الجزيرة والبادية السورية. غادر سوريا في عام ٢٠١٠ وعاد ليعمل في جامعة أوديني الإيطالية كباحث متخصص في مجال الآثار.

يروي ألبرتو من خلال كتابه "الله، سوريا، بشار وبس؟، Allah, la Siria, Bashar e basta?" خلاصة تجربته في سوريا لمدة تقارب ١٥ عاماً، ويعود بالقارئ إلى ما قبل فترة الانتفاضة السورية ليضعه في صورة الوضع الحياتي السياسي والاجتماعي والثقافي في البلاد وصولاً إلى لحظة اندلاع الثورة.

"حكاية ما انحكت" التقت بالكاتب في منزله في مدينة أوديني الإيطالية، وكان لنا معه الحوار التالي الذي أجراه غيث الحلاق.

(1): بدايةً، ما الذي دفعك للكتابة حول الشأن السوري؟

لقد عشت وعملتُ في سوريا لمدة أربعة عشر عاماً، ثم غادرتها ولم أتمكن من العودة إليها بعد اندلاع الثورة السورية. عملتُ بعد ذلك في بيروت مع زميل إيطالي في الفترة التي تلت انطلاق الثورة على توثيق الأحداث اليومية للحراك السوري وتفاصيله وأخباره في موقع الكتروني. حياتي في سوريا، ومن ثم عملي في الشأن السوري، كوّنا لدي قاعدة واسعة ومعرفة كبيرة بالوضع السوري، سياسياً واجتماعياً، وأحسست بضرورة جمع تلك المعلومات، خصوصاً عندما لاحظت التقصير في تغطية الثورة السورية إعلامياً منذ البدايات.

هنا في إيطاليا، كان الناس يسمعون ويشاهدون الأخبار عن ثورةٍ في سوريا دون معرفة الأسباب والدوافع التي دفعت الشعب السوري للتحرك والمتمثلة بالفساد والظلم والاستبداد وقمع الحريات، لهذا اعتمدت الأسلوب الروائي في الكتاب بشكل أشبه بالحديث عن تجربة حياتية أو شخصية في سوريا، إلا أنّ هذه التجربة تشرح بشكل موّسع وتفصيلي المسألة السورية لمن لا يعرف تفاصيلها.

دور المثقف

(2): اخترتَ عنواناُ مثيراً للجدل للكتاب "الله، سوريا، بشار وبس؟". هلا شرحت لنا سبب هذا الاختيار؟

العنوان كان بصيغة التساؤل. وبمعنى آخر: "هل سوريا حقاً كذلك؟". يتم تصوير سوريا حالياً كبلد يحتوي على طرفين رئيسيين فقط. الأول هو الإسلام المتطرف والثاني هو النظام العلماني. وقد اتخذت من هذا العنوان مدخلاً لنقض هذه النظرية والوصول إلى نتيجة مفادها أن سوريا ليست كذلك.

(يقول الكاتب آلبرتو سافيولي لحكاية ما انحكت آن عنوان كتابه "الله سورية بشار وبس؟" "كان بصيغة التساؤل. وبمعنى آخر: "هل سوريا حقاً كذلك؟". يتم تصوير سوريا حالياً كبلد يحتوي على طرفين رئيسيين فقط. الأول هو الإسلام المتطرف والثاني هو النظام العلماني. وقد اتخذت من هذا العنوان مدخلاً لنقض هذه النظرية والوصول إلى نتيجة مفادها أن سوريا ليست كذلك.)

(3): ما هو دور المثقف الغربي في إيصال الواقع العربي إلى مجتمعه الذي ابتعد مؤخراً عن الاهتمام بثورات الربيع العربي؟ وكيف يمكن سد هذه الهوة من الطرفين؟

سأتحدث عن إيطاليا حيث أعيش، وحيث يوجد نقص كبير في المعلومات حول سوريا. أتذكر جيدا في السنوات الأولى من الثورة السورية كمية المقالات المترجمة التي كانت تُنشر في ألمانيا وفرنسا ودول أخرى عن كتاب ومفكرين سوريين. كانت مقالات متعمقة ومهمة في تقديم الواقع السوري بشكل دقيق للقراء. الوضع في إيطاليا مختلف تماماً. ما يُنشر عن سوريا في إيطاليا لا يتعدى أخبار المعارك والقصف اليومي. أستطيع القول أن سبب هذا النقص المعرفي الكبير في المجتمع الإيطالي فيما يتعلق بالوضع في سوريا هو المستوى الثقافي للبلاد، ولا أقصد هنا المستوى التعليمي، بل أقصد سيطرة أقلام معينة على الكتابة عن مواضيع معينة، وخير مثال هو ما ينشر عن الوضع السوري. من يكتب اليوم في الصحف والمدونات الشهيرة عن واقع الحال في سوريا هم كتاب غير معنيين بالشأن السوري، ولا يتابعونه بشكل كاف بل يعتمدون على نقل الأخبار بشكل آلي وليس على التحليل والتعمق. أضف إلى ذلك، أن التلفاز والصحافة ووسائل الإعلام الإيطالية لا تعتبر اليوم أدوات كافية لتقديم المعلومة للقارئ والمتابع الإيطالي. وبذلك، يصبح الأنترنت هو الملاذ الأخير المتبقي لمن يرغب بمعرفة ما يحصل في سوريا، والشبكة العنكبوتية تحتوي على الكثير من المصادر والمراجع التي لا يمكن التوثق منها جميعها، وهذا يعيدنا إلى نفس النقطة، وهي النقص المعرفي الناتج عن المستوى الثقافي غير المتطور نسبياً في البلاد. هناك عدد كبير من الصحفيين المتميزين المتابعين للشأن السوري، لكن هناك عوائق كثيرة تمنعهم من الكتابة بشكل وافٍ ومحيط بالوضع السوري، ولعل أهم تلك العوائق هي المسافة وصعوبة التواصل مع أناس في الداخل السوري لأسباب ترجع إلى اللغة ولصعوبة الحصول على تصريح عمل في الداخل السوري.

(يقول الكاتب خلال حوار حكاية ما انحكت معه في منزله أن "هناك مشكلة أخرى رئيسية تواجهنا كمثقفين وباحثين، وهي تراجع الاهتمام يوماً بعد يوم بالشأن السوري، وقد واجهت شخصياً الكثير من المتاعب بسبب ذلك خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تم شتمي في بعض الأحيان واتهامي بأنني صديق للقاعدة، وهذا يحصل مع آخرين أيضاً")

هناك مشكلة أخرى رئيسية تواجهنا كمثقفين وباحثين، وهي تراجع الاهتمام يوماً بعد يوم بالشأن السوري، وقد واجهت شخصياً الكثير من المتاعب بسبب ذلك خصوصاً على وسائل التواصل الاجتماعي حيث تم شتمي في بعض الأحيان واتهامي بأنني صديق للقاعدة، وهذا يحصل مع آخرين أيضاً، ويجب أن أعترف أنه من الصعب على الجميع مواجهة ذلك أو تحمله بشكل مستمر. ومع ذلك أقول: أنه ينبغي على الملم بالشأن السوري أن يتابع الحديث والكتابة عن هذا الشأن حتى ولو قرأ كتاباته عشرة أشخاص فقط لأن الباحث المطلع بشكل جيد هو أداة رئيسية لنقل الواقع والصورة لمجتمعه. لقد تم توجيه التغطية الإعلامية الغربية للصراع السوري بشكل ممنهج أدى لنشر أفكار عامة وخاطئة يحتاج تغييرها لدى المواطنين في الغرب إلى جهد كبير. وقد لمسنا ذلك في الماضي بعد مجزرة حماه في عام ١٩٨٢. لم يكن أحد ليعرف ما جرى في هذه المدينة لو لم يكتب روبرت فيسك عن الأمر. التعتيم الإعلامي كان موجوداً ولا يزال على كثير من القضايا المتعلقة بالشرق الأوسط.

بحثا عن الأمل

(4): تحدثتَ مطولاً في الكتاب عن معايشتك للأمل الذي وجد لدى الشعب السوري في التغيير عند استلام بشار الأسد سدة الحكم في سوريا عام ٢٠٠٠. برأيك الشخصي، ومما شهدتَهُ في تلك الفترة، هل كان هناك ما يبرّر هذا الأمل؟ هل كانت هناك أية بوادر تدل على أن الرئيس الجديد لديه نية في تغيير الواقع السوري فعلا وتجعل الشارع الغربي يعتقد بذلك؟ كيف كانت نظرة المجتمع الأوروبي والمواطن الغربي للواقع السوري والأسد الابن في تلك المرحلة؟

لقد اعتقل حافظ الأسد خلال فترة حكمه التي دامت لثلاثين عاماً العديد من المثقفين ورجال السياسة الذين انخرطوا في أحزاب أو تجمعات مناهضة له، وتخلص من كافة خصومه، سواء بالنفي أو الاغتيال أو السجن.

وما حدث في بداية حكم بشار الأسد هو أن تلك الطبقة من المثقفين والسياسيين قد وجدت ما يمكن تسميته مساحة ضئيلة للكلام والتعبير، لم تكن موجودة في عهد الأسد الأب، وأتحدث هنا عن الأشهر الأولى القليلة من حكم الأسد الابن. أتذكر جيداً مرحلة ظهور المنتديات السياسية التي كانت أمراً غير مألوف، سواء بالنسبة للسوريين أو حتى بالنسبة لي كمواطن أجنبي يقيم في سوريا، ويعرف جيداً الطبيعة السياسية والأمنية لهذا البلد. كانت الصورة التي يتناقلها الناس هنا في أوروبا حول بشار الأسد هي صورة الرجل العصري الذي أدخل الأنترنت والهواتف المحمولة إلى بلده، وأفسح المجال لمزيد من حرية التعبير بين أوساط شعبه، وهو أمر غير صحيح بالتأكيد، إلا أن السبب الأول والأساسي لانتشار هذه الفكرة في الغرب هي المقارنة المستمرة ما بين الابن والأب، والتي ستجعل الكفة تميل دون شك للابن الذي يتكلم الإنكليزية بطلاقة، والذي درس في لندن ثم عاد حاملاً ثقافة وتطور الغرب إلى بلده. وأتحدث هنا من منظور شخص يتابع الوضع من الخارج، ولم يختبره بنفسه كما حدث معي. في عام ٢٠١١، كانت قناعة كثير من الإيطاليين، أنّ الأسد غير مسؤول عن عمليات القمع والاعتقال والتعذيب التي تلت التظاهرات في أشهرها الأولى، بل إن المسؤول عن كل ذلك هم الأشخاص المقربون من العائلة الحاكمة، والذين يسيطرون على مراكز القوة وأفرع المخابرات، وقد كانت نظرتنا خاطئة كلياً، فقد ثبت أنّ نظاماً من هذا النوع لا يمكن أن يقبل التغيير، وأن يكون منفتحاً بأي شكل من الأشكال. الأنظمة القمعية لا يمكن أن تسمح للناس بالتكلم والنشر والكتابة كما يشاؤون، لأن قوتهم قائمة أساساً على القمع والسيطرة المطلقة. لقد مات حافظ الأسد، ولم يغير ابنه بشار رموز النظام والحكم في سوريا (طلاس، مخلوف، شاليش، مملوك...)، وهو ما كان كافياً لإعطاء صورة واضحة ربما عن طريقة تفكير هذا الرئيس الجديد للبلاد في عام ٢٠٠٠، ربما كان التفسير الوحيد الذي خلق هذا الشعور العام بالأمل، هو أن هناك إحساساً بأن شيئاً ما قد يتغير، وهذا الشعور كان مرده الوحيد هو انعدام البديل على أرض الواقع في تلك المرحلة بفعل السلطة الأمنية المطلقة والنظام القوي الذي ورثه الأب عن ابنه والذي سمح له أن يقدم نفسه كحاكم جديد للبلاد دون أي منافس.

الأسد والغرب

(5): رغم تقرير المنظمة الدولية لحقوق الإنسان حول سوريا عام ٢٠١٠، والذي ذكر استمرار قمع الحريات العامة في سوريا. إلا أنك أكدت في الفصل العاشر من كتابك أن نظام الأسد الابن كان قد تمكن من الخروج من عزلته الدولية والانفتاح على الغرب منذ عام ٢٠٠١، العام الذي شهد زيارة مسؤولين أوروبيين لسوريا. كيف تفسر هذا الانفتاح الغربي رغم استمرار سياسة القمع في الداخل السوري؟

أستطيع أن أرجع أسباب ذلك الانفتاح إلى عاملين، الأول استراتيجي يتعلق بموقع سوريا المهم كواحدة من دول المتوسط، وكدولة مجاورة لعدة دول شرق أوسطية شهدت صراعات كبيرة في التسعينات ولعل أهمها العراق. بعد حرب العراق، عاد الكثيرون ممن شاركوا في حرب العراق إلى سوريا واعتقلوا جميعاً ما بين عامي ٢٠٠٤ و٢٠٠٦ بتهم الانتماء إلى منظمات جهادية. لقد قدمت تلك المرحلة النظام السوري للغرب على أنه محارب ضد التطرف الإسلامي.

(يقول الكاتب آلبرتو سافيولي لحكاية ما انحكت: "لقد تم توجيه التغطية الإعلامية الغربية للصراع السوري بشكل ممنهج أدى لنشر أفكار عامة وخاطئة يحتاج تغييرها لدى المواطنين في الغرب إلى جهد كبير". تصوير غيث الحلاق. خاص حكاية ما انحكت)

العامل الثاني كان سياسياً يتعلق بالخطط التي أعلن عنها النظام السوري في تلك المرحلة بخصوص إتاحة المزيد من الحريات ومحاربة الفساد، وهو أمر لقي صدى إيجابياً على ما يبدو لدى الكثير من الحكومات الغربية على الرغم من تقرير المنظمة الدولية لحقوق الإنسان، حيث كانت تلك الحكومات تبحث عن أية ذريعة لإعادة العلاقات الطبيعية مع سوريا. لقد حاول نظام الأسد الابن تقديم نفسه للغرب كنظام مختلف عن سابقه، ديمقراطي وأكثر انفتاحاً. إلا أن استجابته لاحتجاجات ٢٠١١ بذلك الشكل أكدت أنه ما هو إلا استمرار للنظام الذي حكم البلاد ثلاثين عاماً من قبله.

الثورة وإشكالية "الله أكبر"

(6): تحدثتَ عن استعمال عبارة "الله أكبر" لأول مرة في مظاهرات حمص. ووصفت العبارة بأنها أول عبارة تسمع في المظاهرات وتكون ذات مدلول طائفي ديني. وهنا، خالفك كثيرون الرأي بالقول إن هذه العبارة استعملت في البدايات لتقوية المتظاهرين وبث الإيمان في نفوسهم للصمود في وجه قوات الأمن ولم يكن الغرض طائفياً منها. هل يمكنك إيضاح ما استندت عليه في وصفك لهذه العبارة بالعبارة ذات المدلول الديني؟

لقد حاولت إيضاح فكرة مفادها أن هذه العبارة لا تستخدم دائماً بغرض ديني. على سبيل المثال، كنت أسمع أنصار نادي برشلونة من العلويين والأقليات الأخرى يصيحون "الله أكبر" عندما يحرز فريقهم هدفاً في إحدى المباريات. العبارة اذاً تستخدم في كثير من الأحيان للتعبير عن الفرح أو الحماس. ما كتبتهُ هو أن هذه العبارة اتخذت في مرحلة معينة طابعاً دينياً، ولم أقصد أن كل من يصيح بهذه العبارة لديه دافع ديني.

(7): إذاً، هل أنت من أنصار نظرية أن الثورة في سوريا قامت لغرض ديني؟

بالتأكيد لا، الثورة ضمّت شرائح مختلفة من الناس، طلاب وفلاحين وعمال من مختلف الانتماءات الدينية، وخصوصاً في أشهرها الأولى. أناس كثر في المجتمعات الأوروبية لديهم هذا التصوّر عن حراك ديني في سوريا بسبب ما كان يصلهم عبر وسائل الإعلام، خصوصاً صور التظاهرات التي كانت تنطلق من الجوامع وبالتحديد في أيام الجمعة. لكن كثير من هؤلاء لا يدركون طبيعة الوضع السوري والتركيبة الأمنية السورية، والتي تجعل من الصعب وجود أي تجمع إلا في دور العبادة. الناس الذين كنت أقابلهم في تلك الفترة كانوا ناشطين ومثقفين وشباباً حالمين بالديمقراطية. لم تكن لديهم أية خلفيات دينية. إلا أن هذا المكون لم يكن المكون الوحيد للثورة، لقد كان القسم الأكبر من الناس في الشوارع يطالبون بحياة أفضل ويتظاهرون بسبب انعدام فرص العمل والفقر. لا أستطيع أن أقول أن كل من نزل للشارع كان يتحدث عن الديمقراطية والحرية في بداية الثورة. المزارعون الفقراء على سبيل المثال في حمص والرقة كانوا يطالبون بحقوقهم وينتفضون في وجه الفقر ولم يكن هدفهم الديمقراطية بحد ذاتها. لقد لعب العامل الاقتصادي والظروف المعيشية دوراً جوهرياً في انتفاضة هؤلاء. لقد بدأ الخطاب الديني واضحاً بشكل أكبر عندما تمت عسكرة الحراك الشعبي. وقد كان هذا الخطاب سبب توقف العديد من الدول الغربية عن دعم كثير من الجماعات المسلحة.

ثورة ديمقراطية أم دينية؟

(8): وما الذي ساهم في نشر فكرة الثورة الدينية أو الحراك الديني السوري في أوساط المجتمع الأوروبي؟

عندما أتحدث عن الثورة السورية، فأنا أعني عامي ٢٠١١ و٢٠١٢، أي قبل دخول الثورة إلى مرحلة الحرب الأهلية. لسوء الحظ، وبعد أن بدأت الجماعات المتطرفة بالظهور بعد ذلك، كانت السياسة التي اتبعها النظام مفيدة جداً له في تقديم نفسه كمدافع عن الأقليات السورية بشكل عام وعن المسيحيين بشكل خاص، وهذا الأمر له تأثير كبير إلى حد ما في أوروبا عموماً، وفي إيطاليا على وجه الخصوص.

في بلدة الغسانية مثلا في الشمال السوري، وهي قرية ذات أغلبية مسيحية، دخلت جماعات تابعة للنصرة ودمرت الكثير من المقدسات الدينية الموجودة في البلدة وأجبرت الأهالي على النزوح. المواطن الغربي ينظر إلى واقعة كهذه على أنها تطرف معادٍ للدين المسيحي كون المجموعة المعارضة في تلك الفترة، والتي قامت بتلك الأفعال كانت مجموعة متطرفة هي النصرة. هناك لوم كبير أيضاً على الإعلام الذي يقوم بالتركيز على وقائع معينة دون غيرها، ما يساهم بشكل كبير في تقديم صورة غير دقيقة عن الوضع، وهو ما حصل في تقديم الثورة السورية كحراك ديني متطرف من خلال التركيز على أحداث معينة متعلقة بالممارسات المتطرفة والتغاضي عن الحديث عن الحراك السلمي أو الحراك المسلح المعتدل. الصحافة اليوم لا تنشر آراء مثقفين سوريين عايشوا الحراك السوري بكل مراحله. على سبيل المثال، قلائل في إيطاليا من سمعوا باسم ياسين الحاج صالح على سبيل المثال، بينما شاهدنا في فترة من الفترات عشرات المقالات التي كانت تنشر يومياً نقلاً عن تصاريح قادة أو عناصر في جيش الإسلام.

الإعلام السوري المعارض يتحمل مسؤولية كبيرة أيضاً في عدم قدرته على مواجهة ونفي الكثير من المفاهيم الخاطئة التي تصل إلى المواطن الغربي. عندما ظهرت عبارة "المسيحي عبيروت والعلوي عالتابوب" ونسبت إلى إحدى التظاهرات في منطقة الخالدية في حمص، بحثتُ كثيراً عبر الأنترنت ولم أجد تسجيلاً واحداً يوثق هذه العبارة. كل ما وجدته كان تأكيدا على لسان إعلامية لبنانية ادّعت أنها سمعت العبارة بنفسها. ومع ذلك، بدأ الناس يصدقون الأمر لعدم وجود النفي لها لا أكثر.

ثورة أم حرب أهلية؟

(9): إذن فأنت تقول أن الثورة السورية كانت فقط في عامي ٢٠١١ و٢٠١٢، وبعد ذلك تحولت لحرب أهلية؟

لقد استخدمت في كتابي مصطلح الانتفاضة السورية. الثورة تعني حراك ضد النظام يؤدي إلى سقوط وتغيير النظام الحاكم وهو ما لم يحصل في سوريا، وهذا ما جعلني أستخدم مصطلح الانتفاضة. اليوم يمكن القول أن الوضع أقرب إلى حرب أهلية أو صراع مصالح في سوريا أكثر من كونه ثورة. حسب رأيي، لقد تم القضاء على الثورة منذ أن دخلت مرحلة التسلح. أعلم جيداً أن الأمر كان أقوى من إرادة السوريين، وأن التسلح كان خيارا اضطرارياً لدى كثيرين، لكن استحالة الاستمرار السلمي للحراك الشعبي أوصل الثورة للتسلح، وتلك كانت نقطة التحول. التمويل الخارجي من دول مختلفة لمجموعات مختلفة من المعارضة السورية أوصل الأمر إلى ما يمكننا تسميته صراع مصالح.

البيئة البدوية.. البيت الثاني

(10): وصفت البيئة البدوية في الفصل الثاني من الكتاب ببيتك الثاني. كباحث متخصص في القبائل البدوية العربية ومن خلال معرفتك بالمجتمع البدوي عن كثب ومعيشتك بينهم لفترة ليست بالقصيرة. أين ترى أبناء المجتمع البدوي في البادية السورية مما يحصل اليوم؟ وما هو تقييمك لدورهم في المشهد السوري؟

عرفتُ البدو قبل الثورة السورية أناساً متنقلين باحثين عن رزقهم في المساحات ما بين دير الزور وتدمر. وعندما بدأت المعارك بين النظام السوري وداعش في تدمر وما حولها، اضطرت الكثير من القبائل البدوية إلى ترك المنطقة والرحيل عنها.

عندما بدأت الثورة في عام ٢٠١١ في ساحات المدن الرئيسية في سوريا، كانت مشاركة البدو خجولة وشبه منعدمة، والأمر يرجع حسب رأيي إلى ضعف المعرفة السياسية والمتابعة للأحداث لديهم. لقد كانوا بعيدين جغرافياً وسياسياً إلى حد ما عن الأحداث الرئيسية منشغلين بالسعي وراء رزقهم في الصحراء. البدو الذين شاركوا في المظاهرات، هم أولئك الذين تحضروا وانتقلوا للعيش في المدن أي مَن هم من أصول بدوية. في الرقة وحمص مثلاً، شارك البدو في كثير من المظاهرات، وكان جميعهم من أولئك الذين تركوا حياة الرعي واندمجوا في حياة المدينة. يجب ألا نغفل أيضاً أن العدد الأكبر منهم شاركوا في المظاهرات بسبب الفقر وبدافع اقتصادي وليس سياسي. كانت مشاركة البدو أبطأ في مدن أخرى، وخصوصاً في دير الزور. ومع ذلك، سببت هذه المشاركة قلقاً كبيراً لدى النظام لمعرفته بالعلاقات وصلات القربى التي تربط القبائل البدوية في مختلف أصقاع سوريا، مما قد يؤدي إلى اتساع مشاركتهم وانتشارها بشكل قد لا يمكن السيطرة عليه. في الماضي، وقفت كثير من القبائل البدوية إلى جانب النظام، الحدادون مثلاً دعموا النظام في حلب وحماه في أحداث الإخوان المسلمين عام ١٩٨٢. وعلى العكس تماماً، عندما تحول النزاع إلى نزاع مسلح بعد الثورة السورية، كان البدو ركيزة أساسية من ركائز تكوين الجيش السوري الحر، خصوصاً في الشمال السوري. لدي أصدقاء كثر من قبيلة طي في جرابلس وما حولها انضموا جميعاً إلى الجيش الحر. عند ظهور الدولة الإسلامية، لم يكن خيار الكثيرين من البدو الانضمام إلى صفوفها وهو ما دفع داعش إلى إعدام أكثر من ٦٠٠ شخص على مراحل من عشيرة العقيدات في دير الزور ممن رفضوا الانضمام إلى صفوفها انتقاماً منهم ولإخافة بقية القبائل وإجبارهم على الانضمام إلى صفوفها وهو ما حصل.

في الوقت نفسه، حاربت عدد من القبائل البدوية داعش وحصلت عدة معارك بينهم في ٢٠١٤. على جانب آخر، انضم آخرون إلى جيش النظام وفصائله المسلحة وتم زجهم في المعارك مع قوات سوريا الديمقراطية. أستطيع القول، وتلخيص الأمر بأن القبائل البدوية قد تم استخدامها والاستفادة من انتشارها الجغرافي في مناطق البادية والجزيرة السورية وبأساليب وأجندات مختلفة.

سردية الغرب.. اللاجئون والإرهاب

(11): سردية محاربة الإرهاب وداعش والموقف من اللاجئين باتت تحتل الأولوية في أوروبا والغرب أكثر من الثورات العربية؟ كيف تفسر هذا الأمر؟

بالنظر للوضع السوري، الخوف من الإرهاب كان العامل الأساسي الذي ساهم في تقديم الأسد بشكل إيجابي لدى كثيرين. هناك طبقة سياسية تعمل على خلق وتقوية هذه الأولوية المتمثلة بمحاربة الإرهاب والحد من ظاهرة اللجوء.  لقد سمعنا في السنوات الماضية عن لاجئين تم القبض عليهم في السويد وألمانيا بعدما تم التأكد من أنهم مقاتلين سابق في صفوف داعش. خبر كهذا، هو خبر دسم لكثير من الفئات السياسية التي تعمل على تصوير الوضع بأكمله بهذا الشكل وتحاول خلق ونشر فكرة مفادها أن غالبية اللاجئين هم كهؤلاء. الرأي العام يرتبط برأي الأحزاب السياسية والعكس صحيح. يتحمل اللاجئون جزءاً من هذه المسؤولية أيضاً، فالكثير منهم يعيش في حالة من العزلة وعدم الاختلاط، وهو ما يجعل فهم ظروفهم وخلفياتهم وأسباب قدومهم صعباً على المجتمع المضيف ويخلق المزيد من الحواجز بين الطرفين. هناك لاجئون عانوا وذاقوا الكثير من نظام الأسد لكنهم يرفضون الحديث عن الأمر هنا لأسباب قد تتعلق بالخوف وربما لأسباب أخرى نجهلها. أظن أن اللاجئين أنفسهم يستطيعون تصحيح الموقف السلبي منهم في المجتمعات الغربية، لكننا لا نشاهد ذلك على أرض الواقع.

(يقول آلبرتو سافيولي في حور حكاية ما انحكت معه أن " لعب كثير من المثقفين الغربيين إلى جانب الإعلام الغربي الدور الأسوأ في هذا الاتجاه من خلال نقل المشهد السوري على أنه صراع بين العلمانية والتطرف وليس بين ظالم ومظلوم". تصوير غيث الحلاق. خاص حكاية ما انحكت)

بالنسبة لمسألة محاربة الإرهاب، فقد لعب كثير من المثقفين الغربيين إلى جانب الإعلام الغربي الدور الأسوأ في هذا الاتجاه من خلال نقل المشهد السوري على أنه صراع بين العلمانية والتطرف وليس بين ظالم ومظلوم. لا أحد يتكلم اليوم عن أولئك الناس الذين خرجوا يطالبون بالحرية والديمقراطية والعدالة في سوريا. المتطرفون يتصدرون المشهد دوماً. لا يعرض على الشاشات اليوم سوى أصحاب اللحى والرايات السود، وهذا يجعل معاداة الأنظمة المستبدة صعبة على المواطنين في دول الغرب.

الأسد.. دعم اليسار واليمين

(12): كثير من المثقفين العرب يعتقدون اليوم أن الغرب قدّم مصالحه على حساب قيمه (الديمقراطية، حقوق الإنسان...) فيما يتعلق بالمقاربة تجاه الربيع العربي، هل تتفق مع ذلك؟ خاصة أن السردية الغربية في قسم لا بأس به، منها، اليوم، تذهب نحو القبول بالسيء (الاستبداد) كخيارٍ أفضل من الأسوأ (الإرهاب)؟

عندما نتحدث عن الغرب فإننا نستخدم هذا المصطلح بصورة عامة. لا بد من التوضيح أن مستوى الوعي بالقضية السورية يختلف من بلد أوروبي لآخر. ما يتم نشره عن سوريا في ألمانيا مختلف عما ينشر في فرنسا ويختلف بدوره عما ينشر في إنكلترا، والأمر يرجع إلى تنوع مصادر المعلومات. الرغبة في المعرفة مختلفة أيضاً. هناك مقالات مهمة تنشر في فرنسا وألمانيا عن الوضع السوري. ليس فقط تقارير إخبارية بل أيضاً مقالات رأي وتحليلات مهمة، وهو ما نفتقره في إيطاليا. هناك كثيرون حتى اليوم لا يعرفون أي شيء عما يجري في سوريا رغم مرور تسع سنوات على الصراع هناك. كل ما يتم التركيز عليه في الصحافة الإيطالية هو الوضع العسكري وما يتعلق بالهجمات الكيميائية أو الغارات الجوية الإسرائيلية المتكررة على دمشق أو الحملة التي يشنها النظام السوري على إدلب، فيما لا نجد أية مقالات تحليلية تناقش بشكل علمي أو سياسي فحوى الوضع السوري.

الأنظمة العربية أنظمة ديكتاتورية لكنها ومع ذلك تمثل الاستقرار بالنسبة للغرب ويشمل ذلك نظام الأسد قبل عام ٢٠١١. بالنسبة لسوريا، فقد دعم الغرب الثورة السورية منذ البدايات. إلا أن التراجع بدأ في المرحلة التي تلت تشكيل الجيش السوري الحر، وأقصد هنا تشكل الجماعات ذات التوجه المتطرف. حصل الأمر نفسه في مصر حين توقف الغرب عن دعم الثورة المصرية مباشرةً بعد أن قدم الإخوان المسلمون أنفسهم كرعاة لهذه الثورة. إن فهم جوهر وعمق الصراعات في المنطقة العربية، هو أمر معقد بالنسبة لكثيرين هنا. لقد ظهرت مواقف مختلفة هنا في الدول الأوروبية منذ بدايات الثورات العربية ما بين مؤيد ومتعاطف ومعارض لهذه الثورات، إلا أن التطرف الإسلامي الراديكالي الذي أصبح عنصراً مؤثرا في هذه الثورات قد وحّد الموقف الأوروبي إلى حد كبير على التعامل بحذر وعدم الانخراط بشكل أكبر في تلك الثورات. وللأسف، لم يتم أخذ عنف النظام ضد الشارع السوري بمختلف أطيافه ومكوناته بالاعتبار. الإدراك والوعي بالظواهر الاجتماعية التي رافقت الثورة السورية محدود للغاية في أوساط الرأي العام الأوروبي.

اليسار الإيطالي الذي يفترض أن يقف بجانب ثورات الشعوب قام بدعم الأسد من منطلق أن الأسد يمثل مصالح روسيا في وجه الإمبريالية العالمية والأمريكية وتحت هذه الذريعة تم تجاوز مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان والشعوب. أما اليمين، فلا يزال يرى في الأسد محارباً للإرهاب والتطرف في بلده ويجب دعمه على هذا الأساس

لقد تغير العالم منذ أواخر القرن الماضي. أتذكر جيدا الحرب الأمريكية على العراق ونظام صدام حسين. كان الجميع يتحدث عن ديكتاتورية صدام حسين في ذلك الوقت لكن الشارع الأمريكي كان ضد التدخل رغم ذلك، وعدّ هذا التدخل فيما بعد أحد الأخطاء الاستراتيجية في تاريخ السياسة الأمريكية. في إيطاليا اليوم، نشاهد توحد كل من اليمين واليسار على تأييد الأسد. لقد شاهدنا كثير من الايطاليين الذين يؤيدون الأسد في كثير من التظاهرات في إيطاليا. لا يتعلق الأمر بمسألة الإرهاب فقط بل بفكر سياسي قديم يتم تداوله حتى اليوم، فاليسار الإيطالي الذي يفترض أن يقف بجانب ثورات الشعوب قام بدعم الأسد من منطلق أن الأسد يمثل مصالح روسيا في وجه الإمبريالية العالمية والأمريكية وتحت هذه الذريعة تم تجاوز مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان والشعوب. أما اليمين، فلا يزال يرى في الأسد محارباً للإرهاب والتطرف في بلده ويجب دعمه على هذا الأساس. الأفكار والمذاهب السياسية تحتاج ثورة حقيقة اليوم، ثورة تتناسب مع معطيات الأحداث في العالم بأكمله. الجميع يرون في سوريا اليوم صراعاً عسكرياً، ولا أحد يأبه بالتعمق في هذا الصراع وأسبابه وخلفيات أطرافه.

(12): على الهامش، سمعنا مؤخراً عدة تصريحات لوزير الداخلية الإيطالي السابق، ماتيو سالفيني، يتحدث عن ثورة إسلامية وعن الهجمات الكيميائية في سوريا واصفاً اياها بالمسرحية. كمواطن إيطالي اليوم. ما رأيك في تقارب الحكومة الايطالية اليمينية الصبغة من النظام السوري؟ ما أسباب هذا التقارب وما نتائجه برأيك على المستوى البعيد؟

كثير من مواقف السياسيين نابعة عن شرخ عميق في السياسة الخارجية على المستويين الأوروبي والدولي. هناك علاقة قوية بين الأحزاب الحاكمة الرئيسية في الحكومة وبين نظام بوتين والإدارة الروسية، وقد بدأت إيطاليا بإعادة العلاقات الطبيعية تدريجياً مع روسيا بشكل يخالف ما أقره الاتحاد الأوروبي. لا أجد الأمر غريباً، أن يتم تبني الخطاب الروسي من قبل سياسيين إيطاليين فيما يخص الهجمات الكيميائية على سبيل المثال. سمعنا أيضاً الكثير من الأصوات في الحكومة تطالب بإعادة فتح السفارة الإيطالية في دمشق، وتحاول الترويج لنظام الأسد كمحارب للإرهاب، وقد أرسل حزب الخمس نجوم اليميني وفوداً ديبلوماسية بشكل مستمر إلى دمشق في السنوات الأخيرة في سعي لإبقاء طريق صالح لعودة العلاقات مستقبلاً مع نظام الأسد. ومع ذلك، أظن أن الأمر لا يتعدى كونه خطاباً سياسياً من الصعب تطبيقه على الأرض. ولا أعتقد أن إيطاليا ستقف بمفردها في وجه العقوبات الأوروبية التي اتخذت بحق نظام الأسد بالرغم من إصرار الأحزاب اليمينة المتطرفة على الأمر.

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد