التلاميذ السوريون في تركيا

تعلم اللغة التركية وفرص التكيف الاجتماعي


يبذل الطلاب السوريون في تركيا جهوداً مضاعفة على عدة مستويات، فعليهم أولاً إتقان اللغة التركية من أجل المضي قدماً بالعملية التعليمية، وعليهم الاجتهاد في الدراسة وتعلم منهاج جديد يعرض ثقافة وتاريخ وحتى جغرافية غريبة عنهم كل الغرابة، وفوق هذا يتوجب عليهم بذل الجهد الكبير من أجل التكيف الاجتماعي والتحول تدريجياً إلى مواطنين أتراك، بينما القوانين الموجودة اليوم غير واضحة في أنها ستكفل لهذه الأجيال فرصة التكيف والحصول على الحقوق المتساوية والعادلة مع باقي أقرانهم من الأتراك.

01 شباط 2020

صبر درويش

كاتب وصحفي سوري. يكتب في عدد من الصحف العربية. من آخر أعماله تحرير كتاب "سوريا: تجربة المدن المحررة".

وصل عدد اللاجئين السوريين بعد عام 2011[1] إلى نحو 5.625 مليون لاجئ، نحو 64 بالمائة منهم متواجدين في تركيا أي نحو 3.614 مليون لاجئ، بحسب آخر تحديث لإحصاءات الأمم المتحدة بتاريخ حزيران 2019. وهو ما شكل زيادة بنحو 4.2 بالمائة في عدد سكان تركيا لعام 2018 البالغ حوالي 82 مليون نسمة.[2]

في شهر تشرين من عام 2016 أصدرت وزارة التربية والتعليم التركية قراراً نصّ على دمج الأطفال السوريين الخاضعين لقانون الحماية المؤقتة في المدارس التركية؛ وهو ما دفع بالحكومة التركية إلى وضع خطة من أجل تنفيذ ذلك عبر إدخال اللغة التركية بشكل تدريجي في مراكز التعليم المؤقت، حتى وصلت عدد ساعات اللغة التركية إلى حوالي 15 ساعة من عدد ساعات التعليم الإجمالي أسبوعياً، في الوقت الذي لم تكن تتعدى السبع ساعات في وقت سابق[3].

خطوة إيجابية أم؟

وبقدر ما يبدو فيه مشروع الدمج كخطوة إيجابية إلى الأمام إذا ما أخذنا مستقبل الطلاب السوريين في تركيا بعين الاعتبار، إلا أنه يثير في الوقت ذاته العديد من التخوفات المتعلقة بوضع اللاجئين السوريين عموماً في تركيا ومدى استقرار وجودهم هناك، هذا أنّ الآلاف من اللاجئين السوريين اليوم في تركيا مهددين بالعودة القسرية إلى بلدهم حتى قبل انتهاء الحرب فيها، وهو أمر يطرح تساؤلات حول مستقبل الأولاد السوريين الذين وضعهم مشروع الدمج على طريق التكيف والاندماج الاجتماعي في تركيا، بينما القرارات السياسية تضعهم على طريق آخر، هو طريق العودة إلى المجهول.

التحول إلى اللغة التركية

ولد في تركيا نحو نصف مليون طفل بعد عام 2011[4]، ووصل عدد الأولاد في سنّ الدراسة إلى نحو مليون في عام 2018 بحسب "التقرير العالمي لرصد التعليم "الهجرة والنزوح والتعليم بناء الجسور لا الجدران" الصادر عام 2019 عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة[5]، توزع قسماً منهم في بداية الأمر على المدارس السورية التي انتشرت في المدن التركية الحدودية، والتي أدارتها منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى المدارس التي أشرف عليها الائتلاف السوري المعارض، وفيما بعد تدخلت منظمة اليونسيف الأممية لتوفير جزءاً من الدعم المخصص لهذه المدارس، وبطبيعة الحال لم تستطع كل هذه المدارس استيعاب الأعداد المتزايدة من التلاميذ السوريين فبقيت أعداد كبيرة منهم خارج العملية التعليمية.

في شهر تشرين سنة 2016 أصدرت الحكومة التركية قراراً ينص على دمج الأولاد السوريين في المدارس الرسمية التركية، فقامت دائرة "تعليم مدى الحياة" التابعة لوزارة التربية والتعليم التركية بالبدء في تنفيذ المشروع عبر نقل جميع التلاميذ السوريين والمعلمين من مباني المدارس الخاصة إلى المدارس التركية الرسمية، والدوام فيها بعد انتهاء دوام الأولاد الأتراك الصباحي.

في العام الدراسي 2016 \2017 تم دمج تلاميذ الصفين الأول والخامس مع التعليم التركي الرسمي، وفي العام الدراسي 2017 \2018 تم دمج الصفوف الثلاثة: الثاني والسادس والتاسع، وفي العام الدراسي 2018\ 2019 تم دمج الصفوف: الرابع والسابع والعاشر، بينما سيتم دمج الصفين الثامن والحادي عشر في العام الدراسي 2019 \2020، ليبقى فقط صف الشهادة الثانوية (الثاني عشر) خارج الدمج[6]. وبذلك يكون قد أغلق ملف التعليم المؤقت تقريباً في تركيا، على أمل أنّ يندفع الأهالي السوريين من أجل تسجيل أولادهم في المدارس الرسمية التركية كبقية الأولاد الأتراك. وبحسب تقرير الأمم المتحدة سابق الذكر، فإنه في حلول عام 2020 لن يبقى أي طفل سوري لاجئ في مراكز التعليم المؤقت.

نقاشات وتخوفات

وكانت خطة الدمج هذه قد أثارت موجة واسعة من النقاشات في الأوساط السورية، فهي خطوة إيجابية إذا ما اخذنا مصالح التلاميذ السوريين ومستقبلهم بعين الاعتبار، فهم اليوم شبه متساوون مع أقرانهم الأتراك في الحصول على تعليم جيد واعتراف رسمي بشهاداتهم، وهي خطوة ستدفع بهم إلى مزيد من الاندماج في المجتمع التركي من موقع الفاعل لا اللاجئ المؤقت.

(دمج التعليم من جهة، وطول الفترة التي بقي فيها اللاجئون السوريون في تركيا جعل من اللغة الأم لهؤلاء الملايين تتحول تدريجياً إلى لغة ثانية)

إلا أن التخوفات التي تتسرب إلى أوساط السوريين اللاجئين في تركيا، تكمن في أنّ هذه الخطوة ورغم أهميتها الحاسمة بالنسبة للطلاب السوريين، إلا أنها تشير إلى أن هؤلاء الملايين من اللاجئين سيبقون في تركيا، وأن العودة إلى سوريا بعد انتهاء الحرب تبدو اليوم كمشروع يتلاشى رويداً رويدا. فإمكانية العودة إلى سوريا، وهو حقّ مشروع، تبدو اليوم أكثر بعداً وأقل إمكانيةً، خصوصاً عندما نعلم أن نحو مليون تلميذ سوري في تركيا يتعلمون ويتم تنشئتهم ليكونوا جزءاً من سوق العمل التركي من جهة اقتصادية، وجزءاً من المجتمع التركي ذاته على صعيد اجتماعي، من جهة أخرى، وهي خطوة بالرغم من أنها تفتح أفقاً بل آفاقاً أمام الأجيال الشابة من السوريين في تركيا، إلا أنها تجعل من فكرة العودة أمراً أشبه بالمستحيل.

لا يتوقف الأمر عند هذا، فدمج التعليم من جهة، وطول الفترة التي بقي فيها اللاجئون السوريون في تركيا جعل من اللغة الأم لهؤلاء الملايين تتحول تدريجياً إلى لغة ثانية، صحيح أن الراشدين من الأهالي السوريين لن ينسوا لغتهم العربية بصفتها اللغة الأم لهم، إلا أن أجيال الأطفال السوريين الّذين ولدوا وترعرعوا في تركيا بدأوا تدريجياً بامتلاك اللغة التركيا وتحول هذه الأخيرة إلى لغة أمّ بالنسبة لهم.

مصاعب تعلم اللغة

إذا كان العديد من السوريين الراشدين قد تكاسلوا أو أهملوا تعلم اللغة التركية لأسباب كثيرة، منها شعورهم بأن وجودهم في تركيا لا يعدو كونه وجود مؤقت، وأنهم سيعودون في أية لحظة إلى بلادهم ومنازلهم، فإن الأمر بالنسبة للأولاد السوريين في سن التعلم يأخذ منحىً مختلف، فهؤلاء الأخيرين مجبرين على تعلم اللغة التركية حيث لا سبيل للمضي قدماً من دون ذلك، بينما أتى قرار دمج التعليم ليجعل من تعلم اللغة التركية ممراً لا بدّ منه.

تتشابه تجربة تعلم الأولاد السوريين اللاجئين للغة التركية وتتقاطع في العديد من النقاط مع مثيلاتها في بلدان اللجوء الأخرى، حيث يبدي الأولاد دون سن الثامنة عشر عاماً ديناميكية عالية على صعيد تعلم اللغة الأجنبية. وبحسب الشهادات، لوحظ أن الأولاد السوريين الذين انخرطوا في العملية التعليمية في المدارس التركية، كانوا أكثر ديناميكية في تعلم اللغة التركية من نظرائهم من الذين بقوا خارج العملية التعليمية[7].

أصبحت اللغة التركية بالنسبة للأولاد السوريين أكثر قرباً منهم على صعيد التواصل ليس فقط مع زملائهم الأتراك، بل حتى فيما بينهم. تقول السيدة نعمت إبراهيم، وهي أم سورية لطفلين، لجأت إلى تركيا عام 2013: "أسمع الأولاد كيف يتكلمون فيما بينهم، وهم يتواصلون باللغة التركية كل الوقت، ولا يتعلق الأمر بالتواصل مع الأولاد الأتراك، وإنما حتى فيما بينهم فهم يتكلمون باللغة التركية".

سارا العيسى، طفلة سورية في الصف الثامن، عندما لجأت إلى تركيا مع عائلتها نهاية عام 2015 كان عمرها حوالي العشر سنوات، تقول: "أقامت عائلتي في استنبول، وقرر أبوي وضعي في مدرسة تركية، وباشرت الدراسة باللغة التركية؛ العام الأول كان في غاية الصعوبة، ولكن فيما بعد أصبحت اللغة التركية جزءاً أساسياً في حياتي، فأنا أستخدمها في المدرسة وفي تواصلي مع أصدقائي حتى السوريين منهم.. ولكنني أتكلم اللغة العربية في المنزل، فأبي حريص أن لا أنسى لغتي الأم".

تشير تجربة سارا إلى أن الأطفال الذين باشروا تعلم اللغة التركية فور وصولهم إلى تركيا كانوا أكثر ديناميكية في تعلم اللغة من أولئك الأولاد الذين درسوا في المدارس السورية باللغة العربية، وكان انتقال هؤلاء الأخيرين إلى نظام الدمج أكثر صعوبة في تعلم اللغة.

نحو مليون تلميذ سوري في تركيا يتعلمون ويتم تنشئتهم ليكونوا جزءاً من سوق العمل التركي من جهة اقتصادية، وجزءاً من المجتمع التركي ذاته على صعيد اجتماعي، من جهة أخرى، وهي خطوة بالرغم من أنها تفتح أفقاً بل آفاقاً أمام الأجيال الشابة من السوريين في تركيا، إلا أنها تجعل من فكرة العودة أمراً أشبه بالمستحيل. 

السيد الياس عطا كان لجأ إلى مدينة عينتاب مع عائلته عام 2014، وهو أب لثلاثة أطفال، اثنان منهم كانا في سن الدراسة يقول: "حال وصولنا إلى تركيا وضعنا الأولاد في مدرسة تابعة للحكومة السورية المؤقتة، وكانت تدرّس المنهاج السوري المعدل، بينما كان يوجد حصص لتعليم اللغة التركية.. وعندما أقرّ قانون دمج التعليم كانت ابنتي مريم بالصف التاسع وابني فادي في الصف السادس.. كان الأمر بالنسبة لهما أشبه بالصدمة، وكأنهما عادا للدراسة من البداية.. وأجبرنا على وضعهم في دروس خصوصية لتعليم اللغة التركية حتى يتمكنوا من اللحاق بباقي أولاد جيلهم".

مشكلات مختلفة

واجه الطلاب السوريين مشكلات مختلفة تتعلق بالتكيّف المرن داخل المدرسة التركية، وتبدأ المشكلات مع ضعف اللغة لديهم وهو ما ينعكس على مجمل سلوكياتهم.

سامر البالغ من العمر اثني عشر عاماً، طالب في الصف الثامن، لجأ إلى تركيا مع أمه وأخويه سنة 2014، يقول: "عندما التحقت في المدارس التركية وكنت لم أتقن اللغة التركية بعد، كان الغضب هو الشعور المرافق لي في كل الأوقات، فلم أكن أستطيع التواصل بشكل جيد مع باقي الأولاد، وكنت أشعر أني وحيد طوال الوقت". بسبب ضعف اللغة يصبح التواصل مع باقي التلاميذ وبناء صداقات أمراً أكثر صعوبة، ويتولد عن ذلك بعض العدوانية المتبادلة بين التلاميذ.

وأثناء الانتهاء من هذه الورقة هزّ خبر انتحار الطفل السوري وائل السعود الذي وجد مشنوقاً على باب إحدى المقابر في ولاية كوغالي التركية الأوساط السورية في تركيا، حيث أشارت التحقيقات إلى أن الولد كان تعرض إلى ممارسات عنصرية وإقصاء من قبل زملائه في المدرسة. ويقول والد وائل أن آخر حديث كان بينه وبين ابنه أن وائل قال له "إن لديه إحساس بالظلم وبأن المدرّس لم ينصفه. وأخبر والدته بأنه سيقصد المسجد لصلاة العصر ولم يعد بعدها".[8]

تقول السيدة حسيبة أمّ سورية لجأت إلى تركيا مع طفلها الذي كان بعمر العشر سنوات عندما وصلوا تركيا  سنة 2015: "في السنة الأولى وحتى في السنة الثانية في المدرسة التركية وكان ابني في الصف الخامس ابتدائي، كان ابني يكره الذهاب إلى المدرسة وكان ذا مزاج سيء، يشكو أغلب الوقت من أنه وحيد وليس لديه أصدقاء، وراجعت المدرسة عدة مرات من أجل الاطلاع على وضع ابني هناك، ودائماً كانت ملاحظات المدرسين الأتراك تشير إلى أن ابني عنيف مع باقي أقرانه؛ ولكن في هذا العام (العام الثالث له في المدرسة التركية) وبعد أن أتقن اللغة أصبح أكثر استقراراً وبات لديه العديد من الصداقات مع أولاد أتراك".

(الأولاد السوريين الذين انخرطوا في العملية التعليمية في المدارس التركية، كانوا أكثر ديناميكية في تعلم اللغة التركية من نظرائهم من الذين بقوا خارج العملية التعليمية)

تشير الملاحظة السابقة إلى أن المسألة بالنسبة للأولاد السوريين تتعلق بالوقت، فمع مضي الزمن، ينخرط مجمل الأولاد في علاقات مع أقرانهم الأتراك ويصبحون تدريجياً جزءاً من المجتمع التركي، وشيئاً فشيئاً يتقن الأولاد اللغة التركية، وتصبح هي اللغة الأولى في مجمل مجالات حياتهم، ومع الوقت، يبدأ الأولاد بنسيان مفردات لغتهم الأمّ بالنسبة للأولاد الأكبر سناً، بينما الأولاد الذين باشروا بتعلم اللغة التركية بعمر السنوات فإن اللغة العربية تصبح بالنسبة لهم لغة أجنبية[9].

بالنسبة للسيد عزام سيجري، وهو أب سوري لثلاثة أطفال لجأ إلى تركيا سنة 2013، يقول: "أثناء تكلمي مع الأولاد ألاحظ ركاكة اللغة العربية التي يستخدمونها، وغالباً ما يستخدمون كلمات تركية للتعبير عن أفكارهم، وفي كثير من الأحيان ولدي الكبير (14 عام) يسألني عن مفردات تنقصه باللغة العربية ولا يتمكن من تذكرها". إن المشكلة التي تثار هنا لا تتعلق بتعلم اللغة التركية وإنما بنسيان اللغة العربية وتحولها إلى لغة أجنبية بالنسبة لهم.

مخاوف الترحيل القسري 

إنّ الإشكالية التي تطرحها عملية دمج التعليم بالنسبة للطلاب السوريين في تركيا لا تتعلق بتعلم اللغة التركية وقدرة هؤلاء الأولاد على التكيف في المجتمع الحديث وحسب، بل تطال مشكلات تتعلق بالهوية والانتماء من جهة، وآفاق المستقبل المتعلق بهذه الأجيال من جهة أخرى.

فمن بين نحو أربعة ملايين لاجئ سوري في تركيا، لا يعدو عدد السوريين الذين حصلوا على الجنسية التركية وباتوا يتمتعون بحق المواطنة التركي الــــــ 80 ألف سوري، بحسب آخر إحصائية عام 2019.[10] ومع تشديد الإجراءات الأمنية والقانونية التركية المتعلقة بضرورة أن يكون لدى اللاجئ السوري في تركيا الأوراق الرسمية التي تثبت حصوله على حقّ الإقامة والعمل في تركيا، ومع إغلاق منافذ خروج السوريين نحو بلدان الاتحاد الأوربي، فإن مسألة عودة آلاف السوريين القسرية إلى سوريا، وتحديداً إلى ما يدعى بالمنطقة الآمنة، يطرح إشكالية من النوع الثقيل. فماذا سيكون مصير آلاف الطلاب السوريين الذين باتوا جزءاً من المجتمع التركي إن فرض عليهم وعلى ذويهم العودة إلى سوريا؟ ماهي آفاقهم التعليمية والمهنية في حال عادوا إلى سوريا وهم يتكلمون التركية لا لغتهم الأم العربية؟

ثمة اليوم العشرات من الأسئلة التي تطال مستقبل الطلاب السوريين وذويهم في تركيا، فالصراع السوري ما يزال دائراً بضراوة على الأراضي السورية، بينما الاتفاقات السياسية بين الأطراف المتصارعة، فآخر همّها أوضاع الملايين من السوريين العالقين في البرزخ، بين العودة إلى المجهول السوري، وبين البقاء في تركيا في ظل ظروف محاطة بالغموض والقلق؛ وهي جميعها عوامل تتمفصل مع بعضها لتشكل المناخ الذي يترعرع فيه أجيال السوريين من الطلاب، وهو مناخ أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه مناخ غير صحي لنمو الأولاد وتقدمهم في الحياة.

(يبدو مستقبل السوريون اليوم في تركيا شديد الغموض، خصوصاً عندما نعلم أن السلطات التركية باشرت فعلاً بترحيل الآلاف من السوريين الذين يفتقدون إلى أوراق الإقامة إلى المنطقة المدعوة بالآمنة)

سهى سليمان طالبة سورية في المرحلة الثانوية قدمت إلى تركيا مع عائلتها سنة 2012، وتقيم في استنبول منذ ذلك الوقت، تقول: "اندفعت كغيري من السوريين من أجل تعلم اللغة التركية والاندماج بأسرع وقت في المجتمع التركي، وفعلاً بتّ أشعر أنني واحدة من هذا المجتمع، ولكن عندما أنظر اليوم كيف تقوم الحكومة التركية بترحيل الآلاف من السوريين إلى المناطق "الآمنة" في سوريا، أشعر بالقلق وعدم الاستقرار وأحياناً أشعر بعدم الجدوى من كل شيء لا فقط من تعلم اللغة التركية".

خاتمـــــــــــــــــــــــــــة

يبذل الطلاب السوريون في تركيا جهوداً مضاعفة على عدة مستويات، فعليهم أولاً إتقان اللغة التركية من أجل المضي قدماً بالعملية التعليمية، وعليهم الاجتهاد في الدراسة وتعلم منهاج جديد يعرض ثقافة وتاريخ وحتى جغرافية غريبة عنهم كل الغرابة، وفوق هذا يتوجب عليهم بذل الجهد الكبير من أجل التكيف الاجتماعي والتحول تدريجياً إلى مواطنين أتراك، بينما القوانين الموجودة اليوم غير واضحة في أنها ستكفل لهذه الأجيال فرصة التكيف والحصول على الحقوق المتساوية والعادلة مع باقي أقرانهم من الأتراك أم لا، وذلك بخلاف أوضاع اللاجئين السوريين في بلدان الاتحاد الأوربي على سبيل المثال، حيث تبدو أوضاعهم هناك، وتحديداً بالنسبة للأولاد في سنّ التعلم، أكثر استقراراً وأكثر أماناً، فلا يسود في أوساطهم هذا الشعور بالخوف والقلق من الترحيل القسري إلى أي بقعة في العالم لا يرغبون الذهاب إليها.

يبدو مستقبل السوريون اليوم في تركيا شديد الغموض، خصوصاً عندما نعلم أن السلطات التركية باشرت فعلاً بترحيل الآلاف من السوريين الذين يفتقدون إلى أوراق الإقامة إلى المنطقة المدعوة بالآمنة داخل الحدود السورية، بالتزامن مع تسريبات صحفية تشير إلى اتفاقات تركية روسية حول الملف السوري، ونحن نعلم، كما يعلم كل العالم، أنه لا يوجد ثمة منطقة آمنة اليوم في سوريا، فمستقبل سوريا ذاته يبدو شديد القتامة وشديد الغموض أكثر من أي وقت مضى، فأي مستقبل ينتظر الضحايا السوريين في ظل موازين القوى الراهنة؟

المراجع:

[1] - حول مزيد من التفاصيل المتعلقة بأعداد اللاجئين السوريين وتوزعهم حول العالم، راجع موقع الأمم المتحدة على الرابط التالي: https://data2.unhcr.org/ar/situations/syria

[2]- راجع حول ذلك: اللاجئون السوريون في تركيا، معهد واشنطن ، تاريخ: آب 2018، على الرابط: https://cutt.us/4wWed

[3]- "تعليم اللاجئين السوريين في تركيا"، كنانة قدور، معهد كارنيغي، تاريخ: نوفمبر 2017.

[4]- "ولد ما بين عامي ٢٠١١ و٢٠١٩ ما يقارب ٤١٠ ألف طفل سوري في تركيا"، راجع: تركيا بالعربي، الطلاب السوريين في تركيا واللغة العربية، تاريخ: آذار 2019.

[5]- لمزيد من التفاصيل، راجع التقرير الغني الصادر عن الأمم المتحدة للترية والعلم والثقافة عام 2019، على الرابط التالي: https://ar.unesco.org/gem-report/node/1878

[6]- لمزيد من التفاصيل، راجع تحقيق بعنوان: من الفوضى إلى الدمج: دراسة تحولات التعليم السوري في تركيا، تأليف: أحمد طلب الناصر، تاريخ: حزيران 2019، على موقع جريدة ليفانت، على الرابط التالي: https://cutt.us/kdush

[7] - المعلومات في هذه الفقرة والفقرات التي تليها مأخوذة من مجموعة مقابلات تم إجراؤها من خلال وسائل الاتصال الإلكترونية، مع طلاب سوريين وذويهم في تركيا، صيف 2019.

[8]- لمزيد من التفاصيل حول مأساة انتحار وائل السعود، راجع التقرير الذي نشرته البي بي سي عربي على موقعها على الانترنت بتاريخ: 7 تشرين أول 2019، https://www.bbc.com/arabic/trending-49964896

[9]- ثمة شهادة هنا ذات دلالة من بين مجموعة من الشهادات نجدها في تحقيق أجرته الصحفية التركية Gizem Coşkunarda المنشور في جريدة حرييت التركية بتاريخ 2019، تقول: "الطفل محمد. س ١١ عاماً قال أنه جاء مع عائلته عندما كان في الثالثة ولا يتذكر اي شيء حول بلده ويقول أن أمه دائماً ما تقول أنهم لن يعودوا مرة ثانية إلى هناك ولكن ماذا تعني بـ هناك.. لا أعرف أنا فقط أعرف حارتي هنا"، نجد التحقيق على الرابط التالي باللغة التركية: https://cutt.us/x6hHK

[10]- المصدر: جريدة عنب بلدي، مقال بعنوان: " تركيا تعلن عدد السوريين المسموح لهم المشاركة بالانتخابات المقبلة"، تاريخ: 19-01-2019.

مقالات متعلقة

هذا المصنف مرخص بموجب رخصة المشاع الإبداعي. نسب المصنف : غير تجاري - الترخيص بالمثل 4.0 دولي

تصميم اللوغو : ديما نشاوي
التصميم الرقمي للوغو: هشام أسعد