المدارس الرسمية في سورية..

بين تردي الواقع التعليمي وظروف الحرب


ليست الحرب وأثارها المباشرة هي التي تحاصر العملية التعليمية في سورية وتدفع ملاييين الأطفال السوريين نحو الجهل والأمية، بل هناك الواقع الأمني وطلب المدرسين للخدمة العسكرية والضعط الاقتصادي الذي يدفع المدرسين لترك التعليم بحثا عن مهن أخرى تعيلهم وعوائلهم، دون أن ننسى الواقع العمراني للمدرارس والذي زادته الحرب سوءا على سوء. هنا تحقيق من داخل مدينة دمشق، يسلط الضوء على واقع العملية التعليمية اليوم.

05 كانون الأول 2019

(ثلث أطفال سوريا باتوا من غير المتعلمين أو مهددين بالأمية/ خاص حكاية ما انحكت)
عامر محمود

(اسم مستعار لكاتب وصحفي سوري مقيم في دمشق)

(دمشق)،"طوال الوقت بين بداية عام 2012 ومنتصف عام 2013 كنت أخاف من الاعتقال، نتيجة مواقفي السياسية، وأخشى من قدوم دورية الأمن إلى المدرسة لاعتقالي. وبعد ذلك بدأ مسلسل الخوف من الموت يداهمني كل يوم، فأتوقع أن أخرج من البيت ولا أعود وأنا أرى الناس تموت حولي نتيجة التفجيرات والقذائف وغيرها، ثم بدأ معظم أصدقائي يسافرون واحداً تلو آخر، فبدأت أشعر بأنني سأبقى وحيداً في دمشق، وأنه لم يعد فيها أي أفق للعيش والأحلام. وفي ظل كل هذا أُبلغت حينها بطلب الالتحاق بالخدمة الاحتياطية، فشعرت أن حياتي في سوريا باتت مستحيلة، فحزمت حقائبي وخرجت إلى لبنان ومن ثم إلى تركيا لأعبر البحر نحو أوروبا".

هذا ما يقوله المدرس المقيم اليوم في ألمانيا، مهند (34 عام)، والذي تحدثت إليه حكاية ما انحكت عبر الهاتف، ليسلط الضوء على جزء من واقع التعليم السوري الذي يعاني من مشاكل كثيرة اليوم، منها استنزاف الكوادر الذي يلقي بظله على الطلاب، إذ يقول طالب الصف الحادي عشر  مؤيد (16 عام) عن المرحلة التي كان فيها طالبا في الصف التاسع "أضرّ فصل مدرس الرياضيات بمعظم طلاب صفنا، فقد كان مدرساً له خبرة جيدة ومعرفة واسعة، وكنا معتادين على طريقته في الشرح ونقل المعلومة طيلة الفصل الدراسي الأول، وبعد فصله من التدريس لم تتمكن المُدرسة البديلة أن تعوّضنا عن غيابه حيث كانت تعجز في كثير من الأحيان عن الإجابة عن أسئلتنا وعن شرح بعض المسائل والبراهين، كما كانت تفتقر إلى الأساليب المناسبة في إيصال المعلومات وتحليلها".

أصبحت سورية، التي كانت تتغنى بتدني نسبة الأمية فيها، تحتل مرتبة متقدمة في نسبة المتسربين من التعليم، حيث تقدر اليونيسف أن 3 ملايين طفل أصبحوا خارج مقاعد الدراسة خلال سنوات الحرب

ورغم أن واقع التعليم في سورية قبل الحرب لم يكن في أفضل مستوىً مطلوب، إلا أن نسبة الأطفال الملتحقين في المدارس الابتدائية آنذاك، كانت نحو 97 %، فيما كانت نسبة الأمية بين الأطفال شبه معدومة. أما اليوم فقد أصبحت سورية، التي كانت تتغنى بتدني نسبة الأمية فيها، تحتل مرتبة متقدمة في نسبة المتسربين من التعليم، حيث تقدر اليونيسف أن 3 ملايين طفل أصبحوا خارج مقاعد الدراسة خلال سنوات الحرب، ما يعني أن ثلث أطفال سوريا باتوا من غير المتعلمين أو مهددين بالأمية. علماَ أن الأطفال الذين بقوا داخل المدرسة نجوا من الأمية بمعناها التقليدي (تعلّم القراءة والكتابة) إلا أنهم لم ينجوا من الواقع المتردي (الذي فاقمته الحرب) للعملية التعليمية، بمضمونها ونوعها وجودتها، والتي ستترك آثارها السلبية على المستقبل الفكري والثقافي والاجتماعي للطلاب الذين يتلقون اليوم تعليماً بات خارج التصنيف العالمي لجودة التعليم.

القطاع التعليمي... خسائر مادية

"كنت في صف التاسع، وكنّا حينها (2014) قد توقفنا عن الدوام بضعة أيام خوفاً من الموت، ثم أفقنا ذات صباح بعد اختبائنا في المنزل لعدة أيام لنجد الدمار قد طال مدرستي التي أحببتها كثيراً، حيث أمضيت فيها ثلاث سنوات كانت مليئة بالذكريات والمرح وصحبة الأصدقاء الذين فرقهم الموت والنزوح والهجرة وخسر معظمهم تعليمه".

هذا ما يقوله لحكاية ما انحكت مصطفى (19 عام، نازح من بلدة كفر بطنا في دمشق)، والذي يعمل اليوم كعامل بناء، متابعا بحزن: "بعد تدميرها توقفت عن الدراسة لمدة عام، وبعد نزوحنا إلى دمشق باتت عودتي إلى التعليم شبه مستحيلة، فلم يعد لدي أي رغبة بذلك، حيث بقيت مدرستي المدمرة عالقة في ذاكرتي، ولم أستطع تقبل فكرة الدراسة في مدرسة جديدة غريبة عني ولا تجمعني بأصدقائي".

مدرسة مصطفى هي واحدة من بين آلاف المدارس التي دمرتها الحرب وأخرجتها عن الخدمة، وتتباين أغلب التقارير والأبحاث في تقدير نسبة المدارس المتضررة، لكن معظمها يُجمع على خروج نحو ثلث مدارس البلاد (المقدر عددها بـ 24000 مدرسة) عن الخدمة خلال سنوات الحرب، فبحسب تقرير اليونسف نيسان 2018، فإن مدرسة من كل ثلاث مدارس لا يمكن استخدامها. وتشير المنظمة، في تقرير آذار العام الحالي، إلى تعرض نسبة 40 %من البنى التحتية للمدارس للضرر والدمار خلال سنوات الحرب، فيما تشير بعض التقديرات إلى أنّ نحو أربعة آلاف مدرسة بحاجة إلى إعادة إعمار. وقد أدت ظروف النزوح إلى استخدام مئات المدارس كمراكز للإيواء على مدى السنوات الماضية فيما تحولت مدارس أخرى إلى ثكنات عسكرية ومقرات لإدارة العمليات الحربية.

تحدثنا أم سامر (50 عام، نازحة من الغوطة الشرقية) عن ذكرى إقامتها في بعض مدارس الزاهرة التي تحولت إلى مراكز إيواء خلال السنوات الماضية: "مكثنا بين عام 2012 وعام 2015 في ثلاث مدارس، تنقلنا فيما بينها، وكنا حينها ننام في القاعات الدراسية، التي أفرغت من المقاعد ووضعت الستائر على نوافذها، حيث خُصّص لكل عائلة قاعة، وأحيانا كان يقطن في القاعة الواحدة نحو 7 أفراد وأكثر، وقد وزعت منظمة الهلال الأحمر علينا الفرش الإسفنجية والبطانيات، وكانت تمدنا بالسلل الغذائية والمعونات الطبية".

تتذكر بحزن وتضيف: "كنا نطهو طعامنا في الممرات والردهات، ونجلي الأطباق ونغسل الثياب في دورات المياه وباحة المدرسة". وتستذكر بعضاً من المدارس التي تحولت لمراكز إيواء في منطقة الزاهرة حينها: "مدرسة طلحة بن عبدالله، الإعداد الحزبي، أم عطية الأنصارية، 16 تشرين، ومدرسة المناضل".

من جهته، قدّر وزير التربية السوري السابق، هزوان الوز، الأضرار التي لحقت بالقطاع التربوي خلال سنوات الحرب بنحو 250 مليار ليرة سورية. كما أشار إلى تضرر 8 آلاف مدرسة، من بينها 1000 مدرسة تحتاج إلى هدم وإعادة بناء، إلى جانب تدمير العديد من الآليات والوسائل والتجهيزات التعليمية. أما وزير التربية الحالي عماد العزب، فيقدر عدد المدارس المتضررة بنحو 10 آلاف مدرسة، منها 5 آلاف مدرسة مدمرة بشكل كامل.

استنزاف الكوادر التعليمية

"على الرغم من أن موقفي السياسي كان محايداً، تعرضت في مدرستي للمضايقات من قبل زملائي المدرسين الذين كانوا يرفضونني ويمارسون التشبيح بحقي، والتهمة هي أن أخوتي معارضين يسعون إلى تخريب البلاد، ونتيجة ذلك كنت أشعر طوال الوقت بأنني غريبة ومنبوذة، وفوق ذلك وصل الحال بأحد المدرسين، بعد نقاش معه، إلى حد الصراخ في وجهي وشتمي ومعاملتي بقسوة وتهديدي بالاعتقال على يد أخيه الضابط. كل ذلك دفعني إلى تقديم استقالتي والتخلي عن وظيفة لا أحظى بها بأي احترام ولا تعود علي سوى بمرتب شحيح يذهب نصفه أجوراً للمواصلات".

هذا ما تقوله لحكاية ما انحكت، المدرسة نوال (35 عام) لتؤكد أن مأساة التعليم في سورية اليوم لا تقتصر على الخسائر والأضرار المادية، بل هناك أيضا الخسائر البشرية التي لا تقدر بثمن، والتي تفاقم مأساة الواقع التعليمي، حيث خسر قطاع التعليم آلاف الخبرات والكوادر العلمية خلال السنوات الماضية، وتعدّدت أسباب ذلك بين تهجيرهم ونزوحهم من مناطقهم أو سفرهم وهجرتهم خارج البلاد هرباً من ظروف الحرب المختلفة أو طلباً لحياة أفضل في بلدان اللجوء، فيما استقال بعضهم نتيجة الوضع الاقتصادي المتردي للمعلم أو لأسباب سياسية أو لشعورهم بتراجع قيمة وأهمية مكانتهم ودورهم الاجتماعي نتيجة ما أفرزته الحرب.

ويقدر اليوم عدد المعلمين الذين خسرهم قطاع التعليم بنحو 100 ألف معلم، منهم المدرس خالد (42 عام) الذي قال لحكاية ما انحكت "جاءت ظروف الحرب لتبعدني عن مهنة التدريس التي زاولتها ثلاثة عشر عاماً. في العام 2013 نزحت من دير الزور (بعد خروج مدرستي عن الخدمة) إلى دمشق حيث تنقلت بين عدة أماكن حتى استقر بي المطاف في مدينة جرمانا، وقد أجبرتني الظروف الاقتصادية على مزاولة أعمال عديدة أنستني أنني مدرس، واليوم بات من الصعب عليّ أن أعود إلى التدريس بعد انقطاعي عنه لست سنوات، كما أنّ الأمر لم يعد مغرياً بالنسبة لي، لا اجتماعياً ولا اقتصادياً، فمردود تلك المهنة قد أصبح معدماً يثير الشفقة والسخرية في آن معاً".

 فُصل آلاف المعلمين، الذين تابعوا عملهم في ظل الحرب من وظائفهم خلال السنوات الماضية لأسباب سياسية أو لعدم التحاقهم في الخدمة العسكرية الإلزامية والإحتياطية.

من جهة أخرى، فُصل آلاف المعلمين، الذين تابعوا عملهم في ظل الحرب من وظائفهم خلال السنوات الماضية لأسباب سياسية أو لعدم التحاقهم في الخدمة العسكرية الإلزامية والإحتياطية. وقد توالت قرارات الفصل بدءاً من منتصف عام 2011 وحتى نهاية العام الماضي.

وبموجب تلك القرارات يحرم أولئك المعلمين من حقهم في الحصول على الراتب التقاعدي والتأمينات الصحية والإجتماعية، ومن التقدم إلى أي وظيفة حكومية أخرى.

يروي لنا المدرس هيثم (49 عام) قصة فصله: "في العام 2012 فوجئت بقرار الفصل التعسفي الذي طالني مع معلمين آخرين من محافظة السويداء، ولم تقدم لنا مديرية التربية عند مراجعتنا لها أي أسباب منطقية تستوجب الفصل، إنما اكتفت بأن الأمر صادر من الجهات العليا ولا علم لها بحيثياته، وقد تبين فيما بعد أن أسباب الفصل جاءت نتيجة توجهنا السياسي المعارض وخروج بعضنا في المظاهرات ومناصرتنا للحراك الشعبي في سوريا، بل أن أحدنا فُصل لمجرد خروجه في اعتصام صامت أقيم على أرواح شهداء سوريا".

ويضيف بأسفٍ "بعد خدمة 20 عام في التدريس، خسرت عملي الذي اعتدت عليه وكان مصدر رزقي الوحيد وحرمت من راتبي التقاعدي، ولا يوجد أي جهة قانونية يمكن اللجوء إليها للطعن في القرار وتعويضي عن أتعابي التي لا تقدر بثمن".

من جهته، يتحدث المدرس وليد (38 عام) عن أسباب فصله "بعد أشهر من طلبي للخدمة الاحتياطية ورفضي للإلتحاق، وصلني إنذار بالفصل فتوقفت عن الذهاب إلى المدرسة خوفاً من سوقي منها بالإكراه إلى جبهات القتال، ليجيء قرار الفصل (الذي طال عدّة زملاء) بعد شهر من ذلك". ويضيف "كنت أفضّل أن أخسر عملي على أن أكون عسكرياً، فأنا لا أتقن لغة الحرب، وقد لجأت بعد ذلك للعمل في معهد خاص بالإضافة لإعطاء الدروس الخصوصية في منزلي حيث يزورني طلابي الذين اعتادوا على طريقتي في التدريس، وأنا اليوم أشعر بالندم لأنني بقيت في سوريا حيث خسرت أي أمل في الحصول على وظيفة تضمن لي عيشاً كريماً".

قرارات الفصل هذه أضرت بالطلاب الذين خسروا بعض المعلمين المشهود لهم بالخبرات العلمية المميزة والمؤهلات والكفاءات المهنية العالية، خاصة أصحاب الاختصاصات العلمية منهم، ما خلق حالة من الإستياء عند الكثير من الطلاب الذين أصبحوا مهددين بتراجع مستواهم العلمي أو معرضين للرسوب، الأمر الذي دفع الطلاب والأهالي نحو خيارات بديلة.

ولملء الفراغ التدريسي الذي خلّفته قرارات الفصل تم الاستعانة بمدرسين يفتقر معظمهم إلى الخبرة والكفاءة والممارسة المطلوبة، فبعضهم لم ينه تحصيله الجامعي أو جاء من خارج الملاك بصفة مدرسٍ مكلّفٍ، لذا كان يجد صعوبة في فهم المناهج وإيصال المعلومة.

ونتيجة هذا الواقع، أجبر الكثير من الطلاب على اللحاق بمدرسيهم المفصولين، لتلقي دروساً خصوصية في المعاهد الخاصة والبيوت، وبالأخص طلاب المرحلة الثانوية، إذ يقول لحكاية ما انحكت الطالب مؤيد: "لو لم نتلقَ أنا وزملائي بعض الدروس الخصوصية المكثفة في منزل مدرسنا السابق لتراجع مستوانا في مادة الرياضيات ما كان سيؤثر على معدلاتنا في شهادة الدراسة الإعدادية".

واقع المدارس العمراني وأثره على الطلاب

يتشابه التصميم العمراني للمدارس السورية الرسمية، التي تتشابه بدورها من حيث شكل سورها وهندسة بنائها من تصميم المباني العسكرية  والأفرع الأمنية والسجون. فالعبور بجانب مدرسة يذكرنا برهبة العبور بجانب ثكنة عسكرية أو سجن كبير، جدران خشنة كالحة بألوانٍ باهتةٍ وداكنة، باحات اسمنتية وترابية تفتقر لأبسط مقومات الجمال أو الرفاهية.

ويرى المهندس المعماري إياد (48 عام)، أن المدارس "كانت مهيئة لإعداد الطلاب عسكرياً" إذ حتى وقت قريب "كانوا يرتدون الصدرية الخاكية ومن ثم اللباس العسكري ويدرسون التربية العسكرية ويتعلمون فك وتركيب السلاح والرمي به، كما كانوا يخضعون لنظام صارم يشبه النظام العسكري، يفرض عليهم شكل قصات وتسريحات الشعر ويمنع عليهم مظاهر الزينة والأناقة المبالغ بها وغير ذلك".

يتشابه التصميم العمراني للمدارس السورية الرسمية، التي تتشابه بدورها من حيث شكل سورها وهندسة بنائها من تصميم المباني العسكرية والأفرع الأمنية والسجون

ورغم تبدل طبيعة اللباس وإلغاء التربية العسكرية مع بدايات القرن الحالي إلا أن الواقع العمراني للمدارس "بقي على شكله التقليدي الذي يُشعر الطالب بأنه سجين، لا يجد حوله أي شيء يمنحه الفرح والتوازن أو يجذبه إلى هذا المكان، فأينما نظر أو تحرّك سيرى ما يخدش بصره ويؤذي خياله، وهو ما سينعكس سلبياً على صحته النفسية وسيفقده الحب والانتماء تجاه مدرسته وسيؤثر على سلوكه وبناء شخصيته وذائقته الجمالية وطاقاته الإبداعية" وفق ما يقول المهندس إياد لحكاية ما انحكت.

معظم المدارس السورية ينقصها بنى تحتية جيدة وتعاني من واقعٍ خدميٍ سيء، بدءاً من نقص مياه الشرب وسوء خدمات الصرف الصحي وغياب النظافة والبيئة الصحية (خاصة في دورات المياه والمراحيض) وليس انتهاءً بالقاعات الدراسية التي تفتقر بمعظمها للإنارة الجيدة والشروط الصحية المناسبة للطلاب كالتهوية والتدفئة وشروط الراحة النفسية خلال تلقي الدروس، فجدرانها، التي تفتقر للألوان المريحة والمناسبة للصحة النفسية والذهنية، تبث شعور الاختناق والكآبة في نفوس من يجلس داخلها. ولنوافذ تلك القاعات قضبان وشباك حديدية سوداء تجعلها تتشابه مع غرف السجون. أما المقاعد فمعظمها خشبية وغير مريحة ترهق جسد من يجلس عليها لوقت طويل، وقد تسبّب له آلاماً في الظهر والعظام، ولشكلها مظهر يخدش البصر حيث ألوانها الداكنة والباهتة والمليئة بخربشات الطلاب المتراكمة على مدار سنوات طويلة.

(مدرسة في دمشق حيث يظهر الواقع العمراني السيء للمدارس والصفوف الدراسية. الصور مأخوذة بتاريخ تموز 2019/ خاص حكاية ما انحكت)

لقضاء حاجتها تضطر طالبة الحادي عشر حنان للخروج من المدرسة، خلال الفرص، والذهاب إلى بيت صديقتها القريب لتدخل مرحاضه. وعن سبب ذلك تقول "المراحيض في المدرسة غير نظيفة وتفوح منها الروائح الكريهة والنتنة ويخرج منها الذباب والحشرات كما أن عددها لا يكفي جميع الطلاب لذا تراهم ينتظرون دورهم في الدخول إليها". وتتحدث عن مياه الشرب في مدرستها: "المياه فيها طعم غريب وواخز، وغالباً ما تكون ساخنة، فهي تأتي من خزانات معرضة طوال الوقت لأشعة الشمس، لذا أضطر يومياً لاصطحاب زجاجتي ماء من البيت رغم معاناتي في حملهما".

من جهتها، تتحدث المدرسة خلود (34 عام) عن معاناتها خلال تقديم الدروس: "تفتقر القاعات الدراسية إلى شروط الراحة المناسبة. حيث نعاني في الصيف من الحر الشديد إذ لا يوجد أي مكيفات في القاعات، إنما يقتصر الأمر على مروحة سقفية تصدر عند تشغيلها صريراً مزعجاً يؤثر على انتباه الطلاب، وفوق ذلك كثيراً ما تنقطع الكهرباء لتتوقف المروحة فنضطر إلى فتح الباب كي لا نختنق حيث تفوح روائح تعرّق الطلاب المكدسين في غرف مخنوقة. وفي الشتاء، نعاني من البرد حيث لا يتوفر مازوت التدفئة في كل الأوقات فيما يدخل الهواء البارد من بعض الثقوب الموجودة في زجاج النوافذ ومن بين شقوق أبوابها غير محكمة الإغلاق". وتضيف المدرِّسة "كل ذلك يؤثر على أدائي وعلى تركيز الطلاب، إذ أشعر طوال الوقت بالاختناق والتعب الجسدي، لذا أضطر في الصيف لإحضار مروحة صغيرة تعمل بواسطة الشحن، أضعها أمامي على الطاولة لتمدني ببعض الهواء وفي الشتاء أرتدي ثياباً سميكة لأتجنب البرد".

ومع ارتفاع وتيرة الحرب، تفاقم واقع المدارس (التي تابعت عملها) سوءاً، إذ باتت تعجز عن تأمين الشروط والمستلزمات الضرورية للعملية التعليمية كوسائل الإيضاح والقرطاسية والتجهيزات العلمية والعملية، بالإضافة للمستلزمات اللوجستية، حيث تراجع الإنفاق الحكومي على التعليم، بحسب بعض التقارير من 800 مليون دولار في العام 2010 إلى 80 مليون دولار في عام 2016. ونتيجة التدفق الهائل للنازحين إلى بعض المحافظات الآمنة والذين تقدر أعدادهم بأكثرمن 7 ملايين نازح اضطرت معظم مدارس تلك المحافظات لاستقبال أعداد كبيرة من الطلاب النازحين تفوق قدرتها الإستيعابية ما جعل بعض القاعات الدراسية المهيئة لاستقبال ثلاثين أو أربعين طالب تستقبل في بعض الأحيان نحو أكثر من ستين، وهو ما فاقم العملية التعليمة سوءاً، وأثَّر على مستويات الفهم والإدراك عند الطلاب، نتيجة صعوبة إيصال واستقبال المعلومات، وأوجد عدم مساواة في التعليم بين طلاب الصف الواحد.

(نتيجة التدفق الهائل للنازحين إلى بعض المحافظات الآمنة والذين تقدر أعدادهم بأكثرمن 7 ملايين نازح اضطرت معظم مدارس تلك المحافظات لاستقبال أعداد كبيرة من الطلاب النازحين تفوق قدرتها الإستيعابية ما جعل بعض القاعات الدراسية المهيئة لاستقبال ثلاثين أو أربعين طالب تستقبل في بعض الأحيان نحو أكثر من ستين)

المُدرسة رجاء (43 عام، تعمل  في احدى مدارس دمشق الابتدائية) تتحدث لحكاية ما انحكت عن جانب من الواقع التعليمي الذي عايشته في مدرستها خلال سنوات الحرب: "في السنوات الماضية بات من المألوف رؤية ستين  طالب أو أكثر يتكدسون في صفوف كانت فيما سبق تحتوي أربعين طالبا على الأكثر، فخلال الدرس قد نجد أربع أو خمس طلاب يُحشرون في مقعد خشبي يستوعب طالبان، وأحيانا نجد آخرين جالسين على كراسٍ بلاستيكية، وزِّعت بين صفوف المقاعد، أو واقفين على أقدامهم مستندين إلى الحائط. وقد أسهم هذا الواقع في تشتت أذهانهم، حيث يشردون طوال الوقت ويشعرون بالضيق والاختناق".

وتضيف المُدرسة "في ظل هذا الازدحام أصبح المدرس يشعر طوال الدرس بالضغط والتوتر والعصبية، فصوته بالكاد يُسمع ويعجز عن ضبط الأعداد الكبيرة، لذا تراه يستهلك معظم وقت الدرس بالتذمر والصراخ في محاولته لجذب انتباه الطلاب وضبط شغبهم. ونتيجة لذلك لم يعد بوسعه منح طلابه الاهتمام المطلوب، إذ لا يتمكن من مشاهدة جميع الوظائف والواجبات التي كلفهم بها، ولا يستطيع إجراء الاختبارات الشفهية للجميع".

من جهة أخرى، لجأت بعض المدارس، بعد عجزها عن استيعاب الكثافة الطلابية الكبيرة، إلى حلول أثرت سلباً على جودة وسوية التعليم المقدّم للطلاب، كتقليص عدد الحصص الدراسية للدوام المدرسي وافتتاح دوام ثان يستوعب التدفق الهائل للطلاب النازحين، وعن أثر ذلك تتحدث المدرسة رجاء "كان لذلك تأثير كبير على كثير من الطلاب الذين تدنّى مستواهم العلمي، فنتيجة ضيق الوقت، كان المدرسون يضطرون لاختصار بعض دروس المنهاج وتجاوز العديد من التمارين والمسائل العملية التي تساعد في استيعاب المعلومة، بالإضافة للاستغناء عن تقديم الشروحات التفصيلية أو استخدام وسائل الإيضاح ومناقشة الطلاب في بعض الدروس التي تحتاج للمناقشة والتفاعل".

واقع المناهج التعليمية

في عصر ثورة الاتصالات والتكنولوجيا، التي ساهمت في انتشار المعرفة  وسهولة الحصول على المعلومة من مصادر مختلفة، بقيت منظومة التعليم في سورية، بشكلها التقليدي والتلقيني، خارج ركب التطور ولغة العصر الحديث، ونتيجة لذلك دفعت أجيال عديدة من الطلاب ثمن تردّي مستوى العملية التعليمية وطرق التدريس.

وبالرغم من تحديث معظم المناهج الدراسية في السنوات الأخيرة وإدخال بعض الطرق التفاعلية عليها، لم يشكل ذلك التحديث أي فارق نوعي في منظومة التعليم، بل لاقت معظم تلك المناهج الكثير من الجدل والانتقاد من حيث شكلها الخارجي وطبيعة مضامينها.

ويرى المدرس حسّان (43 عام، يعمل في مدرسة ثانوية في ريف دمشق) أن عملية وضع المناهج التعليمية "تحتاج إلى خطة مدروسة ودراسات استراتيجية مكثفة ومعمقة تأخذ بالحسبان معايير التطور وواقع العصر، ويتم من خلالها تحديد الأهداف المرجوة من التعليم، مع أخذ القيم الانسانية والاجتماعية والأخلاقية بعين الاعتبار". لكن القائمين على عملية التحديث "لم يتعاملوا مع الأمر بشكل جدي ومدروس لتلافي المشاكل والمعوقات العديدة، الموجودة في المناهج السابقة من النظام التعليمي، بغية تغيير السياسات التعليمية الخاطئة التي أضرت بأجيال كثيرة من الطلاب".

وبرأي المدرس حسان "لم تراع المناهج المعدلة معايير التعليم الحديث بل أن معظمها يعتمد (كحال المناهج السابقة) على طريقة الحفظ والتلقين، إذ لم يتغير سوى شكلها الخارجي فقط وطريقة إخراجها، وقد تم إنجازها في زمن سريع، وفي وقت صعب ومعقد فرضته حالة الحرب".

وقد أدخلت المناهج الجديدة إلى المدارس دون تطوير مهارات الكوادر التدريسية أو إقامة دورات تدريبية لهم تمكنهم من فهم طبيعة تلك المناهج وأساليب تدريسها، "مما جعلهم يفتقدون لآلية التعامل معها ويعجزون عن فهم بعض جوانبها، وهو ما وضع بعضهم في مواقف حرجة أمام بعض الطلاب، الذين يطرحون الكثير من الأسئلة والاستفسارات حول بعض المواد العلمية. فطالب اليوم بات منفتحاً على التطور التكنولوجي الذي فتح أمامه الكثير من أبواب المعرفة وسبل الحصول على المعلومة فبات يحتاج إلى مناهج تغني تفكيره وسعة اطلاعه" بحسب المدرس حسان، الذي يشير إلى أن واضعي تلك المناهج "لم يأخذوا بعين الاعتبار قدرة وإمكانية المدارس السورية، (ضمن معطياتها الحالية وواقع بناها التحتية وظروفها اللوجستية)، على تطبيق المناهج الجديدة، حيث تفتقر إلى التجهيزات والشروط التقنية اللازمة لتطبيق الجانب العملي، نتيجة غياب وسائل الإيضاح ومختبرات العلوم والكوادر التدريسية المختصة". مضيفاً "حتى اليوم تدرس أغلب المواد العلمية بشكل نظري دون الاستعانة بالوسائل العملية والتوضيحية، ناهيك عن ضيق الوقت المخصص للحصة الدرسية والازدحام الشديد داخل القاعات الدراسية الذي لا يتيح المجال للمدرس ليستخدم بعض الطرق العملية والتفاعلية، كما أنّ المدرسين القائمين على عملهم لم توفر لهم الحوافز والشروط المادية والمعنوية التي تجعلهم يتفرغون لعملهم على أكمل وجه أو يبرزون كامل طاقاتهم وقدراتهم الابداعية في التعامل مع المناهج".

ونتيجة هذا التردي أصبحت ظاهرة اعتماد الطلاب على الدروس الخصوصية ثقافة عامة قضت على المفهوم السائد عن مجانية التعليم. وجعلت الطلاب الأثرياء وميسوري الحال يستأثرون بالنجاح والتفوق دون غيرهم.

(الشخصيات الواردة في التحقيق اكتفت بذكر اسمها الأول لأسباب شخصية وأمنية)

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد